مراكز إسلامية في الغرب تنحرف عن مهماتها في مواجهة التطرف

2074
عدد القراءات

2018-10-10

نادر أبو الفتوح

قررت وزارة الأوقاف المصرية إجراء اختبار للدعاة لإيفاد الفائزين منهم إلى عدد من المراكز الإسلامية في أوروبا. وحددت مجموعة من الشروط لخوض المسابقة، تضمنت أن يكون المتقدم للاختبار أمضى مدة خدمة في قطاع الدعوة لا تقل عن سبع سنوات، ويجتاز الاختبارات التحريرية والشفوية المقررة في الـقـرآن والعـقيدة والتـفسـير، والحديث والفقــه وأصولـه، بالإضافة إلى السـيرة النبوية والثقافة العامة.

حمل ذلك الامتحان الجديد دلالات خاصة، بعد أن توازى مع حملة شرسة تتعرض لها المراكز الإسلامية في الغرب من قبل اليمين المتطرف، متهمة إياها بكونها مفرخا رئيسيا للمتطرفين والخطاب المتشدد.

كان إيفاد الدعاة المصريين في السابق للعمل في المراكز الأوروبية لا يخضع لضوابط دعوية فقط، لكن تتحكم فيه العلاقات الشخصية والمحسوبية والتكريم دون النظر إلى كفاءة الداعية المرسل، وهو ما تسبب في إرسال دعاة غير جديرين بالعمل لعدم قدرتهم على إجادة اللغات الأجنبية، وضعف مستواهم العلمي، الأمر الذي جعل الكثير من أبناء الأقليات الإسلامية في الغرب لا يترددون على المراكز الرسمية، لعدم القدرة على التواصل مع أئمتها.

وكشف تنامي معدلات التطرف وانضمام الشباب في الغرب إلى الجماعات المتطرفة تراجع دور المراكز الإسلامية، لأنها الجهات المسؤولة عن التوعية الدينية، ليس فقط النصح والمواعظ، ما أجبر الدول التي كانت توفد مندوبين لها إلى أوروبا تتحرى الدقة الشديدة في الاختيار تجنبا للهجوم عليها.

من الصعب أن تتحمل جهة بعينها مسؤولية مكافحة التطرف ومن الظلم تحميل المراكز الإسلامية وحدها معضلة المواجهة

وتتعرض المراكز الإسلامية لانتقادات مستمرة من اليمين المتطرف في أوروبا، تصاعدت مع انضمام أعداد كثيرة من الشباب إلى تنظيمات إرهابية. وعزا البعض مسؤولية صناعة التطرف إلى طبيعة الخطاب الديني المقدم الذي يخلو من الفكر المستنير ولا يواكب فلسفة الدول الغربية التي يقيم فيها المسلمون.

وتعود المعضلة في تلك المراكز إلى جذور أعمق ترتبط بنظرة المسلمين لمجتمعاتهم الجديدة ومنظور التعامل الغربي مع المسلمين، حيث يفشل المسلمون في الاندماج مع المجتمع المنفتح الذي يرون أنه “مخالف لتعاليم الإسلام”، بينما يجد الغربيون صعوبة في الوصول إلى تفاهم يسهم في جعل المجتمع بكافة أديانه وطوائفه نسيجا واحدا.

تلقى المسؤولية على المراكز الإسلامية بعد أن فقدت أهليتها منذ فترة في أداء دور توجيه المسلمين نحو الطريق الصحيح من تفاهم ومحبة وتقارب وتسامح. وفقدت قدرتها على خلق استيعاب ثنائي الأوجه بين الطرفين عن طريق تقبل الآخر الذي ينتج من تدريس التعاليم الصحيحة من فقه الأقليات وآداب المؤاخاة وأصول الاندماج.

ويرى مصطفي مراد، أستاذ الأديان والمذاهب بجامعة الأزهر، أن دور المراكز الإسلامية في الغرب ينبغي أن يركز علي العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع الواحد، وتنطلق الدعوة فيها من فقه الأقليات ومراعاة الواقع، لأن الخطاب الدعوي المقدم للأقليات الإسلامية في الخارج، ينبغي أن يركز على قضايا المواطنة والتعايش السلمي.

تتمحور أزمة الخطاب الدعوي في تلك المراكز حول فكرة أنه يخاطب المسلمين في الغرب وكأنهم يعيشون داخل أوطانهم، فيركز على قضايا هامشية ومواعظ وخطب مكررة، ليست لها علاقة بالواقع، دون اقتحام لقضايا جوهرية تمس التعامل اليومي للمسلمين مع غيرهم في المجتمع الواحد، بل يفاقم الخطاب التقليدي أزماتَ الشباب، ويقيد حرية هذه الفئة باعتبارها فئة تضمّ مواطنين.

ويقتصر الخطاب الدعوي في العديد من تلك المراكز على خطبة الجمعة والحديث عن دار الكفر ودار الإيمان، وغيرها من الأمور التي أدت إلى الانغلاق وعدم التواصل، رغم أن المواطنة تستدعي الانفتاح والتعامل لتصحيح المفاهيم، لأن اليمين المتطرف يرى أن أبناء الأقليات الإسلامية يريدون هدم الحضارة الغربية، بذريعة الانغلاق وعدم التواصل.

وأضاف مراد لـ”العرب” أن الكثير من الأزمات التي يتعرض لها المسلمون في الغرب، تعد نتيجة طبيعية لغياب التوعية بفقه الأقليات، وعدم معرفة ثقافة التعامل مع الآخر المخالف في العقيدة، ومن الأفضل أن يكون القائمون على الدعوة والخطابة في هذه المراكز، من المتخصصين في علوم أصول الدين والعقيدة وألا تكون لهم انتماءات أيديولوجية.

ويطرح منظور مراد ضرورة بدء إصلاح منظومة المراكز الإسلامية من الدعاة، وتعتمد الدعوة على دعاة من مختلف دول العالم الإسلامي، عبر مخاطبات رسمية، وتتولى المؤسسات الدينية في الدول الإسلامية مسؤولية اختيار الدعاة، ويكون الإيفاد لمدة 4 سنوات، وفي الكثير من الأحيان يتم تجديد مدة البعثة بناء على طلب رواد المركز الإسلامي.

ويحتاج الجيل الثاني من أبناء المسلمين في الغرب إلى دعاة عصريين لديهم قدرة على فهم الواقع، ومعرفة المستجدات، ولكن تراجع مستوى الدعاة المبتعثين، واختلاف الثقافات بين شباب ولد وعاش في الغرب، وبين دعاة عاشوا في مناطق نائية في بلادهم، أدى إلى فقدان التواصل السليم بين دعاة المراكز والشباب المسلم في الغرب، كل ذلك انعكس سلبا على أبناء الأقليات الإسلامية، وأدى إلى تنامي ظاهرتي الإسلاموفوبيا والتطرف الديني.

وأكد الشحات الجندي، رئيس الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية في كازاخستان، أن مهمة تصحيح المفاهيم ومواجهة تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا من أهم مسؤوليات المراكز الإسلامية في الغرب، لأن تجديد الخطاب الديني أصبح ضرورة في ظل تصاعد موجات التطرف، وعند الحديث عن الدعوة في تلك المراكز يصبح التجديد من المحاور التي لا غنى عنها.

ولفت الجندي لـ”العرب” إلى أن تأهيل الدعاة قبل البعثات للخارج قضية مفصلية، لأن التحديات كثيرة، وتتطلب وعيا وفهما وفقها، والتقصير هنا تترتب عليه عواقب وخيمة، تؤثر بالسلب على المسلمين في الخارج، وتأهيل الدعاة المبتعثين يكون عبر دورات مكثفة في الفقه والشريعة والخطابة وتعلم اللغات الأجنبية.

ولا توجد استراتيجية محددة لجميع المراكز الإسلامية في الغرب، فالخطاب الدعوي مختلف نتيجة تعدد جنسيات الدعاة، وهناك انتماءات وتوجهات تفرضها طبيعة التنافس بين هذه المراكز، بل أحيانا قد يتناقض الخطاب الدعوي بين مراكز إسلامية في نفس الدولة، نتيجة الانتماءات، وعدم وجود رقابة، فكل داعية يضع خطة العمل الدعوي وفقا لقناعاته وقدراته.

ويرجع البعض أسباب فشل تأدية المراكز الإسلامية دورها إلى التنافسية التي تقع بين كبار الدعاة للسيطرة على المراكز، فالبعض يسعى لفرض أفكار وتوجهات معينة تمثل خلطا بين الدين والسياسة، واستغلال المراكز الإسلامية في الغرب لصالح تيارات سياسية، من خلال توجيه أبناء الأقليات الإسلامية في تلك الدول لمواقف بعينها.

وقال مهاجري سفيان -رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، وهي الجهة التي أُنيطت بها مهمة التنسيق بين كافة المراكز الإسلامية في أوروبا- من الصعب أن تتحمل جهة بعينها مسؤولية مكافحة التطرف في أوروبا، ومن الظلم تحميل المراكز الإسلامية وحدها معضلة المواجهة، لأن الأمر يتعلق بجميع مكونات المجتمع، بما فيها المؤسسات السياسية والتعليمية والإعلامية.

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: