مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية

1796
عدد القراءات

2018-11-28

بمجيء الثورة الإسلامية الإيرانية، انطلق سيل من الكتابات العربية يعلن إفلاس "التغريب" ويمجّد استعادة الذات من "استلاب" الآخر (الغرب) لها و"اغترابـها" فيه، ويهجو الحداثة بما هي نفي للذات في الآخر، ضم هذا الشتات الفكري قامات ثقافية بحجم أدونيس وإلياس خوري وعباس بيضون وحسن داوود وموسى وهبة، فكان لا بد من رجل عاقل قادر على مقاومة الانجراف مع موجة "العودة إلى الذات" و"الخصوصية"، وليصنع على مهلٍ "صحو في مستوى الشمس" من سُبات الهيام المفاجئ بالأصالة. كان لمهدي عامل أن يقف ساخراً ومدججاً بفكره العلمي ينازل به النثر السياسي الراقص على أنغام الصحوة.
مهدي عامل

فخ هيجل المستعار
في كتابه "نقد الفكر اليومي" يحفر عامل في طبقات فكر الحداثيين العرب الذي يتموج مع الشائع "كأنه يجد الحداثة في ركوب كل موجة صاعدة" وكانت موجة الثمانينيات تتعلق بـ"عودة التاريخ الإسلامي إلى مجراه بعد أن حرفه الغرب عنه عنوةً" ليعثر على مفهوم مستعار من الغرب هو "الاغتراب" والذي به يتأول هذا الفكر المولع بالأصالة التاريخ كله منذ بدء الإسلام إلى لحظته، وبحسه النقدي الساخر واللاذع يتوصل عامل إلى أنّ هذا مفهوم الاغتراب ليس أصيلاً في الإسلام وليس من مقتنيات الحضارة الإسلامية "الخاصة" لكنه يحتل مكاناً مركزياً في منظومة الفكر الهيجلي "الغربي"!

يقول مهدي عامل: ليس كل فكر عقلاني، بالضرورة، تقدمياً، وليس كل فكر مناهض للعقل، بالضرورة رجعياً

أما المفارقة الموجعة، فكامنة في أنّ الفكر الحداثي لم يتعرف على هيجل إلا بالسماع المتواتر من بعض مفسريه وعلى رأسهم جاك بيرك الذي صاغ مقولة "الإسلام المنفي" والذي أوَّل بها تاريخ العرب المعاصر، من حيث هو تاريخ صراع يتجدد بين ذات وآخر، قديم وحديث، قدسي ودنيوي، سلفي ومعاصر، وبحسب منطق هذه الثنائية التي تحكم فكر بيرك يمكن تصور تاريخ الاستعمار على أنّ: الآخر/الغرب استلب الذات/الشرق عالمها والآن تنتفض الذات لتعيده، وبحفره في طبقات هذا المنطق يعثر عامل على ديالكتيك هيجل الذي يمهد لمصالحة ضرورية بين الذات والآخر بها يختتم الصراع ويبتدئ الوئام.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
في هذا المضمار جرى فكر الحداثيين الذين سبق ذكرهم، وكانت خلاصة ما ذهبوا إليه هو أنّ خصوصية الذات تتأكد دائماً في وجه الآخر، وتتأكد أصالتها بتعبيرها عن الإسلام، الذي هو، بحسب وجيه كوثراني، الرد الثقافي والسياسي في معارك تحرر الشعوب الإسلامية واستقلالها وبالطبع استرداد الهوية الضائعة، بعد أن تحولت إلى أسطورة؛ ففي منظور هذا الفكر يصبح ماضي الذات هو حاضرها ومستقبلها، وليس الاستعمار وفقاً لمنطقه سوى نفي لهذا الجوهر، وبذلك تعيش المجتمعات الإسلامية زمناً ليس زمنها، أو بالأحرى لحظة من التاريخ الأوروبي، وبتأكيد الذاتية الإسلامية سرعان ما تُطوى، فتستعيد الذات هويتها.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
ثقافوية من هذا النوع لا تستطيع إلا أن تتجاهل البعد السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الغرب والمجتمعات الإسلامية، ومن ثّم تلجأ إلى مفهوم الحضارة الملتبس، والذي يحمل معنى الروحي أو الثقافي بشكل عام؛ فحضارة الغرب قائمة على استبعاد الحضارات الأخرى بهدف تبرير وتمديد عالميتها وسيادتها، أما الإسلام فلا ينفي الآخر ولا يحلم بتدميره، فقط يسعى للعودة، وبعدها يبدأ في استيعاب الآخر.
كتابه "نقد الفكر اليومي"

الراسخون في الوهم
بات التراث مجالاً من مجالات الصراع الفكري الأيديولوجي الراهن. حقيقة لا تحتاج مزيداً من التأكيد بين دارسي التراث. إلا أنه ما أصعب البناء عليها، فما طبيعة هذا الصراع وما حدوده وما يرتب عليه؟ هذا سؤال المعرفة ولا يمكن الإجابة عنه أيديولوجياً. خريطة الصراع ترسمها خيارات الحاضر ويقسمها فالق المنهج، تلك حقيقة مهدي الخاصة يلوّح بها في تعليقه على سفر حسين مروة "النزعات المادية"؛ فهناك فارق لا يمكن محوه بين أن تنظر في التاريخ من موقع الكادحين فيه أو المستضعفين، وهم صانعوه، في صراع ضد من هم في موقع السلطة فيه ومن هم بالفعل أسياده، وهذا يتطلب منهجاً صارماً في تحديده لحركة التاريخ الاجتماعي وصراعاته، فيكون الفكر نتاجاً لقاعدته المادية التي منها انطلق في تطوره، وبين النظر إلى التاريخ من الموقع المعاكس، فيكون الفكر منفلتاً في حركته عن سياقه، متحرراً من كل تحديد، أي من علميته، صالحاً لخدمة كل سلطان في كل زمان.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
مصدر الإيهام هنا يأتي من "هوس الخصوصية" الآخذ بالتوحيد بين موضوع البحث ومنهجه، فيفترض أنه لا يمكن النظر في التراث الإسلامي بمنهج من الفكر هو غريب عنه، لم ينبت في تربته، وكل منهج "مجلوب من الخارج" ستكون علاقته بالتراث علاقة خارجية مُقحمة؛ فالعلة إذاً هي المعرفة الغربية المراد فرضها على التراث، والتي عليها كي تحظى بالقبول أن "تتأسلم" أي أن تتخلى عن مفاهيمها الكونية لتدخل في دائرة الخصوصية، وتقطع علاقتها المعرفية بأصل الخطيئة فيها، والخطيئة هذه من أصل غربي.

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع
وفي هذه النظرة يكمن الطرح الأكبر: يجب النظر في التراث بفكر التراث وحده، وبمفاهيمه وحده، كي يظل نقياً دون شوائب، أما مشكلته الكبرى فهي إبطال كل معرفة بالتراث، فينحصر النظر في التراث في تكرارٍ رتيب لعناصر الفكر التراثي، لينغلق الفكر على ذاته، ويفلت بالتالي، من التاريخ الذي هو زمن التغير والتحول، ليدخل في زمن أسطوري يتجوهر فيه ليصبح نموذجاً، والنموذج لا يعرف إلا حركة واحدة هي حركة تكرار ذاته، أو إعادته في نُسَخٍ عنه، وهكذا يتكرر التراث في دراسات لا تنتج معرفته، بل تعيد ما قاله السلف.
إسلامٌ حسب معتنِقه
ضد هذا التشويه السائد في الدراسات التراثية يرتسم منهج مهدي عامل، الذي يؤكد أنه قبل هيمنة الرأسمالية عالمياً وضمها المجال الإسلامي ضمن منطقها وصيرورتها، كان الإسلام هو الإطار الجامع لكل التيارات المتباينة من الفكر التي تتأوله (الإسلام) في كل اتجاهات الصراعات الاجتماعية؛ وكان مرد اختلافها هو شروط تلك الصراعات بالذات، لكنها كانت تتحدد، برغم خلافاتها، كتيارات من الفكر الإسلامي نفسه، من حيث أن هذا الفكر وحده كان تربتها التي فيها نبتت، فترعرعت وتصارعت في إطار إشكالية "التوحيد".

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟
التوحيد، حسب تحديد عامل، هو موضوع الفكر لكل التيارات الدينية ومحور الصراع بينها، أما موضوع التوحيد نفسه فكان الله تعالى، وليس الإنسان، أما منطق التوحيد فكان الشهادة بأنّ الله تعالى واحد أحد منزّه في وحدته بالمطلق عن كل ما سواه، وعلى قاعدة هذا الفهم للتوحيد قام الفكر الإسلامي في وحدته المعقدة، فتباينت تياراته بتباين تأويلها لهذا التوحيد وموقفها منه.
ومن ثّم فإنّ ماركسية مهدي عامل الصارمة، والتي تفرض عليه أن يأخذ الظروف السياسية والاجتماعية في الاعتبار، لم تمنعه من الوقوف على موضوع فكر المذاهب في الإسلام، إلا أنّ منظوره يتسع ليشمل الوظيفة الاجتماعية لعلم الكلام دون أن يغفل الطبيعة المميزة لهذا العلم والذي بها تتحدد قضاياه ومسائله وبالأخير هويته التي يتمايز بها عن بقية العلوم.

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور
فالسياسي في الفكر الإسلامي يتم التعبير عنه عقدياً، والخطاب الكلامي يظل مستغلقاً على الفهم ما لم نأخذ بعين الاعتبار أبعاده السياسية ومطامحه لتثبيت واقع سياسي أو لتحقيق بدائل سياسية ما، كما يقول عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"؛ فالاختلاف حول السياسي ظل يمثل بؤرة الصراع القائم بين جُلّ التيارات الفكرية، أما الاختلافات ذات الطابع العقائدي البحت والتي تشمل "دقيق الكلام" فلم تأتِ إلا في مرحلة متأخرة نسبياً.
وبوضع يده على الوظيفة الاجتماعية لعلم الكلام، يقرر عامل أنّ الإسلام كان يتعدد بتعدد تأويلاته التي هي أشكال تعبير ديني عن تعدد القوى الاجتماعية المتصارعة واختلاف مواقعها، وقد أخذ الصراع الاجتماعي بين هذه القوى مجرى الصراع الديني وظهر بمظهره وجرى بلغته، والإسلام بهذا المعنى واحد ومتعدد، لا وجود له في التاريخ إلا في هذه التأويلات وبها، ولا وجود لهذه الاختلافات إلا بالإسلام وفيه.

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟
ورغم أنّ علم الكلام في بدايته كان يطلق على ذلك الجهد العقلي أو النظري الذي يهدف إلى الدفاع بأدلة عقلية خالصة عن العقائد الإسلامية في وجه خصومها أو في وجه البدع والنحل الزائفة التي يمكن أن تولد داخل المجتمع الإسلامي، كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، إلا أنه في تطوره اللاحق أصبح مجموعة من العقائد الفلسفية/الدينية التي أُريد لها أن تمثل على صعيد النظام المنطقي صورةً للمبادئ الأساسية التي لا يكون إنسانٌ ما مسلماً إلا إذا أخذ بها، وبعد نشوء المذاهب واكتمالها لا يكون الإنسان مسلماً بإطلاق، وإنما من خلال مذهب معين.

 كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية" لعبد المجيد الصغير

التأويل فعل سياسي

إحدى جنايات الفكر الإسلامي المعاصر على الوعي العربي عدم التفرقة بين رؤيةٍ للإسلام هي نتاج للشروط التاريخية المعاصرة وبين تراث الإسلام الذي تكوّن عبر قرون مديدة؛ فالإسلام في العصور الوسطى مختلف جوهرياً عن الإسلام في العصور الحديثة، باختلاف الشروط الاجتماعية لوجوده في الحالتين، وفي الوقت الذي يلح فيه الفكر الإسلامي على الاستمرارية التاريخية للإسلام، عبر تجريده من وجوده الفعلي المحدد بوجوده التاريخي وإفقاده الصلة بحياة البشر الواقعية، يجد نفسه فيه محكوماً بالتناقض الناتج عن كونه محكوماً بمنطق الحاضر وبروحه وبشروطه.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً
وتكمن الجناية الأكثر وطأة في الجمع بين تأويلٍ ديني للإسلام وبين الحقيقة الدينية نفسها، وهي غيبية بالأساس وقوامها التجربة الداخلية الروحية، والدين بما هو علاقة اجتماعية يختلف فيها وجوده الغيبي باختلاف الموقع في المجتمع؛ فإسلام المحكومين غير إسلام الحكام وإسلام الفقراء غير إسلام الأثرياء، ومن ثَمّ يمكن القول إنّ حصر الإسلام في تأويلٍ وحيد ليس سوى فعل سياسي يرمي للهيمنة الاجتماعية.
ويمكن أخذ مسألة "التوفيق" كبيان على تباين الوعي الديني في التراث والحاضر؛ فقد كانت وظيفة الدين عند ابن رشد أن يكون طريق الوصول إلى المعرفة بالله، لمن ليس بقادرٍ على الوصول إليه بعقله، فإذا كان قول من بالعقل يُعرَّف مخالفاً لظاهر النص القرآني وجب تأويل النص ليكون متفقاً مع ما يقول به العقل؛ لذا كان التوفيق بين الحكمة والشريعة توفيقاً بين العقل والدين، وكان موضوع التوفيق هو معرفة الله.

اقرأ أيضاً: ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"
أما توفيق من يسميهم عامل بـ "متأسلمي الزمن الراهن" فموضوعه هو الإنسان بين الإسلام والغرب، أما غايته فتكمن في حصر معنى الإسلام بالقسر في أحد تأويلاته؛ بهدف الانفراد بالسلطة وإحكام الهيمنة السياسية على المسلمين وتمثيلهم أمام الغرب والتحدث باسمهم وباسم الإسلام في آن.
وتأويل "متأسلمي الزمن الراهن" للإسلام، والذي يسقط الطابع التاريخ للتراث، بحكم سلطويته، يميل دائماً إلى حصر الإسلام في الشريعة؛ فهيمنته لا تتحقق إلا بها، من حين كونها الضابط الأمثل لحركة المجتمع التاريخية، فيتأبد النظام الاجتماعي بالشرع استثماراً لطابع الشرع القدسي، وهذه الحركة من التقنين والضبط هي نفسها حركة التفقيه (نسبةً إلى الفقه) والدور الذي تضفيه الشريعة عبر ممثليها من الفقهاء على شرعية الدولة يجعل من الفقهاء جزءاً من تحالف القوى الحاكمة وجزءاً أساسياً، بالتالي، من جهاز الدولة، وفي الأخير يكون التأويل الذي يحصر الإسلام في الشرع قد جعل من الإسلام أيديولوجيا دولة يخدمها باعتباره جزءاً منها ومستفيد من طابعها.
مؤدى هذا المشروع، كما يستنتج عامل، هو استبدادٌ مطلق وليس الشرع سوى شكل له هو شرعيته؛ فحصر الإسلام في الشرع أساسي، إذاً، لهذا النظام الذي يجد في الشرع شرعيته، وفي الفقه أيديولوجيته، وفي الفقهاء مبرريه، هذا الإسلام هو إسلام النظام الذي كان قائماً في التاريخ ويُراد إعادة إنتاجه في الحاضر.
كتابه "مدخل إلى نقض الفكر الطائفي"

مع الصوفية ضد ابن رشد
في هذا السياق يكون لتمييز القدامى بين الشريعة والحقيقة دلالة سياسية كبرى؛ فتحديد الشريعة بأنها ظاهر الحقيقة يستدعي، بالضرورة، التأويل، والتأويل ليس واحداً؛ فمنه العقلاني والروحاني والإشراقي.
ويُبدي عامل انحيازاً حاراً للتأويل الصوفي على حساب التأويل العقلاني الذي جعل من الحقيقة مرادفاً للشريعة لا تختلف عنها إلا باختلاف "دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية" كما بتعبير ابن رشد؛ فإذا كان الفقه يعتمد على المجاز في القياس فكذلك يفعل صاحب البرهان، وإن كان الأول ظنياً والثاني يقينياً، وينتهي عامل إلى أنّ القياس في التأويلين لغوي، وبالتالي عقلي، يتحدد في عزلة تامة عن كل معاناة شخصية في التجربة الروحية؛ وليس في التأويلين أي مس بالشرع ونظامه، بل فيهما تكريس لدور الشرع في علاقته بالعامة.

ماركسية مهدي عامل وأخذ الظروف السياسية والاجتماعية في الاعتبار، لم تمنعه من معالجة فكر المذاهب في الإسلام

فما يدركه "الراسخون في العلم" بالعقل وحده، يدركه الجمهور بالشرع، والمعرفة في الحالتين واحدة: معرفة الله، مبدأ الموجودات جميعاً، لذا فليس من تناقض بين التأويل العقلاني والتأويل الفقهي إلا في الظاهر، تماماً كالتناقض السطحي بين ابن رشد والغزالي؛ فوظيفة العقل للحكماء هي كوظيفة الشرع للعامة، فالعقل عن الفلاسفة شرعي: محدد بنظام الشرع ويربط الموجودات بخالقها، والشرع عند الفقهاء عقلي على قدم المساواة مع الحكمة.
وضداً من السائد فكرياً، يرفض عامل أن تكون أيديولوجية الطبقات المسيطرة في المجتمعات العربية الاسلامية دينية مناهضة للعقل حتماً، أو أن يكون التيار العقلاني في الفكر الاسلامي تعبيراً عن أيديولوجية القوى المناهضة لهذه الطبقات المسيطرة، فالأيديولوجية المسيطرة لا ترفض كل عقل من حيث هي أيديولوجية مسيطرة، أو من حيث هي دينية، فهذه العقلانية في الفكر الإسلامي، كما عند ابن رشد أو عند المعتزلة، عقلانية هذه الطبقات المسيطرة بالذات.
أما التأويل الصوفي، بالنسبة إلى عامل، فمنطقه هو الخروج على منطق العقل، من حيث هو، في الشرع، منطق الفقه نفسه، سواء أكان الشرع مأخوذاً بظاهره الفقهي أم بتأويله العقلاني، على الضد من التصوف الذي يرى إلى الشرع كعائق هو ظاهر (وظهور الحق هو احتجابه عند الصوفية) يحول دون الوصول إلى باطن الحق، وهكذا ينزع عن الشرع قدسيته بفرضه ضرورة تخطيه كشرط لإدراك الحق في ذاته والتواصل معه مباشرةً.
واحترازاً من أن يؤخذ عليه أنه يُفضّل الصوفية على العقلانية بالمطلق، يقول عامل، إنه ليس كل فكر عقلاني، بالضرورة، تقدمياً، وليس كل فكر مناهض للعقل، بالضرورة رجعياً، بل يمكن أن يكون لمناهضة العقل في شروط محددة طابعاً تقدمياً، إذا كان هذا العقل عقل الاستبداد ونظامه.
وبانحيازه هذا يضع عامل نفسه على الضد من اجتهادات فكرية معاصرة رأت في التصوف عاملاً رئيسياً في تدهور الإسلام؛ لدفعه المسلمين إلى التواكل والطرقية والاعتقاد بتفاهة الزمن وبلا واقعية العالم وبالتالي الزهد فيه، كما يذهب محمد عزيز الحبابي في كتابه "الشخصانية الإسلامية".

اقرأ المزيد...

الوسوم: