مقاتلو داعش الأجانب: هل يمكن حل المشكلة قبل فهمها؟

مقاتلو داعش الأجانب: هل يمكن حل المشكلة قبل فهمها؟
7472
عدد القراءات

2019-10-16

تحتلّ مسألة المقاتلين الأجانب  (Foreign fighters) في تنظيم داعش مكانة ذات أهمية من الناحية السياسية والإستراتيجية، فيما يتعلق بالتهديد الذي مثّله هؤلاء المقاتلون الآتون إلى الشرق الأوسط، من بيئات اجتماعية وخلفيات دينية وأوضاع اقتصادية متباينة، للانضمام في حروب التنظيم الذي أعلن الخلافة في حزيران (يونيو) ٢٠١٤، ورغم الاعتقاد الشائع بانتهائه على يد قوات التحالف، إلا أنّ خطر التهديد من قبله ما يزال قائماً، لا سيما فيما يتعلق بعملياته الإرهابية الخارجية في بلدان أوروبية.

اجتذب ظهور تنظيم داعش العام ٢٠١٤ سيلاً من المجاهدين الأجانب الذين تحدروا من كافة بلدان العالم

ففي ٢٠١٧، وفق مسح قام به مركز بيوPew Research Center" "؛ فإنّ المخاوف التي يثيرها تهديد تنظيم داعش احتلت المرتبة الأولى، متجاوزة بذلك قضايا أخرى عالمية، مثل؛ التغير المناخي والبيئي، بالتالي؛ يغدو الحديث عن القضاء على "داعش" أمراً ينبغي التثبت منه، خصوصاً أنّ التنظيم، المكوَّن من بضعة آلاف من المقاتلين، يغيّر إستراتيجيات حروبه على الدوام؛ فرغم إنهاكه وإضعافه بشكل كبير في سوريا والعراق، إلا أنّ هناك توجهاً للتنظيم للحروب الخارجية في بلدان أوروبية، كما شاهدنا منذ ٢٠١٥ وحتى يومنا هذا.
والحال؛ أنّ المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش كانوا محطّ اهتمام غربي وعربي واسع؛ لأنّ الأعداد الوافدة إلى التنظيم مثّلت فزعاً كبيراً، وحوّلت سوريا إلى جبهة لهذا التوافد، مما ضاعف من خطورة التنظيم، الذي اجتذب شرائح من كلّ حدب وصوب، وكان هذا القلق العالمي عموماً مرتبطاً بمسألتين: الأولى؛ مسألة متعلقة بفهم "جاذبية" تنظيم داعش؛ أي ما الجاذبية التي تجعل شباباً ونساء، عرباً وأوروبيين وآسيويين، ينضمون إليه.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟
أما المسألة الثانية فمتعلقة بالخطر الذي سينجم عن ذلك، لا سيما أنّ المقاتلين الأجانب خرجوا من بيئات تدّعي دوماً أنّها قائمة على الحرية والفردانية وقيم الحداثة السياسية، ومن ثم؛ ما هي السبل الإستراتيجية المتعلقة بمكافحة التنظيم عموماً، والتعاطي مع هؤلاء المقاتلين "الأجانب" خصوصاً، هذا من ناحية.

يميل الباحثون عادة إلى تكريس الحرب الأفغانية باعتبارها اللحظة الأولى لبزوغ مصطلح المقاتلين الأجانب
ومن ناحية أخرى؛ فعشية الألفية والانسحاب الأمريكي من العراق، كانت هناك وجهة نظر أمريكية بأنّ ظاهرة المقاتلين الأجانب قد أخذت في التلاشي؛ ففي أثناء حرب العراق ٢٠٠٣ وبعدها، كان هناك ما يقارب عشرة آلاف مقاتل أجنبي، انتهى الحال بهذا العدد في ٢٠٠٨ إلى وصوله إلى حدود الألفين أو الثلاثة آلاف على أقصى تقدير.
بيد أنّ الثورة السورية، التي بدأت سلمية في بداية العام ٢٠١١، على نظير أخواتها في الشرق الأوسط بمصر وتونس وغيرهما، كانت بمثابة الانفتاح الجديد لظاهرة المقاتلين الأجانب، بعد عسكرة الصراع في سوريا على يد النظام والحركات الإسلاموية الراديكالية، ووصل العدد تقريباً إلى ثلاثين ألف مقاتل أجنبي، وفق تشارلز ليستر، في آب (أغسطس) ٢٠١٥، وفي إحصائية أخرى؛ وصل العدد إلى 40 ألفاً من ١٢٠ دولة عالمياً.

اقرأ أيضاً: خطر الإرهاب وعودة المقاتلين الأجانب يتصدر المشهد.. كيف يمكن مواجهته؟
فقد اجتذب ظهور تنظيم داعش، العام ٢٠١٤، سيلاً من المجاهدين الأجانب الذين تحدروا من كافة بلدان العالم، إلى مركزي التنظيم الأساسيين: أي سوريا والعراق، وكان هذا الإحياء لظاهرة قديمة-جديدة، هي "المقاتلون الأجانب"، مترافقاً مع نمط جديد مع العلاقات الاجتماعية في البيئة التي هاجروا إليها.

هناك اختلاف وتضارب في حقل "الدراسات الأمنية" وما يسمى "علوم الإرهاب" في تعريف المقاتل الأجنبي

واللافت في مسألة المقاتلين الأجانب؛ أنّها ظاهرة غير مقتصرة على المقاتلين الأوروبيين، أو غير العرب عموماً، بل كان هناك توافد عربي للصراع بأعداد كبيرة، يمكن الإشارة إلى ثلاث دولة هي الأكثر عدداً على التوالي: تونس (٣٠٠٠ مقاتل)، المملكة العربية السعودية (٢٥٠٠ مقاتل)، الأردن (٢٠٠٠ مقاتل)، وفق دراسة تشارلز ستيلر المنشورة بمركز بروكنغز، والمعنونة بـ "المقاتلون الأجانب العائدون: تجريمهم أم إعادة إدماجهم؟".
كلّ ذلك إنما يشير إلى الأهمية التي تحظى بها مسألة المقاتلين الأجانب عالمياً، لما تشكّله من خطر أمني وإستراتيجي على الدول، وأيضاً للبحث في سبل الحلّ التي يمكن أن تقلّل من خطر التطرف والحدّ من هذه الظاهرة، وللدواعي التي تدعو أفراداً في دول أخرى للمشاركة في حروب قائمة بدول غير دولهم، على أسس أيديولوجية أو دينية.
فكما توضح دراسة للمركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي؛ فإنّ "حقيقة وجود أعداد كبيرة من الأجانب داعمة للتنظيم في العراق وسوريا، عسكرياً أو بطرق أخرى، هو شيء يرعب غير المؤيدين تقريباً بالقدر نفسه الذي يضايق به الحكومات التي تحاول جاهدة دحرها؛ لأنّه من المعروف أنّ الأجانب شاركوا بانتظام في الحروب البعيدة في الماضي، جذبت الأزمات في العراق وسوريا أعداداً ضخمة لم نشهدها من قبل [...]، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة لتحديد احتمال سفر شخص ما يعيش في المملكة المتحدة مثلاً، للانضمام إلى الجهاديين في سوريا والعراق، لم يبذل جهداً يُذكر في أيّ بحث حديث لدراسة العوامل التي أدّت إلى اختياره هذه الطريق، ويمتدّ هذا النقص في البحث ليشمل البروباغندا".

