مصنع الإسلاموية وخطابها تجاه الغرب

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
7448
عدد القراءات

2018-10-08

في 9 أيلول (سبتمبر) 2018، نشر معهد مونتاين Montaigne))(1) الفرنسي، تقريراً كتبه حكيم القروي، بعنوان "مصنع الإسلاموية"، وكان قد أصدر، العام 2017، تقريراً تحت عنوان "إسلام فرنسي ممكن"، بالتعاون مع معهد مونتاين، حول سياسة فرنسا العربية.

يطرح حكيم القروي (2)، وهو حامل لشهادة التبريز في الجغرافيا، تحليلاً منهجياً وشاملاً، عن الاندفاع الإسلاموي في فرنسا وأوروبا.

اقرأ أيضاً: هل حانت لحظة الصدام مع الإسلاموية التركية في ألمانيا؟

يقدّم حكيم القروي مقترحات لمحاربة الإسلاموية، بعد أن يعرّفها، ويذكّر بمصادرها، وأساليب نشرها، وأثرها في فرنسا وأوروبا، ويعتقد وزير الداخلية، جيرارد كولومب، أنّ ما تقدّم به القروي "عمل شامل"، لكنّ استنتاجاته تبقى محلّ شكّ كبير، فيما يتعلق بالحلول التي يطرحها؛ فهو لا يذكر السبب الأساسي لصعود الإسلاموية في فرنسا والعلاج الوحيد الذي يجب تقديمه.

يعرّف الحكيم القروي الإسلاموية، أولاً؛ بأنها أيديولوجية معاصرة، هدفها إنشاء مشروع عالمي، يكون الإسلام فيه إطاراً للحياة (للفرد والمجتمع)، وتأسيس رؤية عالمية أساسها الدعوة للإسلام.

جيرارد كولومب: ما تقدم به القروي عمل شامل، لكن استنتاجاته تبقى محلّ شكّ كبير، فيما يتعلق بالحلول التي يطرحها

• على هذا النحو؛ تمثل الإسلاموية ثلاثة جوانب: "تفسيرٌ للعالم"، و"رؤيةٌ لتنظيم المجتمع"، و"دورٌ يعطَى للدين في ممارسة السلطة".

• يتم تنظيم العلاقات بين الذكور والإناث (مع اختلاط ممنوع في الوهابية)، وكذلك العلاقة مع الآخر، مع الفصل بين المسلمين وغير المسلمين (إلى حدّ الرفض التام للآخر).

• تقوم الأيديولوجية بعد ذلك بفرض معايير غذائية (حلال)، اقتصادية (تمويل إسلامي)، ملابس وسلوكيات (الحجاب، اللحية).

بالنسبة إلى المؤلف، من الضروري: فهم "تروس الآلة الإسلاموية"، من أجل "تقديم إجابة للتحدي الموّجه إلينا" (أي نحن الغربيين).

الخطاب السلفي تجاه الغرب

يستند الخطاب السلفي إلى نصوص القرآن الكريم في انتقاد الغرب، الذي يوصف بالانحطاط.

فالإسلاموية تفرض نفسها تدريجياًّ كمرجعٍ ديني في الفكر والممارسة، بالتالي؛ تخلق هذه الأيديولوجية مجموعتين متميّزتين: المجتمع المكوّن من "الأنقياء"، وفي الخارج من "النواجس"، الذين من الضروري التميّز عنهم بوضوح، والهدف هو التمييز التام، من أجل تشكيل مجتمع آخر يعيش مع قوانينه الخاصة.

ويناقش الكاتب، في الجزء التالي من تقريره، مصادر الإسلاموية.

حكيم القروي كاتب تقرير مصنع الإسلاموية

الإسلام السياسي في مصر وتركيا وإيران

بالنسبة إلى الإخوان المسلمين، في مصر؛ يمثل الإسلام بُعداً اجتماعياً، قبل أن يكون سياسياً، ويهدف أيضاً إلى تعزيز النهضة الإسلامية.

في تركيا؛ يستند الإسلام السياسي لأردوغان إلى الدين، لكنّ السياسة هي التي تحكمه (مع شخصية قومية قوية).

اقرأ أيضاً: الأصولية الإسلاموية المتطرفة والفكر التكفيري الإرهابي: محاولة للفهم

في إيران؛ تنظيم الشيعة المنافس للسنيّة العربية السعودية، من خلال الأعمال التي يسيطر عليها المرشد الأعلى (آية الله).

مواطنة اٍسلامية

إنّ هدف الإخوان المسلمين هو نشر المواقف السياسية والاجتماعية في أوروبا، فيما وراء الانتماءات الوطنية الأصلية.

فمن خلال شبكاتهم الأوروبية (التي تمثلهم في البلديات، أو الدول الأوروبية، أو الاتحاد الأوروبي)، يسعى الإخوان المسلمون إلى فرض شكل من أشكال المواطنة الإسلامية.

في فرنسا؛ يعدّ "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا" (UOIF)، الفرع التابع للإخوان، مع خطاب يركز على مكافحة الإسلاموفوبيا، والدفاع عن الفلسطينيين.

 يجد الإسلاميون على الإنترنت خاصة السلفيين أنفسهم في موقف شبه احتكاري لجميع المسائل المتعلقة بالدين الإسلامي

في المملكة المتحدة؛ المنظمة الرئيسة المرتبطة بالإخوان المسلمين هي "الجمعية البريطانية الإسلامية" (Muslim Association of Britain).

في ألمانيا؛ تعدّ مؤسسة (Islamishhe Gemeinschaft Deutschland) أقلّ قوة؛ لأنّ الجالية المسلمة الألمانية غالبية أفرادها من الأتراك.

في أوروبا؛ تكفل المنظمات الدينية التركية الربط بين الجالية والمجتمعات الأصلية، وتشرف عليها إدارة الشؤون الخارجية "ديانات" (الإسلام الرسمي)، وإرسال الأئمة إلى أوروبا، لديها شبكة من المساجد والجمعيات في مختلف الدول الأوروبية شبكة (Millî Görüs).

أسلمة فرنسا وأوروبا تتم من خلال الشبكات الاجتماعية

دور الشبكات في أسلمة فرنسا وأوروبا

أسلمة فرنسا وأوروبا تتم من خلال الشبكات الاجتماعية؛ يوجد على تويتر أربعة دعاة سعوديين، وداعية كويتي، من بين قادة الفكر الـ 16 الأكثر نفوذاً في مجال الأفكار، وعندما يلامس خبرٌ أو قضية اجتماعية، مسلماً في فرنسا، عن قرب أو عن بعد، يتفاعل الفاعلون الإسلاميون على شبكة الإنترنت، ويستغلون القضية ويُحوّلونها إلى معركة أيديولوجية.

مطلب ديني ملحّ

يشرح المؤلف أنّ هناك مطلباً دينياً ملحّاً من قبل الشباب الأوروبي، ويجد الشباب، بفضل وسائل الإعلام، أساليب توزيع مرضية عن الإسلام: كتب، وأشرطة، وقنوات تلفزيونية فضائية، وشبكات اجتماعية.

على الإنترنت؛ يجد الإسلاميون، خاصّة السلفيين، أنفسهم في موقف شبه احتكاري لجميع المسائل المتعلقة بالدين الإسلامي، وعلماء السعودية هم الأكثر تأثيراً في تويتر وفيسبوك، ويتابعهم عشرات الملايين من الناس حول العالم.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين

علاوة على ذلك؛ فإنّ الطلب في فرنسا مهم جداً، لدرجة أنّ رشيد أبو حذيفة، إمام مدينة بريست (شمال غرب البلاد) قد حقق على الفيسبوك عدد المشتركين نفسه الذي حققه مذيع التلفزيون سيريل حانونا.

وبالمثل؛ استحوذ الموقع الإخباري (Islam et Info) على 50000 مشترك إضافي عن عدد مشتركي "الاتحاد الفرنسي لكرة القدم".

يستغلّ الإسلام المتطرف الإنترنت حتى يزرع المفاهيم الآتية:

• تفسيراً معيّناً للدين.

• ثقافة التضحية والاستشهاد.

• الحاجة إلى اختيار معسكر ("الغرب"، أو طريق الإسلام المقدّس).

الاختلافات بين الأصولية الأخوية والأصولية السلفية

إذا كانت السلفية إسلاموية؛ فإنّه ينبغي تمييزها عن الإسلام السياسي الذي يروّج له الإخوان المسلمون؛ فإسلام الإخوان المسلمين إيديولوجية حديثة، نتاج اللقاء بين الإسلام والحداثة الغربية، التي تسعى، في كل مكان في العالم، إلى إدخال الإسلام في المجال السياسي؛ لذلك فإنّ الإخوان المسلمين يستثمرون في الحياة السياسية، بتأسيس الأحزاب السياسية، والمشاركة في الانتخابات، أو في النضال من أجل أسلمة القانون، ويسعى الإخوان المسلمون إلى دمج الإسلام في جميع مجالات المجتمع، كما أنّهم يستثمرون في المجال السياسي، وكذلك في العالم الأكاديمي، أو في مؤسسات أخرى.

رشيد أبو حذيفة، إمام مدينة بريست، حقّق على الفيسبوك عدد المشتركين نفسه الذي حققه مذيع التلفزيون سيريل حانونا

أمّا السلفية، على العكس؛ فهي تسعى إلى "تطهير" الإسلام من النفوذ الغربي، وكذلك من الابتكارات والتطورات الغربية التي دخلت عليه، وتستند إلى الحديث النبوي خاصة، وبشكل حرفي، وبهذا المعنى؛ تدين السلفية، الشيعية والصوفية، وتدين أيضاً طقوساً سنيّة أخرى غير سلفيّة، وعلى نطاق أوسع؛ تدين السلفية كلّ شيء جاء بعد النبيّ، أو أي شيء لم يعترف به؛ لذلك، فإنّ العلمنة والدولة القومية والأحزاب السياسية، وكل ما يتعلق بالحداثة هو غير إسلامي؛ وفي نظر السلفية: السلفيون يعرّفون الإسلام بأنّه "مجموعة الممارسات والسلوكيات والتفسيرات التي سمح بها النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم".

 تركز بعض فروع الإخوان في فرنسا على مكافحة الإسلاموفوبيا

القاسم المشترك بين الإخوان والسلفيين

إذاً؛ إن كان الهدف المشترك بين إسلاموية الإخوان وإسلاموية السلفيين هو أسلمة المجتمع وتطبيق الشريعة، فإنّ ما يميّزهما هي أساليبهما؛ فالسلفيون يدعون إلى العزل والانفصال عن مجتمع لا يعكسهم، وفي انتظار الهجرة إلى بلد مسلم يحققون فيه ذواتهم تحقيقاً كاملاً، فإنهم يخلقون بيئة يستطيعون فيها العيش في عزلة عن بقية المجتمع، التي تمكنهم من التوفيق بين حياتهم ومطالب عقيدتهم، لكن -على العكس منذ ذلك- الإخوان المسلمون لا يتبنّون إستراتيجية القطيعة، بل إستراتيجية الاندماج والتكامل، وفي رأيهم: استثمار المجال العام هو وحده القادر على تغيير المجتمع، وجعله متوافقاً مع تعاليم الإسلام، وفرض الشريعة في نهاية المطاف.

إجابات ميتافزيقية في الإسلام

تخفي فرنسا، في خطابها السياسي، الفهم المتسامي المحتمل للكون، والحال أنّ الجيل الشاب لا يجد في الديانات التقليدية، استجابة لتطوير روحانيته: الدين اليهودي يتعذر الوصول إليه، والدين الكاثوليكي لا يمتلك إطاراً مطمئناً (لا أحد يثق في الكهنة لنشر الرسالة الدينية)، بينما يجد الشباب الفرنسي والأوروبي في الإسلام، إجابة عن الأسئلة الميتافيزيقية التي تحيط بخَلق العالم.

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: هل يحتكر الإسلام السياسي تمثيل المسلمين؟

بيد أنّ رسالة الإسلاميين لا تتكيف ولا تتوافق مع الفكر الجمهوري والديمقراطي؛ بل تسعى إلى فرض نفسها بالقوة، من خلال اتصال عنيف (بل وبربري) وغير متسامح.

مقترحات الكاتب

يقترح المؤلف، حكيم القروي، على سبيل الاستنتاج، حلولاً لا تبدو مناسبة بالضرورة؛ فقد اقترح في البداية إنشاء مؤسسة لتنظيم وتمويل الإيمان الإسلامي، وتوزيع الخطاب الإسلامي باللغة الفرنسية، كبديل للخطاب السلفي، وهي طريقة لإعادة النظر في رسالة الدولة حول القيم الجمهورية، وتعلم اللغة العربية في المدرسة، والتواصل مع المسلمين المعتدلين حتى يستعيدوا المناظرات حول قضايا الإسلام الملحة، وتعزيز التواصل بين مسلمي فرنسا مع الدول الإسلامية حول القضايا اللاهوتية، واستئناف التعاون مع المغرب ودول الخليج، وتعبئة مؤسسات جديدة في أوروبا؛ لأنّ صعود الإسلاموية موضوع أوروبيّ، وباختصار: تنظيم نقاش حصريّ في فرنسا (وفي أوروبا) ، بين المسلمين المعتدلين والسلفيين.

الحلّ: فصل الدين عن السياسة

لذلك؛ يرى الكاتب أنه يجب فصل المسجد والدولة، وإصلاح الخطاب الديني، ومساءلة النظام العقائدي، وفي رأيه؛ من الملحّ لفرنسا أن تقدّم لشبابها شكلاً آخر من أشكال فهْم الكون، من النوع اللاأدري، من خلال دمج الروحانية كتقنية للإدراك غير المادي، على هامش القنوات الدينية التقليدية غير المتآلفة مع الواقع بشكل واضح.


الهوامش:

(1) معهد (Montaigne): مركز أبحاث، تم إنشاؤه في أواخر العام 2000، من قبل كلود بيبار، بفضل الخبراء المرتبطين به ومجموعات العمل التابعة لها، يعكف هذا المعهد على وضع مقترحات ملموسة طويلة الأجل للقضايا التي تواجه المجتمع، وبالتالي يساهم في تطورات الوعي الاجتماعي، ويسعى من خلال منشوراته ومؤتمراته إلى لعب دوره كلاعب في الجدل الديمقراطي.

(2) حكيم القروي: مصرفي وكاتب ومستشار فرنسي من أصل تونسي، عمل شريكاً مع رولاند بيرغر للاستشارات الإستراتيجية، وعمل سابقاً مدير الاستحواذات في المتوسط وإفريقيا، في بنك "روتشيلد"، كما كان كاتب خطابات رئيس الوزراء الفرنسي السابق، جون بيار رافاران.

المصدر: Elishean

اقرأ المزيد...

الوسوم: