مفهوم الإرهاب لدى جماعات الإسلام السياسي

5352
عدد القراءات

2017-12-10

*قراءة في كتاب "الإرهاب لمحمد أبو فارس

يمثل كتاب محمد أبو فارس "1938 – 2015"، نموذجاً لفهم الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي للإرهاب وربما موقفهم الحقيقي منه، وبرغم أنه يمكن الردّ بالقول إنّ هناك مواقف واضحة وعلنية للإخوان في إدانة الإرهاب، إلا أنّ كتاب محمد أبو فارس، أحد قادة الإخوان المسلمين ونوابهم في البرلمان الأردني، يعكس الموقف الأقرب إلى الحقيقة، والحال أن أبو فارس يعبر في كتبه وأقواله عما يتواطأ الإخوان المسلمون على كتمانه وعدم الاعتراف به.
وفي كتابه المعنون بـ "الإرهاب"، يرى أبو فارس أنّ هناك نوعين من الإرهاب: إرهاب عدواني، وإرهاب غير عدواني أو "محمود، بل ومطلوب أيضا"، ويدرج في الإرهاب العدواني كل أحداث الصراع في التاريخ الإسلامي منذ النبوة حتى العصر الحديث معتبراً إياها إرهاباً، وفي باب الإرهاب غير العدواني، يدرج الموقف الإسلامي التاريخي في الصراع منذ بداية الرسالة حتى العصر الحاضر؛ إذ هناك قبل الإسلام كما يقول أبو فارس "الإرهاب الفرعوني والإرهاب العربي الجاهلي، والإرهاب اليهودي مع الأنبياء، والإرهاب الصليبي".
والإرهاب العدواني، كما يرى أبو فارس، يقوم على الظلم والاعتداء بغير حق على الآخرين، أما الإرهاب غير العدواني فهو الردّ على العدوان، وهو ممدوح شرعاً وعقلاً.  وبهذا، ينظر المؤلف الذي صدر كتابه عن دار الفرقان عام 2013، إلى الصراع كله بين الدول والأمم على أنّه إرهاب، وأن الذات (نحن) نمثل على مدى التاريخ الحق والردّ على العدوان. ولا يرى ما تقوم به الجماعات المنتسبة إلى الإسلام من عنف وقتل في جميع أنحاء العالم إرهاباً، ويمكن القول إنّه اعتبرها ضمناً، ردّاً على العدوان الصليبي واليهودي، حتى لو كانت قتلاً للمدنيين والعزل والنساء والأطفال، أو خروجاً على القانون والسلطات في بلاد العرب والمسلمين.
ومن الصحيح ربما، أن أبو فارس لم يقل ذلك صراحة، لكنه لم يقل كلمة واحدة تدين أعمال العنف والإرهاب التي تدور في العالم، ويدور معظمها في عالم العرب والمسلمين، وكان أغلب ضحاياها من العرب والمسلمين كذلك، إضافة إلى بث الرعب والفوضى وغياب القانون، وتحويل بلاد ودول عدة إلى دول هشة أو فاشلة.
والحال أن الإخوان المسلمين لم يقدموا إدانة واضحة للإرهاب، ولم يبذلوا جهداً في مواجهته؛ بل إنهم بذلوا الكثير في تبريره وتفسيره وتزيينه للناس والمؤيدين.

 ينظر المؤلف إلى الصراع كله بين الدول والأمم على أنه إرهاب وأنّ الذات (نحن) نمثل على مدى التاريخ الحق والردّ على العدوان

المسألة الثانية، والأكثر خطورة في فهم الإرهاب لدى أبو فارس والإخوان المسلمين، هي عدم التمييز بين الحروب والصراعات بين الدول، وبين الحروب والصراعات مع جماعات ليست دولاَ، بعضها يسعى بالفعل لمقاومة الاحتلال.
وبالمناسبة، فإن هذه الجماعات مثل حركة "حماس" لم تدنها الدول العربية والإسلامية ولم تعتبرها إرهابية برغم الاختلاف الكبير مع أفكارها وسياساتها ومواقفها، لكن أغلبيتها الكبرى تخوض صراعات مع الدول والأمم والمجتمعات، سواء كانت دولاً عربية وإسلامية أو أي دولة أخرى، وفي ذلك فإن الإخوان المسلمين يقدمون دليلاً واضحاً وأكيداً أنّهم لا يرون شرعية للدول والاتفاقيات والتشريعات والأنظمة السياسية والاجتماعية المتبعة في الدول والمجتمعات ولا يرون العلاقات الدولية والشرعة الدولية التي تلتزم بها الدول والأمم ملزمة لهم، ولا تعنيهم، كما لا يرون في الموقف العالمي والدولي من الإرهاب وتعريفه شأناً يخصهم؛ بل ويدعون جميع الناس إلى عدم الالتزام بها أو احترامها.
وبالطبع، تتشكل هنا ملاحظتان بديهيتان، أولهما إن كثيراً من المواقف والتشريعات والعلاقات الدولية مخطئة بحق أمم ودول عربية وإسلامية أو أخرى مستضعفة أو محتلة، وتقف في أحيان كثيرة إلى جانب العدوان والاحتلال، والأخرى أن الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي أبدت أثناء مشاركتها السياسية مرونة والتزاماً بالقوانين والمعاهدات الدولية، والملاحظتان صحيحتان، لكنهما تؤكدان أيضاً الانحراف الخطير في أفكار ومعتقدات جماعات الإسلام السياسي وليس العكس.

الإخوان المسلمون لم يقدموا إدانة واضحة للإرهاب ولم يبذلوا جهداَ في مواجهته؛ بل بذلوا الكثير في تبريره وتفسيره للناس والمؤيدين

أن تكون المواقف والعلاقات الدولية مجحفة أحياناً بحق قضية أو أمة أو دولة، لا يبرر الخروج عليها ولا عدم الالتزام بالمواثيق والمعاهدات، فتلك جريمة لا تقل خطورة وبشاعة عن الظلم الدولي، إن ذلك يشبه تبرير جرائم القتل والسرقة بسبب الفقر أو الظلم أو الفساد!  وأن يكون الإخوان المسلمون ملتزمين بمواقف دولهم وأنظمتهم السياسية عندما يكونون جزءاً من الحكم، فهذا يؤكد الزيغ الكبير في أفكارهم ومواقفهم، فهم عندما يكونون في الحكم، لا تعود الفتاوى والأفكار التي كانوا يؤمنون بها ويدعون إليها وهم خارج الحكم تخصهم أو تشملهم.
والإخوان المسلمون في ما يسميه البعض اعتدالاً ومرونة يظهرون انتهازية مؤذية للقيم والعقد الاجتماعي، وتحريفاً خطيراً للدين والنصوص الدينية، وكأنهم يقولون إن الصواب والدين والحق هو ما يفعلونه هم مهما كان ما يفعلونه أو يقولونه، لكنه لا يظل صواباً عندما يفعله غيرهم، وكان أبو فارس نفسه يقول إن "المشاركة السياسية في المجالس النيابية جائزة لأني أفتيت بجواز ذلك، لكن المشاركة في الوزارة حرام لأني لم أفت بحواز ذلك". وحركة حماس كمثال، التي لم تعتبر نفسها حركة مقاومة للاحتلال حين سحقت بقسوة ودون تردد أي محاولة للمقاومة لا تريدها أو ليست من خلالها، بل إنها دمرت مسجداً على من فيه وقتلت جميع المعتصمين فيه برغم أنهم يقولون ويفعلون ما تقوله وتفعله حماس نفسها.

وبالطبع ربما يكون موقف حماس كسلطة سياسية مبرراً، لكن جماعات الإسلام السياسي لا ينظرون إلى المواقف والسياسات على أساس أنها اجتهادات وتقديرات إنسانية تحتمل الصواب والخطأ، لكنهم دائما يقدمونها على أنها دينية شرعية، ليست سوى حرام أو حلال، ثم يتحول الحرام والحلال إلى ما يعتبرونه هم حراماً أو حلالاً، ولا يظل كذلك عندما يقوله أو يفعله غيرهم إلا بموافقتهم ورضاهم، وعلى نحو آخر فإنهم يذكرون بالآية القرآنية عن المنافقين "ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا إذا هم يلمزون".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟

2019-08-21

تتعدد الخطابات والمقاربات حول علاقة الإسلام السياسي بالحداثة وقيمها بتعدد مقاصد أصحابها وتنوع اهتماماتهم الفكرية والمنهجية والسياسية والأيديولوجية من جهة، وبتعدد تشكيلات الحركات الإسلامية نفسها وملابسات نشأتها وكثرة انعطافاتها التاريخية من جهة ثانية، والتباس خطابها وزيغ مواقفها من قيم الحداثة وقضاياها الحيوية، كقضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وحقوق المرأة وحقوق الآخر المختلف وغيرها من جهة أخرى.

اقرأ أيضاً: المغرب: هل ينجح السلفيون التائبون في مواجهة التطرف؟

فإذا كان ثمة من يقول بوجود اختلاف جوهري بين المعتدلين والجهاديين من الإسلاميين حول تلك القضايا ولكل منهما سلوكه وخطابه، فثمة من يرى أنّ الاختلاف بينهما هامشي وليس أساسياً. كما أنّ الفرق في خطابهما هو فرق بالدرجة لا بالنوع، وهو خلاف حول مجال تطبيق المبدأ وليس في المبدأ ذاته. فما هو واضح معلن في خطاب المتطرفين منهم كامن خفيّ في خطاب المعتدلين.

يبين الكاتب أن هناك قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية

في سياق المشاركة في هذا السجال حول مدى التماثل أو التمايز في فكر ومواقف الإسلاميين من قيم الحداثة، يقدم الباحث المغربي، إبراهيم أعراب، إسهاماً مهماً في هذا السجال؛ من خلال كتابه "الإسلام السياسي والحداثة" الصادر عن دار إفريقيا الشرق عام 2000، والذي يقدم مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها بشكل عام، وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية في المغرب بشكل خاص، كجماعة "العدل والإحسان" و"الإصلاح والتوحيد" و"البديل الحضاري" تُبيّن مدى اختلافها عن مثيلاتها في المشرق ومدى تعارضها أو توافقها مع الحداثة والديمقراطية وقيمها، وتحاول استجلاء مواقفها من مسألة المشاركة السياسية أو رفضها على ضوء التحولات السياسية التي شهدها المغرب في عامي 1996-1997 بما فيها الاستفتاء على الدستور المعدل والانتخابات البرلمانية.

غلاف الكتاب

وانطلاقاً من تعريفه لمفهوم الثقافة السياسية باعتباره "مجموعة المعتقدات والمواقف والقيم والمثل والعواطف والتقييمات المهيمنة عند جماعة ما، والتي تقوم بدور توجيهي لسلوك أعضائها على المستوى المعرفي أو العاطفي أو التقييمي" والتي غالباً ما تكون صعبة التغيير، يَرجِع الباحث في تحليل مضامين الثقافة السياسية للحركات الإسلامية إلى تاريخ هذه الحركات وملابسات نشأتها واستقصاء علاقتها الفكرية بما سبقها من حركات مؤثرة في تاريخ الإسلام الحديث كالحركة الفكرية السلفية، ليبين أنه ثمة قطيعة معرفية أولى بين فكر الحركات الإسلامية وفكر الحركة السلفية الإصلاحية.

يقدم الكتاب مقاربة تحليلية للثقافة السياسية لحركات الإسلام السياسي ونُخَبها عامة وللثقافة والسلوك السياسي للجماعات السياسية بالمغرب خاصة

فالسلفية كانت منبهرة بالنموذج الحداثي الغربي ومنفتحة نسبياً على الحوار الحضاري بين الغرب والشرق، وإن كانت مسيرتها تقهقرية من فكر الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا الذي استلهم حسن البنا ثقافته من أفكاره الارتدادية نحو ابن تيمية، وأصبحت حركته أقرب إلى التنظيم السياسي المحكم ذي المركزية الصارمة، وإن كانت ترفض الحزبية من منطق عدم الإخلال بوحدة الأمة. وقطيعة ثانية بين التيار الجهادي الذي يتمثل فكر سيد قطب الذي يشكل فكر المودودي وخطابه الجهادي مرجعيته الأساسية، وبين الفكر التأسيسي لحركة الإخوان المسلمين التي تفرعت منها جملة الحركات الإسلامية المعاصرة وخرجت من تحت عباءتها بظروف سياسية مختلفة.

اقرأ أيضاً: هل تلاحق الفضائح الأخلاقية أعضاء في الجماعات الإسلامية بالمغرب؟
وبالرغم من انتماء حسن البنا وسيد قطب إلى جيل واحد وظرفية تاريخية واحدة ومنبت اجتماعي فلاحي ريفي وثقافة تقليدية واحدة وأهداف مشتركة وتحركهما بإستراتيجية واحدة مع اختلافهما في المنهج والتكتيك، وبالرغم من اشتراك المرجعية النصية لهذه الحركات مع سلفها الإخواني في مسألة الإحيائية الأصولية والعودة للسلف الصالح، ورؤيتها للإسلام في كليته وشموليته باعتباره "ديناً ودنيا" وصالحاً لكل زمان ومكان، والدعوة إلى التغيير وأسلمة المجتمع والدولة بكل الطرق الجهادية التي تمكنها من الوصول إلى السلطة وفرض الحل الإسلامي، وهو ما يتفق مع المرجعية الإخوانية التي ظل خطابها وثقافتها السياسية نموذجاً جاذباً لهذه الحركات على كل حال.

 ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية

إلا أنّه ثمة تحول فكري وانعطاف سلوكي حدث في مسيرة الحركات الإسلامية، وتوجهها الجديد مع سيد قطب، ذهب بها بعيداً نحو التطرف والراديكالية والعنف الجهادي والعمل السري والمواجهة مع السلطة ومقاطعة الدولة والمجتمع بتأثير الخطاب القطبي وقوله بالتكفير وجاهلية المجتمع ومبدأ الحاكمية تحت ضغط المرحلة الشعبوية الناصرية والاصطدام بالفكر القومي الناصري بداية، ثم بتأثير التجربة الإسلامية الخمينية فيما بعد، بينما كان الخطاب الإخواني التقليدي يميل إلى الاعتدال والحذر من اللجوء إلى التكفير والميل إلى قبول المشاركة السياسية والعمل العلني المتدرج والاهتمام بالجانب الدعوي التربوي.

اقرأ أيضاً: لماذا أخفق اليسار في المغرب رغم فشل الإسلاميين؟
ويشير الباحث إلى (وضوح هذا التمايز في ما كتبه حسن البنا في "مذكرات الدعوة والداعية" وكتاب الهضيبي" دعاة لا قضاة" وبين ما كتبه سيد قطب في "معالم في الطريق" وما كتبه شكري مصطفى في "التوسمات" ومحمد عبد السلام فرج في "الفريضة الغائبة"...). كما يشير إلى أنّ هذا الانعطاف لم يلغ وجود التيار المعتدل تماماً من ساحة الفعل السياسي الوطني المحلي أو العربي بل نشهد تعايش التيارين؛ الدعوي والجهادي، معاً رغم الاختلاف والمنازعات بين فصائلهما المتعددة.

الحركة الإسلامية بالمغرب وسؤال المشاركة السياسية وحقوق الآخر المختلف

لا يختلف حال الحركات الإسلامية في المغرب عن مثيلاتها في المشرق اختلافاً جدياً في الموقف من الديمقراطية والمشاركة السياسية في مؤسسات الدولة وتدبير شؤون الحكم، أو في موقفها من المواطنة وحقوق المرأة وحقوق الأقليات؛ إذ يرى الباحث أنّها كمثيلاتها في المشرق "يتوزعها تياران أساسيان يميل أحدهما إلى الاندماج والمشاركة السياسية وفق أسلوب وإستراتيجية تقوم على التوافق والتراضي... ويميل الآخر أكثر إلى إستراتيجية المواجهة والصراع في سلوكه السياسي".

إن قبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر

وقد صار تمايز هذين التيارين أكثر وضوحاً بعد التحولات السياسية والدستورية التي جرت في المغرب خلال عام 1996 و1997. التي أفصحت عن تكوّن بوادر وعي قابلة للتطوير بأهمية الديمقراطية وضرورتها كآلية إجرائية تقوم على حق الانتخاب والترشيح وتداول السلطة والتعددية والتسوية عند التيار المعتدل الذي باتت تمثله حركة الإصلاح والتجديد بعد انضمامها إلى حركة الجبهة الشعبية الدستورية الديمقراطية التي غيرت اسمها لاحقاً إلى حزب "العدالة والتنمية"، ودخولها العمل السياسي الحزبي الشرعي ثم توحدها مع رابطة المستقبل الإسلامي، ليصبح اسم المكون الجديد حركة الإصلاح والتوحيد.

جماعة "العدل والإحسان"

أما التيار الثاني والمتمثل في جماعة "العدل والإحسان" وفكر زعيمها ومرشدها عبد السلام ياسين و"منهاجه النبوي" الذي يمكن اعتباره نسخة مغربية عن كتاب سيد قطب "معالم في الطريق" مع التشابه النسبي في كاريزما ونفسية الرجلين اللذين خضعا طوال مسيرتيهما الحزبية إلى الحصار والاضطهاد أو الاعتقال، فما تزال مواقفه تتسم بالتشوّش إزاء الديمقراطية وآلياتها كصيغة ومفهوم وقيم، وما يزال ينظر إلى الدولة القائمة باعتبارها "دولة الطاغوت" وإلى قيم الديمقراطية والحداثة باعتبارها قيماً غربية وافدة ومرفوضة باسم الأصالة والخصوصية والهوية.

اقرأ أيضاً: هل تصدّر إيران التشيّع للمغرب؟

ويلفت الكاتب في هذا الصدد إلى أنّ البنية التنظيمية للجماعة التي تكرس الشخصية الريادية لمرشدها وتتشكل أساساً حوله؛ والدور التعبوي المفرط للأيديولوجيا في أدبياتها تركت انعكاساتها على مواقف الجماعة وأدائها، مما غيب الآلية البراغماتية التي تُعتبر شرطاً في الممارسة السياسية وتعمل على تكييف المواقف وإعطائها نوعاً من المرونة. وهو ما يمكن قراءته في كتاب ياسين "الشورى والديمقراطية" الذي يفرق بين "سياق الشورى" و"مساق الديمقراطية" لما يحمله التعبير الأول من قيمة إيجابية وما يحمله التعبير الثاني من قيمة سلبية؛ لأنه حسب تعبيره، من "صفات الأشقياء أهل النار"، كما يرفض الديمقراطية صراحة باعتبار "مساقها" وبيئتها التي ظهرت فيها هي الحضارة الأوروبية، وهذه الحضارة دنيوية دهرية أو دنيا بلا آخرة، وهي مرتبطة بالفلسفة "الداروينية الدوابية" الاستهلاكية والإباحية. وإذا كانت هذه هي رؤية ياسين للديمقراطية فماذا يبقى من غاية دعوته لمن يصفهم بالديمقراطيين الفضلاء للحوار؟

اقرأ أيضاً: هل ينجح المغرب في محاربة تمويل الإرهاب وغسيل الأموال؟

وفي اتصال مع موضوع الديمقراطية والمواطنة ومنظومة الحقوق يتعرض الكاتب إلى موقف الإسلاميين من قضية المرأة من خلال كتابات ياسين التي تظهر أنّ الحركة الإسلامية عموماً في تعاملها مع قضايا المرأة وحقوقها اتخذت (موقفاً يرفض مفاهيم الحداثة وحقوق الإنسان من منطق أن هذه المفاهيم ما هي إلا تغريب وغزو من ثقافة الغرب للثقافة الإسلامية وقيمها، وإشاعة الانحلال والإباحية في المجتمعات الإسلامية).

وقد عبر عبد السلام ياسين عن موقفه وموقف جماعته في كتابه "تنوير المؤمنات" بعنف لفظي واضح ولم يتحرج من رفض مساواة المرأة مع الرجل واعتبارها مواطن من الدرجة الثانية ليس في الدنيا فقط بل وفي الآخرة أيضاً، واتهم المدافعين عن حقوقها وحريتها بالمروق والانحلال الأخلاقي ونشر الإباحية تحت شعار المساواة بالأجور والحقوق ومنع تعدد الزوجات... وأنهم "النوافذ التي دخل منها الغرب لتخريب المجتمعات الإسلامية".

اقرأ أيضاً: بعد أن أصبحت الأمازيغية لغة رسمية في المغرب، ماذا تعرف عن الأمازيغ؟

ولما كان الموقف من المواطنة وحقوق الإنسان ينسحب على حقوق النساء وحقوق الآخر المختلف إثنياً أو دينياً، فإن موقف الحركات الإسلامية من الحركة الأمازيغية وحقوق الأمازيغ الثقافية والسياسية والمساواة بين اللغة العربية والأمازيغية لم يكن بأحسن من وضع النساء، ولا يختلف الموقف جذرياً بين المعتدلين والمتشددين إلا في لهجة الخطاب. فقبول المعتدلين من الإسلاميين بالتنوع والتعدد الثقافي في دولة الإسلام لا يعني قبول التعدد السياسي أو الاعتراف بهوية الآخر المختلف التي تهدد وحدة الأمة بالانقسام والتشرذم حسب تعبيرهم وتعرضها للحروب الأهلية.

فيما لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم، وأنها ليست سوى نداء الجاهلية... و"شعاراتها صنم يعبد دون الله"، وأن أية دعوة للدفاع عن اللغة الأمازيغية أو مساواتها باللغة العربية هي بمثابة "غزو" يستهدف إقصاء العربية أو اللسان العربي المبين و"اللغة التي شرفها الله واصطفاها وجعلها وعاء لكلامه المقدس". وهو ما يشير إلى موقف تمايزي ينم عن نزعة الاستعلاء على الآخر تارة والخوف منه تارة أخرى بهاجس المؤامرة الذي لا يرى في الآخر المختلف غير عدوّ مفترض.

لا يرى ياسين في الهوية التي تدعو إليها الأمازيغية غير هوية أرضية دنيوية قوامها لغة الأجداد وتاريخهم

ويخلص الكاتب إلى القول "إنّ المنهج المعتمد في التعامل مع الأمازيغية ومطالبها هو المنهج الفقهي البياني" وهذا المنهج أو العقل البياني الذي كرسته الثقافة الإسلامية في الفقه والبلاغة والكلام يرفض العقل البرهاني "المعاشي" أي عقل الغرب الذي هو عند ياسين عقل طاغوتي متأله، ويرفض بالتالي كل نتائج هذا العقل بما فيها الديمقراطية. "وأمام هذا الرفض للعقل التعددي ولحق الاختلاف كيف يمكن إذن تحقيق حوار يعترف بالآخر وبالتعددية والاختلاف؟" وأي حوار ممكن ما دام الشرط الأول لكل حوار منتج وهو تكافؤ أطراف الحوار شرطاً مفقوداً؟

يختم إبراهيم أعراب كتابه بالدعوة إلى التسامح وإقرار شرعية الاختلاف كما أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو ويستعرض تاريخ المفهوم وإشكالياته في الثقافة الإسلامية من خلال عرض آراء مجموعة من المفكرين المتنورين مثل؛ حسن حنفي ومحمد أركون ومحمد عابد الجابري وعلى أومليل على اختلافاتهم الفكرية والمنهجية في التفكير في المفهوم والنتائج التي توصلت مقارباتهم الفكرية إليها حول مدى اندراج مفهوم التسامح في الثقافة العربية الإسلامية أو غيابه عن ساحة التفكير في الفكر الإسلامي وهو السؤال الذي يبقى مفتوحاً حتى الآن.

للمشاركة:

الاختلاف الديني وصناعة الطائفية: محاولة لرؤية مغايرة

2019-08-15

يتيح كتاب "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّة"،  للبروفيسورة الراحلة، صبا محمود، تحدّي الاستقطاب الثنائيّ لفهم المشكلة الطائفيّة في الشرق الأوسط، مدجّجة بحسّ جينالوجيّ وتاريخيّ، يَسبر في كوامن الخطابات المصريّة والعالميّة، فلسفيّيها وقانونيّيها وسياسيّيها، حول مسألة الأقليّات، لا سيّما المسيحيين الأقباط الأرثوذكسيين، والبهائيين بصورة جزئيّة في مصر ما بعد الاستعماريّة.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

إنّ حجاج الكتاب طريف من نوعه، فلطالما اعتُبر أنّ الشرق الأوسط، في خطابات المحلّلين، مكان تزدحم داخله كلّ هذه الاضطرابات؛ نظراً إلى علمانيّته النّاقصة، ولعدم علمنة قوانين دوله بما يكفي؛ إذ، كما توضّح صبا محمود على مدار كتابها، تُعتبر ما تسميها الكاتبة "العلمانويّة السياسيّة"؛ أمراً نموذجياً تمثّله المجتمعات والدّول الغربيّة أفضلَ تمثيل، بينما تنحرفُ أو تزيغ عنه أو تطبّق "نسخة" منه المجتمعات الشّرق أوسطيّة، وعليه؛ عندما نتعامل مع المجتمعات الشّرق أوسطيّة فإنّما نتعاملُ معها بـ "قياسيّة" على المجتمعات الغربيّة، ونرى كيف تقترب منها أو تحيد عنها.

اقرأ أيضاً: صبا محمود: مايزال العالم قابلاً للنقد والاستجواب

فالحال أنّ المشكلة الدينيّة، سواء تجلّت في مشكلة الأقليّات أو في ظاهرة الإسلام السياسيّ لإثارته مسألة علاقة الدّين بالدّولة، أو في تدابير الدّولة العربيّة ما بعد الاستعماريّة، ومصر على الأخصّ، للمسألة الدينيّة، موضع نقاش وأخذٍ وردّ دائم في الكتابات العربيّة والغربيّة حول الموضوع.

غلاف الكتاب

وتتقاسمُ الكتابةُ العلمانيّة والدينيّة الموضوع نفسه مناصفةً؛ فهو موضوع يَمسّ الشأن العربيّ والإسلاميّ برمّته، بيد أنّ النّقاشات غالباً ما تكون ثنائيّة ومنسّقة إلى متقابلين: هذا في مقابل ذاك، الدينيّ في مواجهة العلمانيّ، والمتعالي في مواجهة المحايث، والقانون في مواجهة الشريعة. هذا الاستقطاب المبنيّ على الثنائيّات ربّما تكمن فيه المشكلة، لا في الموضوع المُناقَش نفسه، بالتالي؛ يمكننا القول: إنّ "المنطق" الذي يحدو النقاشات حول الطائفيّة في العالم العربيّ، ومصر تحديداً، هو منطق القياسيّة: أي الافتراض بأنّ علمانيّتنا مقابل علمانيّة الغرب هي علمانيّة ناقصة.

يعتني الكتاب بإشكاليّة أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ وهي علاقة السياسات الدينيّة والعلمانيّة وإنتاج الطائفيّة

تضع محمود هذا المنطق موضع تحدّ على مسار كتابها، وتحاجج بفهم آخر للعلمانيّة السياسيّة؛ حيث تضعها فيما وراء مبدأ حياديّة الدّولة تجاه الدّين، أو فصل الدّين عنها، أو غيرها من الفهومات الكلاسيكيّة للعلمانيّة السياسيّة، فتَنظر إليها باعتبارها نسقاً للحوكمة، وإعادة ضبْط للحياة الدينيّة والاجتماعيّة، واعتماداً على الإسهامات الباذخة لطلال أسد، تأخذ محمود العلمانيّة السياسيّة كأمر أبعد من هذه الصيغة الكلاسيكيّة، لترى كيف أنّ الدّولة الليبراليّة تُقاسِم الدّول السلطويّة في علمانيّتها، وأنّ العلمانيّة ليست حصراً على الدّول الليبراليّة؛ فهي أيضاً قائمة في أغلب الدّول السلطويّة.

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
يُصاحب ماركس أيضاً محمود على مدار كتابها، لتثبت -نظرياً وتطبيقياً- أنّ الدّولة الليبراليّة لا تلغي الدّين، إنّما تُخصخصه بالأحرى؛ أي تجعله أمراً خاصاً بالمجال الخصوصيّ، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة.

يعتني هذا الكتاب المهمّ بإشكاليّة لطالما أرّقت الحقول المعرفيّة حول الشرق الأوسط ما بعد الاستعماريّ، ألا وهي علاقة السياسات الدينيّة والسياسات العلمانيّة وإنتاج مشكلة الطائفيّة في بلدان شرق أوسطيّة تزخرُ بأقليّات تعيش في ثناياها، وفي ظلّ أنظمة ما بعد استعماريّة. لقد كان حلّ مشكلة الطائفيّة دائماً جاهزاً وواضحاً، نحو مزيدٍ من العلمنة، ونحو مزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه.

البروفيسورة الراحلة صبا محمود

فهل هذا الحلّ صحيح؟ كما سنرى في هذا الكتاب، فإنّه بالتحديد هو المشكلة ذاتها.

إذ تحاجج صبا محمود بأنّ السياسات العلمانيّة نفسها أنتجت بشكل كبير التفاوت الدينيّ في الدّول القوميّة الحديثة، وتأخذ مصر حالة لدراستها، مع اعتبار للسياق الجيوسياسيّ والعالميّ الذي تحلّل فيه. 

حلّ مشكلة الطائفيّة كان دائماً جاهزاً وواضحاً نحو مزيدٍ من العلمنة ومزيد من خصخصة الدّين وإبعاد السياسة عنه

في سياق دراستها لحالة الأقليّات في مصر؛ بعد تعقّبها لمسألة الأقليّات في الدّولة العثمانيّة قبل وبعد الإصلاحات العثمانيّة، ودور القوى الغربيّة في تفاقم المشكل، واستغلال هذه المسألة آنذاك للتدخّل في الإمبراطوريّة العثمانيّة باسم "تدخّلات أنسنيّة" لـ "إنقاذ" المسيحيين العثمانيين من الحكم العثمانيّ (الفصل الأوّل)، توضّح محمود كيف أنّ مفهوميْ "حقوق الأقليّة" و"الحريّة الدينيّة" كانا دائماً محلّ نزاع وجدال في السياقات الوطنيّة والعالميّة على حدّ سواء.
وتتبّع جينالوجيّاتهما في القانون الدّوليّ، وفي الجدالات القوميّة بمصر منذ مطلع القرن العشرين حول مكانة الأقباط في الدّولة المصريّة، وكيف أنّ هناك انقساماً في تسمية "الأقليّة" وتنزيلها على الأقباط: فبينما ترفض الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة مثلها مثل الدّولة المصريّة وعديد من النّشطاء الأقباط هذه التسمية، متمسّكةً بمصطلح "أهل الكتاب" القرآنيّ، نظراً لما يوفّره لها من استقلاليّة مليّة على قوانين الأسرة القبطيّة وقوانين الأحوال الشخصيّة، ينادي قطاع آخر من الأقباط باعتناق هذه التسمية؛ لأنّها هي التي ستجلبُ المشكل القبطيّ إلى السّاحة العالميّة (الفصل الثاني)، فإذا كان نضال الأقليّات دائماً موضوعاً على هذين المفهومين الإشكاليين، ويعمل تحت عنوانهما، فإنّ هذا الكتاب يوضّح الطبيعة المشوّشة والمخاتلة للمفهومين، وكيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير. 

يتطرق الكتاب للحديث عن الأقليات ومنها البهائية

وتجادل محمود، بفهم طريف، بأنّ العلمانويّة السياسيّة ليست هي مبدأ حياديّة الدّولة، وإنّما هي إعادة تنظيم الدّولة للحياة الدينيّة على عكس ما يُشاع عنها، ومن ثمّ، تَنظر كيف تحوّل السياسات العلمانيّة الدينَ، وكيف يتواشج الدينيّ والعلمانيّ معاً بموجب الدّولة الحديثة، وهذا يتجلَّى في نقاشها المثمر للغاية حول قوانين الأسرة الإسلاميّة والقبطيّة (الفصل الثالث)، وكيف يتضافر الدّين والجنسانيّة والجنوسة والعلمانويّة في هذه القوانين التي تنتج إرباكاً شديداً في حالة الأقباط بالأخصّ.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟

لقد حوججَ كثيراً بأنّ قوانين الأسرة هي ميراث من الإمبراطوريّة الإسلاميّة يعوق عمليّة التحديث والعلمنة؛ بل إنّه أمارة على العلمنة غير المكتملة لهذه البلدان، تنقد محمود هذا الفهم بإظهار أنّ ما يُسمّى "قانون الأسرة" لم يكن موجوداً في فقه الشريعة الكلاسيكيّ، وأنّه نتاجٌ حديثٌ تماماً ظهر مع الإصلاحات العثمانيّة، وأنّ العلمانيّ ليس هو الأساس الذي يبقى بعدما يُنحَّى الدّين، إنّما يتضافرُ العلمانيّ والدينيّ -كمقولتين- في ظلّ الدّولة الليبرالية الحديثة.

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي

إنّ الكتاب معنيّ بإنتاج "التفاوت المدنيّ والسياسيّ" في الدّولة الحديثة، هذا التفاوت الذي لطالما نُظِرَ إليه على أنّه موجود، شرق-أوسطياً، بسبب هيمنة المفاهيم والممارسات الإسلاميّة في هذه البلدان والمجتمعات. سوى أنّ الكتاب يتحدّى هذا ليثبت أنّ التفاوت والطائفيّة إنتاجهما موكَلٌ، في جزءٍ كبير منه، إلى الدّولة الليبراليّة الحديثة بما هي كذلك؛ لأنّها مُطاردة بازدواجيّة لا فكاكَ منها: ففي حين تدّعي الحياديّة تجاه الدّين، فإنّه تُنظّمه وتديره وتحدّد ما يجب أن يكونه، وبالتالي تُنتج التفاوت بفعل هذا التدبير الدّولتيّ النابع من سلطتها السياديّة.

يوضّح الكتاب كيف أنّ مصطلح "الأقليّة القوميّة" نفسه يعاني من اضطراب شديد في المدوّنات القانونيّة ومرّ بمسارات تحوّل وتغيير

يتّضح هذا أشدّ الاتّضاح في حالة البهائيين (الفصل الرّابع) بمصر؛ حيث تدرس محمود التهديد السياسيّ والقانونيّ الذي شكّلته حالة البهائيين على المحاكم المصريّة باعتبار أنّ المعتقد البهائيّ معتقد غير إبراهيميّ في دولةٍ لا تعترفُ إلّا بالدّيانات الإبراهيميّة الثلاث: الإسلام (دين الدّولة، بموجب القانون)، والمسيحيّة، واليهوديّة. وتسبر محمود الأحكام الصادرة بشأنهم فيما يتعلّق بالاعتراف بمعتقدهم وتسجيله على بطاقات الهويّة (ما يُطلَق عليها في مصر "بطاقات الرّقم القوميّ")، والطريف؛ أنّ صبا توضّح التفاوت المُنتَج من قبل الدّولة باعتباره تفاوتاً تتشاركه كلّ الدّول القوميّة الحديثة، لتظهر أنّ ثمّة جينالوجيا عالميّة تتقاسمها السياسات العلمانيّة؛ إذ تقارن قرارات المحاكم المصريّة بقرارات المحكمة الأوروبيّة لحقوق الإنسان حول عدّة حالاتٍ فصّلتها بالكتاب في فرنسا وسوسيرا وتركيا بخصوص تمييزات دينيّة تعرّضت لها معلّمات لارتدائهنّ الحجاب، أو في حالة لوتسي التي اعترضت على عرض الصليب في المدرسة الحكوميّة؛ نظراً لأنّه ينتهك حريّة أبنائها الدينيّة والفكريّة، تُظهر هذه المقارنة عن جينالوجيا واحدة للعلمانويّة الحديثة، تُنتَج في المحاكم المصريّة على هيئة دينيّة، وفي المحاكم الأوروبيّة على هيئة علمانيّة دينيّة في جوهرها، أي المسيحيّة وقد عُلمِنَت.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

وكما أشارت البروفيسورة كميل روبسيس في مراجعتها لهذا الكتاب؛ فإنّ ماركس الشاب يُصاحب هذا الكتاب، ويتمثّل وجود ماركس هنا، كما نوّهتُ على ذلك في بدء هذه المقالة، في إشارته إلى أنّ الدّولة الليبراليّة لم تلغِ الدينَ، وإنّما خصخصته وعمّقته اجتماعياً على خلاف زعمها المعهود، وبالفعل؛ منذ المقدمة، تشير محمود إلى ماركس بمقالته المعنونة "حول المسألة اليهوديّة" التي يردّ فيها على باور الذي يمثّل قمّة المثاليّة الهيغليّة، ولعلّ من الطريف أنْ يترافق ماركس وطلال أسد في هذا الكتاب: الأوّل يقول باستحكام الدّين في الدّولة الليبراليّة، والثاني يقول إنّ الدينَ نفسه هو مفهوم علمانيّ، لكن وإنْ كان ماركس يقول ذلك ليحدّدَ الدينَ باعتباره "اعتقاداً"؛ فإنّ طلال أسد يقول إنّ مفهمة الدين كـ "اعتقادٍ" هي نفسها تصوّر حداثويّ يَنظر إلى الدين في أبعاده المثاليّة دون استثمار ماديّة الدين الخاصّة؛ لذلك، بحسب أسد، علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين (أي كمنظِّمة للدين في الحياة الاجتماعيّة للمجتمعات والجماعات البشريّة)، وأن ننظرَ للدّين فيما وراء الاعتقاد (أي كممارسة خطابيّة وماديّة)، وسنجدُ ذلك في أثناء هذا الكتاب في مواطن كثيرة لمحمود.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك

أمّا الفصل الأخير؛ فيتطرّق إلى أمر نشاز عن الكتاب؛ أي إلى العلمانيّة (secularity) -لا العلمانويّة (secularism)-  وعلاقتها برؤية التاريخ والوحي، وذلك من خلال قراءة نقديّة لرواية "عزازيل"، ليوسف زيدان، والجدالات حولها، مموضعةً إيّاها في سياق القراءة الأنواريّة للدين منذ القرن الثامن عشر.
لقد أثارت هذه الرّواية ضجّة، كما هو معروف، في الوسط المصريّ، نظراً لتعرّضها للنقاش الكريستولوجيّ المتعلّق بطبيعة المسيح.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟
تبيّن محمود أنّ الرواية تقوم على تصوّر إنسانويّ للدّين باعتباره خلْقاً بشرياً، وأنّها مدجّجة بنقدٍ أنواريّ للدّين، وتوضّح أنّ الجدال حولها من قبل رجال الدّين المسيحيين -مثل الأنبا بيشوي- يتقاسم علمانيّة زيدان نفسها؛ فكلا الطرحين يَنظران إلى الكتاب المقدّس كمستودع للحقائق التاريخيّة، غير مفرّقين بين التاريخ التقويميّ والتاريخ المقدّس، وكيف انفصلت "الحقيقة" عن "المعنى" في تفسير الكتاب المقدّس تأويلياً وإبستمولوجياً منذ القرن الثامن عشر.
إنّ هذا الفصل بديع؛ لأنّه يوضّح زاوية أخرى للنّقاش حول هذه الرّواية المهمّة والمثيرة للجدل.

 علينا أن ننظر إلى العلمانويّة فيما وراء مبدأ حياديّة الدوّلة تجاه الدّين

ربّما لم تكن الطائفيّة، إذاً، بعد كلّ هذا التطواف، ترتيباً دينياً، بقدر ما هي ترتيب علمانيّ تدفعنا الدّولة الليبراليّة الحديثةُ إليه دفعاً، لإنتاج التفاوت بنيوياً ونسقياً. وسيعلّمنا هذا الكتاب درساً بالغ الأثر؛ فمصطلح الأقليّة نفسه مرّ بترحّلات كثيرة، وهو مصطلح حديث عموماً، ومقاربته عربياً من منظور ما قبل حديث هي خطأ معرفيّ وسياسيّ؛ لأنّنا عندما نتكلّم عن الأقليّات فنحن نتحدّث بالأحرى على أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين (كما سيوضح الفصل الأوّل)؛ أي بعد أن استقرّت "الدّولة الحديثة" وتثبّتت، كما أنّ التعامل مع "الطوائف" في الحقبة الإسلاميّة ما قبل الحديثة، لا سيّما العثمانيّ منها، بثنائيّة الأكثريّة-الأقليّة هو ارتكاب للخطأ ذاته، لسببٍ بسيط؛ أنّ التحوّل من الطائفة إلى الأقليّة (وهو عنوان فرعيّ داخل الفصل الأوّل) تحوّل حديث تماماً، وله مستلزمات سياسيّة ومعرفيّة واجتماعيّة هائلة.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية

إنّ التفاوت الذي يحدث للأقليّات عموماً -أو ما تسمّيه صبا محمود ببراعة "المكانة المتداعية" التي تحتلّها الأقليّات- في الدّول الحديثة، ليس ناجماً بالأساس عن وجود كُتلة تسمّى الأكثريّة؛ بل عن تدخّل الدّولة نفسها في تنظيم الشأن الدينيّ والاجتماعيّ لحيوات الشعوب بتثبيت نظام أكثرويّ معيّن، بالتالي؛ إذا لم يبدأ النّقاش من الدّولة ودورها في إحداث التفاوت فهو الغبنُ والتيه، ولا مناص من ذلك إن لم نقلب التدابير العلمانيّة على رأسها، لنقول إنّ استحكام "العلمانيّ" في العصر الحديث قد أدخلَ الدينَ في سيرورات التعلمُن بموجب الدّولة ذاتها؛ أي كي تتمكّن الدّولة من إعادة تنظيمه وترتيبه كـ "شأن خصوصيّ" من المفترَض أنّها محايدة تجاهه، في حين أنّها تنظمّه في الواقع، ممّا ينتج التفاوت والتداعي للأقليّات عموماً.

ولذلك؛ فهذا الكتاب، في نهاية المطاف، هو مساءلة للدّولة، لحياديّتها، لادّعائها الدائم بالمساواة؛ وهو، من ناحية أخرى، تهديد للخطابات التي تستنجدُ بالدّولة وتستدعيها لحلّ مأزق التفاوت الدينيّ فيها؛ فكيف يُدعى لحلّ المشكلة مَن تسبّب فيها قبلاً، أي الدولة؟

للمشاركة:

هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي

2019-08-03

أعادت أحداث العنف التي شهدها العالم مؤخراً والتي ارتبطت باسم التنظيمات "الجهادية" الظاهرة "الإسلاموية" إلى صدارة الاهتمام من جديد. واستأثرت دراسة الحركات الإسلامية بنصيب وافر من النتاج الفكري في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء عبر المبادرات البحثية الفردية، أو من خلال المؤسسات الإعلامية ومراكز الأبحاث العربية والدولية المتخصصة.

إن المشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي

وفي سياق هذا الاهتمام المتزايد يأتي كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي" الصادر عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية عام 2002. وتأتي أهمية الكتاب من كونه يقدم إحاطة شاملة حول تجربة الحركات الإسلامية سعياً نحو فهم ملابسات نشأتها، وتقييم تجربتها، ورصد أثرها، واستشراف مستقبلها. ومن كونه عملاً جماعياً شارك في إعداده عدد من الأكاديميين المتخصصين في الدراسات الإسلامية؛ حيث ساهم كل باحث منهم بتغطية جانب من تلك التجربة من زاوية تخصصه ورؤيته على مدار 6 فصول متكاملة.

اقرأ أيضاً: "صواب".. موقع تونسي جديد يسعى لتفكيك الحركات الإسلامية

فقدم الباحث عبدالوهاب الأفندي في الفصل الأول "النشأة والمدلول وملابسات الواقع" استعراضاً للظروف والمتغيرات المحلية والعالمية والتحديات الجديدة التي ألقت بظلالها على الواقع الإسلامي، وشكلت الخلفية التاريخية التي ساهمت في ظهور الحركات الإسلامية من واقع أزمة مختلفة نوعياً عن كل الأزمات والانتكاسات السابقة التي مرت بها الأمة.

غلاف كتاب "الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي"

فلم تتزعزع ثقة الأمة بنفسها كما زعزعتها فترة الهيمنة الأوروبية، وصدمة الحداثة الغربية، وتجربة الاستعمار الجديد. وقد ناقش الأفندي عدداً من الآراء والقراءات التي تصدت لتعريف الحركات الإسلامية وأسباب وملابسات ظهورها وفهم الظروف التي مهدت ورافقت نموها وانحرافها عن الدور الذي رسمته لنفسها. وخلص إلى أنّ "الحركات الإسلامية" هي: تلك الحركات التي تؤمن بشمولية الإسلام  لكل نواحي الحياة والتي تصدت لما تراه جهداً لازماً لتأكيد هذه الشمولية في وجه تراخي المجتمع وتقصير القيادات ومكايد الأعداء، وتدعي لنفسها دور القيادة الأخلاقية للمجتمع.

يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها

ويُفسِر انتشارها في الأرياف وهوامش المدن، والخلفية  الاجتماعية لكوادرها ومؤيديها؛ أنّها نشأت من أزمة مزدوجة: أزمة العلاقة بين "العلمانية الواقعية والإسلامية النظرية" التي تعيشها هذه المجتمعات، والأزمة الاجتماعية الاقتصادية التي أفضى إليها استبداد الدولة وفشل سياساتها التنموية وعجزها عن مواجهة التحديات الخارجية.

وقد أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية"، الليبرالية منها والاشتراكية والقومية، إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ، ووظيفة اجتماعية لابد أن تجد من يتصدى لها. الأمر الذي يؤكد أنّ الحداثة التي رفضتها تلك الحركات قد تركت ميسمها عليها، فهي نشأت في كنف الحداثة وأزمتها، واستجابة لتحدياتها ورد فعل عليها. وأرادت إيجاد مخرج من تلك الأزمة لكنها انتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

 أدى تراجع دور قوى "الحداثة العلمانية" إلى ترك فراغ كان لابد أن يُملأ

تشكل أطروحة حسن حنفي في الفصل الثاني "الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة" استمراراً منطقياً لسابقه بتأكيده على أنّ الدين كان باستمرار وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي، وحركة اجتماعية تعبر عن المضطهدين والمهمّشين ضد قوى الطغيان، ووسيلة لتحرير الأوطان وتوحيد الثقافات. ويرى حنفي أنّ ثمة ثلاثة جذور للإسلام السياسي: جذر قديم يتمثل في الحركات السياسية والفكرية الإسلامية القديمة، سواء نشأت في كنف الدولة أو في معارضتها، وهي كلها نشأت في أجواء السياسة أو بدوافع وغايات اجتماعية سياسية، وجذر حديث تمثل في حركة الإصلاح الديني التي قامت بدافع سياسي كرد فعل على ضعف الخلافة العثمانية ثم انهيارها وعلى احتلال أراضي الأمة وتجزئتها ورداً على تخلف الأمة عن المدنية الحديثة، وخرج معظم الحركات الوطنية من عباءة الإصلاح الديني لكنها انحدرت إلى السلفية بعد فشل تجاربها، ومن هذا الجو المشبع بالروح السلفية تشرب حسن البنّا أفكاره  وأنشأ جماعة الإخوان المسلمين، الذي خلفه سيد قطب في قيادتها. وجذر معاصر تمثل في فشل دول الاستقلال الوطني "الحديثة" في القيام بمسؤولياتها الدفاعية والسياسية والتنموية وتأرجح وتوتر علاقة تلك الحركات مع حركات الضباط الأحرار، وتبدل مواقعها ما بين المشاركة السياسية في السلطة أو السجون والمعتقلات.

يبني حسن حنفي أطروحته بتأكيده أنّ الدين كان وسيلة للتغيير السياسي والاجتماعي والثقافي

ومن تضافر هذه الجذور الثلاث، تشكلت شعارات الإسلام السياسي حسب واقع الحركة في كل حال، وهي شعارات سلبية أكثر منها إيجابية وتدل على قدر كبير من الغضب والرفض، والهروب إلى البديل، والبحث عن المنقذ. وتجلت تلك الشعارات في "الحاكمية" و"الإسلام هو البديل" و"الإسلام هو الحل" و"تطبيق الشريعة الإسلامية"، وهي شعارات تعبر عن تأزم الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وتذبذب نشاط تلك الحركات وشعاراتها ما بين المشاركة السياسية والعنف من خلال جدل الشرعية واللاشرعية التي حددت علاقاتها مع النظم السياسية القائمة، نظراً لحداثة المجتمعات الإسلامية بالتجربة الديمقراطية.

 

 

ومن هذا الجدل يستشرف حنفي صورة مستقبل الحركات الإسلامية ما بين مزيد من العنف الهدام وبين برنامج يبني ولا يهدم، يحاور ولا يستبعد، ويقوم على توسيع المشاركة السياسية المشروطة بالديمقراطية.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟

تحت عنوان "التطرف والاعتدال لدى الحركات الإسلامية" يناقش عماد الدين شاهين الأسباب والدوافع التي حدت ببعض الحركات الإسلامية لتبني العنف وسيلة ومنهجاً لتحقيق أهدافها، والجهاد طريقاً  لمناهضة ما تسميه الدول الكافرة ومجتمعات الجاهلية. في حين سارت شقيقاتها على نهج الوسطية والاعتدال وتحولت إلى العمل السياسي أو العمل الاجتماعي الإصلاحي وقبلت المشاركة السياسية على أسس الديمقراطية وصناديق الاقتراع.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية

ويشير شاهين  إلى أنّ "التطرف ليس الدين، ولا يقتصر على الحركات الإسلامية وحدها، فثمة تطرف علماني وتطرف حكومي كذلك". كما أنه لا بد من التمييز بين التطرف الفكري الذي يعتبر من طبيعة الحركات التغيرية وثقتها بصحة أفكارها، وبين العنف والعمل المسلح من أجل فرض فكر ما على الآخرين بالقوة العارية. كما يجب التمييز بين العنف كأسلوب طارئ تقتضيه بعض الظروف وبين كونه جزءاً من منهج الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

يرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها

ويخلص شاهين إلى أنّ جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب؛ الذي نشأ من عذابات السجون والقهر، وتلقفته فئة من الشباب المهمّش؛ كتعبير عن نقمتها ووسيلة لتغير واقعها المرير في الدول الناشئة بعد الاستقلال، والتي تبنت النموذج "الكمالي" التركي مع تفاوت في تطبيقه بين بلد وآخر؛ حيث يتناقض هذا النموذج  الذي فُرض بالقوة والعنف في علمانيته وتسلطه مع النظام الإسلامي. وقد وجد قطب أنّ المهادنة مع هذا النموذج والسكوت عليه سيمنح الدولة الشرعية التي تحتاجها ويرسخ دعائمها، لذا فقد دعا إلى إزالتها بسائر أنواع القوة وإقامة النظام الإسلامي. وهذه القطبية الحادة بين عنف الدولة وعنف المعارضة لن تفضي إلا إلى مزيد من العنف.

شاهين: جذور التطرف لدى الحركات الإسلامية المعاصرة تكمن في فكر سيد قطب

يناقش أحمد الموصللي في الفصل الرابع "رؤية الحركات الإسلامية لمفاهيم الديمقراطية والتعددية السياسية في العالم العربي"، ومدى ملاءمة الفكر الإسلامي المعاصر للديمقراطية والتعددية من خلال استعراض الخطابات الإسلامية المعاصرة حول هذا الموضوع من جهة، وما تروجه وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الغربية حوله من جهة ثانية. ويخلص إلى أنه ورغم المرجعية النصية المشتركة والشعارات المتماثلة في خطاب الحركات الإسلامية، إلا أنه كان هناك دائماً في فكر الحركات الإسلامية خطابان متزامنان: خطاب استئصالي استبعادي وهو لا يقتصر على تلك الحركات وحدها فقط، بل تمارسه أغلبية الأنظمة "العلمانية" في العالم الإسلامي، وخطاب استيعابي ينفتح على مفاهيم التعددية والديمقراطية وقبول الآخر، ويدعو إلى توسيع المشاركة وتوسيع دائرة الحريات السياسية.

السيد: القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة

إلا أنّ بروز الحركات "الجهادية ذات الخطاب الاستئصالي الاستبعادي على الساحة السياسة ودور النظم السائدة ووسائل إعلام مراكز القرار الغربي في إظهاره واستثماره لصالحها قد غيّب الخطاب الآخر ودفعه إلى الظل. ولا بد من البحث دائماً في الظروف التي تفضي بالخطاب الأصولي إلى التشدد والاستبعاد أو المرونة والاعتدال.
ينطلق فواز جرجس في الفصل الخامس في معالجة "دور الحركات الإسلامية في الاستقرار السياسي في العالم العربي" من العلاقة السببية ما بين طبيعة النظام القائم ودور قوى المعارضة وسلوكها. فالمعارضة امتداد طبيعي للثقافة والسلوك السياسي السائد في بلد معين وتعبر خير تعبير عن نوعية العلاقة وطبيعتها بين الدولة والمجتمع.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية

ويرى جرجس أنّ السلطات الاستبدادية قد سدت منافذ الحياة السياسية أمام المعارضة الإسلامية وغيرها، وبادرتها العنف ودفعتها نحو العمل السري والانقلابي والتآمري، مما زاد في غطرسة قيادات الحركات الإسلامية بعد شعورها بالتمكن والقوة فازداد خطابها عنفاً وتصعيداً وتحولت من رد الفعل إلى المبادرة والفعل، مستفيدة من ضعف شرعية النظم وفشل مشروعات التنمية في معظم الدول العربية.

 

 

وقد تغلبت إرادة القوة والسيطرة على منطق التعايش السلمي في تعاطيها وتعاملها مع النظم القائمة، بل ذهبت إلى تهديدهم وتكفيرهم وتحدي المنظومة العالمية بشكل انتحاري ودون حساب أي عواقب. وهذا الإقصاء المتبادل هو ما يفضي إلى عدم الاستقرار السياسي، واستمرار دوامة العنف، ومنع أي عملية تحول ديمقراطي ما لم تنجح الحركات الإسلامية بفك ارتباطها مع التيارات "الجهادية"، وتعلن صراحة رفضها للآليات والوسائل الدموية التي تستخدمها، وتجعل من الاهتمام بهموم المواطن الحياتية وبناء مجتمعات أكثر صلابة وثقافة وقدرة على مواجهة الاستبداد السياسي عملاً أهم من انتهاز نتائج المواجهة بين"الجهاديين"والنظم القائمة للوصول إلى السلطة، وأن تعيد النظر في أفكارها ومناهجها وتستفيد من تجارب غيرها وتكف عن تكرار التجارب الفاشلة.

تجذرت الحركات الإسلامية في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها

يقدم رضوان السيد في الفصل الأخير استخلاصاً حول "مستقبل حركات الإسلام السياسي في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية" انطلاقاً من مراجعة وجهات النظر التي تنبأت بقرب نهاية الحركات الإسلامية، بحكم فشلها في الوصول إلى السلطة بالقوة في أي بلد بعد التجربة الإيرانية وتكرار تجاربها المأساوية الفاشلة، وبحكم أنّ القول بتطبيق الشريعة شعار احتجاجي لا يصلح برنامجاً للوصول إلى السلطة، وبالتالي لا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي للحركات الإسلامية.

ويسعى السيد لتوسيع دائرة الحكم من خلال مراجعة الأصول الفكرية والثقافية لتلك الحركات باعتبارها ليست حركات سياسية فحسب، بل هي حركات إحيائية ذات صبغة دينية قبل أن تصبح السياسة من أولوياتها. وقد تأرجح فكرها وممارساتها ما بين الرفض المطلق إلى المهادنة فالتكيف والقبول مع المتغيرات العالمية الكبرى وكرد فعل عليها أو استجابة لها في كل مرة، وأنّ الحركات الإسلامية قد تجذّرت في الواقع العربي والإسلامي إلى حد لا يمكن معه تصور اختفائها أو تراجعها في المدى المنظور.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: هل انتهى الشكل التقليدي للحركات الإسلامية؟

لكن ذلك رهن بقدرة الفكر الإحيائي الذي تحمله تلك الحركات على التحول من فكر هوية إلى فكر انتماء، وعلى التحرك من الهوية العقدية سريعة التأزم والانكماش إلى الانتماء الحافظ للمشروع عن طريق المشاركة بالعالم. فلم يعد من الممكن اليوم الاستمرار بالحديث عن الغزو الثقافي أو عن المشروع الحضاري العربي أو الإسلامي؛ فالمشروع الحضاري الذي يستحق اسمه لا يمكن أن يقوم إلا بالمشاركة في العالم الثقافي والسياسي الواقعي، وبالإسهام في تغيير العالم وتقدمه، ولم يعد من الممكن تصور وجود جزر معزولة في عصر العولمة.

لكن يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك حركات الإسلام السياسي في الأصل مشروعاً نهضوياً يحمل في طياته عناصر تغيير حقيقي؟

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية