مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية

3532
عدد القراءات

2018-11-28

بمجيء الثورة الإسلامية الإيرانية، انطلق سيل من الكتابات العربية يعلن إفلاس "التغريب" ويمجّد استعادة الذات من "استلاب" الآخر (الغرب) لها و"اغترابـها" فيه، ويهجو الحداثة بما هي نفي للذات في الآخر، ضم هذا الشتات الفكري قامات ثقافية بحجم أدونيس وإلياس خوري وعباس بيضون وحسن داوود وموسى وهبة، فكان لا بد من رجل عاقل قادر على مقاومة الانجراف مع موجة "العودة إلى الذات" و"الخصوصية"، وليصنع على مهلٍ "صحو في مستوى الشمس" من سُبات الهيام المفاجئ بالأصالة. كان لمهدي عامل أن يقف ساخراً ومدججاً بفكره العلمي ينازل به النثر السياسي الراقص على أنغام الصحوة.
مهدي عامل

فخ هيجل المستعار
في كتابه "نقد الفكر اليومي" يحفر عامل في طبقات فكر الحداثيين العرب الذي يتموج مع الشائع "كأنه يجد الحداثة في ركوب كل موجة صاعدة" وكانت موجة الثمانينيات تتعلق بـ"عودة التاريخ الإسلامي إلى مجراه بعد أن حرفه الغرب عنه عنوةً" ليعثر على مفهوم مستعار من الغرب هو "الاغتراب" والذي به يتأول هذا الفكر المولع بالأصالة التاريخ كله منذ بدء الإسلام إلى لحظته، وبحسه النقدي الساخر واللاذع يتوصل عامل إلى أنّ هذا مفهوم الاغتراب ليس أصيلاً في الإسلام وليس من مقتنيات الحضارة الإسلامية "الخاصة" لكنه يحتل مكاناً مركزياً في منظومة الفكر الهيجلي "الغربي"!

يقول مهدي عامل: ليس كل فكر عقلاني، بالضرورة، تقدمياً، وليس كل فكر مناهض للعقل، بالضرورة رجعياً

أما المفارقة الموجعة، فكامنة في أنّ الفكر الحداثي لم يتعرف على هيجل إلا بالسماع المتواتر من بعض مفسريه وعلى رأسهم جاك بيرك الذي صاغ مقولة "الإسلام المنفي" والذي أوَّل بها تاريخ العرب المعاصر، من حيث هو تاريخ صراع يتجدد بين ذات وآخر، قديم وحديث، قدسي ودنيوي، سلفي ومعاصر، وبحسب منطق هذه الثنائية التي تحكم فكر بيرك يمكن تصور تاريخ الاستعمار على أنّ: الآخر/الغرب استلب الذات/الشرق عالمها والآن تنتفض الذات لتعيده، وبحفره في طبقات هذا المنطق يعثر عامل على ديالكتيك هيجل الذي يمهد لمصالحة ضرورية بين الذات والآخر بها يختتم الصراع ويبتدئ الوئام.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
في هذا المضمار جرى فكر الحداثيين الذين سبق ذكرهم، وكانت خلاصة ما ذهبوا إليه هو أنّ خصوصية الذات تتأكد دائماً في وجه الآخر، وتتأكد أصالتها بتعبيرها عن الإسلام، الذي هو، بحسب وجيه كوثراني، الرد الثقافي والسياسي في معارك تحرر الشعوب الإسلامية واستقلالها وبالطبع استرداد الهوية الضائعة، بعد أن تحولت إلى أسطورة؛ ففي منظور هذا الفكر يصبح ماضي الذات هو حاضرها ومستقبلها، وليس الاستعمار وفقاً لمنطقه سوى نفي لهذا الجوهر، وبذلك تعيش المجتمعات الإسلامية زمناً ليس زمنها، أو بالأحرى لحظة من التاريخ الأوروبي، وبتأكيد الذاتية الإسلامية سرعان ما تُطوى، فتستعيد الذات هويتها.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
ثقافوية من هذا النوع لا تستطيع إلا أن تتجاهل البعد السياسي والاقتصادي في العلاقة بين الغرب والمجتمعات الإسلامية، ومن ثّم تلجأ إلى مفهوم الحضارة الملتبس، والذي يحمل معنى الروحي أو الثقافي بشكل عام؛ فحضارة الغرب قائمة على استبعاد الحضارات الأخرى بهدف تبرير وتمديد عالميتها وسيادتها، أما الإسلام فلا ينفي الآخر ولا يحلم بتدميره، فقط يسعى للعودة، وبعدها يبدأ في استيعاب الآخر.
كتابه "نقد الفكر اليومي"

الراسخون في الوهم
بات التراث مجالاً من مجالات الصراع الفكري الأيديولوجي الراهن. حقيقة لا تحتاج مزيداً من التأكيد بين دارسي التراث. إلا أنه ما أصعب البناء عليها، فما طبيعة هذا الصراع وما حدوده وما يرتب عليه؟ هذا سؤال المعرفة ولا يمكن الإجابة عنه أيديولوجياً. خريطة الصراع ترسمها خيارات الحاضر ويقسمها فالق المنهج، تلك حقيقة مهدي الخاصة يلوّح بها في تعليقه على سفر حسين مروة "النزعات المادية"؛ فهناك فارق لا يمكن محوه بين أن تنظر في التاريخ من موقع الكادحين فيه أو المستضعفين، وهم صانعوه، في صراع ضد من هم في موقع السلطة فيه ومن هم بالفعل أسياده، وهذا يتطلب منهجاً صارماً في تحديده لحركة التاريخ الاجتماعي وصراعاته، فيكون الفكر نتاجاً لقاعدته المادية التي منها انطلق في تطوره، وبين النظر إلى التاريخ من الموقع المعاكس، فيكون الفكر منفلتاً في حركته عن سياقه، متحرراً من كل تحديد، أي من علميته، صالحاً لخدمة كل سلطان في كل زمان.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
مصدر الإيهام هنا يأتي من "هوس الخصوصية" الآخذ بالتوحيد بين موضوع البحث ومنهجه، فيفترض أنه لا يمكن النظر في التراث الإسلامي بمنهج من الفكر هو غريب عنه، لم ينبت في تربته، وكل منهج "مجلوب من الخارج" ستكون علاقته بالتراث علاقة خارجية مُقحمة؛ فالعلة إذاً هي المعرفة الغربية المراد فرضها على التراث، والتي عليها كي تحظى بالقبول أن "تتأسلم" أي أن تتخلى عن مفاهيمها الكونية لتدخل في دائرة الخصوصية، وتقطع علاقتها المعرفية بأصل الخطيئة فيها، والخطيئة هذه من أصل غربي.

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع
وفي هذه النظرة يكمن الطرح الأكبر: يجب النظر في التراث بفكر التراث وحده، وبمفاهيمه وحده، كي يظل نقياً دون شوائب، أما مشكلته الكبرى فهي إبطال كل معرفة بالتراث، فينحصر النظر في التراث في تكرارٍ رتيب لعناصر الفكر التراثي، لينغلق الفكر على ذاته، ويفلت بالتالي، من التاريخ الذي هو زمن التغير والتحول، ليدخل في زمن أسطوري يتجوهر فيه ليصبح نموذجاً، والنموذج لا يعرف إلا حركة واحدة هي حركة تكرار ذاته، أو إعادته في نُسَخٍ عنه، وهكذا يتكرر التراث في دراسات لا تنتج معرفته، بل تعيد ما قاله السلف.
إسلامٌ حسب معتنِقه
ضد هذا التشويه السائد في الدراسات التراثية يرتسم منهج مهدي عامل، الذي يؤكد أنه قبل هيمنة الرأسمالية عالمياً وضمها المجال الإسلامي ضمن منطقها وصيرورتها، كان الإسلام هو الإطار الجامع لكل التيارات المتباينة من الفكر التي تتأوله (الإسلام) في كل اتجاهات الصراعات الاجتماعية؛ وكان مرد اختلافها هو شروط تلك الصراعات بالذات، لكنها كانت تتحدد، برغم خلافاتها، كتيارات من الفكر الإسلامي نفسه، من حيث أن هذا الفكر وحده كان تربتها التي فيها نبتت، فترعرعت وتصارعت في إطار إشكالية "التوحيد".

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟
التوحيد، حسب تحديد عامل، هو موضوع الفكر لكل التيارات الدينية ومحور الصراع بينها، أما موضوع التوحيد نفسه فكان الله تعالى، وليس الإنسان، أما منطق التوحيد فكان الشهادة بأنّ الله تعالى واحد أحد منزّه في وحدته بالمطلق عن كل ما سواه، وعلى قاعدة هذا الفهم للتوحيد قام الفكر الإسلامي في وحدته المعقدة، فتباينت تياراته بتباين تأويلها لهذا التوحيد وموقفها منه.
ومن ثّم فإنّ ماركسية مهدي عامل الصارمة، والتي تفرض عليه أن يأخذ الظروف السياسية والاجتماعية في الاعتبار، لم تمنعه من الوقوف على موضوع فكر المذاهب في الإسلام، إلا أنّ منظوره يتسع ليشمل الوظيفة الاجتماعية لعلم الكلام دون أن يغفل الطبيعة المميزة لهذا العلم والذي بها تتحدد قضاياه ومسائله وبالأخير هويته التي يتمايز بها عن بقية العلوم.

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور
فالسياسي في الفكر الإسلامي يتم التعبير عنه عقدياً، والخطاب الكلامي يظل مستغلقاً على الفهم ما لم نأخذ بعين الاعتبار أبعاده السياسية ومطامحه لتثبيت واقع سياسي أو لتحقيق بدائل سياسية ما، كما يقول عبد المجيد الصغير في كتابه "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية: قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة"؛ فالاختلاف حول السياسي ظل يمثل بؤرة الصراع القائم بين جُلّ التيارات الفكرية، أما الاختلافات ذات الطابع العقائدي البحت والتي تشمل "دقيق الكلام" فلم تأتِ إلا في مرحلة متأخرة نسبياً.
وبوضع يده على الوظيفة الاجتماعية لعلم الكلام، يقرر عامل أنّ الإسلام كان يتعدد بتعدد تأويلاته التي هي أشكال تعبير ديني عن تعدد القوى الاجتماعية المتصارعة واختلاف مواقعها، وقد أخذ الصراع الاجتماعي بين هذه القوى مجرى الصراع الديني وظهر بمظهره وجرى بلغته، والإسلام بهذا المعنى واحد ومتعدد، لا وجود له في التاريخ إلا في هذه التأويلات وبها، ولا وجود لهذه الاختلافات إلا بالإسلام وفيه.

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟
ورغم أنّ علم الكلام في بدايته كان يطلق على ذلك الجهد العقلي أو النظري الذي يهدف إلى الدفاع بأدلة عقلية خالصة عن العقائد الإسلامية في وجه خصومها أو في وجه البدع والنحل الزائفة التي يمكن أن تولد داخل المجتمع الإسلامي، كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، إلا أنه في تطوره اللاحق أصبح مجموعة من العقائد الفلسفية/الدينية التي أُريد لها أن تمثل على صعيد النظام المنطقي صورةً للمبادئ الأساسية التي لا يكون إنسانٌ ما مسلماً إلا إذا أخذ بها، وبعد نشوء المذاهب واكتمالها لا يكون الإنسان مسلماً بإطلاق، وإنما من خلال مذهب معين.

 كتاب "المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية" لعبد المجيد الصغير

التأويل فعل سياسي

إحدى جنايات الفكر الإسلامي المعاصر على الوعي العربي عدم التفرقة بين رؤيةٍ للإسلام هي نتاج للشروط التاريخية المعاصرة وبين تراث الإسلام الذي تكوّن عبر قرون مديدة؛ فالإسلام في العصور الوسطى مختلف جوهرياً عن الإسلام في العصور الحديثة، باختلاف الشروط الاجتماعية لوجوده في الحالتين، وفي الوقت الذي يلح فيه الفكر الإسلامي على الاستمرارية التاريخية للإسلام، عبر تجريده من وجوده الفعلي المحدد بوجوده التاريخي وإفقاده الصلة بحياة البشر الواقعية، يجد نفسه فيه محكوماً بالتناقض الناتج عن كونه محكوماً بمنطق الحاضر وبروحه وبشروطه.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً
وتكمن الجناية الأكثر وطأة في الجمع بين تأويلٍ ديني للإسلام وبين الحقيقة الدينية نفسها، وهي غيبية بالأساس وقوامها التجربة الداخلية الروحية، والدين بما هو علاقة اجتماعية يختلف فيها وجوده الغيبي باختلاف الموقع في المجتمع؛ فإسلام المحكومين غير إسلام الحكام وإسلام الفقراء غير إسلام الأثرياء، ومن ثَمّ يمكن القول إنّ حصر الإسلام في تأويلٍ وحيد ليس سوى فعل سياسي يرمي للهيمنة الاجتماعية.
ويمكن أخذ مسألة "التوفيق" كبيان على تباين الوعي الديني في التراث والحاضر؛ فقد كانت وظيفة الدين عند ابن رشد أن يكون طريق الوصول إلى المعرفة بالله، لمن ليس بقادرٍ على الوصول إليه بعقله، فإذا كان قول من بالعقل يُعرَّف مخالفاً لظاهر النص القرآني وجب تأويل النص ليكون متفقاً مع ما يقول به العقل؛ لذا كان التوفيق بين الحكمة والشريعة توفيقاً بين العقل والدين، وكان موضوع التوفيق هو معرفة الله.

اقرأ أيضاً: ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"
أما توفيق من يسميهم عامل بـ "متأسلمي الزمن الراهن" فموضوعه هو الإنسان بين الإسلام والغرب، أما غايته فتكمن في حصر معنى الإسلام بالقسر في أحد تأويلاته؛ بهدف الانفراد بالسلطة وإحكام الهيمنة السياسية على المسلمين وتمثيلهم أمام الغرب والتحدث باسمهم وباسم الإسلام في آن.
وتأويل "متأسلمي الزمن الراهن" للإسلام، والذي يسقط الطابع التاريخ للتراث، بحكم سلطويته، يميل دائماً إلى حصر الإسلام في الشريعة؛ فهيمنته لا تتحقق إلا بها، من حين كونها الضابط الأمثل لحركة المجتمع التاريخية، فيتأبد النظام الاجتماعي بالشرع استثماراً لطابع الشرع القدسي، وهذه الحركة من التقنين والضبط هي نفسها حركة التفقيه (نسبةً إلى الفقه) والدور الذي تضفيه الشريعة عبر ممثليها من الفقهاء على شرعية الدولة يجعل من الفقهاء جزءاً من تحالف القوى الحاكمة وجزءاً أساسياً، بالتالي، من جهاز الدولة، وفي الأخير يكون التأويل الذي يحصر الإسلام في الشرع قد جعل من الإسلام أيديولوجيا دولة يخدمها باعتباره جزءاً منها ومستفيد من طابعها.
مؤدى هذا المشروع، كما يستنتج عامل، هو استبدادٌ مطلق وليس الشرع سوى شكل له هو شرعيته؛ فحصر الإسلام في الشرع أساسي، إذاً، لهذا النظام الذي يجد في الشرع شرعيته، وفي الفقه أيديولوجيته، وفي الفقهاء مبرريه، هذا الإسلام هو إسلام النظام الذي كان قائماً في التاريخ ويُراد إعادة إنتاجه في الحاضر.
كتابه "مدخل إلى نقض الفكر الطائفي"

مع الصوفية ضد ابن رشد
في هذا السياق يكون لتمييز القدامى بين الشريعة والحقيقة دلالة سياسية كبرى؛ فتحديد الشريعة بأنها ظاهر الحقيقة يستدعي، بالضرورة، التأويل، والتأويل ليس واحداً؛ فمنه العقلاني والروحاني والإشراقي.
ويُبدي عامل انحيازاً حاراً للتأويل الصوفي على حساب التأويل العقلاني الذي جعل من الحقيقة مرادفاً للشريعة لا تختلف عنها إلا باختلاف "دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقة إلى الدلالة المجازية" كما بتعبير ابن رشد؛ فإذا كان الفقه يعتمد على المجاز في القياس فكذلك يفعل صاحب البرهان، وإن كان الأول ظنياً والثاني يقينياً، وينتهي عامل إلى أنّ القياس في التأويلين لغوي، وبالتالي عقلي، يتحدد في عزلة تامة عن كل معاناة شخصية في التجربة الروحية؛ وليس في التأويلين أي مس بالشرع ونظامه، بل فيهما تكريس لدور الشرع في علاقته بالعامة.

ماركسية مهدي عامل وأخذ الظروف السياسية والاجتماعية في الاعتبار، لم تمنعه من معالجة فكر المذاهب في الإسلام

فما يدركه "الراسخون في العلم" بالعقل وحده، يدركه الجمهور بالشرع، والمعرفة في الحالتين واحدة: معرفة الله، مبدأ الموجودات جميعاً، لذا فليس من تناقض بين التأويل العقلاني والتأويل الفقهي إلا في الظاهر، تماماً كالتناقض السطحي بين ابن رشد والغزالي؛ فوظيفة العقل للحكماء هي كوظيفة الشرع للعامة، فالعقل عن الفلاسفة شرعي: محدد بنظام الشرع ويربط الموجودات بخالقها، والشرع عند الفقهاء عقلي على قدم المساواة مع الحكمة.
وضداً من السائد فكرياً، يرفض عامل أن تكون أيديولوجية الطبقات المسيطرة في المجتمعات العربية الاسلامية دينية مناهضة للعقل حتماً، أو أن يكون التيار العقلاني في الفكر الاسلامي تعبيراً عن أيديولوجية القوى المناهضة لهذه الطبقات المسيطرة، فالأيديولوجية المسيطرة لا ترفض كل عقل من حيث هي أيديولوجية مسيطرة، أو من حيث هي دينية، فهذه العقلانية في الفكر الإسلامي، كما عند ابن رشد أو عند المعتزلة، عقلانية هذه الطبقات المسيطرة بالذات.
أما التأويل الصوفي، بالنسبة إلى عامل، فمنطقه هو الخروج على منطق العقل، من حيث هو، في الشرع، منطق الفقه نفسه، سواء أكان الشرع مأخوذاً بظاهره الفقهي أم بتأويله العقلاني، على الضد من التصوف الذي يرى إلى الشرع كعائق هو ظاهر (وظهور الحق هو احتجابه عند الصوفية) يحول دون الوصول إلى باطن الحق، وهكذا ينزع عن الشرع قدسيته بفرضه ضرورة تخطيه كشرط لإدراك الحق في ذاته والتواصل معه مباشرةً.
واحترازاً من أن يؤخذ عليه أنه يُفضّل الصوفية على العقلانية بالمطلق، يقول عامل، إنه ليس كل فكر عقلاني، بالضرورة، تقدمياً، وليس كل فكر مناهض للعقل، بالضرورة رجعياً، بل يمكن أن يكون لمناهضة العقل في شروط محددة طابعاً تقدمياً، إذا كان هذا العقل عقل الاستبداد ونظامه.
وبانحيازه هذا يضع عامل نفسه على الضد من اجتهادات فكرية معاصرة رأت في التصوف عاملاً رئيسياً في تدهور الإسلام؛ لدفعه المسلمين إلى التواكل والطرقية والاعتقاد بتفاهة الزمن وبلا واقعية العالم وبالتالي الزهد فيه، كما يذهب محمد عزيز الحبابي في كتابه "الشخصانية الإسلامية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل كان المفكر المصري فرج فودة ملحداً؟

2,506
عدد القراءات

2019-06-13

ينتسب الكاتب والمفكر المصري الراحل، فرج فودة، إلى طائفة من المثقفين العرب الذين جاهروا بآرائهم المناوئة لعاصفة التفكير الديني بمعناه الشعبوي والسلفي، فلقي حتفه، حتى إنّ أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه؛ لأنه امتلك ناصية الشجاعة في الإعراب عن آرائه، غير عابئ بقوة التكفير المضادة التي أحلّت دمه بزعم أنه "مارق" و"كافر" و"ملحد"، رغم أنه ظل يفكر في دائرة الدين، ودعا إلى جعل الشريعة أداة بناء للإنسان والمستقبل، لا معول هدم للعقل والروح.

هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم؟

كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين. وبسبب آرائه هاجمته جبهة علماء الأزهر، وأصدرت في 1992 بياناً نشرته "جريدة النور" قضى "بكفر" فرج فودة ووجوب قتله.
وفي 8 حزيران (يونيو) 1992 وبينما كان فودة يهمّ بالخروج من مكتبه بشارع "أسما فهمي" بمدينة نصر بالقاهرة، بصحبة ابنه الأصغر وأحد أصدقائه الساعة السادسة و45 دقيقة، جرى اغتياله على يد أفراد من الجماعة الإسلامية، حيث قام شخصان بينهما مُطلق الرصاص من بندقية آلية بقتله فيما كانا يركبان دراجة نارية، فيما أصيب ابنه أحمد وصديقه إصابات طفيفة. أصيب فرج فودة إصابات بالغة في الكبد والأمعاء، وظل بعدها الأطباء يحاولون طوال ست ساعات إنقاذه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ونجح سائق فرج فودة وأمين شرطة متواجد بالمكان في القبض على الجناة.
كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة"

اغتيال بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد
وتبيّن أنّ الجريمة جاءت بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد وعلى رأسهم الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي شهادة الشيخ محمد الغزالي في أثناء محاكمة القاتل، وصف الغزالي فودة بـ "المرتد" "وأنه "يجب قتله" وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتئاتاً على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة، حسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: السلفي السابق أسامة عثمان: كتابات فرج فودة حوّلت أفكاري 
أثناء المحاكمة سئل قاتل فرج فودة: 
لماذا اغتلت فرج فودة؟
القاتل: لأنه كافر
ومن أي من كتبه عرفت أنه كافر؟
القاتل: أنا لم أقرأ كتبه
كيف؟
القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب..!
وفيما يأتي مقتطفات من كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة":
****
... إنّه من المناسب أن أناقش معك أيّها القارئ مقولة ذكرتها لك ضمن وجهة نظر الدّاعين للتّطبيق الفوري للشريعة، وهي قولهم بأنّ التطبيق (الفوري) للشريعة، سوف يتبعه صلاح (فوري) لمشاكله، وسوف أثبت لك أنّ صلاح المجتمع أو حلّ مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم الصّالح، وليس أيضاً رهناً بتمسّك المسلمين جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها، وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة الإسلاميّة نصّاً وروحاً، بل هو رهن بأمور أخرى أذكرها لك في حينها، دليلي في ذلك المنطق وحجّتي في ذلك وقائع التّاريخ، وليس كالمنطق دليل، وليس كالتّاريخ حجّة، وحجّة التّاريخ لديّ مستقاة من أزهى عصور الإسلام عقيدةً وإيماناً، وأقصد به عصر الخلفاء الرّاشدين.

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
أنت أمام ثلاثين عاماً هجريّاً (بالتّحديد تسعة وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كلّ عمر الخلافة الرّاشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيّام) ثمّ خلافة عمر (عشر سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثمّ خلافة عثمان (إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوما) ثمّ خلافة علي (أربع سنين وسبعة أشهر).)
وتستطيع أن تذكر بقدر كبير من اليقين أنّ خلافة أبي بكر قد انصرفت خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدّين في الجزيرة العربيّة، وأنّ خلافة علي قد انصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة وطلحة والزّبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنّه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدّولة وإرساء قواعدها.
كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين

قِصر عهد خلافتي أبي بكر وعمر
أضف إلى ذلك قِصر عهد الخلافتين، حيث لم يتجاوز مجموع سنواتهما ستّ سنوات وعشرة أشهر، ويبقى أمامك عهد عمر وعهد عثمان، حيث يمكن أن تتعرّف فيهما على الإسلام الدّولة في أزهى عصور الإسلام إسلاماً، وأحد العهدين عشر سنين ونصف (عهد عمر)، والثّاني حوالي إثني عشر عاماً (عهد عثمان)، وهي فترة كافية لكلّ من العهدين لكي يقدّم نموذجاً للإسلام الدّولة كما يجب أن تكون، فعمر وعثمان من أقرب الصّحابة إلى قلب الرّسول وفهمه، والإثنان مبشّران بالجنّة، وللأوّل منهما وهو عمر مواقف مشهودة في نصرة الإسلام وإعلاء شأنه، وهي مواقف لا تشهد بها كتب التّاريخ فقط، بل يشهد بها القرآن نفسه، حين تنزّلت بعض آياته تأييداً لرأيه، وهو شرف لا يدانيه شرف، وللثّاني منهما وهو عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه فخراً أنّه زوج إبنتي الرسول، هذا عن الحاكم في كلّ من العهدين.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أمّا عن المحكومين، فهم صحابة الرسول وأهله وعشيرته لا تحدث واقعة إلاّ تمثل أمامهم للرّسول فيها موقف أو حديث ولا يمرّون بمكان إلاّ وتداعت إلى خيالهم ذكرى حدث به أو قول فيه ولا تغمض أعينهم أمام المنبر إلاّ وتمثّلوا الرّسول عليه قائماً ولا يتراصّون للصّلاة خلف الخليفة إلاّ وتذكّروا الرسول أمامهم إماماً، وهم في قراءتهم للقرآن يعلمون متى نزلت الآية، وأين، ولماذا إن كان هناك سبب للتّنزيل، وبإختصار يعيشون في ظلّ النبوّة ويتأسّون بالرسول عن قرب وحب، هذا عن المحكومين، ولا يبقى إلاّ الشّريعة الإسلاميّة وهي ما لا يشكّ أحد في تطبيقها في كلّ من العهدين.
بل إنّك لا تتزيّد إن أعلنت أنّ هذا العهد أو ذاك، كان أزهى عصور تطبيقها لأنّها لزوم ما يلزم في ضوء ما سبق أن ذكرنا بشأن الحاكم والمحكوم، ومع ذلك فقد كان عهد عمر شيئاً وعهد عثمان شيئاً آخر، فقد ارتفع عمر بنفسه وبالمسلمين إلى أصول العقيدة وجوهرها، فسعد المسلمون به، وصلح حال الدّولة على يديه، وترك لمن يليه منهجاً لا يختلف أحد حوله، ولا نتمثّل صلاح الحكم وهيبة الحاكم إلاّ إذا استشهدنا به، بينما قاد عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحلّ والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، إمّا عزلاً .. أو قتلاً !
(...)

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
وعلى الرّغم من أنّ عمر وعثمان قد ماتا مقتولين، إلا أنّ عمر قد قتل على يد غلام من أصل مجوسي، وترك قتله غصّة في نفوس المسلمين، وأثار في نفوسهم جميعاً الرّوع والهلع لفقد عظيم الأمّة، ورجلها الذي لا يعوّض، بينما على العكس من ذلك تماماً، ما حدث لعثمان عند مقتله، فقد قتل على يد المسلمين الثّائرين المحاصرين لمنزله وبإجماع منهم، وقد تتصوّر أنّ قتلة عثمان قد أشفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن كتب التّاريخ تحدّثنا برواية غريبة ليس لها نظير سابق أو لاحق، وإن كانت لها دلالة لا تخفى على أريب.
(...)
أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه

كيف يتحقق العدل؟
وهنا نصل سويّاً أنّ العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم، ولا يسود لا بصلاح الرعيّة، ولا يتأتّى بتطبيق الشّريعة، وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)، وأقصد به الضّوابط التي تحاسب الحاكم إن أخطأ، وتمنعه إن تجاوز، وتعزله إن خرج على صالح الجماعة أو أساء لمصالحها، وقد تكون هذه الضّوابط داخليّة، تنبع من ضمير الحاكم ووجدانه، كما حدث في عهد عمر، وهذا نادر الحدوث، لكنّ ذلك ليس قاعدة ولا يجوز الرّكون إليه، والأصحّ أن تكون مقنّنة ومنظّمة.

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
فقد واجه قادة المسلمين عثمان بخروجه على قواعد العدل بل وأحياناً بخروجه على صحيح جوهر الإسلام، فلم يغيّر من سياسته شيئاً، وبحثوا فيما لديهم من سوابق حكم فلم تسعفهم سابقة، ومن قواعد تسيير أمور الدّولة فلم يجدوا قاعدة، واشتدّ عليهم الأمر فحاصروه وطلبوا منه أن يعتزل، ولأنّ قاعدة ما في الأمر لم تكن موجودة، فقد أجابهم بقوله الشّهير: والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله (أي ألبسنيه الله)، وحين اقترب الأمر من نهايته، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ملاقاة حتفه على يد رعيّته، أرسلوا إليه عرضاً فيه من المنطق الكثير ومن الصّواب ما لا يختلف عليه.
فقد خيّروه بين ثلاث:
إمّا الإقادة منه (أي أن يعاقب على أخطائه شأنه شأن أيّ مسلم يخطئ) ويستمرّ بعدها خليفةً، بعد إدراكه أنّه لا خطأ دون عقاب.
وإمّا أن يتبرّأ من الإمارة (أي أن يعتزل الخلافة بإرادته).

العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم ولا يسود بصلاح الرعيّة وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)

وإمّا أن يرسلوا الأجناد وأهل المدينة لكي يتبرّأوا من طاعته (أي أن يعتزل الخلافة بإرادة الرعيّة).
فكان ردّه كما ورد في رسالته الأخيرة كما انتسخها بن سهيل (وهم يخيّرونني إحدى ثلاث إمّا يقيدونني بكل بجل أصبته خطأ صواباً غير متروك منه شيء، وإمّا أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السّمع والطّاعة، فقلت لهم أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقدمن أحد منهم وقد علمت إنّما يريدون نفسي، وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من عمل الله عزّ وجلّ وخلافته، وإمّا قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتكم من قبل على السّمع والطاعة ولكن أتوها طائعين).

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
هنا يوضّح عثمان أنّ مراجعة الخليفة على الخطأ لم تكن واردة فيمن سبقه من الخلفاء (أبو بكر وعمر) أو على الأقلّ ليس لها قاعدة، وهنا أيضاً يعلن بلا مواربة أنّه مصرّ على تمسّكه بالحكم حتى النّهاية وأنّ اعتزاله غير وارد، وهنا أيضاً يواجه الدّعوة إلى سحب البيعة بمنطق غريب مضمونه، وهل كنت أكرهتكم حين بايعتم؟ وكأنّ البيعة أبديّة ولا مجال لسحبها أو النّكوص عنها.
لا قاعدة إذن، ولا نظام للرّقابة، والأمر كلّه موكول لضمير الحاكم إن عدل وزهد كان عمر، وإن لم يعدل ويمسك بالحكم كان عثمان.

خلافة مؤبّدة
لقد أعلن عثمان أنّ نظام الحكم الإسلامي (من وجهة نظره) يستند إلى القواعد الآتية:
لا مراجعة للحاكم ولا حساب ولا عقاب إن أخطأ. لا يجوز للرعيّة أن تنزع البيعة منه أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز لأصحابها سحبها وإن رجعوا عنها أو طالبوا المبايع بالاعتزال.
ولأنّ أحداً لا يقرّ ولا يتصوّر أن تكون هذه هي مبادئ الحكم في الإسلام، قتله المسلمون، لكنّ السؤال يظلّ حائراً، ومضمونه، هل هناك قاعدة بديلة؟ أو نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟
هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم بواسطة الرعية، وتثبت للرعية حقها في سحب البيعة كما تثبت لها حقها في إعلانها، وتعطي المحكومين الحق في حساب الحاكم وعقابه على أخطائه، وتنظم ممارستهم لهذا الحق؟

كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟

7,630
عدد القراءات

2019-06-06

أثار كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" معارضة شديدة حال صدوره في العام 1926 إذ طبّق حسين فيه مبدأ الشك الديكارتي، حيث خلص إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول، وأنّه كتب بعد الإسلام ونُسب للشعراء الجاهليين، ما أثار عاصفة من الاحتجاج قادها رجال الأزهر وبعض الأدباء والمفكرين الذين اتهموا طه حسين في إيمانه.

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
وكان من جراء ذلك أن سُحب الكتاب من الأسواق لتعديل بعض أجزائه، وتغيير اسمه إلى "في الأدب الجاهلي". وقامت وزارة إسماعيل صدقي باشا عام 1932 بفصل طه حسين من الجامعة كرئيس لكلية الآداب. فاحتج على ذلك رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد، وقدم استقالته. ولم يعد طه حسين إلى منصبه، إلا عندما تقلّد حزب "الوفد" الحكمَ عام 1936.
هنا جزء من المقاطع المثيرة للجدل في هذا الكتاب:

طه حسين: كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها. ولهذا الدين وللإيمان بهذا الدين، جاهدت ما جاهدت، وضحّت ما ضحت

لا أنكر الحياة الجاهلية، وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي، فإذا أردتُ أن أدرس الحياة الجاهلية فلستُ أسلك إليها طريقَ امرئ القيس والنابغة والأعشى، وإنما أسلك إليها طريقاً أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، وأدرسها في القرآن فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه. أدرسها في القرآن وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاؤوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل الإسلام، بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه، إلا بمقدار، كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي يُنسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر ابن أبي خازم .
كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"

"القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية"
قلت: إنّ القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية وهذه القضية غريبة حين تسمعها ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلاً، فليس من اليسر أن نفهم أن الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة، هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه، وليس من اليسير أن نفهم أنّ العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير، بل ليس من الممكن، أن نصدق أنّ القرآن كان جديداً كله على العرب. فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر، إنما كان القرآن جديداً في أسلوبه، جديداً فيما يدعو إليه، جديداً فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتاباً عربياً لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي، وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية، وفيه رد على اليهود، وفيه رد على النصارى، وفيه رد على الصابئة والمجوس، وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم ومجوس الفرس وصابئة الجزيرة وحدهم، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد الغربية نفسها، ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه وضحوا، في سبيل تأييده ومعارضته، بالأموال والحياة.
هاجم الوثنية فعارضه الوثنيون
..هاجم الوثنية فعارضه الوثنيون. هاجم اليهود فعارضه اليهود، وهاجم النصارى فعارضه النصارى. ولم تكن هذه المعارضة هيّنة ولا ليّنة، وإنما كانت تقدّر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية. فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة، ونصبت له الحرب، واضطرت أصحابه إلى الهجرة. وأما اليهودية فقد ألّبت عليه، وجاهدته جهاداً عقلياً وجدلياً، ثم انتهت إلى الحرب والقتال. وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبّان حياة النبي قوية قوةَ المعارضة الوثنية واليهودية. لماذا؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية، إنما كانت وثنية في مكة، يهودية في المدينة، ولو ظهر النبي في الحيرة، أو في نجران، للقي من نصارى هاتين المدينتين مثلما لقي من مشركي مكة ويهود المدينة. وفي الحق أنّ الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة، إلى الصدام المسلح أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يقلّب كتاب الأيام ويحدّق في الألم
فأنت ترى أنّ القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب وعن ديانات ألفها العرب: فهو يُبطل منها ما يُبطل، ويُؤيد منها ما يُؤيد، وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس. وإذن فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، والبحث عنها في القرآن!
القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه

حياة غامضة جافة بريئة
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العلمية، وإلا فأين تجد شيئاً من هذا في شعر إمرئ القيس أو طرفة أو عنترة!

طبّق طه حسين مبدأ الشك الديكارتي على الشعر الجاهلي وخلص إلى أنّ الشعر منحول وأنّه كُتب بعد الإسلام

أو ليس عجيباً أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين! وأما القرآن فيمثل لنا شيئاً آخر، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنّه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى إعلان الحرب التي لا تبقي ولا تذر. أفتظن أنّ قريشاً كانت تكيد لأبنائها، وتضطهدهم، وتذيقهم ألوان العذاب، ثم تخرجهم من ديارهم، ثم تنصب لهم الحرب، وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها، لو لم يكن لها من الدين إلا ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ كلا! كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها. ولهذا الدين وللإيمان بهذا الدين، جاهدت ما جاهدت، وضحّت ما ضحت، وقل مثل ذلك في اليهود، وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذين جاهدوا النبي عن دينهم. فالقرآن، إذن، أصدقُ تمثيلاً للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي.

"المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل

1,632
عدد القراءات

2019-05-30

على الرغم من أهمية كتاب "المجتمع المعنوي" للأمريكي جون ديفيد غارسيا، إلا أنّه لم يحظ بالترجمة إلى اللغة العربية، على ما تنبئ به محركات البحث على شبكة الإنترنت.
الكتاب، الذي صدر عام 1971 وهو الأول لصاحبه، قدم نظريات أساسية للأخلاقيات التطورية ثم التطبيقات البديلة التي اعتبرت بمثابة نظرية أخلاقية ثورية كبيرة تستلهم أو تتقاطع مع الروح الفلسفية لدى من سبينوزا، وبيير تيلار دي شاردان، وسواهما من الفلاسفة والمفكرين.

 اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
ورمى غارسيا من كتابه إلى وضع مفهوم الأخلاق ذي أساس عقلاني محض من دون عاطفة أو أيديولوجيا، لذا يوحّد الكتاب الأخلاق والفن والعلوم والتكنولوجيا من خلال ما يسميه المؤلف "التنمية الأخلاقية".
ولجون ديفيد غارسيا ( 25 مارس (آذار) 1935 - 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 ) أربعة كتب، والعشرات من المقالات والمحاضرات والندوات، وحاول تعميم أفكاره، وتأسيس مدارس لتنميتها بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، ثم في تشيلي والمكسيك.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
ويعتقد غارسيا أنّ الجنس البشري على وشك الانتحار. لذا فإنّ من واجبه تقديم بديل منطقي عن الموت، ليضمن بقاء الإنسان، من خلال خطة للعمل الأخلاقي تشدّد على أنّ السعادة من دون هدف والأمن من دون وعي هي أهداف الهزيمة الذاتية التي يجب التخلي عنها إذا أراد التطور البشري الاستمرار.
ومن أجل إلقاء نظرة على جهود هذا المفكر، نقتبس، بشيء من التصرّف، هذا الجزء من كتابه، بعد ترجمتنا له إلى العربية من لغته الأصل الإنجليزية:

يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية
المجتمع المعنوي
يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية. المجتمع المعنوي هو مجتمع الكائنات الأخلاقية، التي تعتمد الأجهزة والمعرفة والعلم والتكنولوجيا لتوحيد المكونات الفردية للذكاء وتحويلها إلى الذكاء الجمعي. ومن شأن الذكاء الجمعي أن يحرّر المجتمع الأخلاقي، وصولاً إلى مجتمع الفكر النقي.

الناس في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل

العقل هنا هو الأثر الذي يمكن أن يؤثر على نفسه. وبالتالي فإنه يمكن أن يتطور نحو الفكر النقي والوعي التام قبل أن يصبح أقل تأثيراً من الجسم، وأكثر تأثير في حد ذاته. وهذه عملية معقدة ومستمرة منذ آلاف السنين.
هكذا، ومن دون وعي، يتم إنشاء المجتمع المعنوي من خلال خلق نظائر من مكونات الذكاء نفسه. حدث هذا في ظل التوتر المستمر والاختبار العشوائي للقوة التطورية التي دفعت نحو الذكاء الجمعي للإنسان، بعد جملة من النتائج والاختبارات التي قادت إلى الذكاء الجماعي.
المجتمع الأخلاقي للإنسان حاله كما هو حال الكائن إلى الخلية؛ ومع ذلك، فإن المجتمع الأخلاقي في نهاية المطاف لانهائي.

اقرأ أيضاً: أوسكار وايلد سارداً حكاية سيدة مولعة برغبة أن تبدو غامضة
الفرق التطوري حاسم بين مجتمع أخلاقي وجميع أشكال الحياة الأخرى، أي إنّ المجتمع الأخلاقي واع تماماً لتطوره الخاص. وهذه العملية يمكن أن تكتمل على نحو مقصود داخل الدولة الأخلاقية، عندما يكون لدى الجميع الإدراك التطوري التام والموحّد لزيادة الوعي الكلي الجماعي. ومن هنا تكون بداية المجتمع الأخلاقي وانطلاقته.
ربما يكون المجتمع الأخلاقي، في البداية، متفوقاً قليلاً عن الدولة الأخلاقية، ومع ذلك عندما يبدأ البشر توحيد ذكائهم الفردي لغرض وحيد هو تضخيم الذكاء الجمعي، سيبدأ المجتمع الأخلاقي يتطور بسرعة، حيث يعكس التطور الجماعي التطورات الفردية لكل عناصر المجتمع الذاتية.
وتتطور مكونات المجتمع الأخلاقي من شبكات الاتصالات ومضاعفات الآليات الميكانيكية والكهربائية وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الكمبيوتر، والخلايا الاصطناعية وأجهزة أخرى. وبالتالي فإنّ الدولة الأخلاقية تمثل الإرادة الجماعية الجنينية والخيال الكلي للمجتمع الأخلاقي. في نهاية المطاف المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات.

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ولكن في المجتمع الأخلاقي على الإنسانية أن تتطور تدريجياً من الإنسانية المجزأة إلى الوحدة، من دون أن تكون هناك تغييرات جذرية مفاجئة في الهيكل. وفي غضون ذلك سيكون الناس أشدّ وعياً، أكثر من أي وقت مضى، فمن خلال الحرية فقط سيكون المجتمع الأخلاقي ممكناً، فالحرية والوعي هما الأساس في الأسباب والمؤثرات.
المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات

دراسة الجدوى
الجدوى الفنية للمجتمع الأخلاقي واضحة. فنمط قدرة الإنسان المتزايدة على التنبؤ والتحكم في بيئته إجمالاً يشير إلى أنّ جسم المجتمع الأخلاقي ممكن، وأنّ معظم مَن كان موجودٌ بالفعل أو يتم إنشاؤه بسهولة. يبقى فقط العمل على توسيع الأسلوب العلمي ليتناسب مع البيئة النفسية والاجتماعية من أجل خلق العقل، أي الروح. بهذه الطريقة فقط يمكن تخليق العقل للمجتمع الأخلاقي.

اقرأ أيضاً: إبراهيم المازني وحلّاق القرية
سيتم إنشاء العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي من العقول الفردية للإنسانية بحرية، من خلال جماع الفن والعلوم والتكنولوجيا، وتحقيق هدف مشترك. ويبدو أنّ الإرادة والخيال وتضخيمهما من قبل، من خلال التعاون الوثيق الطوعي بين الأشخاص يخدم هذا الهدف المشترك. كما أنّ البرامج التعليمية للدولة الأخلاقية تزيد من وتيرة هذه العملية من خلال جعل جميع الأشخاص أعلى وعياً، وكذلك خلق قنوات تواصل مباشرة بين العقول الفردية. وهذا الأخير يمكن أن يكون امتداداً للتواصل الاصطناعي، ونسميه لغة.
هذا يمثل امتداداً طبيعياً للعمل الذي تقوم به حالياً علوم وظائف الأعصاب والفيزياء الحيوية وعلم النفس الرياضي. فإذا تم تجميع المعلومات، والخيال فإنّ العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي سيبدأ في التطور. وسيتم تعزيز التنمية من خلال تضخيم عمل الذاكرة والمنطق من خلال تطوير أجهزة الكمبيوتر الفائقة مع مكونات شبه مجهرية. وسيتم تعزيز العملية برمتها من خلال التكنولوجيا التي تشهد نمواً سريعاً من المجسات الاصطناعية والمستجيبات.

اقرأ أيضاً: عمر في مرآة العقاد: سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع
الجدوى الفنية للمجتمع المعنوي مضمونة. قد يستغرق إنشاؤها مئات السنين، أو قد يكون من الممكن في خمسين عاماً. الوقت غير مؤكد إلى حد كبير. العائق الجدي الوحيد لخلق مجتمع أخلاقي هو زيادة التوترات في الكون البشري.
الناس حالياً في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا. ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل، والرفاهية، والخصخصة، والأمية العلمية، والأهم من ذلك كله من خلال الفجور في القيادة.
في الدول الشمولية يتجلى ذلك من خلال خنق غير أخلاقي للحرية لخدمة مصالح ذاتية من الطبقات الفاسدة، والبيروقراطية والأيديولوجية التي يهيمن عليها الرجال بشكل غير لائق. قمع الحرية من خلال الأيديولوجيا والبيروقراطية يؤدي حتماً إلى انقراض الوعي عن طريق جعل جميع الناس غير أخلاقيين. العالم أصبح غير أخلاقي.
الدفاع الوحيد هو أنّ الجنس البشري لديه التعليم، ولكن التعليم هو أيضاً في تراجع بسبب البيروقراطية وإعاقة العلوم النفسية والاجتماعية من خلال إنشاء العقائدية. الأمل الوحيد للتغلب على الكون، الذي سيدمر حتماً الجنس البشري، هو الدولة الأخلاقية.

على المدارس أن تقوم بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً

ما يجب القيام به

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي، فهناك بعض الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها. الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة. وتركيز كل الطاقات على إنشاء دولة الأخلاقية. ويجب أن يتم فعل ذلك مهما كانت التكلفة لهم ولذويهم. وكل رجل أخلاقي يدرك الأنماط التطورية على طريقته الخاصة. تاريخياً كان هذا التصور في مستوى الوعي، وهذا ربما كان الحال مع موسى وكونفوشيوس وبوذا وسقراط، ويسوع.

اقرأ أيضاً: "البيت والعالم" لطاغور: المحبّ لسمكته مطبوخةً ليس كمن يحبّها في الماء
وربما أول من قام بمحاولة مقصودة في الإدراك الواعي للأنماط التطورية هو سبينوزا. بعد سبينوزا، أدلى المفكرون الآخرون بمحاولات مماثلة. كان أبرزها ما قدمه غوته، داروين وماركس، وبيير تيلار دي شاردان (هو فيلسوف وكاهن يسوعي وجيولوجي فرنسي تخصص بعلم حفريات ما قبل التاريخ والحفريات، وساهم في اكتشاف إنسان بكين. ومن أعماله تصور فكرة نقطة أوميغا وتطوير مفهوم فلاديمير فردانسكي المعروف بمجال العقل أو مجال نو "Noosphere". واجهت بعض أفكاره معارضة المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكية وتم منع العديد من كتبه).

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي يتعين تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة

هؤلاء الرجال الخمسة كل له مزاج مختلف جذرياً وأيديولوجياً خاصة. فقط يبدو سبينوزا من بينهم خالياً من أي أيديولوجيا واعية، لكنه اضطر إلى العمل مع العلم البدائي والمنطق. ومع ذلك، إن شئنا استخراج المبادئ الأخلاقية من كتابات هؤلاء، فإننا سنتوصل إلى رمز ثابت مثير للدهشة من الأخلاق هي لعبة الحياة. لذلك، البشر الأخلاقيون قد لا يوافقون على علاقة العلة والمعلول، ولكن من المرجح أنهم يوافقون على الأخلاق الأساسية. هذا الميل إلى الاتفاق على المبادئ الأخلاقية الأساسية ينبغي أن يستثمر لانضمام جميع الأشخاص الأخلاقيين في المجتمع بقصد إنضاج وبلورة لعبة الحياة، وكذلك إنشاء الدولة الأخلاقية، والتغلب على البيروقراطية السياسية، وتولي الحكومة بالوسائل الأخلاقية.
وثمة طريقة واحدة لتحقيق هذا الهدف هو أن تبدأ المدارس بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً، وهذه وظيفة أساسية لا يتم القيام بها من قبل البيروقراطية التعليمية؛ لأنّ الفساد البيروقراطي يجب أن يتوقف قبل أن يدمر البشرية.

اقرأ أيضاً: حليم بركات.. إذ يغوص في المجتمع العربي ويشخّص علله وتطلعاته
يتعين أن يكون الهدف الرئيسي لمنع البيروقراطيين السياسيين من تبوّؤ المناصب، هو انتخاب القادة الأخلاقيين. ولتحقيق هذه الغاية على الأنصار تركيز الثروة بالوسائل الأخلاقية الممكنة، من خلال التركيز على الاختراعات والإبداعات، وإنتاج التكنولوجيا مما يزيد الوعي.
ثم يجب أن تستخدم كل الثروة المتراكمة لانتخاب الرجال الأخلاقيين في المناصب العامة وإقصاء القادة غير الأخلاقيين من السلطة. ويمكن القيام بذلك في إطار حزب منظم مخصص للقضاء على الفساد السياسي بالوسائل الأخلاقية. هذا يمكن أن يطلق عليه حزب الأخلاق.
هذا الحزب يمكن أن يستخدم لإعادة توجيه الأنشطة الهدامة في الوقت الحاضر وغير الأخلاقية ومحاصرة الثورة ضد العقل، وإعادة الأمور إلى قنواتها الأخلاقية. يجب أن ينتصر السلوك الأخلاقي على الفجور.




البرازيل.. محطة الإمارات الجديدة في رسالة التسامح والأخوة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
62
عدد القراءات

2019-06-25

تواصل دولة الإمارات العربية إشاعة التسامح والأخوة في كافة أنحاء العالم، في إطار مبادرات عام التسامح، الذي أطلقته دولة الإمارات، برعاية رئيس الدولة.

واختارت هذه المرة دولة البرازيل، لتكون موطن وثيقة "الأخوّة الإنسانية"؛ حيث نظّمت قنصلية الإمارات في ولاية ساو باولو البرازيلية، فعالية التسامح والأخوة لجميع الأديان في البرازيل، للالتفاف حول مائدة حوار مشتركة حضرها عدد كبير من كلّ الأطياف والأديان الموجودة في البرازيل وفق وكالة "وام".  

   دولة الإمارات العربية تنظّم فعالية التسامح والأخوة بين الأديان في عاصمة البرازيل

ووقَّع خلال الفعالية، الإمام الشيخ محمد البقاعي، والكردنيال دون أوديلو شيرير، رئيس أساقفة ولاية ساو باولو، ممثلاً عن الطائفة الإسلامية، على وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، وسط حضور من رجال الدين والسلطات البرازيلية، وبعض من نواب مجلس الشعب، وعدد من القناصل والأكاديميين والصحفيين، الذين أكّدوا أهمية المبادرة، خاصّة لشعب كبير ومتعدّد الأديان والثقافات مثل شعب البرازيل.

وقال قنصل عام دولة الإمارات، إبراهيم سالم العلوي، في ولاية ساو باولو: إنّ "هذه المبادرة ماهي إلا سلسلة متواصلة من مبادرات دولة الإمارات، تأكيداً منها على إرساء قواعد الإخاء والمشاركة، ومحاربة التطرف ونبذ العنف واحترام جميع الأديان، موجهاً الشكر للقيادة الرشيدة في الدولة، التي أعطتهم الفرصة لنشر تلك الثقافة في جميع أنحاء العالم، متقدماً بالشكر للحضور من جميع الطوائف والأديان الذين لبّوا الدعوة.

بدورهم، وجه الحضور الشكر لقيادة دولة الإمارات على ما تقوم به من مبادرات، من شأنها نشر التسامح والمحبة والسلام بين الجميع.

 

 

 

المغرب في مواجهة الإرهاب.. آخر عملياته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
64
عدد القراءات

2019-06-25

أعلنت السلطات المغربية، اليوم، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، في مراكش، كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف عسكرية ومدنية.

وأكدت أجهزة الأمن المغربية؛ أنّ "الخلية التي قُبض على أفرادها في منطقة الحواز، تتكون من 4 إرهابيين، أعمارهم بين 25 و40 عاماً، موالين لتنظيم داعش".

ضُبطت بحوزة الإرهابيين بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تمّ استعمالها لتحضير مواد متفجرة

وضبطت الأجهزة الأمنية بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تم استعمالها لتحضير مواد متفجرة، بحوزة أحد أفراد هذه الخلية، وفق ما أوردت موقع "هسبريس" المغربي.

وشملت قائمة المضبوطات أيضاً: معدات إلكترونية، وأسلحة بيضاء، ومنظاراً، ومبالغ مالية، ودراجة نارية.

وكشفت التحقيقات الأولية؛ أنّ "زعيم هذه الخلية الإرهابية، استقطب باقي أفراد المجموعة، وأدار علاقات مشبوهة مع عناصر تنشط بالخارج بهدف التخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة في المغرب باستعمال عبوات ناسفة".

وشدّدت الأجهزة الأمنية على أنّه "سيتم تقديم المشتبه فيهم إلى العدالة، فور انتهاء التحقيقات التي تجرى معهم حالياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تفكيك خلية داعشية، خلال حزيران (يونيو) الجاري؛ إذ نجحت السلطات المغربية، مطلع الشهر الجاري، في تفكيك خلية داعشية في الرشيدية وتنغير، كانت بصدد الإعداد لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

ونجحت السلطات أيضاً، في 18 حزيران (يونيو)، في تفكيك خلية إرهابية بمدينة تطوان كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.

ومنذ قتل سائحتين أوروبيتين بالمغرب، أواخر العام 2018، تشنّ السلطات المغربية ملاحقات أمنية واسعة ضدّ الخلايا التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

 

داعش على الحدود الأمريكية!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
57
عدد القراءات

2019-06-25

حذّرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أمس، من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في أراضي المكسيك، جارة الولايات المتحدة.

وأكّدت الشرطة المكسيكية؛ أنّها تلقت بلاغاً من أمريكا يؤكد أنّه تمّ رصد المواطنَيْن المصريَّيْن: إبراهيم محمد، ومحمد عيسى، والمواطن العراقي أحمد غانم محمد الجبوري، الذين يشتبه بانتمائهم لـتنظيم داعش الإرهابي، في بنما، في 12 أيار (مايو) الماضي، ثم في كوستاريكا، في 9 حزيران (يونيو) الجاري"، حسبما نقلت شبكة "روسيا اليوم" عن موقع "إكسيلسير" المكسيكي.

أمريكا تحذّر السلطات المكسيكية من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في المكسيك

وأشار البلاغ إلى أنّ الإرهابيَّيْن المصريَّيْن غير معروف، ولا يستبعد احتمال وصولهما إلى أراضي المكسيك، بينما تمّ توقيف العراقي في كوستاريكا.

وترجّح السلطات الأمريكية أن تكون وجهة المصريين الولايات المتحدة.

وكان قد كشف الجنرال الروسي، فلاديمير شامانوف، في تصريح لوكالة "نوفستي"؛ أنّ "الإرهابيين المهزومين في سوريا والعراق يحاولون الانتقال إلى أمريكا الجنوبية، والجزء الشمالي من أفغانستان".

وقال الجنرال شامانوف، الذي يترأس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي (الدوما): "هناك معلومات استخباراتية محددة، تؤكّد أنّ الإرهابيين يتوجهون نحو أمريكا الجنوبية، ليكونوا قريبين من الولايات المتحدة".

يذكر أنّ الحدود الأمريكية من جهة المكسيك تتعرض للكثير من الخروقات يومياً، من قبل مهرّبي البشر، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى طلب بناء جدار على طول حدود بلاده مع المكسيك، للحدّ من موجات النزوح وتهريب البشر.

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

43
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
32
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

71
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية