معاناة تونس: الإسلامويون والجائحة والأزمة الاقتصادية

معاناة تونس: الإسلامويون والجائحة والأزمة الاقتصادية

مشاهدة

10/08/2021

ترجمة وتحرير: محمد الدخاخني

أعفى الرّئيس التّونسيّ، قيس سعيّد، رئيس الوزراء هشام المشيشيّ، الذي تولّى منصبه في أيلول (سبتمبر) 2020، من مهامه، الأحد 25 تموز (يوليو)، في خطوة فاجأت المراقبين والدّبلوماسيّين على حدّ سواء، وعلّق سعيّد مجلس النّواب وعزل وزيرَي الدّاخليّة والدّفاع.

المشيشيّ حليف رئيس مجلس النّواب، راشد الغنّوشيّ، زعيم حركة النّهضة الإسلامويّة، التي تشغل أغلبيّة المقاعد النّيابيّة بنسبة 25% من الأصوات، ومنذ عام 2011، عندما عادت إلى الشّرعيّة، أصبحت النّهضة قوّة سياسيّة ذات سلطة حاولت أخذ تونس العلمانيّة نحو شكلٍ أكثر تشدّداً من الإسلامويّة.

كما هو معروف، كانت تونس أوّل دولة إسلاميّة تجتازها الرّياح العاصفة لـ"الرّبيع العربيّ"، عندما أضرم محمّد البوعزيزيّ، بائع الفواكه والخضروات الشّابّ، النّارَ في نفسه، في ساحة وسط تونس، احتجاجاً على فساد حكومة الرّئيس بن علي، الذي ظلّ في السّلطة 23 عاماً.

أدّت المظاهرات التي أعقبت وفاة البائع المتجوّل الشاب إلى إطاحة الرّئيس بن علي، في كانون الثّاني (يناير) 2011، وأجبِر على النّزوح إلى المملكة العربيّة السّعوديّة مع جميع أفراد أسرته، كذلك أدّت إلى سقوط حكومة محمّد الغنوشيّ، وفي تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام نفسه، جرت انتخابات جديدة شَهِدت نجاح حركة النّهضة الدّينيّة، التي كانت محظورة أيّام بن علي.

كلّ ذلك أدّى إلى سلسلة من الابتكارات السياسيّة التي، بدورها أدّت، في كانون الثّاني (يناير) 2014، إلى الموافقة على دستور جديد يمكن اعتباره، رغم الضّغط البرلمانيّ القويّ الذي مارسه الإسلامويّون الأكثر راديكاليّة، من الدّساتير الأكثر تقدميّة في شمال أفريقيا بأكملها.

في الأعوام الخمسة التي تلت ذلك، حافظت تونس، وسط التقلّبات السياسيّة والاقتصاديّة، على درجة من الاستقرار الداخلي مكنتها من تخفيف الضّغوط الإسلامويّة، التي حوّلت، في بلدان أخرى في المنطقة، ما يسمّى "الرّبيع" إلى كوابيس تميّزها الاضطّرابات والصّراعات الأهليّة الدّمويّة.

تضرّرت حركة النّهضة من الخلافات والانقسامات الدّاخليّة، بين "المتشدّدين"، الذين يريدون عودة الحزب إلى أصوله المتشدّدة، وأولئك الّذين يفضّلون "البقاء في السّلطة والحكم"

أُدمجت النهضة تدريجيّاً في نوع من "القوس الدّستوريّ"، بالرّغم من احتجاجات أكثر متشدّديها راديكاليّة،  وعُيّن زعيمها، راشد الغنوشيّ، رئيساً للبرلمان التّونسيّ.

 لكن في الأعوام الأخيرة، ابتليت البلاد بمشكلة فساد الطّبقة الحاكمة بأكملها، بما في ذلك الإسلامويّون، وعلى أساس برنامج لمكافحة هذه الظّاهرة بحزم وبلا هوادة، انتُخِبَ، في تشرين الأوّل (أكتوبر) 2019، أستاذ القانون البارز، قيس سعيّد، رئيساً للجمهورية، وفي آب (أغسطس) 2020، عيّن الرّئيسُ سعيد المشيشيّ، الذي كان مستشاره السياسيّ بالفعل، لتشكيل حكومة تكنوقراط "خالية من نفوذ الأحزاب".

شَهِد الوضع إقامة ما تسمّيها وسائل الإعلام التّونسيّة "حكومة الرّؤساء الثّلاثة"، وهم سعيّد (رئيس الجمهوريّة)، والمشيشيّ (رئيس مجلس الوزراء)، والغنوشيّ، الذي يحاول، بصفته رئيساً لمجلس النواب، تعزيز مكانة الوجود الأغلبيّ للإسلامويّين التّابعين للنّهضة في الفرع التشريعيّ.

التّوازنات هشّة وتزداد خطورة بسبب العواقب الاجتماعيّة والاقتصاديّة الجسيمة لتأثير جائحة "كوفيد-19" على البلاد.

منذ بداية هذا العام وتونس في حالة أزمة زاحفة: تفاقم عدم اليقين السّياسيّ النّاجم عن البحث الدّائم عن توافق سياسيّ وحكوميّ عسير بسبب التّوترات الأيديولوجيّة والشّخصيّة بين "الرّؤساء الثّلاثة"، الذين تعقّدت بشكل تدريجيّ مواقفهم بشأن الأدوات الّتي ينبغي أن تُعالَج بها الجائحة والأزمة الاقتصاديّة إلى حدّ إنتاج حالة من الشّلل السياسيّ والتّشريعيّ غير قابلة للاستدامة.

في الأسابيع الأخيرة، تسبّبت "سلالة دلتا" في ارتفاع عدد الإصابات، مما تسبّب في مزيد من الضّرر ليس فقط للسّكان والنّظام الصحّي، لكن أيضاً وقبل كلّ شيء لاقتصاد بلد يرى إمكانيّة تعزيز ناتجه المحلّيّ الإجماليّ عن طريق السّياحة تختفي للعام الثّاني على التّوالي.

لعقود من الزّمن، كانت السّياحة مصدراً لا غنى عنه لكسب الرّزق والإثراء بالنّسبة إلى قطاعات كبيرة من السّكان، ومثّلت الجائحة عاملاً مضاعفاً للأزمة الاقتصاديّة، الّتي تأخذ شكل خسارة تدريجيّة، لا يمكن كبحها على ما يبدو، لقيمة الدّينار وتفاوت حادّ ومتزايد بين الفقراء والأثرياء بشكل كبير.

لم تكن مقاربة الحكومة للجائحة أقلّ من كارثيّة، في حين أعلنت منظّمة الصّحّة العالميّة تونس "البلد الأكثر إصابة في أفريقيا"، شَهِدت الحكومة تغيير خمسة وزراء صحّة على التّوالي، اقترح كلّ منهم إجراءات طارئة مُربِكة وغير منسّقة (الإغلاق، حظر التّجول) ثبت أنّها غير فعّالة تماماً في احتواء  انتشار الفيروس وارتّفاع معدّلات الوفيّات.

أثارت قواعد العزل المرتجلة والمتناقضة في كثير من الأحيان سخط السّكان، الذين انحازوا إلى أحد جانبي الجبهة السياسيّة: من ناحية، أنصار النّهضة، الذين هم على قناعة بأنّ الجزء التّكنوقراطيّ من الحكومة هو المسؤول عن الصحّة والأزمة الاقتصاديّة. ومن ناحية أخرى؛ العلمانيّون، الّذين يتهمّون الإسلامويّين بزعزعة استقرار المؤسّسات وتحويل تونس إلى دولة إسلاميّة.

وقد تضرّرت حركة النّهضة نفسها من الخلافات والانقسامات الدّاخليّة، بين "المتشدّدين"، الذين يريدون عودة الحزب إلى أصوله المتشدّدة، وأولئك الّذين يفضّلون "البقاء في السّلطة والحكم" والسّعي لتحقيق الاستقرار في الوضع والحفاظ على مواقع سلطتهم.

في أيار (مايو) الماضي، قدّم عبد الحميد الجلاصي، رئيس "مجلس العقيدة" في النّهضة، استقالته، متّهماً رئيس الحزب ورئيس مجلس النّواب، الغنوشي، بتأجيل موعد انعقاد مجلس الشّورى تفادياً لخلعه وتعيين خليفة له أقرب إلى الأفكار الأصليّة للحركة وإلى أكثر المعتقدات الرّاديكاليّة للعقيدة الإسلامية، التي، وفق الأعضاء المتشدّدين، تعرّضت للخيانة على يد "أولئك الّذين يريدون الحكم" من أجل السّلطة.

في ظلّ هذه الأزمة الاقتصاديّة والسّياسيّة والاجتماعيّة، قام الرّئيس سعيّد، بالاستناد إلى المادّة 80 من دستور 2014، بإقالة رئيس الوزراء إلى جانب أعضاء آخرين في مجلس الوزراء ووقف أعمال البرلمان لمدّة ثلاثين يوماً.

استنكر كثيرون، داخل البلاد وخارجها، بدءاً بتركيا أردوغان، ما حصل باعتباره انقلاباً.

في أنقرة، عرّف المتحدّث باسم حزب العدالة والتّنمية، حزب الرّئيس أردوغان، تصرّفات الرّئيس سعيّد بأنّها "غير شرعيّة" وهدّد بفرض عقوبات على من "يلحق هذا الشّرّ بإخواننا وأخواتنا في تونس"، بينما كان وزير الخارجيّة التّركيّ حَذِراً، وأعرب عن "قلقه العميق" من تعليق الأنشطة البرلمانيّة.

على الجبهة الوطنيّة، بعد الاحتجاجات الأولى في الشّوارع للإسلامويّين وأنصار النّهضة، والّتي قمعتها الشّرطة على الفور، وبعد إغلاق مكاتب قناة "الجزيرة" القطريّة، الّتي لطالما أثارت المطالب الإسلامويّة، فضلاً عن إقالة الإدارة العليا للتّلفزيون الحكوميّ، هيمن على "الحشد" المتواجد في الشّوارع أولئك الّذين نظروا بشكل إيجابيّ إلى مبادرة الرّئيس، التي وضعت، في رأيهم، حدّاً لأنشطة هذا القطاع من الحكومة الّذي ثبت عجزه التّام في معالجة حالة الطّوارئ النّاجمة عن الجائحة وعواقبها الاجتماعيّة والاقتصاديّة السّلبيّة.

لعقود من الزّمن، كانت السّياحة مصدراً لا غنى عنه لكسب الرّزق والإثراء بالنّسبة إلى قطاعات كبيرة في تونس، ومثّلت الجائحة عاملاً مضاعفاً للأزمة الاقتصاديّة

وطبقاً لمن يزعمون أنّ ما حدث في 25 تمّوز (يوليو) لم يكن انقلاباً؛ فإنّ الرّئيس سعيّد لم يحلّ الحكومة التّونسيّة؛ بل اقتصرت قراراته على إقالة الوزراء العاجزين وترك أعضاء الجناح "التّكنوقراطيّ" مكانهم، على أمل إنتاج تغيير حكوميّ خلال انتظار إعادة فتح البرلمان، في نهاية آب (أغسطس).

الوضع في حالة تغيّر مستمرّ، لكن يبدو أنّه يتّجه نحو الاستقرار الّذي سيُسرَّع إذا تحرّكت دول البحر الأبيض المتوسّط ​​والاتّحاد الأوروبيّ بسرعة لمساعدة تونس على الخروج من حالة الرّكود الّتي خلفتها الجائحة والأزمة الاقتصاديّة.

إنّ مساعدة السّلطات التّونسيّة في حلّ الأزمة السّياسيّة بشكل عمليّ هو أيضاً في مصلحة جميع البلدان المطلّة على البحر الأبيض المتوسّط، بدءاً من إيطاليا، ليس فقط لأسباب الجوار السياسيّ الجيّد، لكن أيضاً لمنع فوضى تونسيّة محتملة من إحداث دفع جديد وغير منضبط للهجرة، هذا ما يحدث حالياً في أفغانستان؛ فبعد "الاستسلام غير المشروط" للولايات المتّحدة وحلفاء النّاتو، تعود حركة طالبان، والنّتيجة الأولى لذلك هي النّزوح الجماعيّ للأفغان إلى تركيا عبر إيران.

وفق وكالة الأمم المتّحدة للّاجئين، فإنّ آلاف الّلاجئين من أفغانستان يتّجهون نحو تركيا بمعدّل ألف إلى ألفي شخص يومياً.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

جيانكرلو إليا فالوري، مودرن دبلوماسي، 31 تموز (يوليو) 2021

الصفحة الرئيسية