مفاتيح الجنّة متاحة للجميع.. ولكن!

مفاتيح الجنّة متاحة للجميع.. ولكن!

مشاهدة

24/10/2021

قد تشكّل المقولة الإشكاليّة "لماركس" الشاب: "الجنة التي تحلمون بها على الأرض"، استفزازاً حيوياً لمن تعتقد ويعتقد أنّ السماء هي المكان الحصري لوجودها، في الحقيقة لم تكن المعركة الأصيلة لماركس آنذاك  ـــ كما يحب أنّ يفهمها الكثيرون ــــ مع السماء وإنزال جنتها إلى الأرض، لقد كانت معركته في مكانٍ مختلف؛ تحديداً في المكان الذي صاغه التفاوت، واللامساواة التي تتحكّم بالمجتمعات وتديرها، وبمعنى أدق كانت معركته ضد انحسار العدالة عن المجتمع الإنساني عامة، لقد حلم ماركس بحماسٍ زائد في مجتمع تزول فيه الفوارق التي صنعت جميع صيغ الظلم وأشكاله، وإذا أوّلنا هذا، فإنه يعني بالتأكيد عالم يسوده السلام.

اقرأ أيضاً: كيف تستعير الحرب أدواتها من مطبخ الأسرة؟

يبدو أنّ حلم "ماركس"، كان صدى لحوارٍ بعيدٍ، دار في الضفة الأخرى من العالم، بين "دو جين" وأمٍّ محتضرة (لا تحزن يا بني أنا ذاهبةٌ إلى عالمٍ أفضل/ لكني أريدك أن تبقي/ بني، في السماء لا وجود للألم والمعاناة، هناك سأشعر بالسلام/ ولماذا لا تشعرين به هنا؟/ لأنّ العالم يمتلئ بالخوف والجوع والحرب/ يوماً ما يا أمي سأنزل السماء إلى الأرض، وأجعل الجنة هنا).  "دو جين" الفيلسوف والراهب البوذي الذي عاش بين 1200_1253م  عاد إلى اليابان العام 1929 بعد رحلةٍ روحيّة طويلةٍ في الصين، وأسس مدرسة سوتو لمذهب الزن، ما يجمع كلاً من "دو جين" الروحي و"ماركس" المادي، اعتبارهما أنّ الوعي هو الطريق الوحيد للخلاص ممّا يسود العالم من الظلم.

حلم ماركس بحماسٍ زائد في مجتمع تزول فيه الفوارق التي صنعت جميع صيغ الظلم وأشكاله

كتب "ماركس" الشاب في مخطوطات 1844: "إن جوهر الحياة هو هذا الاستمتاع المشترك بين البشر"، حيث لا يمكن قراءة هذا الاستمتاع المشترك إلا بوصفه اللحظة الاجتماعيّة التي يرتبط فيها الجميع بعلاقات محكومة بالحريّة والعدالة، اللتين تشكلان جوهر الحياة الإنسانيّة، بالتالي إنّ سعادة هذا العالم مرهونة بتغيير العلاقات التي تحكمه، فعندما يزول التسلّط والقهر، تزول الفروقات بين البشر، ويعود الاختلاف مجدداً ليحلّ محلّ الفرق، مما يتيح للوفرة أن ترفد الحياة بالمتعة والانسجام. ولكن هذا التغيير يتطلّب ولادة وعي جديدٍ يقلب العالم رأساً على عقب، ويهدم كل أسسه التي أدّت إلى اغتراب الإنسان وشقائه، وماذا يمكن أن يكون ذلك إذا لم يكن جنّة!

اقرأ أيضاً: إذا كانت الحرب هي القبح فهل ينتصر الجمال في النهاية؟

بحسب الباحث الياباني "د. ت. سوزوكي" فإنّ جوهر "بوذيّة زِن" يرتكز على الوصول إلى زاوية رؤية جديدة للحياة والأشياء، فإذا كنّا غير راضين عن هذه الحياة لأسباب معيّنة، وإذا كان في طريقة حياتنا ما يمنع عنّا الحرية بالمعنى الأكثر قداسة، فعلينا البحث عن طريق أخرى تمنحنا الشعور بالتحقق والامتلاء،  وهذا ـــ كما يرى "سوزوكي"ـــ ما يمكن للزن تقديمه لنا، فهو يؤكد إمكانية تحقيق وجهة نظر جديدة تتخذ الحياة من خلالها منظراً أكثر حيوية وأكثر عمقاً، لكن هذا التحقق بلا شك مهمةٌ صعبة، فهو يشبّهها بمعمودية النار؛ لأنه تجديد حقيقي للحياة نفسها، فعندما يكون هذا التحقق أصيلاً، تكون آثاره على الحياة الروحيّة والأخلاقيّة ثوريةً تماماً.

اقرأ أيضاً: كيف نخوض حرباً ضد الحرب؟

بالنظر إلى المسافة الشاسعة جغرافياً وثقافياً بين ماركس وبوذية زن، فكلاهما من مكانه وزمانه ينشد الوحدة في الانقسام، وإن كان كلّ على طريقته، فإنهما يتفقان على أنّ جوهر الوحدة التي ينشدانها ترتكز على إعادة الإنسان إلى مكانه الصحيح، وهذه العودة تتلخص في الوصول إلى السلام، وبينما كل منهما ينشده من مكان مختلف إلّا أنهما يشيران إلى جهةٍ واحدة، فكلّ شيء مرهون بالقدرة على تجاوز الوضعيّة المأزقيّة للوجود البشري التي أوجدناها ووجدنا أنفسنا فيها، فالتحرر ممّا يعيق وجودنا الفعلي هو الطريق الوحيد المفضي إلى السلام حيث الجنة تفتح أبوابها.

مفاتيح الجنّة متاحة أمام الجميع سواء أرضياً أو سماوياً لكنها في المحصلة المنتج الحصري لوعي الإنسان ونضجه

إذا كان الوجود الإنساني يتحقق بالنسبة إلى كليهما عبر السلام، فإنّ هذا السلام في كلتا التجربتين هو النتيجة الحاسمة لإرادة واعية حرّة. إنه سلامٌ شاملٌ ودائمٌ، جوهره احترام الكرامة الإنسانية، والتساوي في الحريات والحقوق، أو بتعبير ماركس، "من كلّ حسب قدرته إلى كلّ حسب حاجته"، فحين يختفي ما نختصم عليه، أو ما نرغب في امتلاكه، بتعبير أدق حين تصبح الملكيّة عامة لوسائل الإنتاج، ستفقد هذه الملكية شروط سيطرتها التي أسست العالم تأسيساً هرمياً، جعل التفاوت المعيار الذي يعيّن الوجود ويحدده".

اقرأ أيضاً: الحرب الصامتة.. ما الذي يوقظ الطائفية؟

وفي الجانب الآخر جميع المذاهب "الزنيّة" تتفق على أنّ السلام يتحقق عندما يكون كل شيء في مكانه الصحيح؛ أي عندما يحلّ التوازن محلّ الفوضى، وهذا السلام يبدأ في الداخل، من فكرة الانسلاخ عن الأنا والتحرر من الرغبات التي تعيق الوجود وتعطله؛ إنّ السلام الذي ينشده "زِن"، هو اللحظة التي يصبح الوجود فيها كاملاً غير منقوص.

كل ما يمزّق الوعي ويحرف الإرادة الإنسانيّة عن مجراها العميق شريك في صناعة الجحيم واغتيال الحياة

يبدو أنّ مفاتيح الجنّة متاحة أمام الجميع، فسواء كان فردوساً أرضياً أو فردوساً سماوياً، لكنه في المحصلة المنتج الحصري لوعي الإنسان ونضجه، وهذا يجعلنا نسأل: إذا كان الجميع ينشد السلام في هذا العالم، أو على الأقل القوى المُتنفذة والمسيطرة، لماذا مازلنا نشاهد العنف والحرب في كلّ مكان فيه؟ ثم كيف يمكن للحرب التي تُشن هنا وهناك، أن تصنع سلاماً، إنّ هذا النوع من السلام ما هو إلّا هدنة بين حربين، لإعادة توزيع الأدوار واقتسام النفوذ، إنه السلام الذي يحرس الحظائر ويعلّي أسوارها، إنه حرمان البشر من الاستمتاع بالشراكة بينهم، إنّ كل ما يمزّق الوعي ويحرف الإرادة الإنسانيّة عن مجراها العميق، هو شريك في صناعة الجحيم واغتيال الحياة.   


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية