مصحف توماس جيفرسون وتعرّف الأمريكيين على الإسلام والمسلمين

مصحف توماس جيفرسون وتعرّف الأمريكيين على الإسلام والمسلمين

مشاهدة

31/10/2019

"لا أستطيع العيش من غير كتب"؛ كلماتٌ خالدة سطرها الرئيس الأمريكي المؤسس، توماس جيفرسون، يوماً، وهذا الشغف بالتعلّم دفع الرجل المقيم في أمريكا الشمالية في القرن الثامن عشر، وفي عصر ما قبل الطيران وسفن الملاحة الحديثة والإنترنت لأن يَطلب من ناشري كتب كثيرة في أوروبا، إرسال آخر ما أنتجته مطابعهم من كتب، وبذلك نُقلت كتبٌ كثيرة عبر الأطلسي، لتستقرّ في مكتبته في ولاية فرجينيا الأمريكية، والقرآن الكريم كان من الكتب التي حرص الرئيس الأمريكي الثالث على اقتنائها. 

عاش توماس جيفرسون في الفترة الواقعة بين عامَي 1743 و1826
عاش توماس جيفرسون، في الفترة الواقعة بين عامَي 1743 و1826، وحكم الولايات المتحدة، في الفترة بين عامَي (1801 إلى 1809).
وتجلّت أهمية مصحف توماس جيفرسون، في الأعوام الأخيرة، عندما طلب مشرعون مسلمون أمريكيون، انتخبوا أعضاء في مجلس النواب الأمريكي، بأن يؤدوا قسمهم على هذا المصحف، المترجم للغة الإنجليزية، والمحفوظ في مكتبة الكونغرس، وقد أقسم كيث أليسون، وهو أول نائب مسلم أمريكي، عام 2007، على مصحف جيفرسون، بطلب خاص منه، ومن ثمّ أقسمت على هذا المصحف النائبة عن ولاية متشيغان، الفلسطينية الأمريكية رشيدة طليب، عام 2019.

صورة رشيدة طليب وهي تقسم على مصحف جيفرسون

وقد كان جيفرسون أحد المفكّرين السياسيين في بداية تأسيس الجمهورية الأمريكية، وهو المؤلف لإعلان الاستقلال، ومن الموقّعين على إعلان منع استقدام العبيد من أفريقيا، كما كان مهندس ومُعدّ القوانين والشرائع التي تحمي الحريات الدينية، وقد طبقت هذه التشريعات منذ عام 1786 في عموم الولايات المتحدة.
وتقول المؤرخة الأمريكية، دنيس سبيلبيرغ: إنّ الرئيس جيفرسون اشترى نسختين من القرآن؛ الأولى كانت أيام كان طالباً في كلية القانون، وذلك عام 1765، وبثمن 16 شلناً أمريكياً، وهذا ما ظهر في سجلات بائع كتب محلي في فيرجينيا، لكنّ تلك النسخة احترقت بحريق أصاب مكتبته، ثم اشترى نسخة جديدة من القرآن الكريم بعد ذلك. وتقول الدكتورة سبيلبيرغ": "فقدنا وثيقة مهمة باحتراق النسخة الأولى، التي من الممكن أن يكون جيفرسون قد كتب على حاشيتها شروحاته وتفسيراته، أثناء قراءته لكتاب المسلمين المقدس".
فيديو عن شراء جفرسون لنسختين من القرآن وتعليق المؤرخة سبيلبيرغ:

 لكنّ هذا الاهتمام المبكّر بالقرآن الكريم من واحد من أهم الشخصيات في التاريخ الأمريكي، في مرحلة نشوء الجمهورية، يحثّنا على طرح السؤال الآتي: ما علاقة جيفرسون بالقرآن، وما دوافعه لمعرفة الإسلام والمسلمين في ذلك الحين؟
وهناك عدة تفسيرات، قديماً وحديثاً، لاقتناء الرئيس الأمريكي الثالث نسخة من كتاب المسلمين الأقدس، ومن هذه التحليلات:
أولاً: أنّ سبب اقتناء جيفرسون لنسخة من القرآن الكريم كان لتأثّره بالفيلسوف الإنجليزي، جون لوك، الذي ألّف كتاباً عن التسامح، يدعو من خلاله لقبول اليهود والمسلمين في أوروبا القرن السابع عشر، ومن الأقوال المشهورة لجيفرسون: "لوك من أعظم رجال الإصلاح في التاريخ".

ثبت بعد أزيد من قرنين صواب منهج الرئيس جيفرسون في المساواة بين أبناء شعبه من العقائد والأعراق كافة

وتقول الدكتورة دنيس سبيلبرغ، في مقال لها في صحيفة "نيوزويك": إنّ "جيفرسون قد تعلم الكثير من معلمه، جون لوك، بعد قراءة كتابه (رسالة في التسامح)".
وقد عزم جيفرسون على احتواء مواطنين مسلمين في الجمهورية الأمريكية، خلافاً لتحذيرات متشدّدين مسيحيين كثيرين، وهذا ما دفعه لقراءة القرآن وفهم العقل المسلم.
ويقول الرأي الثاني إنّ اطلاع جيفرسون على القرآن كان ضمن مساق لمعرفة التشريع الإسلامي، أثناء دراسته للقانون في الجامعة. لكنّ القارئ لإعلان الاستقلال الأمريكي الذي صاغه جيفرسون؛ يرى أنّ الرجل مطّلع على الأديان والحضارة والتاريخ، لكنّه فضّل أن تكون الجمهورية الأمريكية علمانية التوجّه، لا أن تكون كاثوليكية أو بروتستانتية أو يهودية أو مسلمة، ونستنتج من ذلك؛ أنّ جيفرسون وبنظرة مستقبلية كان يقرأ عن دين مجموعة بشرية ستكون مشاركة في النسيج الوطني لبلاده، بعد قرون من الزمن، وهي الأقلية المسلمة الأمريكية، ولم يكن هدفه اجتياز اختبار جامعي بالأديان. 
ثانياً: شراء جيفرسون للمصحف كان لتحسين معرفته بالعلاقات الدبلوماسية، خاصة مع المسلمين؛ لأنّه من المعروف أنّ أول دولة اعترفت بجمهورية الولايات المتحدة الأمريكية، كانت دولة عربية مسلمة؛ هي المملكة المغربية.
ومن القصص التاريخية؛ أنّ جيفرسون استقبل سفير دولة تونس الجديد حينها، وقد وصل السفير في شهر رمضان، وأقام له الرئيس جيفرسون أول حفل إفطار في البيت الأبيض، وقد ذكّر الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في حفل إفطار رمضاني، عام 2012، بأنّ الرئيس جيفرسون، قبل أزيد من قرنَين، أقام حفل إفطار للمبعوث الدبلوماسي التونسي، وذلك في عام 1805.
كلمة الرئيس الأمريكي أوباما:

ثالثاً: يقول المعلّق، مايكل نولز، وهو من ذوي التوجهات المحافظة في أمريكا، إنّ الرئيس جيفرسون اقتنى نسخة من القرآن، لأنّه كان في حرب مع القراصنة المسلمين الذين كانوا يهاجمون السفن التجارية الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط، في الفترة بين عامَي 1801 و1805.

تعليق مايكل نولز:

لكنّ ما فات نولز؛ أنّ النسخة الأولى التي اشتراها جيفرسون كانت قبل قيام الجمهورية الأمريكية، وقبل ظهور القراصنة المسلمين بثلاثة عقود ونصف، أي في عام 1765.

رابعاً: يقول بعض المؤرخين، مثل الدكتورة دنيس سبيلبيرغ، إنّ جيفرسون كان من عائلة ثرية من فرجينيا، وكانت عائلته تمتلك مئات العبيد الذين تمّ إحضارهم بالقوة والقسوة من السواحل الأفريقية، وكثيرون من هؤلاء العبيد كانوا من المسلمين، مما دفعه للتعرّف إلى معتقدات خدمه وعماله ومزارعيه، وقد يكون ذلك التفسير صحيحاً إلى حدّ بعيد، إذا عرفنا أنّ الرئيس جيفرسون صاغ بيراعه مدونة إعلان الاستقلال الأمريكي، بعد الانعتاق من نير الاستعمار البريطاني لبلاده، ومن أكثر الجمل تداولاً في إعلان الاستقلال جملته المشهورة: "خُلق الناس جميعاً متساوين"، أو بالإنجليزية:
"All men are created equal".
التفسير السادس لاقتناء الرئيس الأمريكي، جيفرسون، نسخة من القرآن الكريم: هو ما قاله الدكتور في علم اللاهوت، ديفيد هولمز؛ بأنّ توماس جيفرسون لم يكن مسيحياً بل كان ربوبياً، دينه العقل والإنسانية.
جيفرسون لم يكن مسيحياً بل ربوبياً

وكشف الدكتور هولمز؛ أنّ جيفرسون لم يقل في إعلان الاستقلال إنّ الولايات المتحدة دولة مسيحية، ولم يذكر الإنجيل، أو يسوع المسيح في إعلانه التاريخي المشهور، وهذا يدلّ على أنّه كان يحلم ببناء دولة مدنية محايدة دينياً.

الدكتور في علم اللاهوت ديفيد هولمز: توماس جيفرسون لم يكن مسيحياً بل كان ربوبياً، دينه العقل والإنسانية

ويمكن القول إنّ جيفرسون حاول الاطلاع على الإسلام من خلال القرآن في فترة مبكرة من عمره، من أجل أن يعرف الأديان وشرائعها، كي يجد قواسم مشتركة مستقبلية للأمة الأمريكية، وليوفّق بين جميع أعراق وأديان مواطني بلده الناشئ.
وثبت بعد أزيد من قرنين صواب منهج الرئيس جيفرسون في المساواة بين أبناء شعبه من العقائد والأعراق كافة، وعندما انتخب الأمريكيون نواباً أمريكيين من معتنقي الديانة الإسلامية، وطُلب من هؤلاء النواب أن يؤدّوا قسمهم، فضّل هؤلاء أن يؤدّوا يمين القسم على قرآن رئيس بلادهم الأسبق، توماس جيفرسون.
ويثبت ذلك أنّ روح التسامح والتفاهم التي أشاعها جيفرسون في كيان الأمة الكبيرة قد أتت أكلها الطيّب بعد حين، وساهمت في اندماج المسلمين في نسيج المجتمع الأمريكي.

الصفحة الرئيسية