مراجعة لكتاب حازم قنديل "الإخوان المسلمون من الداخل"

12330
عدد القراءات

2019-02-19

ترجمة: كريم محمد


مثّل الإخوان المسلمون حركة سياسية ذات تأثير واسع في الشرق الأوسط، سواء من خلال المؤسسات التابعة لها عن قرب، أو عن طريق تمثيلها لنموذج تنظيمي وأيديولوجي للإسلامويين.

اقرأ أيضاً: كيف استغل الإخوان المسلمون سلاح الإعلام لتمرير أفكارهم؟

رغم الأدبيات الجمة المكتوبة عن شتى نواحي جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنّ كتاب حازم قنديل "الإخوان المسلمون من الداخل" يساهم بصورة ملحوظة، كما يوحي عنوانه، في طريقة أفهامنا لنمط الالتزامات الأيديولوجية والديناميكيات التنظيمية للإخوان، من خلال فحص الكتاب لإرشادات الجماعة وعشرات السير الذاتية التي كتبها أعضاء الجماعة، وسنوات من الملاحظة والمشاركة في نشاطات الجماعة وشبكاتها الاجتماعية، إضافة إلى ذلك؛ فإنّ مؤلف الكتاب، خلافاً لباحثين آخرين، قد اكتسب نفاذاً استثنائياً إلى "الموطن الطبيعي" لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين خارج نطاق أنشطتهم السياسية (ص  ٢-٣).

غلاف الكتاب

سعى حازم قنديل، من هذا الموقع الامتيازي، إلى تقديم إجابات عن الأسئلة الآتية: "من هم الإخوان المسلمون؟ وأي ضرب من العلاقة التي يؤمنون بأنّها لديهم في علاقتهم مع الإلهي؟" (ص ٢)، وكي يقدم قنديل أجوبة على هذه الأسئلة، فإنّه ركز على ثلاثة جوانب مترابطة لسياسة جماعة الإخوان المسلمين، إنّ بحثه بمثابة دراسة معمقة لتربية الإخوان، ولتفاعلهم ولـ "ما يجري داخل رؤوسهم" (ص ٤).

في الفصل الأول يشرح قنديل سيرورات التجنيد الخاصة لدى الجماعة وفترة التأديب الطويلة التي تسبق الانتساب الرسمي للتنظيم

في الفصل الأول من الكتاب، الذي يحمل عنوان "تربية الأخ"، يشرح قنديل سيرورات التجنيد الخاصة لدى الجماعة وفترة التأديب الطويلة التي تسبق الانتساب الرسمي إلى التنظيم، وكما يؤكد قنديل في بداية الفصل؛ فـإنه "ليس بوسع المرء أن يختار الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين؛ فالمرء يجب أن يُختار" (ص ٥)، بالنسبة إلى قنديل، فإنّ عملية الامتحان الطويلة وسيرورة الغربلة، التي تلخص على أنّها "تربية"، ليست مجرد مسألة مذهبة وتشريب للعقيدة، بل تهدف إلى "إنتاج نوع جديد من الفرد؛ أي الأخ المسلم" (ص ٦)، ويشدّد قنديل على أنّ سيرورة التربية هذه كانت مركزية في تماسك وتعاضد جماعة الإخوان المسلمين؛ فقد ضمنت أنّ الإخوان في كلّ أعوامهم، لم يختبروا أيّة تجربة معارضة، ويصرّ قنديل على أنّ العنصر الأساسي في إنتاج مرونة الجماعة الاستثنائية يتمثل في "معاداتها للثقافة والفكر".

 

 

بادئ ذي بدء، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين قد أعطت الأولوية للوجدان والممارسة على البحث والفكر، فكما نصح حسن البنا إخوانه، فإنهم يجب عليهم "أن يكونوا عمليين لا جداليين" (ص ١٩)، بوجه آخر؛ آمنت القيادة الإخوانية بأنّ الحجج من شأنها أن تسمم الوفاق والسلام بين الإخوان (ص ١٩)، أما العنصر الثاني من ممارسة التربية عند الإخوان؛ فيتمثل في منع الخلاف الداخلي من خلال تقانيات "حقّ الشفعة" و"التضليل" و"الضغط التنظيمي" و"التهميش" (ص ٢٢-٢٨)؛ مما كبح أيّ نقاش فكري أو أيديولوجي حيوي، وحرم الإخوان من أيّ مثقفين عموميين (ص ٢٦)، لقد تم تعزيز هذه النزعة منذ بداية القرن الواحد والعشرين على يد الأعضاء الريفيين في كوادر الإخوان (ص ٣١- ٣٢)، ومشاركة التيارات الأصولية (السلفية)، أثناء السبعينيات (ص ٣٢-٣٣)، والنفوذ القوي لشرائح القطبيين الراديكاليين داخل التنظيم (ص ٣٣-٣٤).

جماعة الإخوان المسلمين أعطت الأولوية للوجدان والممارسة على البحث والفكر

لقد عبّدت هذه التطورات البنيوية الطريق إلى غلبة انتشار خلفية العلوم الطبيعية بين النخب الإخوانية وغياب "طلاب السياسة والسوسيولوجيا والتاريخ والفلسفة فيما بينهم" (ص ٣٤)، وعليه؛ لم يكن من المفاجئ أن نقرأ أنّ البنا قد وجّه الانتقاد للطلاب الذين لا يدرسون العلوم الطبيعية، وإنما يقضون أوقاتهم في "الفلسفات التجريدية والعلوم الواهمة غير النافعة" (ص ٣٨)، لكن بمجرد أن اعتلت جماعة الإخوان سدّة الحكم، كما يشدّد قنديل؛ فقد أسفر غياب علماء في العلوم الاجتماعية وخبراء في الاقتصاد والسياسة والإدارة في أوساط كوادر الجماعة إلى مشاكل عملية جمة في الحكم (ص ٤٦).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون و"الجهاد العالمي".. بدايات الدم

ورغم ذلك؛ فقد أقنعت الجماعة أفرادها بأنّ الحركة "مقدّسة" (ص ٤٨)، إضافة إلى ذلك يبدو أنّ معظم أعضاء الجماعة بدؤوا يخلطون بين الجماعة والإسلام نفسه (ص ٤٨)؛ فكما علق إخواني على الخروج عن الجماعة، فإنّ المنشقين "يتخلون عن الإيمان وليس عن الأيديولوجيا؛ إنهم يهجرون الله، وليس حسن البنا" (ص ٥٠)، وعليه؛ فإنّ أعضاء الجماعة إنما يختبرون انتماءهم لا كمسألة تعهد سياسي وأيديولوجي، إنما كسبيل مكتمل للحياة والوجود الاجتماعي (ص ص ٧٠-٧١)، معتمدة على معاداتها للفكر وعن طريق تقديسها لقادتها وتعزيزها للأفهام التآمرية وسط أعضائها، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين قد عزلت، إضافة إلى ذلك، من التفاعل مع هؤلاء الذين هم خارج الجماعة، وعليه؛ فإنّ ترك التنظيم بعد زمن معين وسط الشبكات الاجتماعية الإخوانية إنما ينطوي على تكلفة باهظة: أي ترك كلّ روابط الفرد الاجتماعية المهمة وترك الوظائف (ص ٧٠-٧١)؛ إذ إنّ واحدة من نزعات جماعة الإخوان المسلمين هي توفير بيئة اجتماعية منعزلة، أكثرها بروزاً زواج الإخوان من صفوف جماعة الأخوات المسلمات (ص ٧٤).

 

 

بعد شرحه لسيرورات التجنيد ومدى الشبكات الاجتماعية للإخوان المسلمين، ينخرط قنديل في شرح ماهية وجوهر الأيديولوجية الإخوانية، أعني "الحتمية الدينية" (ص ٨٥)؛ فنظراً إلى الاعتقاد الراسخ لدى أفراد الجماعة بقدسية الحركة، وإلى جهود الحركة لتربية ذوات مسلمة جديدة وديناميكياتها التنظيمية المتطلعة إلى مصلحة الداخل، فإنّ جماعة الإخوان المسلمين أنتجت مقاربة حتموية للسياسة، تنبع من إيمان بأنّه عندما تجتمع شروط تاريخية واجتماعية، وقبل ذلك ثيولوجية؛ أي عندما تربي الجماعة مسلمين حقيقيين بأعداد كافية، فإنّ انتصارها، دون تدخل سياسي، سيكون حتمياً لا مفرّ منه، ومن ثمّ؛ كما يوضح قنديل في مطلع الفصلين الرابع والخامس، فإنّ سيرورة التربية المعادية للثقافة، والمعادية للحجاج والانعزالية، وثقافة الجماعة التنظيمية، الحريصة على مصلحة الداخل، وعقليتها الواهنة إستراتيجياً؛ كلّ ذلك قد منع الجماعة من تأسيس تحالفات الفاعلين السياسيين العلمانيين في الثورة المصرية؛ فقد عانت من غياب الكوادر المختصة بين النخب، والنتيجة كانت أنّ هذه الحركة الهائلة، التي تأسست على مدى عقود، قد سقطت في ساحة رابعة العدوية في غضون أسابيع، في الوقت الذي كان أفرادها ما يزالون في انتظار التدخل الإلهي، وفق تصورهم، الذي قد يجلب النصر للجماعة ولمرسي.

واحدة من نزعات الجماعة هي توفير بيئة اجتماعية منعزلة، أكثرها بروزاً زواج الإخوان من صفوف جماعة الأخوات المسلمات

ورغم وضوح السردية في الفصل الخامس، المفيد جداً من الكتاب؛ حيث يقوم قنديل بتقييم عدد من الحركات الإسلاموية في الشرق الأوسط، إلا أنّ هناك خطأين طفيفين ارتكبا في الجزء المتعلق بتركيا، ويجب أن يتم تصحيحها في الطبعات المقبلة؛ يحاجج قنديل بأنّه "في ٢٠٠٢، أصبح حزب العدالة والتنمية الحزب السياسي الأول الذي يحكم دون تحالف منذ اعتناق الجمهورية التركية لسياسة التعددية الحزبية قبل ستة عقود" (ص ٨٤). في الواقع؛ فإنّه منذ انتهاج سياسات التعددية الحزبية، وتركيا قد شهدت فترات من حكم الأغلبية الواحدة، مثل فترات الحزب الديمقراطي؛ من ١٩٥٠ إلى ١٩٦٠، وحزب الوطن الأم من ١٩٨٣ إلى ١٩٩١، ثانياً؛ يشار في الكتاب عرض بخط مائل إلى أنّ المعادل التركي لمصطلح "العثمانية الجديدة" هو (Osmanlicaler) بيد أنه يعبر عنه في التركية بأنه (yeni Osmanlıcılık).

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وحقوق الإنسان!

كان يمكن لقنديل أيضاً أن يلقي الضوء أكثر على طبيعة السلطوية المصرية شديدة التقييد التي كانت بمثابة منحة لتحولات الحركات الإسلاموية، وكان يمكنه أيضاً أن يقوم باشتباك في النقاشات التعريفية الأوسع، وفي المعرفة المقارنة المتعلقة بالإسلاموية (وربما ما بعد الإسلاموية)، ومع ذلك، كما أشار قنديل نفسه في المناقشة الموجزة للنظرية والمنهج، فإنّه معني في المقام الأول باستعراض كيف تقيد الأيديولوجيا الفاعلين السياسيين، ومن ثمّ؛ فهو يتبنّى مقاربة نظرية مرتكزة إلى الفاعلية ويسهم إسهاماً لا يقدر بثمن في فهمنا للعوائق المستندة إلى الفاعلية، في تحوّل وتبنّي ونجاح الفاعلين السياسيين الإسلامويين.


المصدر: Book Review: Inside the Brotherhood by Hazem Kandil

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف ألهمني محمد صلاح لأن أصبح مسلماً؟

2019-10-13

ترجمة: محمد الدخاخني


لقد ألهمني محمّد صلاح حقّاً وصدقاً. إنّني حامل تذكرة موسميّة في نادي نوتنغهام فورست، ويمكن أن أقدّم نفسي على هذا النحو فقط، لكن لأنّني أعلنت عن إيماني، فلأتحدّث بوصفي مسلماً. ما زلت الشّخص الّذي كنته، وهذا ما تعلّمته من محمّد صلاح. وأنا أحبّ لو ألتقي به، فقط حتّى أصافحه وألقي عليه التّحية وأقول له "شكراً".

اقرأ أيضاً: محمد صلاح يتبرع لمعهد الأورام بـ 3 ملايين دولار
لا أظنّ أنّ زملائي يعتقدون فعليّاً أنّني مسلم، وذلك لأنّني لم أتغيّر حقّاً. كلّ ما في الأمر أنّني أعتقد أنّ قلبي في حال أفضل. أحاول بالفعل التّغيّر في أيّام المباريات. فعادةً ما نذهب إلى حانة، ونراهن، وبعد المباراة نعود إلى الحانة وندرك أنّنا خسرنا الكثير من المال. ويكون من الصّعب العدول عن ذلك عندما يتعوّد المرء على مثل هذه الثّقافة، الّتي هي جزء من كرة القدم بالنّسبة إلى كثير من النّاس.

كان صلاح أوّل مسلم أجد نفسي في شخصيّته والأمر يرتبط بالطّريقة التي يعيش بها حياته وكيف يتحدّث إلى النّاس

أشعر بالحرج من قول هذا، لكن، في الواقع، آرائي حول الإسلام كان ملخّصها أنّ أصحاب هذا الدّين لم يندمجوا وأرادوا الاستحواذ على مجتمعاتنا. كما نظرت دائماً إلى المسلمين باعتبارهم الفيل الّذي في الغرفة. وكرهتهم.
عندما كنت في المرحلة السّادسة، مررت بفترة، كما أعتقد، احتجت فيها إلى شخص ألومه على ما يحلّ بي من مِحَن. لسوء الحظّ، حصل المسلمون على العبء الأكبر من ذلك واكتشفت بسرعة المنصّات الإعلاميّة اليمينيّة. وقد قام أصحابها بالاعتناء بي عبر إرسال قطع دعائيّة طويلة وما إلى ذلك.
وبالرّغم من إيماني وقتها بأفكارٍ رهيبة حول الإسلام، فإنّني لم ألفظ بها البتّة في وجه مسلم. ففي هذه المرحلة لم أكن أعرف أيّ مسلم. لكن دراستي ضمن قسم دراسات الشّرق الأوسط بجامعة ليدز غيّرت كلّ شيء.
كان علينا أن نكتب أطروحة وأردتّ القيام بشيء مختلف إلى حدّ ما. أتذكّر أنّ معلّمي، الّذي كان يساعدني في تجاوز عسر القراءة، قد أخبرني: "ماذا عن أغنية محمد صلاح"؟ كنت على دراية بها واعتقدتّ أنّها رائعة ولكنّني لم أفكّر فيها على هذا النّحو من قبل.

بن بيرد، حامل تذاكر الموسم في نوتنغهام فوريست
وأخيراً، وصلت إلى السّؤال البحثيّ: "محمد صلاح، هدية من الله. هل يُلهِب أداء محمد صلاح نقاشاً يحارب الإسلاموفوبيا في الأوساط الإعلاميّة والسّياسيّة"؟
تشتمل أغنية مشجّعي ليفربول - والّتي تأتي موافقة للحن أغنية "غود إنوف" لفرقة الرّوك دودجي - على سطر يقول: "إذا سجّل عدداً قليلاً من الأهداف، فسأكون مسلماً أيضاً"،  وقد أخذت هذا بجديّة وحرفيّة.
كنت طالباً أبيض نموذجيّاً ذهب إلى مدينة مختلفة وشرب حتّى الثّمالة وعاش الحياة الطّلابيّة بكلّ تفاصيلها. وخلال حصولي على درجتي العلميّة، عرفتُ الإسلام للمرّة الأولى بطريقة أكاديميّة.

اقرأ أيضاً: مكة ترافق محمد صلاح لتسلمه جائزة هداف الدوري الإنجليزي
كذلك، منحتني الجامعة الفرصة للقاء الكثير من الطّلاب السّعوديّين. ظننت في السّابق أنّهم أناس أشرار يحملون السّيوف، لكن اتّضح فيما بعد أنّهم ألطف من عرفت. والأحكام المسبقة الّتي كانت لديّ حول الدّول العربيّة ذابت بالكامل.
كان محمد صلاح أوّل مسلم أجد نفسي في شخصيّته. والأمر يرتبط بالطّريقة التي يعيش بها حياته، وكيف يتحدّث  إلى النّاس. خلال أحد الأسابيع الماضية، قام بالتقاط صورة مع أحد مشجّعي ليفربول الّذي أصيب بكسر في الأنف أثناء ملاحقته لصلاح. وأعرف أنّ بعض لاعبي كرة القدم الآخرين سيفعلون ذلك لو حصل معهم الأمر نفسه، ولكنّك تتوقّع ذلك الآن من صلاح.
في الجامعة التقيت بعدد من الطّلاب المصريّين وعندما اكتشفوا أنّ بحثي يدور حول "محمّد صلاح، هديّة من الله" - وهي أغنية أخرى لنادي ليفربول - تحدّثوا معي لساعات حول روعته وما قدّمه من أجل بلدهم. والعام الماضي، أبطل مليون مصريّ أصواتهم وصوّتوا لصالحه ليكون رئيساً.

اقرأ أيضاً: محمد صلاح ضمن 100 شخصية مؤثرة في العالم
وقد أخبرني أحد المصريّين الّذين تحدّثت إليهم أنّ صلاح يمثّل ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، وأنّه يتبع الإسلام بشكل صحيح. كما اعتقدَ أنّ صلاح قد جعل النّاس يحبّون المسلمين مجدّداً.
وهذا يجد صداه عندي. فعندما يسجّل صلاح هدفاً، أعتقد أنّه يسجّله في سبيل الإيمان. وعندما فاز بدوري الأبطال، قلت لصديقي إنّه انتصار للإسلام. وبعد كلّ هدف يسجّله، يقوم صلاح بالسّجود ويعرض أمام العالم رمزاً إسلاميّاً للغاية. كم من النّاس يشاهدون الدّوري الإنجليزيّ الممتاز كلّ أسبوع؟ الملايين على مستوى العالم.

محمد صلاح يمارس السجود بعد تسجيله هدفاً لفريق ليفربول ضد أرسنال في آب
لقد أظهر لي صلاح أنّه يمكنك أن تكون مسلماً وطبيعيّاً، إذا كانت هذه هي العبارة الصّحيحة. أنّه يمكنك أن تكون نفسك. إنّه لاعب رائع ويحظى باحترام مجتمع كرة القدم وقناعاته السّياسيّة والدّينيّة، لا تخصّ أحد - وهذا، بالنّسبة إليّ، ما يمكن لكرة القدّم أن تقوم به.
عندما يقرأ النّاس القرآن الكريم، أو يقرؤون عن الإسلام، فإنّهم يرون شيئاً مختلفاً لا  يُصوَّر دائماً في وسائل الإعلام. وأنا جديد على المجتمع الإسلاميّ وما زلت أتعلّم. إنّ الأمر صعب. إنّه تغيير يمسّ نمط الحياة.

وصلت إلى السّؤال البحثيّ: هل يُلهِب أداء محمد صلاح نقاشاً يحارب الإسلاموفوبيا في الأوساط الإعلاميّة والسّياسيّة؟

ماذا أقول للشخص الّذي كنته قبل الإسلام؟ لقد صفعته، لأكون صادقاً، ويمكنني أن أقول له: 'كيف تجرؤ على التّفكير على هذا النّحو في أناسٍ متنوّعين للغاية. عليك البدء في التّحدّث مع النّاس. عليك البدء في طرح الأسئلة. فنحن نعيش في مجتمع متعدّد الثّقافات ومتعدّد الأديان ومتعدّد القوميّات'.
في الموسم الماضي، كان مشجّعو تشيلسي يغنّون "صلاح مُفجّر قنابل". وكانت هذه هي المرّة الأولى على وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي أتعاطى فيها مع الأمر بشكل صحيح. كنت حانقاً لأنّني مع المزاح الكرويّ لكنّك تعرف عندما تسير الأمور بشكل غير صحيح.
والآن، أقول للأطفال المسلمين: "لا تخافوا من الذّهاب إلى إحدى مباريات كرة القدم". أعتقد أنّ هذه مسألة يجب أن ننظر إليها من كلا الجانبين. كنت خائفاً من أن يتمّ عزلي. فلا أريد أن أخسر زملائي؛ لأنّني أنظر إليهم كإخوة لي. والآن، خُمس سكّان العالم هم إخوتي وأخواتي.
يجب على المسلمين في إنجلترا توسيع أنشطتهم، ولعب كرة القدم، والذّهاب إلى المباريات. والأمر متروك لنا لندرك أنّنا في هذا معاً. وأفضل متحدّث عن ذلك هو محمّد صلاح.


بن بيرد، الغارديان

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.theguardian.com/football/2019/oct/03/mohamed-salah-inspired-...

للمشاركة:

بعد فشل اغتيال قاسم سليماني: قلق إسرائيلي من هجوم إيراني

2019-10-10

ترجمة: إسماعيل حسن


تشعر إسرائيل بالقلق الشديد من احتمالية شنّ إيران هجمات مماثلة لهجمات منشآت "أرامكو" النفطية في السعودية، على أهداف حساسة داخل إسرائيل، ويأتي ذلك تزامناً مع الوضع العالق الذي تنبغي معالجته بين طهران وتل أبيب؛ بسبب الهجمات المنسوبة إلى إسرائيل ضدّ أهداف إيرانية، في سوريا والعراق ولبنان، والتي كانت آخرها محاولة اغتيال الجنرال في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، وتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل، بضلوعها في محاولة تنفيذ العملية التي لم تحقق نجاحاً وفشلت.

اقرأ أيضاً: المشهد السياسي الإسرائيلي يزداد تعقيداً: من يشكل الحكومة المقبلة؟
يضاف إلى ذلك تصريحات رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في الحرس الثوري، حجة الإسلام طائب حسين، الذي وجّه بدوره الاتهام شخصياً، وقال معقباً على الحادثة: إنّ "محاولة الاغتيال لن تفتح جبهة حرب مع إسرائيل؛ بل ستكون سبباً في العودة لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف إسرائيلية".
الجنرال في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني

احتمال تلقي إسرائيل هجوماً صاروخياً
وفي إطار ذلك؛ تتهيأ قيادة الجيش العسكرية في إسرائيل، بحسب معلومات استخباراتية، لاحتمالية تلقي إسرائيل هجوماً صاروخياً إيرانياً في غضون أسابيع، في حين يبدو أنّ المواجهة الدائرة بين إسرائيل وإيران منذ أعوام على أكثر من جبهة، وصلت الآن مرحلة حرجة، على الصعيد الإسرائيلي، يعدّ خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وفرض عقوبات على إيران، أمراً غير كافٍ لصدّ أيّ خطر من قبل إيران وحلفائها، لكنّ الخطر الحقيقي يبدو اليوم أمام الرغبة الأمريكية الكبيرة في التحاور مع إيران مجدداً على اتفاق جديد. 

الكاتبة الإسرائيلية يساف شنايدر: إيران استثمرت جهدها في تطوير صواريخ جوالة فما هي استعدادات الجبهة الداخلية لأيّ سيناريو محتمل؟

فالحرب التي تشنّها إسرائيل ضدّ التمركز الإيراني في سوريا، تجعلها الآن مهددة بأن تواجه بردٍّ إيراني مختلف، لا سيما أنّ نجاح إيران في مهاجمة السعودية وعدم تلقّيها أيّة محاولة ردع، يضعها في معضلة بين خيار الاستمرار في المخاطرة باستفزاز الغرب، لدرجة الاحتكاك مع إسرائيل، وخيار الاستفادة من هذا النجاح، والسعي إلى إجراء مفاوضات مع الأمريكيين سريعاً، تمكّنها من رفع العقوبات الاقتصادية التي أثّرت فيها كثيراً.
بالعودة إلى الهجوم الذي شُنَّ بطائرات مسيرة على منشأتين تابعتين لشركة "أرامكو" السعودية، قبل أسابيع؛ حيث شكّل هذا الهجوم المنسوب لإيران هاجساً وخطراً مستقبلياً على إسرائيل، وبصورة لافتة؛ بدأ هذا الهجوم يحمل تهديداً ضمنياً بمفاجأة إسرائيل مستقبلاً؛ لأنّ هذا الهجوم كان مخططاً له عن قصد وترصد، وأظهر التقييم الأولي للضرر الهائل؛ أنّ الإيرانيين تمكنوا من تجاوز رادار بطاريات صواريخ باتريوت الأمريكية في السعودية.
لذا قد يتطلب الهجوم الذي فاجأ مسؤولي الدفاع الإسرائيليين إجراء تغييرات في استعدادات إسرائيل الدفاعية أيضاً، في حين تبدي الأوساط الإسرائيلية قناعتها بأنّ رؤية إيران لهذا الردّ الأمريكي المتواضع على مهاجمة السعودية، قد تشجعها على تنفيذ المزيد من الضربات في المنطقة، وقد تكون المرة القادمة باتجاه إسرائيل، فضلاً عن الدول العربية الموالية لأمريكا؛ حيث تعتقد إسرائيل أنّ إيران بهجومها على المواقع السعودية، تعطي انطباعاً بأنّها تفوقت على العقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة، وبعد أن أظهرت قدرتها في مجال الروبوتات الطائرة؛ فإنّ تميّزها في مجال القتال الحركي ليس أقل خطورة.
هل تتمّ مفاجأة إسرائيل بصواريخ كروز؟
وهنا قد تتمّ مفاجأة إسرائيل بصواريخ كروز، التي من المحتمل أن يتم إطلاقها من خلال بوارج حربية بحراً، بحسب تقديرات الجيش، وقد تكون المناطق الحساسة وسط إسرائيل أهدافاً لهذه الصواريخ، ونتيجة للخوف والقلق الحقيقيَّيْن اللذين تبديهما إسرائيل؛ عقد الكابينت الإسرائيلى اجتماعه الأول بعد جولة الانتخابات الثانية؛ وذلك لمناقشة التهديد الإيراني وخطره القادم نحو إسرائيل، خاصة بعد أخطر هجوم شنّته إيران على السعودية منذ بداية العام الجاري، والذي من الممكن أن تتأثر إسرائيل بهجوم مماثل له قريباً، في ظلّ غياب وسائل الردع القوية نحو التمدد الإيراني في الشرق الأوسط. 

 قد تتمّ مفاجأة إسرائيل بصواريخ كروز
الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، أصبح مقتنعاً إلى حدّ ما بخطورة الوضع؛ ففي خطابه الذي ألقاه في الجلسة الافتتاحية للكنيست الجديد الأسبوع الماضي، أشار إلى المخاطر الأمنية التي تهدّد البلاد، ودعا إلى تسريع المفاوضات من أجل تشكيل حكومة وحدة، وألمح الرئيس إلى أنّ الجيش يطلب إضافة عاجلة إلى ميزانية الدفاع، مضيفاً أنّ المناقشات بشأنها تأجلت بسبب الأزمة السياسية الدائرة على الساحة، وما يرافق ذلك من فشل تشكيل الحكومة الجديدة.

اقرأ أيضاً: هل ستواصل إسرائيل هجماتها على مواقع إيران وحزب الله؟
وفى خضمّ هذه التطورات؛ يحاول بنيامين نتنياهو استغلال الموقف؛ إذ يبرّر لنفسه بأنّ تشكيل حكومة وحدة بقيادته بات أمراً ضرورياً للغاية؛ إذ قال نتنياهو، خلال اجتماع الكابينت: "نواجه تحدياً أمنياً هائلاً يتفاقم ويزداد سوءاً من أسبوع إلى آخر، هذا ليس أمراً عارضاً، ولا مجرد نزوة، ولا أحاول تخويفكم، فعلينا أن نقدم تنازلات تصبّ في مصلحة أمن إسرائيل"، لكنّ نتنياهو نفسه أشار إلى الصعوبات التي تعرقل جهوده في الإقناع؛ إذ استخدم ورقة إيران مرات عديدة لتبرير تأجيل الانتخابات أو تقديمها، أو تشكيل حكومة وحدة، أو حكومة يمينية بقيادته، لدرجة أنّ تلك الشكوك في ادعاءاته الآن تبدو طبيعية جداً، وفي ذلك يشير نتنياهو إلى حاجته إلى الوحدة من أجل محاربة التهديد الإيراني، فإنّه يتجاهل، لمصلحته الخاصة، إسهامه في ظهور هذا الموقف الطارئ الذي يتحدث عنه؛ فنتنياهو هو الذي ضغط على دونالد ترامب للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وهي الخطوة التي أججت حدّة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، لكن في الوقت الحالي الرئيس الأمريكي هو الذي يرفض ممارسة الضغط العسكري على طهران، ويفضّل تجديد المحادثات معها.  
خطر محدق بالجبهة الداخلية الإسرائيلية
يشار إلى أنّ تعثّر تشكيل الحكومة للمرة الثانية، والخلافات السياسية القائمة بين الأحزاب، قد تؤدّي إلى حدوث خطر كبير ومحدق بالجبهة الداخلية؛ بعد أن أثار تصاعد الهجمات الإيرانية مخاوف الإسرائيليين، وبذلك سارع المعلقون والمحللون الإسرائيليون إلى استخلاص الدروس من الهجوم على منشآت النفط، وانعكاسات ذلك على أمن إسرائيل وعلى المواجهة التي تخوضها ضدّ التمركز العسكري الإيراني في سوريا، والتي امتدّت إلى أراضي العراق غرباً. 
على الصعيد العسكري والتقني؛ الدرس الأول من وجهة نظر المراقبين، يبرز أنّ الهجوم المحكم على أرامكو، أظهر امتلاك إيران قدرات تكنولوجية متطورة، وأسلحة شديدة الدقة في إصابة الهدف، وقدرات لوجستية وتكتيكية تمكنها من القيام بهجمات معقدة وبقدرات عالية، وهذا يتعارض تماماً مع التقديرات الإسرائيلية بشأن القدرات العسكرية الإيرانية، التي اختبرتها في هجماتها على القواعد الإيرانية العسكرية في سوريا.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية
أما الدرس الثاني، فيتعلق بالصواريخ الإيرانية الدقيقة، التي تعلم إسرائيل جيداً أنّ لدى حزب الله كميات منها، كما تستطيع إيران إطلاق هذه الصواريخ ضدّ إسرائيل من أراضي سوريا والعراق، على حدٍّ سواء، وسيكون لذلك كلّه دوره الكبير في أيّة حرب مقبلة على الجبهة الشمالية، ويطرح هذا التطور مسألة أساسية تتصل بالمنظومات الدفاعية ضدّ الصواريخ في إسرائيل، والمعروف أنّ الصناعة العسكرية الإسرائيلية طورت أنواعاً مختلفة من المنظومات الدفاعية القصيرة والمتوسطة والبعيدة، مثل القبة الحديدية والعصا السحرية ومنظومة حيتس، لكن يبدو أنّها في حاجة الآن إلى منظومة دفاعية لمواجهة هجوم بمسيرات بدأت تشكّل تحدياً حقيقياً جدياً في المنطقة.

الدرس الثالث، له علاقة بالموقف الأمريكي من التطورات، وإعلان الولايات المتحدة، على لسان رئيسها، عدم استعدادها شنّ هجوم على إيران محلّ السعوديين، وأنّها يمكن أن تساعدهم فقط، وقد أضعف هذا الموقف في رأي المحللين الإسرائيليين، حلفاء أمريكا في المنطقة، وزاد من ثقة الإيرانيين بأنفسهم، وشجعهم على المضي حتى النهاية في سياسة حافة الهاوية، لإدراكهم أنّ الرئيس الأمريكي لا يريد المخاطرة بحرب جديدة في المنطقة، خصوصاً أنّه على أبواب سنة انتخابية.
وخلال مقابلة تلفزيونية أجرتها القناة العاشرة؛ قدّم رئيس دائرة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية بالجيش، درور شالوم، صورة عن الوضع الأمني في المنطقة على مختلف الجبهات والتحديات المحيطة بإسرائيل، وتحديداً إيران وحزب الله، بالتزامن مع القلق والخوف في صفوف الإسرائيليين؛ نظراً إلى احتمال تصعيد أمني على مختلف الجبهات، أو إمكانية أن تجرّ جبهة مشتعلة الجبهات الأخرى، وشرح شالوم أبرز السيناريوهات القادمة من قبل إيران على النحو الآتي:
3 سيناريوهات إسرائيلية تجاه إيران
شالوم، كغيره من القياديين العسكريين والأمنيين في إسرائيل، يرى أنّ إيران المحرك المركزي لما يسميهم أعداء إسرائيل في المنطقة، ويقول كلّ ما يدور يتعلق بإيران على مختلف الأصعدة في البرنامج النووي، يأتي في مساعي تثبيت وجودها في سوريا وفي العراق، وفي محاولاتها أيضاً نقل الأسلحة المتطورة مع التشديد على الصواريخ الدقيقة إلى حزب الله في لبنان، وتضع إسرائيل ثلاثة سيناريوهات ممكنة تجاه الملف الإيراني، أولها: توصل الولايات المتحدة إلى اتفاق جديد مع طهران، يشبه، أو يختلف، عن سابقه، وقد لا يستجيب لكلّ رغبات إسرائيل.

اقرأ أيضاً: هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تواصل التصعيد العسكري في الخليج إلى وضع تكثف فيه إيران نشاطاتها، وتضطر الولايات المتحدة إلى الردّ، ما قد يجرّ أيضاً إلى مطالبة حزب الله في لبنان، بالتدخل والضرب نحو المدن الإسرائيلية شمالاً.
أما السيناريو الثالث، والذي تتوقعه الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وفق شالوم، فيقوم على التوسع في الملف النووي؛ حيث تعمد إيران إلى خرق الاتفاق إلى ما دون حافة الانتقال إلى القنبلة؛ إذ ترفع نسبة التخصيب إلى أعلى من النسب المسموح لها فيها، وتستفز بذلك كلاً من أمريكا وإسرائيل، وتخيف العرب، خاصة السعودية.

هل ستضرب إيران تل أبيب؟
من جهتها، قالت المحللة السياسية الإسرائيلية، دانا فايس: إنّ التحذيرات الإسرائيلية الأخيرة، الصادرة عن رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، ورئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، بشأن وجود حاجة أمنية ملحة لتشكيل حكومة وحدة وطنية عاجلة، ليست شعارات انتخابية فقط؛ بل قد يكون الأمر جدياً مرتبطاً بتقديرات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، عن إمكانية قيام إيران قريباً، بتوجيه ضربات ضدّ إسرائيل مشابهة لما قامت به ضدّ السعودية مؤخراً.
وأضافت في مقالة لها؛ أنّ مثل هذا الحدث لو حصل، فإنّه سيخلط كلّ الأوراق؛ فقد دأب الإيرانيون مؤخراً على تنفيذ سلسلة ضربات في منطقة الخليج العربي، من بينها هجمات على ناقلات نفط، وأسقطوا طائرة أمريكية من دون طيار، وهاجموا منشآت نفط سعودية، كلّ ذلك يحصل وسط ذهول المجتمع الدولي.

الحرب التي تشنّها إسرائيل ضدّ التمركز الإيراني في سوريا تجعلها الآن مهددة بأن تواجه بردٍّ إيراني مختلف

وأشارت إلى أنّ الولايات المتحدة، التي لم ترد على السلوك الإيراني، ظهر رئيسها دونالد ترامب يتوسّل عقد لقاء مع نظيره الإيراني، حسن روحاني، كلّ ذلك دفع بالأوساط الأمنية والاستخبارية الإسرائيلية، لوضع تقدير موقف يشير إلى إمكانية أن توجه إيران ضرباتها القادمة باتجاه إسرائيل.
وتابعت: هذه المخاوف الإسرائيلية تزامنت مع إعلان إيران إحباط مخطط عربي إسرائيلي لاغتيال الجنرال قاسم سليماني، الذي بات يتصدر قائمة المطلوبين للاستخبارات الإسرائيلية، لكنّ عدم ردّ إسرائيل على الاتهام الإيراني، لا ينفي وجود حالة من التوتر في منظومتها الأمنية؛ لأنّ خطاب كلّ من نتنياهو وريفلين في الكنيست، حمل تحذيرات جديدة حول احتمالية تعرّض البلاد لهجمات صاروخية، مصدرها إيران وحلفاؤها.
وتكمل فايس: لا شكّ في استخدام نتنياهو لسياسة التخويف الدائم من التهديد الإيراني لخدمة مصالحه الحزبية، خاصة استخدامها كدعاية انتخابية، لكنّ تحذيره هذه المرة قد يسير بمنعطف جدي؛ لأنّ المنظومة الأمنية الإسرائيلية تعيش حالة من القلق خشية التدهور لمواجهة إقليمية، لا سيما في الجبهة الإيرانية، التي تشعل المنطقة، وبات تمدّدها يشكّل خطراً كبيراً.
وخلال عملية جمع المعلومات الاستخبارية المتواصلة من قبل الجيش الإسرائيلي على الجبهات الموالية لإيران؛ أوضح قائد أركان الجيش، أفيف كوخافي؛ أنّ أمن حماس في قطاع غزة ضبط قبل أيام قليلة صواريخ ثقيلة وبعيدة المدى، كانت موجَّهة نحو عمق إسرائيل، قبل تفعيلها بوقت قصير، في حين أنّ ثلاثة من المجموعات المتورطة اعتقلت من قبل أجهزة حماس الأمنية، واعترفت بتلقيها أوامر من إيران لضرب تل أبيب ومدن أخرى، بهدف زعزعة الاستقرار الداخلي وجرّ إسرائيل إلى حرب مفتوحة مع غزة، ربما تفتح جبهات قتالية أخرى. 
أخيراً، وأمام كلّ الاحتياطات التي تستعد لها قيادة الجيش الإسرائيلي، تشير تقديرات خارج المؤسسة العسكرية، إلى أنّ الجيش الإسرائيلى سيهزم في أيةّ حرب قادمة؛ لأنّ إسرائيل في حالة فوضى تعيشها للمرة الأولى من سنوات طويلة، نتيجة الخلافات السياسية الداخلية، ولأنّ إسرائيل في حالة عدم يقين بقدرات الجيش على التعامل مع أيّة حرب قادمة؛ حيث قالت الكاتبة الإسرائيلية، يساف شنايدر: إنّ إيران استثمرت جهدها في تطوير صواريخ جوالة، مضيفة أنّ لا أحد ينكر أنّ إسرائيل سجلت مئات الإنجازات والتعطيلات والإحباطات، لكن ماذا عن باقي قدرات الجيش في لواء المشاة والمدرعات؟ وكيف هي استعدادات الجبهة الداخلية لأيّ سيناريو محتمل؟


المصدر: يديعوت أحرنوت

للمشاركة:

هل تخلى الأمريكيون عن الدين؟

2019-10-09

ترجمة: محمد الدخاخني


أصبحت فكرة "الاستثنائيّة الأمريكيّة" موضع شكّ لدرجة أنّ الاستخدام الحديث لها يأخذ شكل سخرية محضة، في كثر من الأحيان، لكن عندما يتعلّق الأمر بالدّين، فإنّ الأمريكيّين استثنائيّون بالفعل. وتقريباً، لا توجد دولة ثرية تُصلّي بقدر الولايات المتّحدة، ولا توجد دولة تُصلّي بقدر الولايات المتّحدة وتمتلك الحظّ نفسه من الثّراء.

في أوائل التّسعينيّات قُطِع الحبل التّاريخيّ بين الهويّة الأمريكيّة والإيمان وبدأ عدم الانتماء الدّينيّ في الولايات المتّحدة في الصّعود

لقد حيَّرت التّوليفة الأمريكيّة الفريدة للثّروة والعبادة المراقبين الدّوليّين وأحبطت نظريّاتهم الكبرى بشأن الاستيلاء العلمانيّ على العالم. وفي أواخر القرن التّاسع عشر، كانت مجموعة من مشاهير الفلاسفة - من أمثال فريدريك نيتشه وكارل ماركس وسيغموند فرويد - قد أعلنت "موت الإله" وتوقّعوا أن يُرافِق الإلحاد الاكتشاف العلميّ والحداثة في الغرب، تماماً كما يُرافِق الدّخانُ النّار.
وقف الأمريكيّون الأتقياء بعنادٍ في وجه أطروحة العلمنة هذه. وفي أكثر لحظات القرن العشرين عمقاً، قال أكثر من تسعة من كلّ 10 أمريكيّين إنّهم يؤمنون بالله وأقرّوا بالانتماء إلى دينٍ مُنظَّم، والغالبيّة العظمى منهم ربطت نفسها بالمسيحيّة. وبقي هذا الرّقم ثابتاً - خلال السّتينيّات وثورتها الجنسيّة، خلال السّبعينيّات وما اتّصفت به من جنوح نحو القطع مع الجذور وطغيان القلق، وخلال الثّمانينيّات الّتي رفعت شعار "الجشع جيّد".
لكن في أوائل التّسعينيّات، قُطِع الحبل التّاريخيّ بين الهويّة الأمريكيّة والإيمان. وبدأ عدم الانتماء الدّينيّ في الولايات المتّحدة في الصّعود  والصّعود والصّعود. وبحلول أوائل الألفيّة، تضاعفت نسبة الأمريكيّين الّذين قالوا إنّهم لا يرتبطون بأيّ دينٍ منظَّم (يُعرَف هؤلاء أيضاً باسم "الّلامنتمون دينيّاً"). وبحلول العقد الثّاني من الألفيّة، تضاعف حجم الملحدين والّلاأدريّين وهواة الرّوحانيّة ثلاث مرّات.

لا يمنحنا التّاريخ كثيراً نقطة تحوّل مفاجئة ودائمة. فالتّاريخ يميل إلى الظّهور في دورات فوضويّة - أفعال وردود فعل، ثورات وثورات مضادّة - وحتّى التّغييرات شبه الدّائمة تكون خفيّة وباردة. لكن صعود ظاهرة عدم الانتماء الدّينيّ في أمريكا يبدو وكأنّه ضمن تلك الّلحظات التّاريخيّة النّادرة، غير البطيئة أو الخفيّة أو الدّوريّة، والّتي يمكن أن نُطلق عليها لحظات استثنائيّة.

اقرأ أيضاً: العودة إلى الدين.. هل تكفي وحدها للإصلاح؟
والسّؤال الواضح لأيّ شخص يقضي ثانيتين على الأقلّ في النّظر إلى المخطّط البيانيّ أعلاه هو: يا للهول، ماذا حدث عام 1990؟
وفقاً لكريستيان سميث، أستاذ علم الاجتماع والدّين بجامعة نوتردام، فإنّ التّمايل غير الدّينيّ في أمريكا يأتي في الغالب كنتيجة لثلاثة أحداث تاريخيّة: ارتباط الحزب الجمهوريّ باليمين المسيحيّ، ونهاية الحرب الباردة، وأحداث 11 أيلول (سبتمبر).

بحلول أوائل الألفيّة تضاعفت نسبة الأمريكيّين الّذين قالوا إنّهم لا يرتبطون بأيّ دينٍ منظَّم

تبدأ هذه القصّة مع ظهور اليمين الدّينيّ في السّبعينيّات. فنتيجة انزعاجهم من انتشار الثّقافة العلمانيّة، على سبيل المثال لا الحصر، الثورة الجنسيّة، وقرار "جين رو ضدّ هنري واد" [الّذي منح الحرّيّة للمرأة الحامل في اختيار الإجهاض]، وتأميم قوانين الطّلاق الّذي لا يستند إلى وقوع ضرر، وفقدان جامعة بوب جونز وضع الإعفاء الضّريبيّ بسبب حظرها المواعدة بين الأعراق المختلفة - أصبح المسيحيّون أكثر نشاطاً من النّاحية السّياسيّة. وقد رحّب بهم الحزب الجمهوريّ بأذرع مفتوحة. واحتاج الحزب، الّذي أصبح أكثر اعتماداً على قاعدته من سكّان الضّواحي البيض، إلى استراتيجيّة شعبيّة ومنصّة سياسيّة. وخلال العقد المقبل، أصبح اليمين الدّينيّ - بما في ذلك منظّمة "التّحالف المسيحيّ" لرالف ريد، ومعهد "ركّزوا على الأسرة" لجيمس دوبسون، ومنظّمة "الأغلبيّة الأخلاقيّة" لجيري فالويل - قوّة ساحقة لجمع الأموال والتّنظيم لصالح الحزب الجمهوريّ. وفي عام 1980، كانت المنصّة الاجتماعيّة للحزب الجمهوريّ بمثابة صورة طبق الأصل للآراء المسيحيّة المحافظة حول الجنسانيّة والإجهاض والصّلاة المدرسيّة.

معهد بيو: 13% من الأمريكيّين اليوم يعتبرون أنفسهم "كاثوليك سابقين" وكثير منهم تخلّى عن الدّين المنظَّم كليّاً

وأدّى الزّواج بين اليمين الدّينيّ والسّياسيّ إلى مجيء ريغان وبوش وانتصارات يمينيّة لا حصر لها على المستوى المحلّيّ والولاياتيّ. لكنّه أزعج الدّيمقراطيّين الّليبراليّين، خاصّة أولئك الّذين لديهم صلات ضعيفة بالكنيسة. كما أنّه صدم ضمير المعتدلين، الّذين فضّلوا وجود مسافة واسعة بين إيمانهم وسياستهم. وكما يقول سميث، فإنّه من المحتمل أن يكون جيل الشّباب من الّليبراليين والمسيحيّين المنتمين دينيّاً بشكل فضفاض قد سجّلوا، أوّلًا، كرههم لليمين المسيحيّ في أوائل التّسعينيّات، بعد عقدٍ من مراقبة دوره القويّ في السّياسة المحافظة.


ثانياً، ربّما بدا من غير الوطنيّ الاعتراف بتردّد المرء في علاقته بالله في وقتٍ كانت فيه الولايات المتّحدة محاصرة في مواجهة جيوسياسيّة حاسمة مع "إمبراطوريّة شريرة" لا إله لها. لكن، في عام 1991، انتهت الحرب الباردة. وعندما تلاشى اتّحاد الجمهوريّات الاشراكيّة السّوفيتيّة، تلاشى أيضاً ارتباط الإلحاد بأعداء أمريكا. وبعد ذلك، استطاع "الّلامنتمون دينيّاً" التّعبير بشكل صريح عن عدم مبالاتهم بالدّين، دون القلق من أن يجعلهم ذلك يظهرون في شكل المدافعين عن السّوفيت.

بحلول العقد الثّاني من الألفيّة تضاعف حجم الملحدين والّلاأدريّين وهواة الرّوحانيّة ثلاث مرّات

ثالثاً، لم يكن العدوّ الجيوسياسيّ التّالي لأمريكا دولة ملحدة. بل حركة تعلن الخوف من الله ولا تنتمي لأيّ دولة: الإرهاب الإسلاميّ الرّاديكاليّ. وهو ما تمثّل في سلسلة من التّفجيرات ومحاولات التّفجير، الّتي وقعت في التّسعينيّات على يد منظّمات أصوليّة مثل القاعدة وبلغت ذروتها في هجمات 11 أيلول (سبتمبر). وسيكون من المبالغة في التّبسيط، كما يرى سميث، أن نوحي بأنّ سقوط البرجين التّوأمين قد شجّع الملايين على مغادرة الكنائس. لكن مع مرور الوقت، أصبح تنظيم القاعدة مرجعاً مفيداً للملحدين الّذين أرادوا القول بأنّ كافّة الأديان مدمّرة بطبيعتها.
وفي الوقت نفسه، خلال رئاسة جورج بوش، أدّى ارتباط المسيحيّة بالسّياسات الجمهوريّة غير الشّعبيّة إلى إبعاد المزيد من الّليبراليّين والمعتدلين الشّباب عن كلٍّ من الحزب والكنيسة. وأصبح الملحدون الجدد، من أمثال كريستوفر هيتشنز وسام هاريس، من مشاهير المثقّفين؛ وجادل كِتاب "ثيوقراطيّة أمريكيّة"، الّذي كان الأكثر مبيعاً عام 2006، بأنّ إنجيليّي الائتلاف الجمهوريّ يقومون بانقلاب هادئ من شأنه أن يغرق البلاد في حالة من الفوضى والخراب الماليّ. وطوال فترة رئاسة بوش، كان النّاخبون الّليبراليّون - خاصّة النّاخبين الّليبراليّين البيض - ينفصلون عن الدّين المنظَّم بأعداد متزايدة.

اقرأ أيضاً: ديانة الدولة وتسييس الدين

لقد فقد الدّين تأثيره القدسيّ في العقود الثّلاثة الماضية، ليس بسبب العلم، ولكن، بالأحرى، بسبب السّياسة. وفي القرن الواحد والعشرين، أصبح تعبير "غير دينيّ" هويّة أمريكيّة محدّدة - هويّة تميّز البيض العلمانيّين الّليبراليّين عن اليمينيّن الإنجيليّين المحافظين.
أيضاً، لعبت قوى اجتماعيّة أخرى، لا علاقة لها بالجغرافيا السّياسيّة أو الحزبيّة، دوراً رئيساً في صعود الّلامنتمين دينيّاً.
إنّ الكنيسة ليست سوى واحدة من العديد من المؤسّسات الاجتماعيّة - بما في ذلك البنوك والكونغرس والشّرطة - الّتي فقدت ثقة الجمهور في عصر اتّسم بفشل النّخبة. لكن الفضائح الّتي ألمّت بالكنيسة الكاثوليكيّة زادت من سرعة فقدان مكانتها الأخلاقيّة بشكل خاصّ. ووفقاً لاستقصاء أجراه معهد بيو، فإنّ 13 في المائة من الأمريكيّين اليوم يعتبرون أنفسهم "كاثوليك سابقين"، والكثير منهم تخلّى عن الدّين المنظَّم كليّاً. وبما أنّ صفوف الّلامنتمين دينيّاً قد تضخّمت، فقد أصبح من المقبول اجتماعيّاً بالنّسبة إلى مرتادي الكنائس غير المنتظمين أو النّادرين أن يُخبِروا مُستطلعي الرّأي أنّهم لا يرتبطون بشكل خاصّ بأيّ إيمان. كما أصبح من الأسهل على الّلامنتمين دينيّاً الالتقاء والزّواج وتربية أطفال يكبرون دون أيّ ارتباط دينيّ حقيقيّ.

فقد الدّين تأثيره القدسيّ في العقود الثّلاثة الماضية، ليس بسبب العلم، ولكن، بسبب السّياسة

ولا يستبعد سميث الغريمين المعروفين؛ الرّأسماليّة والإنترنت، في شرح شعبيّة عدم الانتماء الدّينيّ. "فالرّأسماليّة جعلت الحياة أكثر تزعزعاً، والإنترنت سهّل على الأفراد القلقين بناء روحانيّات خاصّة من أفكار وممارسات يجدونها عبر الإنترنت"، على حد تعبيره، مثل أدلّة التّأمّل البوذيّ ومنصّات "رديت" الإلحاديّة.
والأهم هو التّغيّرات الدّراماتيكيّة الّتي لحقت بالأسرة الأمريكيّة. وكان نصف القرن الماضي قد مرّ بسلسلة من الضّربات القاسية للزّواج الأمريكيّ. وارتفعت معدّلات الطّلاق في السّبعينيّات وحتّى التّسعينيّات، في أعقاب انتشار قوانين الطّلاق دون لزوم وقوع ضرر في ولاية ثمّ الأخرى. وبمجرّد استقرار معدّلات الطّلاق، بدأ معدّل الزّواج في الانخفاض في الثّمانينيّات، بسبب تراجع الزّواج بين أبناء الطّبقة العاملة وتأخّر الزواج بين حاملي الدّرجات الجامعيّة.
ويقول سميث: "تاريخيّاً، كانت هناك هذه الحزمة: تزوَّج، اذهب إلى الكنيسة أو المعبد، انجب أطفالاً، قُم بإرسالهم إلى مدرسة الأحد". لكن مثلما تقوم العائلات المستقرّة بتكوين رعايا مستقرّين للكنيسة، فإنّ "عدم استقرار" الأسرة يمكن أن يزعزع استقرار الكنيسة. والأفراد المُطلَّقون، والآباء المنفصلون، والأطفال الّذين يعيشون في بيوت يرعاها أحد الوالدين أكثر عرضة للانفصال بمرور الوقت عن رعايا الكنيسة.

في القرن الواحد والعشرين، أصبح تعبير "غير دينيّ" هويّة أمريكيّة محدّدة تميّز البيض العلمانيّين الّليبراليّين عن اليمينيّن الإنجيليّين المحافظين

أخيراً، قد تكون ظاهرة "تأخّر الرُّشد" من العوامل الخفيّة الأخرى. فالمزيد من الأمريكيّين، خاصّة خريجي الجامعات في مناطق المترو الكبيرة، يؤجّلون الزّواج وإنجاب الأطفال حتّى الثّلاثينيّات من العمر، ويوظِّفون العشرينيّات لتأسيس حياة مهنيّة، والمواعدة، والتّمتّع بسنّ الشّباب والعزوبيّة داخل المدينة. وبحلول وقت الاستقرار، يكونون قد وضعوا روتيناً - العمل، وجبة الفطور، الّذهاب لصالة الألعاب الرّياضيّة، المواعدة، وقت المشروب، لعب كرة قدم - لا يترك مجالاً كبيراً للقدّاس الأسبوعيّ. "بحلول الثّلاثين، يكونون قد عرفوا أنفسهم، ولا يشعرون أنّهم بحاجة إلى كنيسة لتخبرهم بذلك".

لا يبدو أنّه ثمّة أيّ علامات على تباطؤ ممكنٍ قد يلحق بظاهرة صعود الّلامنتمين دينيّاً. في الواقع، إنّ الهويّة الدّينيّة الّتي يبدو أنّها تؤدّي أفضل وظيفة عندما يتعلّق الأمر بكلٍّ من الاحتفاظ بالأعضاء القدامى وجذب أعضاء جدد هي الدّين الأمريكيّ الجديد "لا شيء على الإطلاق".

هل يُعدّ صعود الّلامنتمين دينيّاً أمراً مهمّاً؟

لننظر أوّلاً في احتماليّة كون الأمر غير مهمّ. بالرّغم من ابتعاد الشّباب الأمريكيّ عن الدّين المنظَّم، فإنّهم لم يقعوا في هوى الشّرّ. بالعكس، يمتلك شباب اليوم ضميراً فريداً - فهم أقلّ عرضة للقتال والشّرب وتعاطي المخدّرات القويّة .. من الأجيال السّابقة. وقد لا يكونون قادرين على الاقتباس من إنجيل متّى، لكن سياساتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة - الّتي تُصرّ على حماية المهمشين سياسيّاً والمضطّهدين تاريخيّاً - ليست بعيدة عن قراءة معيّنة لتطويبات المسيح.
لكن السّياسة الّليبراليّة للشّباب تعود بنا إلى أوّل سبب كبير يتعلّق بتزايد عدم الانتماء الدّينيّ. لقد ظهرت فجوة بين الحزبين السّياسيّين الكبيرين في أمريكا. وفي تطوّر مصيريّ، دخل اليمين المسيحيّ في السّياسة لإنقاذ الدّين، فقط لجعل الرّابطة المسيحيّة-الجمهوريّة غير مقبولة لملايين الشّباب - وبالتّالي تسريع تحوّل البلاد ضدّ الدّين.

لعبت قوى اجتماعيّة أخرى لا علاقة لها بالجغرافيا السّياسيّة أو الحزبيّة دوراً رئيساً في صعود الّلامنتمين دينيّاً

بالرّغم من أنّه سيكون من الخطأ تسمية الدّيمقراطيّين بالحزب العلمانيّ (فالنّاخبون السّود الأكبر سنّاً متديّنون للغاية ويصوّتون بثقة للحزب الدّيمقراطيّ)، فإنّ اليسار اليوم لديه نصيب أعلى من النّاخبين غير المنتمين دينيّاً مقارنةً بأيّ وقت في التّاريخ الحديث. وفي الوقت نفسه، ارتفع متوسّط تديّن الجمهوريّين المسيحيّين البيض، وفقاً لروبرت جونز، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة "بي أر أر آي" للاستطلاع ومؤلّف كتاب "نهاية أمريكا المسيحيّة البيضاء". ويشعر الإنجيليّون بالورطة الشّديدة لدرجة أنّهم تحوّلوا نحو بطلٍ غير أخلاقيّ وسُلطويّ لحمايتهم - حتّى لو كان ذلك يعني منح قيصرٍ أمريكيّ أيّ شيء يريده. وتتعرّض السّياسة الأمريكيّة لخطر أن تصبح حرب تديّنٍ ضدّ علمانيّة بالوكالة، حيث يرى كلّ جانب الآخر باعتباره قوّة سياسيّة كارثيّة يجب تدميرها بأيّ ثمن.
والسّؤال الأعمق هو ما إذا كان للخسارة المفاجئة للدّين عواقب اجتماعيّة بالنّسبة إلى الأمريكيّين الّذين يفضّلون الانسحاب. ربّما لم يدرس الأمريكيّون العلمانيّون، الّذين هم على دراية بالطّرق الّتي خانت بها الأديان التّقليديّة الّليبراليّة الحديثة، كيف قدّم الدّين المنظَّم على المستوى التّاريخيّ حلولاً لمخاوفهم الوجوديّة الحديثة.
إنّه لمن الصّعب على شخص راشد تكوين صداقات دون حضور القدّاس الأسبوعيّ. ومن الصّعب تأسيس روتين خلال العطلة الأسبوعيّة لتهدئة الأعصاب بعد ظهيرة يوم الأحد. ومن الصّعب التّوفيق بين الإحساس السّاحق بأهميّة الحياة والّلامبالاة الظاهريّة للكون بالمعاناة الإنسانيّة.

اقرأ أيضاً: كيف تصبح "لا إكراه في الدين" نبذاً للعنف والاستغلال السياسي؟
بالرّغم من أنّ الإيمان لا يوفّر حلّاً سحريّاً لهذه المشكلات، فإنّ الدّين أكثر من مجرّد إيمان. إنّه حزمة: نظريّة للعالَم، مجتمع، هويّة اجتماعيّة، وسيلة لإيجاد السّلام والغاية، روتين أسبوعيّ. وهؤلاء الّذين رفضوا إلى حدّ كبير الصّفقة هذه، كما فعلتُ، غالباً ما يجدون أنفسهم يتسوّقون من قائمة مفتوحة من أجل المعنى، والانتماء إلى مجتمع، والرّوتين لملء فراغٍ يأخذ شكلاً دينيّاً. سياستهم عبارة عن دين. وعملهم عبارة عن دين. وكنيستهم هي صالة الألعاب الرّياضيّة. وعدم النّظر إلى هواتفهم لعدّة ساعات متتالية عبارة عن سبتٍ [يوم السّبت بما يحتلّه من مكانة دينيّة لدى اليهود].
ربّما بنى الّلامنتمون دينيّاً في أمريكا أنظمة علمانيّة ناجحة للإيمان والغاية والمجتمع. لكن تخيّل ما قد يعتقده مؤمنٌ ورع: لقد تخلّى الملايين من الأمريكيّين عن الدّين، فقط ليقوموا بإعادة خلقه في كلّ مكان آخر ينظرون إليه.


ديريك طومسون، ذي أتلانتيك

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.theatlantic.com/ideas/archive/2019/09/atheism-fastest-growin...

للمشاركة:



العدوان التركي يطال قاعدة أمريكية.. ماذا سيكون رد واشنطن؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

تداولت وسائل الإعلام التركية والعالمية، أمس، أنباء حول قيام القوات المسلّحة التركية بتوجيه ضربة إلى منطقة تتواجد فيها قوات أمريكية، خلال العملية العسكرية التي تشنها القوات التركية بالتعاون مع قوات الجيش الوطني السوري.

أول تعليق من الجانب الأمريكي، جاء من مبعوث الولايات المتحدة السابق الخاص بداعش، بريت ماكجورك؛ حيث قال: "الاعتداء لم يكن بشكل غير مقصود"، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" االتركية.    

ماكجورك: الاعتداء على قاعدة امريكية شمال سوريا لم يكن بشكل غير مقصود لان تركيا تعرف مواقع قواتنا

ونشر ماكجورك تعليقه على الهجوم التركي على القوات الأمريكية، من خلال تغريدات على حسابه على تويتر، قائلًا: "القوات التركية استهدفت نقطة محددة كنقطة عسكرية أمريكية في شمال سورية، وكانت تركيا ووزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان على علم تام بكافة تفاصيل جميع مواقعنا في شمال سوريا. هذا الاعتداء لم يكن بشكل غير مقصود".

وحذر ماكجورك من أنّ استمرار العملية العسكرية على شمال سوريا يمثل تهديداً وخطراً على العناصر الأمريكية هناك، قائلًا: "هذا الوضع يجبر ترامب على تغيير هذا المسار بشكل سريع أو التخطيط لمخرج آمن من هذا الوضع".

من جهته، أوضح وزير المالية الأمريكي، ستيفن منوتشين، أنّ الرئيس دونالد ترامب وقَّع على مذكرة جديدة قد تفتح الباب لفرض عقوبات على النظام التركي، جراء استمرار عدوانها على شمال سوريا.

وأكد منوتشين أنّ ترامب وقَّع بالفعل على مذكرة القرار التي تعطي صلاحية فرض عقوبات قوية على تركيا، إلا أنه لم يفعّلها حتى الآن، مشيراً إلى أنه سيتم استهداف الاقتصاد التركي من خلالها إذا لزم الأمر.

منوتشين: الرئيس دونالد ترامب وقَّع على مذكرة جديدة قد تفتح الباب لفرض عقوبات على النظام التركي

وقال منوتشين في المؤتمر الصحفي في البيت الأبيض: "إنّ السيد الرئيس قلق فيما يتعلق باستهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية والأقليات الدينية في العدوان التركي، كما أنه يؤكد لتركيا على ضرورة ألا يهرب ولو عنصر واحد من عناصر تنظيم داعش. ومع أنه لم يتم تفعيل العقوبات على تركيا الآن، ولكن كما قال الرئيس فقد منح تفويضاً مهماً للغاية لتوقيع عقوبات قوية على الاقتصاد التركي".

يشار إلى أنّ هذه العقوبات تتضمن تجميد ممتلكات كبار المسؤولين في الولايات المتحدة، وعلى رأسهم الرئيس أردوغان وصهره وزير المالية برات ألبيراق، ووزير الدفاع الحالي رئيس الأركان السابق خلوصي أكار.

 

 

للمشاركة:

قوات الاحتلال الإسرائيلي تشنّ حملة اعتقالات.. في هذه المدن

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، فجر اليوم، حي الطيرة في مدينة رام الله، ووقعت مواجهات مع الشبان الفلسطينيين قبل أن تنسحب في ساعات الصباح .

اقتحمت قوات الاحتلال الاسرائيلي مدينة رام الله وطولكرم واعتقلت فلسطينيين إطلاق نار على مستوطنين

وأفادت مصادر محلية، نقلت عنهم وكالة "معاً"؛ بأنّ قوات كبيرة داهمت منزل والدة الأسير سامر العرابيد في حي الطيرة، والذي تتهمه قوات الاحتلال بالمسؤولة عن عملية عين بونين، التي أسفرت عن مقتل مستوطنة قبل شهرين تقريباً .

كما اقتحمت قوات الاحتلال منزل الأسير أحمد محمد عبد الصمد في عنبتا، قضاء طولكرم، والذي تم اعتقاله أمس، ومصادرة مركبة والده، واعتقلت أيضاً  شابين منها، دون توضيح سبب الاعتقالات.

وكانت قوات الاحتلال قد أعلنت، ليلة السبت، عن عملية إطلاق نار تجاه سيارة للمستوطنين قرب مستوطنة "حفات جلعاد"، غرب نابلس، دون وقوع إصابات، وإثر ذلك؛ قامت قوات الاحتلال بإغلاق عدد من الحواجز غرب مدينة نابلس.

في سياق منفصل؛ أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، اليوم، اعتزامها بناء 251 وحدة سكنية استيطانية، ومصادرة عشرات الدونمات من أراضي محافظة بيت لحم.

وقال مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيت لحم، حسن بريجية: إنّ "ما يسمى "مجلس التخطيط والبناء ومجلس مستوطات عصيون" أقرّ مخططاً لبناء 251 وحدة استيطانية، منها 146 في مجمع "غوش عصيون" الاستيطاني جنوب بيت لحم، و 10٥ وحدات في مستوطنة "كفار الداد" شرقاً".

سلطات الاحتلال تعلن اعتزامها بناء 251 وحدة سكنية ومصادرة أراضٍ في محافظة بيت لحم

وفي السياق، استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على مساحات واسعة من أراضي بلدة نحالين، غرب بيت لحم، لصالح توسيع مستوطنة "ألون شفوت" على حسابها.

وأشار بريجية إلى أنّ قرار الاستيلاء طال عشرات الدونمات من أراضي الحوض الطبيعي رقم (4) التابعة للبلدة، لغرض بناء وحدات استيطانية جديدة داخل المستوطنة المذكورة.

 

للمشاركة:

الإمارات تطلق حملة إغاثة جديدة باليمن.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

أطلقت دولة الإمارات حملة إغاثة لمخيمات النازحين في محافظة عدن، وذلك ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي تنفذها في المحافظات اليمنية المحررة .

وقامت فرق الإغاثة الإنسانية التابعة لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي بتوزيع المساعدات الغذائية والخيام على النازحين في المخيمات، والبالغ عددهم 1400 أسرة، موزعين على 14 مخيماً في مختلف مديريات محافظة عدن، وفق وكالة "وام".

دولة الإمارات تسيّر قوافل مساعدات غذائية وإغاثية إلى محافظتَي عدن والحديدة

كما واصلت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الغذائية على المحتاجين والنازحين في الساحل الغربي اليمني، ضمن برامجها الهادفة لتخفيف المعاناة عن كاهل الأشقاء اليمنيين، وتطبيع الحياة في مناطقهم.

وسيّرت الهيئة، خلال الأسبوع الماضي، قوافل مساعدات غذائية جديدة، لنحو ثلاثة آلاف أسرة في مدينة ومحافظة الحديدة.

وعبّر المستفيدون في محافظة عدن وأهالي الحديدة عن تقديرهم لهذا الدعم الذي تقدمه دولة الإمارات عبر ذراعها الإنسانية "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي" لمخيمات النازحين.

يذكر أنّ دولة الإمارات قدّمت للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، مساعدات تقدر بـ (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



قراءة في مراجعات "الإخوان"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

هاني سالم مسهور

تسعة عقود مرت منذ أن أسس حسن البنا جماعة «الإخوان»، التي لم تخرج من دائرة ما تقول إنه ثوابتها، حتى وهي تتلقى الضربات العنيفة في مسيرتها. لم يتغير سلوك الجماعة وهي ترى إعدام سيد قطب عام 1966 حتى وإن غيرت من تكتيكها الحركي بعد نكسة 1967، وظلت دائرة الحركة واحدة، وإن تغيرت بعض من حركة أطرافها في سياق مرتبط بمدى ما يفرضه النظام السياسي من قوة في التعامل معها.
الجماعة، التي تعرف كيف تحقق مكاسبها، تجد متنفسها من خلال ما يتوفر لها من أنظمة حكم سياسية، إما في التراخي، أو من خلال التحالف لتقاطع المصالح، وهذا ما يمكن الإشارة إليه بعد تمكن التنظيم من الإمساك بالدولة السودانية في 1989 كمدخل يعتبر الأهم في تاريخ الجماعة، بعد انسداد كل الآفاق الممكنة في مصر خصوصاً. وفي السودان كان اللافت أن الجماعة التي قدمت نفسها كبديل للدولة الوطنية بعد غزو العراق للكويت عام 1990 بعقد «المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي» عام 1991، وقدمت آنذاك إطاراً واضحاً لمفهومها حول الدولة الوطنية واستبدالها بالخلافة الإسلامية، بعد أن أظهرت جانباً كان لسنوات بعيدة مجهولاً عندما شاركت إيران في ذلك المؤتمر، وأفرز أكثر من مجرد تقارب بين أهداف «الإخوان» وإيران.
في مفهوم جماعة «الإخوان» لا مكان للمراجعات، حتى وإنْ تم إظهارها من خلال أفراد منتمين إليها فكرياً أو حتى تنظيمياً، فبالعودة إلى ما بعد مؤتمر الخرطوم عام 1991 لا توجد مراجعات نقدية لذلك التقارب مع إيران، برغم الاختلاف الأيديولوجي بين طرفي المعادلة، فـ«الإخوان» يمثلون الشق السُني، بينما الإيرانيون يمثلون الشق الشيعي، ومع ذلك لم تظهر مراجعات نقدية، بل كانت فترة يمكن أن توصف بأنها مزدهرة بالكم الهائل من الكتب والدراسات، التي قدمت في نطاق الدفع بالقوة العسكرية، التي كانت محصورة بين «حزب الله» اللبناني وجماعة «حماس» الفلسطينية.
نشأ تنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» في هذا السياق مدفوعاً بالكم الهائل من التنظيرات الداعمة لوجوده كذراع عسكري كان الأكثر شراسة، وهذا هو سياق طبيعي، فهو خرج من جلباب أحد أكثر المتشددين في جماعة «الإخوان» عبدالله عزام وتلميذه، أسامة بن لادن، هذا النفور في السطوة وما تعرضت له الدول العربية من ضربات، خاصة السعودية ومصر خلال التسعينيات الميلادية، وما بعدها كان خلفه حواضن مخفية لعبت فيه أنظمة عربية أدواراً لتصاعد تلك التنظيمات، كانت توفر لأدواته التي تصاعدت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001.
وحتى 2011 لم يكن للمراجعات «الإخوانية» ظهور بالشكل الذي يمكن الإشارة إليه، خاصة أن حاضناً مهماً للجماعة كان قد ظهر في المشهد باستقطاب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اللاعب الأكثر حيوية فيما يسمى «الربيع العربي»، وبسقوط نظام الحكم المصري وصعود «الإخوان»، كانت الجماعة قد استحكمت قوتها وحققت الجزء الأكبر من مشروعها، فبالنظرة العامة للخريطة العربية آنذاك، كان التنظيم قد استحوذ على مصر واليمن وليبيا، تاركاً لإيران تحكمها في «الهلال الشيعي» الممتد من العراق وحتى ولبنان، مروراً بالأراضي السورية.
لم تكن ثورة يونيو 2013 المصرية كافية بالنسبة لجماعة «الإخوان» كي تغير أفكارها، فلقد كانت اليمن وتونس ما زالتا بقبضتهم، وإنْ خرج بعض أفرادها تحت ضغط اللحظة قد حاول التخلص من تبعات الزلزال الذي ضرب الجماعة والتنظيم معاً. والمراجعات الفردية هي تكتيك لامتصاص الضربات القوية، وهذا ليس نهج «الإخوان» وحدهم، فحتى السلفية الجهادية استخدمته بعد اغتيال الرئيس المصري أنور السادات أوائل الثمانينيات الميلادية من القرن العشرين الماضي، فالقناعات الراسخة تبقى مستمدة من أصول هذه الجماعات لتحقيق أهدافها بالوصول إلى السلطة وتدمير الدول الوطنية العربية.
ولتأكيد أن المراجعات هي تكتيك مرحلي، فإن ما صدر عن حزب «التجمع اليمني للإصلاح» ممثلاً في «الإخوان» في اليمن، كان أكثر المراجعات هزلية بعد انطلاق «عاصفة الحزم» عام 2015، فكان الإعلان عن المراجعات ضرورة، سرعان ما تبددت بعد أن استعاد «حزب الإصلاح» قوته العسكرية ليعود لممارسة نشاطاته، ويفرض أجندته السياسية كلاعب في المشهد اليمني، بل كواحد من اللاعبين في المحور التركي، وهو ما تؤكده مواقف كوادر حزب «الإصلاح».
ما تعرضت له مصر في الثلث الأخير من 2019 وسبقتها اليمن وتونس عبر حركة «النهضة»، يعزز مسألة أساسية في أن المراجعات لجماعات الإسلام السياسي تبقى مجردة من محتواها الفعلي، ولا تنعكس على التأثير العميق لرؤيتها وأهدافها، فهي تظل ورقة تستخدم عبر الأفراد، حتى وإنْ كانوا ضمن التشكيل العميق للجماعة، التي تجيد تسويق هذه المراجعات عبر المنافذ الإعلامية، ولكنها تظل في واقعها قادرة على الانتقال لمرحلة مواجهة أخرى، خاصة أنها تجد من الفراغات المتاحة في دول عربية متعددة فيها من الاختلالات ما يجعل منها حواضن للتنظيم سياسياً وعسكرياً، وقبل ذلك فكرياً.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

حسن مدن

ملف «داعش» لم يُطوَ بعد، رغم الهزائم التي مُني بها في سوريا والعراق، وما لحق به من خسائر. هذا الملف لم يوجد لِيُطوى، إنما ليظل مفتوحاً حتى يجني كامل الثمار من صَنَعَ هذا التنظيم ومَوَّلَه وسلَّحَه ووفَّر له ما يحتاج من معلومات استخباراتية ضرورية، حتى يستقطب في صفوفه الآلاف المؤلفة من المقاتلين الذين تدفقوا إلى أماكن سيطرته عبر البوابات المعروفة، وفي مقدمتها تركيا بالذات.
خبر تكرّر بثه خلال اليومين الماضيين عن أن سجناً يضم المئات من مقاتلي «داعش» الأسرى، هو سجن «جركين» بالقرب من مدينة القامشلي السورية استهدفته المدفعية التركية، وحسب مصدر كردي فإن تكرار القصف على السجن يدلل على أن تركيا تسعى إلى إعادة إحياء «داعش» في المنطقة مجدداً، وحذّر المصدر نفسه من إمكانية هروب مسلحي «داعش» من السجون.
أكثر من ذلك تقول أنباء إن هناك تنسيقاً واضحاً بين تركيا ومسلحي «داعش» الذين ما زالوا موجودين في المنطقة على شكل خلايا نائمة تتجهز لمهاجمة مواقع «قسد» من الخلف، ولا غرابة في ذلك، فالكثير من هؤلاء إنما عبروا الحدود إلى سوريا عبر تركيا، التي لولا ما وفّرته لهم من تسهيلات ما كانت أقدامهم قد دنّست الأرض السورية.
لا مفاجأة في هذا. ينبغي ألا تكون هناك مفاجأة إذا ما استعدنا الوقائع حول مقدمات وخلفيات ومجريات ومرامي صنع هذا التنظيم الإرهابي، ليكون قاطرة لتفتيت الأوطان العربية، لتصبح ساحة نفوذ للقوى الإقليمية المتربصة، وما العدوان التركي الأخير على الأراضي السورية إلاّ أحد تجليات ما أرادت هذه القوى أن تقطفه من ثمارٍ جلبها لها هذا التنظيم.
ليست معركة ضد حزب العمال الكردستاني في شمال شرقي سوريا تلك الجارية الآن، حتى لو كان مقاتلو الحزب مستهدفين لتسهيل تقدّم القوات الغازية في الأراضي السورية. هدف المعركة أكبر وأوسع، وهو اقتطاع أجزاء واسعة من سوريا وضمّها بحكم سياسة الأمر الواقع إلى تركيا، بالاستعانة بأذرع سوريّة جرى تسليحها تركيّاً، للمضي بالخطة حتى نهايتها.
سيقول قائلون، وفي قولهم الكثير من الوجاهة، نحن العرب، من ربّينا «داعش» من خلال ما يحمله الكثير من مناهجنا التعليمية من تكفير وتسفيه لحرية الرأي وقمع للاجتهاد الحر، ومن خلال ما نشره بعض من يوصفون بالدعاة ممن حرّضوا الشباب على التهلكة بأنفسهم، فجرى تسليمهم للقوى والمحاور التي وظفتهم شرّ توظيف، وها هي تقطف اليوم الثمار، الواحدة تلو الأخرى.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

من هو حسن البنا "الساعاتي" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-13

منذ سنوات وجماعة الإخوان المسلمين تعيش أزمة قد تكون هي الأصعب في تاريخها الذي يبلغ 91 عاماً.

وتعتبر جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها حسن البنا، واحدة من أقدم التنظيمات الإسلامية في مصر وأكبرها، كما أن لها تأثيرا على الحركات الإسلامية في العالم، وذلك بما تتميز به من ربط عملها السياسي بالعمل الإسلامي الخيري.

وكانت الجماعة تهدف في البداية لنشر القيم الإسلامية والعمل الخيري، إلا أنها سرعان ما انخرطت في العمل السياسي، وخاصة في كفاحها لرفع سيطرة الاستعمار الإنجليزي عن مصر، ومحو كل أشكال التأثير الغربي عليها.

ومع أن الإخوان يقولون إنهم يدعمون مبادئ الديمقراطية، إلا أن أحد أهداف الجماعة التي أعلنتها يتمثل في إقامة دولة تحكمها الشريعة الإسلامية، ويتمثل ذلك أيضا في شعارها الشهير "الإسلام هو الحل".

فمن هو حسن البنا مؤسس الجماعة؟
في مثل هذا الوقت من عام 1906 ولد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن أحمد عبد الرحمن البنا في المحمودية بمحافظة البحيرة بمصر لأسرة ريفية، ولقب بالساعاتي لأنه عمل في فترة من حياته في إصلاح الساعات.

وفي عام 1923 التحق بمدرسة دار العلوم وتخرج مدرسا في القاهرة، وفي عام 1927 انتقل للعمل بمدرسة ابتدائية بمدينة الإسماعيلية التي كانت مركزا للنفوذ الأجنبي سواء من الجانب الاقتصادي أو العسكري.

وقد شهدت تلك الفترة انهيار دولة الدولة العثمانية في تركيا، وفي مارس/آذار عام 1928 قام وستة من العاملين بمعسكر العمل البريطاني بتأسيس جماعة الإخوان المسلمين بهدف تجديد الإسلام، وذلك بحسب دائرة المعارف البريطانية.

وقد افتتحت الجماعة أفرعا لها في جميع أنحاء الدولة المصرية، وكان كل فرع يدير مسجداً ومدرسة وناديا رياضيا، وسرعان ما انتشرت عضويتها.

وفي ثلاثينيات القرن العشرين نقل البنا إلى القاهرة بناء على طلبه، وبحلول الحرب العالمية الثانية نمت الجماعة بشكل الكبير بشكل جعلها عنصرا فاعلا في المشهد المصري وجذبت عددا كبيرا من الطلبة والموظفين والعمال.

وكان العديد من هؤلاء ينظرون للحكومة المصرية باعتبارها خائنة للقضية الوطنية.

وفي أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، انتشرت أفكار الجماعة في ربوع مصر وفي جميع أنحاء العالم العربي.

وفي الوقت نفسه، أسس البنا جناحا شبه عسكري -وهو الجهاز السري الخاص بجماعة الإخوان- بهدف محاربة الحكم الإنجليزي، والمشاركة بواحدة من حملات التفجيرات والاغتيالات.

وفي أواخر عام 1948، قامت الحكومة المصرية بحل الجماعة بعد أن أصبحت تشكل تهديدا للمصالح البريطانية واتهمت باغتيال رئيس الوزراء المصري آنذاك، محمود باشا النقراشي.

وعلى الرغم من أن البنا أعرب عن رفضه لذلك الاغتيال، إلا أنه اغتيل بطلق ناري من قبل أحد المسلحين، ويعتقد أنه أحد أفراد قوات الأمن في فبراير/شباط عام 1949.

إخوان ما بعد البنا
وفي عام 1952، انتهى الوجود الاستعماري البريطاني في أعقاب انقلاب عسكري قادته مجموعة من ضباط الجيش، أطلقوا على أنفسهم اسم مجموعة "الضباط الأحرار".

ولعب الإخوان في ذلك الوقت دورا داعما لذلك الانقلاب وتعاونوا مع الحكومة الجديدة. وكان أنور السادات، وهو أحد أولئك الضباط والذي أصبح رئيسا للبلاد عام 1970، هو حلقة الوصل السرية بين الضباط والجماعة، إلا أن العلاقات سرعان ما توترت بينهم.

وفي أعقاب فشل محاولة اغتيال الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1954، وجهت تهمة محاولة الاغتيال إلى الجماعة، وجرى حظرها، وأودع الآلاف من أعضائها في السجون إلا أن الجماعة أخذت في التوسع بشكل سري.

وأدى ذلك الصراع بين الجماعة والسلطة المصرية إلى إحداث تحول هام في فكر الإخوان، الذي كان واضحا في كتابات سيد قطب أحد أعضاء الجماعة ومفكريها المشهورين، حيث كان قطب يؤيد فكرة الجهاد ضد المجتمعات التي كان يعتبرها "جاهلية".

وكانت كتاباته، وخاصة ما كتبه عام 1964 في كتابه "معالم في الطريق"، مصدر إلهام لمؤسسي العديد من الجماعات الإسلامية الأصولية، بما فيها جماعة الجهاد الإسلامي وتنظيم القاعدة.

وشهد عام 1965 ممارسات جديدة من قبل الحكومة المصرية ضد جماعة الإخوان، بما في ذلك إعدام قطب في عام 1966، وهو ما جعل الكثير من الناس في منطقة الشرق الأوسط يعتبرونه شهيدا.

أكبر قوة معارضة
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، حاول الإخوان مرة أخرى المشاركة في التيار السياسي الرئيسي في البلاد.

وقامت قياداتها المتتابعة بتشكيل تحالفات مع حزب الوفد في عام 1984، كما تحالفوا أيضا مع حزب العمل والأحزاب الليبرالية عام 1987، ليصبحوا أكبر القوى المعارضة في مصر. وفي عام 2000، ربح الإخوان 17 مقعدا في مجلس الشعب المصري.

وبعد خمسة أعوام، حققت الجماعة أفضل نتيجة لها في الانتخابات، حيث فاز مرشحوها المستقلون بنسبة 20 في المئة من مقاعد المجلس.

وجاءت تلك النتيجة صادمة للرئيس المصري آنذاك، حسني مبارك، وبدأت الحكومة المصرية في ذلك الوقت بممارسات قمعية جديدة على الجماعة.

وفي أول انتخابات برلمانية جرت بعد الإطاحة بمبارك في فبراير/شباط عام 2011، فاز حزب الحرية والعدالة الذي كان الإخوان قد أسسوه بما يقرب من نصف المقاعد في مجلس النواب.

وفي عام 2012، أصبح محمد مرسي، رئيس حزب الحرية والعدالة آنذاك، رئيس جمهورية مصر العربية.

وبدأت المعارضة الشعبية لمرسي وجماعة الإخوان تتشكل في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2012. ليجري لاحقاً عزل مرسي واعلان انتهاء حكم الإخوان.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية