مخيّمات صيفيّة لطرد الخوف من نفوس أطفال غزة

مخيّمات صيفيّة لطرد الخوف من نفوس أطفال غزة

مشاهدة

03/08/2021

خلّفت الحرب الأخيرة على قطاع غزّة، والتي استمرت أحد عشر يوماً، آثاراً نفسية أثرت بشكل كبير في حياة سكان القطاع اليومية، خاصّة الأطفال، الذين تعرضوا لصدمات نفسية نتيجة القصف الإسرائيلي العنيف الذي استهدف كافة مناطق القطاع؛ فالمشاهد الفاجعة التي شاهدها الأطفال عكّرت صفوهم، وليس من السهل أن تفارق مخيلتهم، فهم في حاجة إلى دعم نفسي ومعنوي، للتخفيف من حدّة الصدمات التي تعرضوا لها.

المخيمات الصيفية تعمل على زيادة الوعي لدى الأطفال، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم داخل المجتمع، وتمنحهم القدرة على إثبات أنفسهم، والتغيير من سلوكهم، خاصة بعد الظروف الصعبة 

وبعد انتهاء الحرب على غزة، سارعت عدة مؤسسات مجتمعية ودولية في قطاع غزة، إلى العمل على تخفيف حدّة الصدمات التي تعرض لها أطفال القطاع، وإلى علاجهم من الآثار النفسية، ونظّمت عدداً من المخيمات الصيفية الترفيهية على مستوى قطاع غزّة.

وأطلقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" مخيمات صيفية، تحت اسم "نصنع البهجة لأطفالنا"، وأقامتها داخل المدارس التابعة لها، بعد توقّفها منذ عام 2015، والتحق بتلك المخيمات ما يزيد عن 150 ألف طالب، تمّ توزيعهم على 67 مدرسة، يتوجهون بشكل يومي من مختلف مناطق القطاع ليمارسوا أنشطة مختلفة.

وتتيح وكالة الغوث الدولية مساحة آمنة للأطفال، وقد تعاقدت مع مرشدين نفسيين وأخصائيين اجتماعيين لمتابعة سلوك الأطفال داخل زوايا المخيمات، والتعرّف إلى المشكلات التي تواجههم ومعالجتها بسرعة، وتنقسم تلك المخيمات إلى مجموعات، كلّ مجموعة تقضي أسبوعاً واحداً.

أطلقت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" مخيمات صيفية، تحت اسم "نصنع البهجة لأطفالنا"

ووفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية؛ استشهد نحو 66 طفلاً خلال 11 يوماً، وأصيب جراء الغارات التي شنتها طائرات الاحتلال الإسرائيلي على غزة أكثر من 470 طفلاً، منهم مَن ستترك إصاباتهم إعاقات دائمة أو طويلة الأمد، ونحو  241 طفلاً فقدوا أحد الوالدين أو كليهما.

وتشير معلومات المرصد الأورومتوسطي إلى أنّ نحو 72 ألف طفل نزحوا إلى مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أو إلى منازل أقاربهم خلال الحرب على غزة.

والتقى الأطفال، من خلال تلك المخيمات الصيفية، بزملاء الدراسة بعد غياب دام لأشهر طويلة، إثر الانقطاع عن الدراسة نتيجة جائحة كورونا، فهم يتجمعون هذه المرة داخل المدارس التي يدرسون بها للترفيه عن أنفسهم، وقضاء أوقات جميلة.

تفريغ الطاقة السلبية

عبد الرحمن شاهين (13 عاماً) وشقيقته ملاك (9 أعوام)، من سكان شمال قطاع غزة، سارعا للتسجيل بمخيمات "نصنع البهجة لأطفالنا"، والتي تعدّ فرصة لإزالة مشاهد القتل والدمار التي كانت عالقة بمخيلتهما، فتلك المخيمات تعدّ ملاذهما الوحيد لتفريغ الطاقة السلبية التي تسبّبت بها الحرب على غزة، وأثرت على نفسيتهما بشكل كبير.

ويقول الطفل عبد الرحمن، لـ "حفريات": "خلال الحرب على غزة شاهدنا الموت بأعيننا وفقدنا منازلنا، واستشهد زملاؤنا بالدراسة، تلك الأيام كانت صعبة للغاية، فكافة أطفال العالم كانوا يحتفلون بالعيد ويرتدون الملابس الجديدة، وأطفال غزة يستشهدون ويُجرحون نتيجة القصف الإسرائيلي".

يضيف، وهو يضع لمساته الأخيرة على صناعة طائرة ورقية: "المخيمات الصيفية كانت فرصة جيدة للتخلص من الآثار التي رافقتنا بعد الحرب، وساعدتنا على محو المشاهد الأليمة من الذاكرة، والتي أثرت فينا من كافة النواحي، خاصة التحصيل العلمي، الذي تدنى كثيراً، فنحن نلعب ونمرح ونمارس أنشطة كثيرة حُرمنا من ممارستها خلال السنوات الماضية".

المخيمات الصيفية كانت فرصة جيدة للتخلص من الآثار التي رافقتنا بعد الحرب

علاج آثار الحرب

أما هدى الطناني (12 عاماً)؛ فقد حزنت حزناً كبيراً على استشهاد عدد من زميلاتها بالدارسة، وأقاربها خلال الحرب على غزة، وتأثرت بشكل كبير بعد فقدانهم، وكان الحزن لا يفارقها أبداً، وبعد مشاركتها بالمخيمات التي نظمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، استطاعت الخروج من الحالة النفسية التي تعرضت لها بسبب الحرب.

وتقول لـ "حفريات" إنها تعرضت خلال الحرب لظروف قاسية؛ "إذ فقدتُ أشخاصاً أحبهم كثيراً، وفقدهم أثر على نفسيتي، فخلال الأحد عشر يوماً لم أرّ النوم نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له نتيجة المشاهد القاسية التي شاهدتها، والتي لم تفارق مخيلتي أبداً".

تضيف: "المخيمات التي أقامتها وكالة الأونروا ساعدتني كثيراً في الخروج من حالة اليأس التي كنت أعيشها، بسبب ما حدث خلال الحرب، وكانت فرصة لنسيان تلك الأيام الصعبة التي أتمنى ألا تتكرر على الإطلاق".

الناشط في المخيمات التي نظمتها وكالة الغوث، أحمد شويخ، لـ "حفريات": نعمل للترفيه عن الأطفال، وإخراجهم من حالة الخوف التي تعرضوا لها جراء العدوان الإسرائيلي الأخير

ويقول أحد الناشطين في المخيمات التي نظمتها وكالة الغوث الدولية، أحمد شويخ، لـ "حفريات": "نحن نعمل للترفيه عن الأطفال، وإخراجهم من حالة الخوف التي تعرضوا لها جراء القصف العنيف خلال الحرب الأخيرة على غزة، إذ نقدم لهم أنشطة مختلفة ومتنوعة، مثل: "الألعاب الترفيهية، والمسرح، والرسم، وصناعة الطائرات الورقية، والدبكة الشعبية، والفلكلور الشعبي، والعديد من الأنشطة المتنوعة لرسم البسمة على وجوههم.

أنشطة ترفيهية

يضيف: "على الرغم من تعرض أطفال غزة لآثار نفسية سلبية، إلا أنّه كان لديهم تجاوب إيجابي مع الأنشطة التي نقدمها، وتفاعلوا معنا بشكل كبير؛ فقد تمكّنا من تغيير الأجواء العامة لديهم، وإخراجهم من الحالة التي كانوا يعيشونها خلال فترة الحرب، وهذا أقل ما نقدمه لرسم البسمة على شفاه الأطفال الذين ذاقوا الأمرّين، وحُرموا من أبسط حقوقهم.

وخلال متابعتنا لسلوك الأطفال المشاركين بالمخيمات لاحظ شويخ أنّ عدداً منهم يعبّرون عما يدور في مخيلتهم من خلال الرسومات التي يرسمونها داخل الزاوية الفنية، وتبيّن لنا أنّهم يعانون من اضطرابات نفسية نتيجة ما شاهدوه خلال أيام الحرب، وساعدناهم في الخروج من تلك الحالات، وسنتابعهم بشكل مستمر، ونتواصل مع عائلاتهم إلى حين عودتهم إلى طبيعتهم.

على الرغم من تعرض أطفال غزة لآثار نفسية سلبية، إلا أنّه كان لديهم تجاوب إيجابي مع الأنشطة التي تقدمها الأونروا

ومن جهته، يرى أستاذ علم النفس في جامعة الأقصى، د. درداح الشاعر؛ أنّ الأنشطة الصيفية التي نظمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، وغيرها من المؤسسات المجتمعية في قطاع غزة، كان لها دور كبير في إعادة دمج الأطفال وإخراجهم من العزلة نتيجة الظروف القاسية التي تعرضوا خلال فترة الحرب.

تغيير الأجواء

ويشير، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ المخيمات التي أقيمت بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي على غزة، وفي فترة الإجازة الصيفية ساهمت في تغيير الأجواء لدى الأطفال، وأتاحت لهم الفرصة للتعبير عن ذواتهم، والمشاركة في الأنشطة، واللعب وتعزيز المسؤولية لديهم.

اقرأ أيضاً: دمرت إسرائيل منزله 4 مرات: فلسطيني تحوّل لضيف دائم على مدارس الأونروا

ويبيّن أنّ المخيمات الصيفية تعمل على زيادة الوعي لدى الأطفال، وتعريفهم بحقوقهم وواجباتهم داخل المجتمع، وتمنحهم القدرة على إثبات أنفسهم، والتغيير من سلوكهم، خاصة بعد الظروف الصعبة التي مرّوا بها.

الصفحة الرئيسية