يبدو أنّ  الحديث عن القضاء على تنظيم داعش أمر ينبغي التثبت منه

ظاهرة قديمة وتشكّل جديد
في الواقع، هناك اختلاف وتضارب في حقل "الدراسات الأمنية"، وما يسمى "علوم الإرهاب" في تعريف المقاتل الأجنبي، لكن، ودون الدخول في تفصيلات أكاديمية بخصوص التعريف، يمكننا القول إنّ المقاتل الأجنبي هو كلّ شخص ينخرط في حرب أو نزاع في محلّ ليس هو بلده، ولا علاقة قربى تربطه بأطراف المنضمّ إليهم، ولا ينتسب إلى أيّة منظمة عسكرية رسمية.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وعليه؛ فالمقاتل الأجنبي هو شخص مختلف عن المرتزق، وفق باحثين لم يعدّوا المرتزق مقاتلاً أجنبياً، إلا أنّ الفرق بين المقاتل الأجنبي والمرتزق سينتهي، والذي كان سائداً منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مع تنظيم داعش، الذي جنّد مقاتلين أجانب من أعراق كثيرة وبلدان متعددة، وكان يدفع لهم رواتب ثابتة تتراوح بين ٢٠٠ دولار إلى ٥٠ دولاراً شهرياً، كما في دراسة ماجا غرينوود من جامعة كوبنهاغن، تحت عنوان "المقاتلون الأجانب في تنظيم داعش والقاعدة".

رغم أهمية المنظور الديني فيما يتعلق بظاهرة المقاتلين الأجانب إلا أنّه جزء لا يمكن أن يفسّرها

يميل الباحثون عادة إلى تكريس الحرب الأفغانية (١٩٧٩ وما بعدها) باعتبارها اللحظة الأولى لبزوغ مصطلح "المقاتلين الأجانب"؛ حيث توافد كثير من المقاتلين للحرب ضدّ السوفييت، مما سيجعل من المصطلح لاحقاً مصطلحاً مكرّساً لظاهرة تدلّ على مقاتلين من دول غير دول محل الصراع، وستعلن جريدة "التايمز"، عام ١٩٨٨؛ أنّ المجاهدين، رفقة "المقاتلين الأجانب"، قد أحرزوا النصر.
إضافة إلى ذلك؛ يمكننا أيضاً أن نلمس وضوحاً أكبر في مصطلح "المقاتل الأجنبي" مع ما يمكن أن نطلق عليه اسم "منعطف الحادي عشر من سبتمبر"؛ حيث ستبزغ ظاهرة جديدة مع تدمير البرجين العالميين على يد تنظيم القاعدة، وسيكون الجهاد معولماً، وسيدشّن ما يسميه الباحث النرويجي المتخصص في ظاهرة الجهاد، توماس هيغهامر "الجهاد العالمي".
يعني "الجهاد العالمي"؛ الانتقال بظاهرة الجهاد والحرب من أفق محلي إلى تدويل الجهاد، مما يجعل له طابعاً أممياً، وينضم تحت لوائه مشايعون من بلدان كثيرة، كما رأينا سابقاً في حالة القاعدة، وحالياً مع داعش، التي وصل الانضمام لها إلى ١٢٠ دولة، كما سبق ذكره.
تحتلّ مسألة المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش مكانة ذات أهمية من الناحية السياسية والإستراتيجية

لحظات فاصلة
سنحاول في هنا تقديم تواريخ بمثابة محطات فاصلة في تاريخ ظاهرة المقاتلين الأجانب، تساعد سريعاً في التقاط خيط تطوّر هذه الظاهرة.
1. اللحظة الأفغانية (١٩٧٩): حيث تدخّل السوفييتيون لمدة عشرة أعوام في أفغانستان، دعماً للحكومة الأفغانية ضدّ التمرد الذي كان قائماً ضدّها، مما استجلب عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، وكان الداعي والداعم الأكبر لحملة المقاتلين الأجانب ضدّ السوفييت الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر، أما بخصوص عددهم؛ فالإحصاءات متضاربة، وتميل الرواية العامة إلى كونهم أربعة آلاف شخص، سيطلق عليهم فيما بعد "الأفغان العرب".
2. اللحظة البوسنية (١٩٩١): وهي اللحظة التي حمل فيها صرب البوسنة السلاح في وجه مسلمي البوسنة، رفضاً للانفصال، مما أدّى إلى توافد مقاتلين أجانب كثر من أفغانستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتمّ تحويل الصراع البين قومي إلى صراع جهادي عالمي.

هناك حاجة ملحّة عربياً لفتح نقاش بخصوص العائدين العرب وسياسات التعامل معهم

3. اللحظة الشيشانية (١٩٩٤): وهي اللحظة التي قامت فيها حرب روسية-شيشانية، انتهت فعلياً باستقلال الشيشان عن روسيا، رغم التعقيد الذي اكتنف الجغرافيا الشيشانية من حيث الوصول؛ إذ اعتقل الظواهري على حدود داغستان على يد القوات الروسية، وهو يحاول النفاذ إلى الشيشان، إلا أنّ هناك تدفقاً كبيراً من المقاتلين الجهاديين العرب وغيرهم سيصلون إلى هناك، وسيتدفق تمويل إسلامي كبير إلى الشيشان، كـ "جهاد" ضدّ الأعداء.
4. لحظة 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١: في 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١، سيتوّج تنظيم القاعدة عمله بإطلاق صواريخ على برجي التجارة العالميَّين في الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا ستكون القاعدة قد وضعت مسألة "الإرهاب" على مصاف أولى المهمات التي ستقوم الحكومات العالمية والعربية بالانتباه إليها ومحاربتها.
الجهاد العالمي في هذه اللحظة ستنجم عنه سياسات كبيرة في العالمين؛ العربي والغربي، فيما يخصّ تدشين مدارس لتعليم إسلام "غير متطرف"، ولظهور فكرة الإصلاح الإسلامي في المنطقة العربية والانخراط في المشروع الأمريكي لمحاربة الإرهاب الكوني.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
5. اللحظة السورية (٢٠١١):
رغم أنّ هناك لحظة سابقة للحظة السورية، ألا وهي غزو العراق في ٢٠٠٣، إلا أنّ اللحظة السورية ستكون بمثابة الحلبة الأوسع التي سيتوافد إليها خلايا تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، بكلّ التشكلات والمسارات التي خاضها التنظيمان، وسيشهد العالم، للمرة الأولى، تدفّق مثل هذه الأعداد من "المقاتلين الأجانب"، إلى حدّ، كما أشرت سابقاً، أنّ العدد وصل إلى ما يقارب ٤٠ ألف مقاتل من ١٢٠ دولة.
وإذا كان تنظيم القاعدة قد قام بالأساس على محاربة "العدو البعيد" (أمريكا وحلفاؤها)؛ فإنّ تنظيم داعش سيقوم على محاربة "العدو القريب" (متمثلاً في الأنظمة المحلية وغير المسلمين والشيعة، ...إلخ)، للتوسعة فيما يخصّ العدو القريب والبعيد، يمكن مراجعة أعمال حسن أبو هنية، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، لا سيما كتابه "الجهادية العربية".
وبعد التكريرات العالمية بهزيمة التنظيم، إلا أنّ داعش يموضع نفسه خارج السياقات العربية، ويقوم بشنّ هجمات في عواصم ومدن أوروبية ما تزال تجعل القلق بشأنه قائماً وسبل محاربته أول مهمات للحكومات العربية والغربية.

ما الذي يدفع شاباً للتطرف؟
تثير مسألة المقاتلين الأجانب الآن في المقاربات البحثية والدولتية المتعلقة بمسائل الأمن والإرهاب أسئلة أكثر أساسية فيما يخص: لماذا يذهب شاب أوروبي إلى بلد كسوريا لـ "الجهاد" مع تنظيم عنيف وراديكالي كداعش؟ ما الدافع وراء هذا الفعل؟ وكيف قام به؟ وما الخلفيات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أنتجت مثل هذا الفعل؟ والسؤال الأهم: كيف لمن يعيش في بيئات علمانية، في دول أوروبية، أن يذهب للانضمام إلى القتال دون مقابل، أو في أحسن الأحوال مقابل رواتب زهيدة؟ ما هذه الرغبة في "الجهاد" أو الموت؟

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول
لكن لا بدّ من الملاحظة أنّ السؤال بخصوص الشاب القابل للتطرف، أو المتطرف فعلياً، هو في الوقت الراهن لا يتعلق بمكان محدد، وإنما بطبيعة عابرة للدول للحرب والجهاد؛ فقد مكّن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من خلق ما يمكن تسميته بـ "جهاد شبكي"، ورأينا كيف توظّف داعش التكنولوجيا الحديثة والإنترنت في بثّ أفكارها، وتقديمها، وكأنّها معرض، وسوق دينية كبيرة.
بالطبع، كانت الإجابات على هذه الأسئلة في الفضاء البحثي منقسمة إلى ثلاث إجابات، سنحاول إيجازها:

لا بدّ من وجود تدابير إستراتيجية لأسئلة الدين والسياسة والهوية لتجنيب العالم هذا العنف

1- الإجابة الاقتصادية: باختصار، تسعى هذه الإجابة إلى القول إنّ هؤلاء الشباب يعانون من حرمان اقتصادي وفقر مدقع وإحباط، فيما يخصّ أوضاعهم المعيشية، دفعتهم إلى الانخراط في حرب لا تمثل لهم أية قيمة؛ أي إنّها مقاربة تفسّر ظاهرة الردكلة العنيفة التي يدخل فيها الشاب، ويترك بلده (سواء الأم/ أو المهاجِر إليها) من خلال النظر إلى الظروف الاقتصادية الحاكمة لحياة هذا الفرد.
فكما يحاجج الباحثان الكبيران؛ لورن داوسون، وأمارناث أماراسينغام، فإنّه "لا توجد علاقة قوية بين التهميش أو ضعف الاندماج وبين التوجه نحو التطرف كما يفترض عادة؛ فعلى سبيل المثال: دعت دراسة ميدانية جديدة حول المسلمين في أوروبا الغربية إلى مساءلة العلاقة بين التوجه نحو التطرف، وتبني معتقدات دينية أصولية، وضعف الأحوال الاجتماعية الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة
وجد الباحثون أنّه "بشكل عام، كان المبحوثون من العائلات الأكثر رفاهية يميلون أكثر لممارسة إسلام يرتبط بشكل كبير بالأصولية، فهم أكثر محافظة تجاه الأدوار الاجتماعية، ويسعون لتطبيق الشريعة في العالم كلّه، ويحتفون بالاتجاهات والمواقف المرتبطة بالإسلام الأكثر تسييساً، وإضافة إلى ذلك؛ كان الأفراد الذين يتبنّون هذه المعتقدات أكثر دعماً لاستخدام العنف لـ "الدفاع عن إيمانهم"".
هذه الإجابة/ المقاربة (approach) قد تمّ تحديها على نطاق واسع، وتمّ إثبات عدم صحتها ويمكن النظر، بهذا الصدد، إلى دراسة "جيمس بايازا"، الذي أثبت فيها أنّ العمليات الإرهابية التي في وقعت في حوالي ٩٦ دولة من ١٩٨٨ إلى ٢٠٠٢ لا تمتّ بصلة للنموّ الاقتصادي وعلاقته بالإرهاب.

2- الإجابة الدينية: هذه الإجابة مفادها باختصار؛ أنّ الخلفية الدينية لهؤلاء الشباب هي المتحكم في سلوكهم الانضمامي لجماعات إرهابية، كتنظيم داعش أو القاعدة، وبالتالي؛ لا بدّ من تقديم إسلام آخر، والقيام بالتعاطي الديني المختلف مع هذه القواعد المسلمة الموجودة في الغرب.
في الواقع؛ الإجابة الدينية تستند بالأساس إلى التفسير الثقافوي (Culturalist) للظاهرة الجهادية، لا سيما في النسخة الداعشية، وما يسمى في أدبيات الحقول المختصة بالإرهاب "الهجرة"؛ التي يقوم بها شاب في بلد غربي إلى مناطق صراع على أساس ديني.
ورغم أهمية المنظور الديني فيما يتعلق بظاهرة المقاتلين الأجانب، إلا أنّه جزء لا يمكن أن يفسّر الظاهرة، كما أنّه يخضع لأسئلة عسيرة لا بدّ فيها من الاستماع إلى المقاتلين أنفسهم: هل تربيتهم الدينية السالفة هي التي دفعتهم إلى الردكلة؟ هل العرض الديني الداعشي هو ما جذبهم؟ ولماذا جذبهم؟ وهل الانجذاب هو ديني كذلك، أم أنّ هناك أبعاداً اجتماعية واقتصادية ورؤيوية هي التي دفعتهم لذلك؟
أضف إلى ذلك؛ أنّ هناك تحدياً يواجه الإجابة الدينية الصرف يتمثل في أنّ ما أظهرته داعش؛ أنّ كثيراً من المقاتلين الأوروبيين المنضمين إليها كانوا في الماضي عازفين أو مغنين، أو لهم ماض علماني صرف؛ مما يضع الإجابة الدينية موضع تحدٍّ وتساؤل، ويجعل لهم حدوداً لا يمكن لها أن تخرج عنها، وبالتالي لا تستطيع وحدها أن تفسر المشهد.

اقرأ أيضاً: عودة "المقاتلين الأجانب" والانسحاب الأمريكي من سوريا.. هذه هي التحديات

3- الإجابة السياسية: أما الإجابة السياسية؛ فذات صلة بالإجابة الأولى (الاقتصادية)، ومفادها أنّ الحرمان السياسي وتفريغ هؤلاء الشباب من أيّ تمثيل سياسي كان الدافع وراء انجرارهم وراء الجماعات المتطرفة كتنظيم داعش؛ فالحرمان من التمثيل السياسي والتهميش من العملية السياسية يؤدي إلى الانجرار وراء التطرف، بالتالي؛ لا بدّ من فتح مجال سياسي لهؤلاء الشباب للانخراط في السياسة، لا سيما في عصر "لا سياسي" تسيطر عليه شعبويات يمينية كلّ مرماها الدفاع عن الأصالة والنقاء والهوية ورهاب الأجانب، دون إيلاء نظر جدّي للمشاكل السياسية-الاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة جراء السيرورة النيوليبرالية المعولمة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين؛ تلك السيرورة التي تزيد من الإفقار والبطالة العالمية، وتخلق تفاوتات طبقية، وتهميشات اجتماعية لشرائح كبيرة من الناس. في المقابل؛ تعطي الامتيازات لشرائح قليلة جداً وللشركات.
إلا أنّ هناك مقاربة أخرى، قام بها الباحث الفرنسي المتخصص في الجماعات الإسلاموية، أوليفيه روا(Olivier Roy) ؛ لتفسير هذه الأزمة في كتابه الأخير الجهاد والموت فيما يخصّ الشباب المنضمين إلى داعش، يقوم حجاج روا بالأساس على مفهوم "الأزمة الجيلية" التي وصفها، فيقول روا: إنّ هؤلاء الشبان يمثلون ما أسماه "المرحلة الثانية من الجهاد العالمي" التي كملت المرحلة الأولى متمثلة في القاعدة.
يحاجج روا بأنّ هؤلاء الشباب لديهم "رغبة عدمية" في الموت، فمن أجل التأكيد على الهوية، كان لا بدّ من تقديم الذات كقربان للتنظيم.
بالنسبة إلى أوليفيه روا؛ هؤلاء الشباب فاقدون للمعنى في حياتهم بشكل جذري، والبحث عن معنى هو سبب رئيس وراء انضمامهم للتنظيمات الجهادية؛ فالحداثة بما شظته من مجتمعات وذوات، خلقت حالة من اللامعنى التي تكسي الوجود البشري، وبالنسبة إلى متديّن فاقد للمعنى والهوية في مجتمع ما، فإنّ كلّ سعيه سيكون منصبّاً على "الحمائية" وحفظ الهوية، بالتالي؛ سيكون البحث عن تنظيم يمثل هذه الهوية (كتنظيم داعش)، بمثابة المعنى الذي يمكن، من أجل الحصول عليه، أن يقدّم بحياته في سبيله.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة
باختصار؛ يسعى حِجاج روا الأساسي والذي يمكننا تسطيره ههنا، منذ كتابه المهم "فشل الإسلام السياسي"، إلى أننا نشهد عملية أسلمة للراديكالية، وليس العكس، أي ردكلة للإسلام. فروا، الذي تعاطى مبكراً مع الحركات الإسلاموية، قد رأى منذ التسعينيات أنّ حركات الإسلام السياسي أصلاً (من الإخوان إلى القاعدة) هي حركات خارجة على التقليد العلمائي، وبالتالي هي تعمل خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وتقطع معها، ومن ثم؛ يسحب روا حجاجه إلى تلك الموجة الثانية من "العدمية الإسلامية" التي تأتي، كما يقول ياسين حاج صالح في كتابه "أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده"، من حضور مفرط من المعنى، وليس من غياب المعنى.
داعش مثّل، فيما مثّل، طغياناً لحضور المعنى، في عالم يرزح تحت وطأة غياب المعنى، والحضور الكثيف للتكنولوجيا التي جردت الإنسان من أيّة بشرية محتملة، يمثّل الموت، كما يوضح روا، إغراء فظيعاً بالنسبة إلى جيل إسلاموي عدمي.

مقاربتان لمشكلة العائدين
كما أشرنا سابقاً؛ بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، عاد عدد كبير من المقاتلين الأجانب الأوروبيين إلى بلدانهم، مما أثار أسئلة أمنية في المقام الأول بشأن عودتهم، وأسئلة أخرى عن إمكانية إدماجهم من جديد في المجتمع بعد هذه الرحلة الراديكالية والعنيفة التي قاموا بها.
قضية أو مشكلة العائدين بالأساس هي ملحّة لسببين: أولاً؛ للخطر المحتمل من هؤلاء العائدين. ثانياً؛ في إمكانية من رجعوا عن ماضيهم العنيف إلى القيام بأعمال مشابهة مستقبلاً.
يمكن لنا أن نشير إلى مقاربتين معتمدتين في أوروبا للعائدين:
1- المقاربة الأمنية:(Security Approach) تقوم هذه المقاربة على الملاحقة والضبط والمطاردة للعائدين وزجّهم جميعاً في السجن، دون تفرقة، وهي مقاربة بالعموم، كما يشير تشارلز ليستر، سهلة ولا تتطلب سوى إستراتيجيات أمنية، لكنّ المقاربة الأمنية قد تأخذ، في بعض الأحيان، منحى ذا وجاهة، لا سيما، كما أشرت سالفاً، إلى أنّ تنظيم داعش ينقل هجماته إلى عواصم أوروبية، مما قد يثير الحفيظة الأمنية بأنّ هؤلاء العائدين يمكن أن يكونوا بمثابة نقاط إرشادية للتنظيم.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟
وبالتالي؛ في حين أنّ المقاربة الأمنية قد تكون السبيل الأيسر لمعالجة مشكلة العائدين باعتبارهم مقاتلي حرب، وبمثابة تهديد للأمن القومي للبلدان العائدين إليها، إلا أنّها لا يمكن أن تحلّ المشكلة، بل ولربما فاقمت من راديكالية هؤلاء الشباب.
2- المقاربة الليبرالية:(Liberal Approach)  هذه المقاربة الليبرالية/ الإصلاحية/ الإدماجية على نهج أكثر حوارية وإصلاحية مع المقاتلين العائدين، والعمل بمقتضى أنّ المواطن في الدول الغربية، ذات الديمقراطية العريقة والتقليد القانوني الواسع، لا بدّ له من أن يعطى الفرصة للاندماج فرصة من أجل إعادة التأهيل والاندماج مرة ثانية، بالتالي؛ المقاربة الإدماجية هذه تقوم على التعاطي مع كلّ فرد على حدة، من حيث مدة سفره، والتعليم الذي تلقاه، إن كان قد قام بأعمال حربية أم لا، وبناء عليها يُنتهَج معه نهج يختلف عن مقاتل آخر.
باختصار؛ إنّ المقاربة الليبرالية تحاول أن تقوم بإصلاح نفسي وإعادة تأهيل اجتماعي للعائدين، مع بعد قانوني بامتثالهم إن ارتكبوا جرائم، من أجل إعادة إدماجهم في مجتمعاتهم مرة ثانية عن طريق إيجاد عمل لهم، ومعالجتهم نفسياً، وتوفير بيئة جديدة لهم.
المقاتلون الأجانب خرجوا من بيئات تدّعي دوماً أنّها قائمة على الحرية والفردانية وقيم الحداثة

العائد العربي: هل يمكن فتح نقاش؟
أشرنا إلى أنّ المقاتلين الأجانب في التنظيمات المتطرفة منهم مقاتلون عرب كثر، لكنّ مسألة العائدين لم تفتح بما فيه الكفاية في العالم العربي، والسياسات المطروحة على الأجندة العربية فيما يخصّ العرب المقاتلين هي سياسات "التجريم"؛ ففي حين أنّ الغربي العائد يمكن إعادة تأهيله، بسبب افتراض أنّه تمّ إغواؤه، إلا أنّ العربي العائد ما يزال التعامل معه على أنّه "إرهابي" فحسب، ولم يفتح الباب لإمكانية إدماج هؤلاء العائدين، وفق سياسات واضحة، إصلاحية وقانونية، يمكن أن يكون لها أكبر الأثر والنفع من سياسات التجريم والاعتقال والسجن التي قد تكون سبباً في جعلهم متطرفين أكثر.
إنّ ضرورة فتح نقاش عربي مثمر بشأن قضية "العائد العربي" تتمثل في تقديم مقاربات كثيرة لفهم طبيعة هؤلاء المنضمين، وتقديم رؤى معرفية وقانونية وسياسية (كما في الحقول المكرسة غربياً) للتعاطي مع هؤلاء، بعيداً عن المنطق الأمني الذي لا يحلّ شيئاً، أو يقدّم تفسيراً لظاهرة.
المقاتلون الأجانب بالعموم هي بالأساس ظاهرة، والظاهرة لا بدّ من أن تفهم وتعالج وتقارب أولاً: من ناحية فهم الجذور النفسية والاقتصادية والسياسية والدينية لها، وثانياً: من ناحية طبيعة التعامل معها للحدّ منها في المستقبل القريب والمنظور.
وبالتالي؛ هناك حاجة ملحّة عربياً من الجهات السيادية والنخب السياسية إلى فتح نقاش بخصوص العائدين العرب، وسياسات التعامل معهم، ومعالجة الأسباب الجوهرية لانضمامهم لتنظيمات راديكالية.
خلاصة القول: إنّ مسألة المقاتلين الأجانب لها جذور تاريخية، ومن أجل التعاطي معه على نحو سياسي وإستراتيجي صحيح لا بدّ من التنبه إلى المسائل المتعلقة بها، مثل مسألة الهوية والدين، والحرمان السياسي، وقضايا التهميش، بدلاً من المقاربة الأمنية الأحادية، وفي عالمنا اليوم، الجارف نحو شعبويات يمينية متطرفة؛ لا بدّ من وجود تدابير إستراتيجية لأسئلة الدين والسياسة والهوية لتجنيب العالم أكبر قدر من ظواهر عنيفة مثل هذه؛ حيث يجد الأفراد في بيئاتهم المحيطة كيانهم الاجتماعي والهوياتي والديني والثقافي السليم، حتى لا يكون البديل العنيف والراديكالي هو المتاح أمامهم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا تغلغلت تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا.. ما علاقة قطر وتركيا؟

2020-03-30

ثمة تجليّات متعددة لقوى وتنظيمات الإسلام السياسي، بدت فيها كأداة في فضاء الصراع الإقليمي والدولي، منذ اعتمدت واشنطن على الدين لأداء دور وظيفي متجدد، بغية مواجهة نفوذ موسكو الأيديولوجي إبّان الحرب الباردة، وهو ما استغلته جماعة الإخوان المسلمين للتمدد والحركة على أكثر من مستوى.

اقرأ أيضاً: إخوان موريتانيا في 2019.. صراعات وانشقاقات وفساد
هذا وقد شهدت مناطق الهامش نوعاً من التحرك الخاص للجماعة، في ظل غياب الضغط السياسي، وغلبة روح التدين التقليدي، مع تردي الأوضاع المعرفية، وسطوة التقاليد القبليّة، ما منح الإخوان ظهيراً مكّنهم من الانتشار، ومن ثم اقتحام المجال السياسي بقوة، وتمثل الحالة الموريتانية نموذجاً كاشفاً في هذا السياق.

المراكز والزوايا الإسلامية حاضنة للمشروع الإسلاموي
مارست الزوايا الدينيّة والمعاهد الإسلاميّة التقليدية في موريتانيا، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي، دوراً في احتضان أفكار جماعات الإسلام السياسي، والترويج لها، خاصة، وأنّ ثمة ملمحاً مؤثراً للزوايا يتصل بإعداد الدعاة، تاريخيّاً، وسط الصحراء، لخدمة الرسالة الدينية.

اقرأ أيضاً: موريتانيا الغزواني.. بين تجار الدين والسياسة
ويتصف نمط التدين في موريتانيا بالتصوف، بيد أنّ الحركة الإسلامية التي نشطت في عقد السبعينيات، عمدت إلى كسر طبيعة التدين السائد في المجتمع، بدعوى أنّ التصوف مخالف للدين، الأمر الذي فتح ثغرات تسللت منها قوى الإسلام السياسي، لملء الفراغات الموجودة، والتمدد في المساحات الجديدة.

شهدت مناطق الهامش نوعاً من التحرك الخاص للجماعة في ظل غياب الضغط السياسي وغلبة روح التدين التقليدي

وترافق تموضع تيار الإسلام السياسي على خريطة الحركات السياسية في موريتانيا، مع تأسيس حركة الإصلاحيين الوسطيين، منتصف السبعينيات، بينما ظهرت الجماعة الإسلامية كأول تنظيم للتيار الإسلامي، في العام 1978؛ إذ جاءت هذه الولادة من رحم أنشطة المراكز الدينية، كما تطور التنظيم بالتزامن مع تأسيس تنظيم "حاسم"، في العام 1990، ثم ظهور حزب الأمة، وكذا، حزب  "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية-تواصل-"، والأخير يستمد أفكاره ومرجعيته العقدية من أدبيات المرشد المؤسس لجماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، ومقولات سيد قطب، وهو بمثابة الذراع السياسي للإخوان المسلمين في موريتانيا.
وعليه، بدأت تتبلور التيارات الاسلامية في موريتانيا، وتتصل بينها المسافات رغم تباين السياقات والأزمنة، التي كوّنت كل طرف وصنعت كل فصيل؛ حيث بدأت اللحظات التدشينية في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، وصوّبت الحركة ثقلها السياسي نحو الجامعات والمعاهد التربوية والتعليمية، وتأثرت بجملة الفكر الإسلامي الوافد من المشرق العربي وآسيا وبقية الدول المغاربية؛ حيث استلهمت شخصيات إسلامية موريتانية الكثير من أفكار حسن البنا، وسيد قطب، وأبو الأعلى المودودي، وراشد الغنوشي.

اقرأ أيضاً: الصراعات والانشقاقات تضرب أوصال إخوان موريتانيا
وتتمايز تيارات الإسلام السياسي في موريتانيا نحو تيارين رئيسيين؛ الأول يتمثل في تنظيم الإخوان المسلمين، والثاني، يتمثل في التيار السلفي، والأخير ينقسم إلى تيار السلفية الجهادية، والسلفية الإصلاحية، مما يشي بانحصار الأمر في تيارين يشكلان قوى الإسلام السياسي في موريتانيا، تتباين مواقفهما وأهدافهما من العمل السياسي بشكل عام، والممارسة الديمقراطية، بشكل خاص، في ظل خريطة الحركات السياسية وأجواء التعدد الحزبي والانفتاح السياسي الذي عرفته نواكشوط، في حقب تاريخية عديدة، ووسط ظروف محلية ومتغيرات اقليمية ودولية تركت آثارها واضحة على مسار الحياة السياسية فيها.

الدولة والإخوان.. بين محاولات الاحتواء والمواجهة
الملمح الرئيس الذي يمكن طرحه على الدوام، فيما يتصل بتتابعية الأنظمة السياسية الموريتانية، هو أنّها حرصت على المراوحة بين التوجهات الإسلامية في السياسة، والإدارة المدنية للشأن العام، كونها مقاربة تكتيكية لطبيعة عمل الإسلام السياسي أمام المكون العلماني، وريبتها الشديدة من الظاهرة الإسلامية، بشكل عام، الأمر الذي ارتبط طوال الوقت بعلاقات الدولة الإقليمية والدولية، في محيطها العربي والشرق الأوسطي، فضلاً عن ارتباطاتها بالعمق الإفريقي، الذي احتاج منها تعاطي براغماتي ومرونة كبيرة.

اقرأ أيضاً: منشقون يكشفون ارتباط "إخوان" موريتانيا بداعش
في إطار ذلك، تستقر ذهنية السلطة السياسية في موريتانيا نحو ضرورة مواجهة تنظيم الإخوان؛ إذ أوضح الرئيس السابق ولد عبد العزيز، في أحد تصريحاته اللافتة، أنّ تنظيم الإخوان يشكل خطراً كبيراً على موريتانيا واستقرارها. كما نُسب إليه تصريح آخر يهاجم فيه حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، قال فيه: "إنّ أعضاء التجمع مجموعة من المتطرفين، الذين يرتدون رابطات عنق، لكنهم سرعان ما يستبدلونها بالأسلحة؛ عندما لا يستطيعون الوصول إلى أهدافهم".

لعبت الزوايا الدينيّة والمعاهد الإسلاميّة التقليدية بموريتانيا دوراً في احتضان أفكار جماعات الإسلام السياسي وترويجها

ومن جهته، يوجه رئيس حزب تواصل، محمد محمود ولد سييدي، انتقادات لاذعة لنظام الرئيس السابق، وطالب بمحاسبة مَن وصفهم بـ"المفسدين في العشرية الماضية الذين نهبوا خيرات البلاد، ووضعهم في السجن".
ويعد حزب "تواصل"، الذي جرى تدشينه في صيف العام 2007، نتيجة لفشل تيار الإسلام السياسي خلال العقود الماضية في الانخراط في العملية السياسية، والحصول على الشرعيّة الدستورية، وبالتالي، جاء الحزب للحصول على هذا الاعتراف المفقود والشرعية من الدولة، بيد أنّه يحمل في طوره الجديد جملة دلائل على مسار التحولات السياسية والاجتماعية، التي شهدتها موريتانيا، مطلع القرن الواحد والعشرين، فضلاً عن عدد من المتغيرات التكتيكية التي فرضتها الولايات المتحدة الأمريكية على عدد من دول المنطقة، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، ونشوب حرب أفغانستان؛ إذ مهدت على إثرها مساحات حركة لعدد من حركات الإسلام السياسي في المنطقة.

حزب تواصل.. هل هو أداة قطر الخفية؟
نسج تيار الإسلام السياسي في موريتانيا علاقات وثيقة مع الحركات الإسلامية الأخرى، فضلاً عن كون حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، يدخل في تبعية مباشرة للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين؛ حيث استثمرت قطر فيه، وفق ما ورد في تقارير صحفية أشارت إلى التمويلات الضخمة التي نجح الحزب من خلالها في تكوين بنية اقتصادية، تمثلت في مؤسسات تجارية كبيرة، بالإضافة إلى أموال الزكاة، وهو ما مكّن الحزب من الإنفاق الهائل على حملته الانتخابية الأخيرة، في أيلول (سبتمبر) 2018، ورغم ذلك مُني بهزيمة كبيرة.

اقرأ أيضاً: "إخوان" موريتانيا بين مطرقة الانشقاقات وسندان إغلاق الجمعيات
ويواجه الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي حظي بتأييد واسع من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية في الاستحقاق الانتخابي الأخير، حزيران (يونيو) العام 2019، والذي أسسه الرئيس السابق، العام 2009، عقب فوزه بولايته الرئاسية الأولى، مخططات الدوحة، وفق تقارير صحفية، الرامية إلى دعم الإخوان المسلمين، واصطف في مواجهتها، وكان الرئيس السابق قد قطع العلاقات الدبلوماسية معها، وصرح بأنّه ليس نادماً على ذلك؛ إذ إنّ ما قامت به قطر تجاه بعض الدول العربية يعادل "ما فعلته ألمانيا النازية"، حسب وصفه وتعبيره، فأسهمت في خراب ليبيا وسوريا واليمن.

الحركة الإسلامية عمدت منذ السبعينيات لكسر طبيعة التدين الصوفي السائد بدعوى أنّه مخالف للدين

ثمة رأي استقر في ذهنية الإدارة الأمريكية في السنوات التي سبقت "الربيع العربي"، يرى بأنّ تلك الدول تطالع قمة دورة مشروعها السياسي الذي تبلور منذ عقد الخمسينيات، والمتمثل في ثنائية كفاح الجماهير والنخب الحاكمة لنيل الاستقلال الوطني، وإقامة الدولة الوطنية على عقد اجتماعي، يرتكز على مبدأ الحاكم القابض على السلطة بكافة تفاصيلها دون مشاركة من الشعب، وبالتالي فإنّ الأمر يحتاج إلى أجواء من الديمقراطية وبلوغ مساحات الحرية والمساواة.
وعليه، خاضت واشنطن الصراع لحساب مصالحها في العواصم العربية، عبر أطرافها العديدة، واستهدفت ضرورة التغيير دون أن تتقاطع تيارات الإسلام السياسي مع ذلك الصراع أو تخرج منه، وإنّما تحظى برعاية قوى إقليمية تحافظ على المسافات المطلوبة وتراعي المصالح الأساسية، والتي تمثّلت فيما صاغته الدوحة عبر منصتها الإعلامية من أفكار وتوجهات، فضلاً عن الدعم المالي واللوجيستي لتلك الجماعات.

الاستراتيجية التركية في موريتانيا
من جهة أخرى، يعد الانخراط التركي في الداخل الموريتاني من خلال حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية، جزءاً من رؤية أنقرة الاستراتيجية للتغلغل في مناطق عدة في الداخل الأفريقي:؛ إذ تمثل نواكشوط المدخل الرئيسي والبوابة الاستراتيجية في إفريقيا، فضلاً عن كونها المعبر الرئيس نحو بلدان المغرب العربي من بوابتها الخلفية، الأمر الذي يسمح لها بإدارة رؤيتها الجديدة التي ترى في إفريقيا عمقاً استراتيجيّا، يضاف إليها القواعد العسكرية في الصومال وجيبوتي.

مثلت العلاقة بين حزب تواصل مع الدوحة وأنقرة جانباً من الحالة الوظيفية التي تؤديها تلك الأطراف

مثلت العلاقة بين حزب تواصل، من ناحية، والدوحة وأنقرة، من ناحية أخرى، جانباً من الحالة الوظيفية التي تؤديها تلك الأطراف لتحقيق جملة من الأهداف الإقليمية والمصالح السياسية، وبالتالي، تشهد العلاقات بين أنقرة ونواكشوط، تطوراً مستمراً، تعكسه الزيارة التي قام بها الرئيس رجب طيب اردوغان لموريتانيا، مؤخراً، وهو أول رئيس تركي يزور نواكشوط، حيث قام الجانبان بتوقيع عدة اتفاقيات بين البلدين في مجالات المعادن والصيد والاقتصاد البحري والسياحة، بالإضافة لمذكرة تفاهم في مجال الزراعة، واتفاقية تتصل بحماية وتعزيز الاستثمارات بين البلدين.
تسعى أنقرة من خلال نشاطها في الداخل الموريتاني، إلى إحكام السيطرة على كافة مؤسسات فتح الله غولن، حيث قامت السلطات الموريتانية بتسليم عدد من المدارس التابعة لمنظمة غولن، والتي كانت تنشط في موريتانيا لإدارة وقف المعرف التركي، الأمر الذي يهدف إلى توسيع الدور الإقليمي لها، وفي ظل وجود حليف سياسي ينشط في مقاعد المعارضة-حزب تواصل- ومستعد لأداء كافة الأدوار الوظيفية المطلوبة منه، في ظل صراع إقليمي لا تبدو له نهاية في المستقبل القريب.

للمشاركة:

كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟

2020-03-30

منذ ظهور مرض كورونا المستجد، تشهد الجزائر ردود فعل مثيرة من اللامبالاة والسخرية والشائعات، وسط هبّة خير تتنامى في بلد يشهد تمدّد الفيروس القاتل الذي أدى إلى وفاة 31 شخصاً، وإصابة 511 آخرين في حصيلة ما تزال مرشّحة للارتفاع.

تعامل مضطرب
يقول الكاتب أمحمد بن ديدة إنّ تعامل الناس مع فيروس كورونا في الجزائر "لا يزال مضطرباً نوعاً ما على جميع النواحي، وذلك بسبب المراحل التي مرّ بها الوباء محلياً، وظهور مفاجآت جديدة في كل يوم، غالبيتها متضاربة حتى على الأخصائيين، ففي البداية كان يظنّ أغلب الجزائريين أنّ "كوفيد 19" لن يصل إليهم، وذلك لضعف بيان انتشاره وإظهاره مقتصراً على الصين".

اقرأ أيضاً: الحب في زمن كورونا: خطوبة آية وباسم "أونلاين"

ويشير بن ديدة، في حديثه لـ "حفريات"، إلى ما يطبع تعاطي الجزائريين مع الكورونا، من "لامبالاة بالعزل الصحي وقراراته الصارمة والدرجات القصوى للتوعية"، وبروز حالات من قلة وعي المواطنين وعدم شعورهم بالمسؤولية لحد الساعة في أغلب جهات الوطن، على وقع مستويات متدنّية من التعامل مع خطر الوباء بأساليب السخرية والتقليل من حجم خطره حتى لدى الكثير من المثقفين المحسوبين على مستوى الوعي الجمعي".

تحوّل الوباء إلى ناقوس خطر اجتماعي كشف عن جشعي النفوس من التجار

ويلفت بن ديدة إلى أنّ "هنالك من بات يصدّق إشاعات خطيرة تعمل على نشر الوباء بشكل أو بآخر، مثل أنّ هذا "ليس فيروساً بيولوجياً بل هو غاز كيميائي"، وهنالك من بات يتهم السلطات بأنّها تخفي معلومات على المواطنين، في المقابل، ربطه آخرون بـ "سياسة تفكيك الحراك"، بينما يعلق فريق رابع الأمل على دواء الفلكي الجزائري لوط بوناطيرو، الذي خلق نوعاً من الوسواس، وفي مقابل ذلك ضجة إعلامية واستهتار ساخر".

بن ديدة: أغلب الجزائريين كان يظنّون أنّ كورونا لن يصلهم لضعف التوعية وإظهاره مقتصراً على الصين

ويرى بن ديدة أنّ: "بوناطيرو ساهم في خوارزمية الاضطراب الجمعي الجزائري في التعامل مع الكورونا؛ لأنّه في النهاية صنع صدمة نفسية واجتماعية لدى المواطن الذي كان ينتظر بحماسة فائقة نجاح "دوائه"، وغير ذلك من مستويات تعليب الوعي في فضاءات ضيقة مضادة للتفتح على المعلومات الصحيحة التي من المفترض أنّها توفر لنا عملية التعامل مع فيروس كورونا على أنّه وباء عالمي وصل إلى درجة الخطر ولا يجب الاستهانة به أو تجاهله".

وبالتزامن مع إصدار الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، الإثنين الماضي، أمراً بفرض حجر صحي تام على مدينة البليدة التي تعدّ أكبر بؤرة للكورونا في البلاد، مع إقرار حظر محدود للتجوال، تحوّل الوباء إلى ناقوس خطر اجتماعي كشف عن جشعي النفوس من التجار والمستهلكين في مغالاتهم وتخزينهم المَرَضي للغذاء والدواء، مدفوعين بهوس جماعي بشكل مفرط كما لو كانت الحرب دقت طبولها ولا يمكن الخروج منها أبداً.

فرض حجر صحي تام على مدينة البليدة التي تعدّ أكبر بؤرة للكورونا في البلاد

مخاطر اجتماعية
الخطر الأكبر، في منظور بن ديدة، يكمن في "سوء التعامل النفسي والعقلاني مع الكورونا بالجزائر، بما قد يفرز وضعاً مريباً خاصة اجتماعياً من حيث الروح الأخوية والإنسانية بين الناس، كما يحدث الآن في النظرات السلبية تجاه المغتربين الجزائريين وسكان حاضرة البليدة، حيث يتم تقديمهم على أنّهم "صنّاع الوباء"".

استجاب العديد من الجزائريين لهبّة عارمة عبر حملة انتقلت إلى مرحلة التبرّع والتكافل

ووفق خبراء، تعجّ منصة التواصل الاجتماعي (فيسبوك) في الجزائر بنشر معطيات مكذوبة، وخوض الناس في أمور طبية وكيميائية بمعلومات مغلوطة كنُدرة وسائل التعقيم والقيام بخلطات غريبة قد تكون أكثر خطراً على صحة المواطنين، إضافة إلى التشبث بموضوع "مؤامرة الكورونا"، بما زجّ بالجزائريين في موجات هلع وتشتيت لمفاهيمهم الوقائية، وتحويلها إلى انكسارات نفسية تورث الكآبة بكل أنواعها.

ويبقى أنّ القادم كفيل بإبراز ما إذا كان وعي الجزائريين قادراً على التعامل الإيجابي اجتماعياً ونفسياً وفكرياً مع الكورونا.

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
وعلى نقيض ما سلكه البعض، فضّل فريق من الجزائريين الانتصار لهبّة عارمة لهزم وباء الكورونا في حملة انتقلت إلى مرحلة التبرّع والتعاضد، على نحو كرّس انتشار المظاهر الإيجابية، حيث انبرت عدة مجموعات شبابية ونوادٍ رياضية وتنظيمات في حملات حيوية تتمدّد على طول محافظات الجزائر.
يقول حسن علي صدوق الذي يدير خلية دائمة بضاحية بابا حسن (20 كيلومتراً غربي العاصمة الجزائرية) لـ"حفريات": "إنّ الخير يتمدد ويتقوى، ويمنح طاقة استثنائية للجزائريين رغم الزحف المقلق للوباء الفتّاك".

اقرأ أيضاً: الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا
وفي هذا السياق، شهدت مختلف المدن الجزائرية، تنافساً على خفض أسعار السلع الواسعة الاستهلاك وتنظيف الميادين والشوارع وسائر المرافق العامة، بينما جادت قوافل الخير بكميات ضخمة من المواد الغذائية وأدوات التعقيم، فضلاً عن الكمامات والقفازات.

ووضع الناديان الرياضيان العريقان؛ شبيبة القبائل وشباب بلوزداد، منشآتهما تحت تصرف فِرَق الحَجْر الصحي، كما تبرعت طواقمهما بربع الرواتب لصالح جهود الإغاثة، وعلى المنوال ذاته، أسهم العديد من رجال الأعمال بوضع إمكانات معتبرة خدمة للصالح العام لتجاوز هذه المرحلة.

اقرأ أيضاً: هكذا تواجه غزة المحاصرة فيروس كورونا

هذا أعاد إلى الأذهان صوراً مشرقة رسمها الجزائريون في أزمات سابقة على غرار ما حصل من لحمة وعطاء في أعقاب زلزال العاشر من تشرين الثاني (نوفمبر) 2001 وزلزال 21 أيار (مايو) 2003 وغيرهما. 
جادت قوافل الخير بكميات ضخمة من المواد الغذائية وأدوات التعقيم

عودة الوعي
ينوّه السوسيولوجي حسين شرفاوي لـ"حفريات" إلى أنّ أزمة الكورونا شحذت الهمم، بما جعل آفات الهمز واللمز والتنمرّ تضمحل لصالح فضائل الأخوة والمحبة والتعاون، "بالوعي سنقهر الكورونا، سلاحنا هي المبادرات الخيرية والإنسانية المتنامية في هذا الظرف الصعب والاستثنائي".

شهدت مختلف المدن الجزائرية تنافساً على خفض أسعار السلع الواسعة الاستهلاك وتنظيف الميادين والشوارع والمرافق العامة

وشهدت منطقة مشرية الغربية، قيام رجل أعمال بوضع فندق تحت تصرف البلدية لاستعماله في الحجر الصحي، بينما كانت مناطق برج بوعريريج وخنشلة والبيّض على موعد مع حملة موسّعة لمساعدة العائلات الفقيرة التي تعيش على مداخيل يومية هزيلة وأتى الحجر المنزلي ليكبّلها.
واستطلعت "حفريات" آراء بعض الناشطين في المبادرات التطوعية؛ يحيى الناشط في جمعية حراء يقول: "فترة البقاء في المنزل والإغلاق التام لا يتضرّر منها كل من الموظفين والتجار، لكن هناك فئات هشة أخرى سيطالها الضرر، لذا ننتبه لهؤلاء في الأحياء والقرى والمناطق المعزولة، ونجعل ذلك انتصاراً لأنفسنا وأبناء وطننا، انتصاراً على الكورونا".

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا: خمسة أسباب لتشعر بالتفاؤل رغم تفشي الوباء

من جهتها، تجزم الناشطة "أميرة" أنّ "الظرف الحالي ليس للفلسفة والتنظير بل للوقاية والتدبير والعمل" وأنّ إنتاج أفق مشرق يفرض تكثيف نسق الخير؛ "في زمن الجائحة المستجدة التي تلتهم الأب والأم والشقيقة والأخ والصديق والحبيب، على هذه الأرض ما يستحق المحبة".
ويضيف العم الجيلالي: "الكورونا التي أهلكت الحرث والنسل، وزرعت الرعب في كل بيت، لم يعد ينفع معها ( لو) ولا (ليت)، بل تقديم كل المساعدات اللازمة تضامنا مع إخواننا وأخواتنا، في هذه المحنة العصيبة، ليس منّة منّا بل هو الواجب الذي يفرضه علينا الراهن الخطير".

اقرأ أيضاً: هل ينجو النظام الإيراني من صدمة فيروس كورونا؟

وفي هذا السياق، بادر طلّاب كليتي الصيدلة والبيولوجيا في جامعة تيزي وزو (110 كيلومترات شرق الجزائر)، بإنتاج مطهرّ كحولي داخل مخابر الجامعة وتوزيعها مجاناً، كما قام آخرون بصناعة واقيات.

أزمة الكورونا شحذت الهمم

شهادتان..
روى أحد الممرضين، طلب عدم ذكر اسمه، اللحظات الأخيرة في حياة امرأة قضت بالكورونا في مستشفى البليدة (50 كيلومتراً غربي العاصمة الجزائرية): "كانت علامات كوفيد 19 واضحة عليها، حيث ظلت تعاني من السعال الحاد والحمى، قبل أن يتطور الأمر إلى غثيان حاد وتقيؤ، ونوبات إسهال".

اقرأ أيضاً: هل ستقلب البشرية صفحة كورونا نحو مستقبل أفضل؟

وتابع المتحدث لـ "حفريات": "بعد أيام تضاعف معاناة المريضة من ضيق في التنفس، ما فرض نقلها على نحو عاجل إلى قاعة الإنعاش لمساعدتها على التنفس، لكن جسدها لم يكن محصّناً لمقاومة الفيروس القاتل، فأسلمت الروح بعد 40 دقيقة.. كانت أشبه بالغريقة التي لم تقوَ على توديع أحبائها".

وضع الناديان الرياضيان العريقان شبيبة القبائل وشباب بلوزداد منشآتهما تحت تصرف فِرَق الحَجْر الصحي

ويبدي الممرض أسفاً بالغاً "لما تعانيه مستشفيات بلاده من نقص في الطواقم والعتاد، وتأخر وصول التحاليل من معهد "باستور" المركزي"، مشيراً إلى "عدم الحصول الطواقم الطبية على موارد وضمانات كافية بوسعها تحصينهم ضدّ الفيروس الذي أودى بحياة طبيب وممرّض فضلاً عن غياب لافت لسيارات الإسعاف".

من جانبه، قال نجيب (46 عاماً) المصاب بفيروس كورونا والموجود رهن الحجر الصحي بمستشفى غرب العاصمة الجزائرية: "قمت بجولة سياحية إلى تركيا، وعدت مساء 27 شباط (فبراير) الماضي، وشعرت على الفور بارتفاع حاد في حرارة جسدي، مثلما عانيت من قشعريرة شديدة وسعال جاف، ما جعلني أتوجه رأساً إلى أقرب مشفى".

اقرأ أيضاً: هل قضى كورونا على ابتزاز أردوغان لأوروبا بورقة اللاجئين؟

وفي مكالمة هاتفية مع "حفريات"، قال نجيب إنّه أيقن أنّه تعرّض للعدوى في رحلته، كاشفاً: "حين علمت بأني مصاب، أغمي عليّ، وأقرّ أنّ ذلك ناجم عن التهويل الممارس في فيسبوك، لكني سرعان ما استرجعت معنوياتي بعد ما حظيت به مع باقي المرضى من طرف الطاقم الطبي الذي تعامل معنا بلطف بالغ".

ويرفض نجيب الذي تعافى، الفكرة المسوّقة محلياً ومفادها أنّ الإصابة بالكورونا تعني الموت المحتوم، ويؤكد: "كثيرون تماثلوا للشفاء، وعادوا إلى بيوتهم بشكل طبيعي، وهو أمر مشجّع، خلافاً للعدمية التي يحاول البعض بثّها في أوساط مواطنينا".

للمشاركة:

الحب في زمن كورونا: خطوبة آية وباسم "أونلاين"

2020-03-30

قبل موعد حفل إعلان الخطوبة ببضع ساعات؛ اتفق باسم وآية على تدشين شات جماعي على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، يجمعان داخله كلّ من يحبون، يجريان خلاله ما عجزا عن فعله على أرض الواقع، بعد فرض حظر التجوال في القاهرة، هرباً من تكرار شبح الأزمة الإيطالية، إنّها البسمة التي انتظرها الجميع طويلاً، مؤكّد لن يجبرهم فيروس لا يرى بالعين المجردة على تفويتها، لذلك قرّر المحرر الأدبي، باسم عبد الحليم، والصحفية آية إيهاب، عقد حفل خطبتهما "أونلاين"، دون مدعوين، فقط عشرة أفراد، الأب والأم والأخوات، من كلا الجانبين، وبثّ الحفل من خلال "Video Conference"، وتلقيا التهاني عن طريق دردشة فيسبوك، ولم ينسَ الحضور قبل بدأ الحفل المصغر في منزل آية، من تطهير جميع مستلزمات اليوم بالكحول، وإلزام أفراد العائلتين بغسيل الأيدي، المسألة ليست مجرد لفت انتباه، إنّه الخوف من المجهول يدقّ على باب المصريين، لكنّ رفض العزل الاجتماعي يدفعهم إلى ابتكار وسائل التواصل. 
تلقيا التهاني عن طريق دردشة فيسبوك

مصر في زمن الحظر
100 مليون نسمة في مصر يتلاشون فجأة فور أن تدق الساعة السابعة، يختفي المارة، وتسكن السيارات، ويهدأ الضجيج الذي يعرفه كلّ من زار القاهرة، عالم جديد يعيشه المصريون بعد فرض حظر التجوال هرباً من خطر كورونا، فيروس لا يرى بالعين المجردة أجبر الملايين حول العالم أن يختاروا البقاء في المنزل، وأصبحت الحياة الافتراضية هي البديل الوحيد، وبعد أعوام من سخرية البعض من سيطرة منصات التواصل الاجتماعي على عقول الشباب في مصر، أصبحت جميع العائلات فجأة تبحث كيف التعامل مع ذلك العالم، علماً بأنّ أكثر من نصف المصريين بالفعل يستخدمون الإنترنت، لكنّه كان في الأغلب للترفيه أو التسوق، الآن أصبح الوسيلة الوحيدة للعيش!

قرّر المحرر الأدبي باسم عبد الحليم، والصحفية آية إيهاب، عقد حفل خطبتهما "أونلاين" دون مدعوّين

أزمة كورونا لن تستمر، رغم ذلك تعجل الحبيبان عقد حفل الخطوبة سريعاً، ربما خوفاً من المجهول الذي يخشاه الجميع في القاهرة الآن، بعد ما حدث في الشارع الإيطالي تحديداً، مجهول لفت انتباه باسم وآية، كما أكدا في تصريح لموقع "حفريات": "تأجل إعلان الخطوبة أكثر من مرة لأسباب عائلية، ومع فرض حظر التجوال، وتوقع القادم، والظنّ بأنّ العزل الكامل قد يحدث أيضاً، كان قرار التعجيل بالخطوبة دون معازيم".
سخرية من الأب كانت بداية الفكرة: "إيه رأيك يا آية نعمل الخطوبة بالفيديو كونفرانس؟"، تشير آية إلى أنّها عبارة كانت بداية الخيط، لماذا لا تكون الخطوبة "أونلاين" بالفعل؟ يحضر فقط أفراد الأسرتين من الدرجة الأولى، ويتمّ بثّ الحفل لبقية الأهل والأصدقاء من خلال منصات التواصل الاجتماعي.
100 مليون نسمة في مصر يتلاشون فجأة فور أن تدق الساعة السابعة

الحياة "أونلاين"
الحياة "أونلاين" ليست غريبة على آية إيهاب، فهي تمارس مهنة الصحافة بشكل حرّ عن طريق التعامل مع الصحف العربية والمصرية من خلال العمل في المنزل، وإرسال الموضوعات عن طريق الإيميل، تخلت آية عن مسألة التقيد بالحضور والانصراف، وضرورة تسجيل الموظف اسمه في دفتر معين، كما كانت المسألة في الأزمنة السابقة، غير أنّ ما كان يجهله الآباء في مصر أنّها أصبحت بالفعل أزمنة سابقة، بيد أنّ ما كان بعيد المنال أصبح حقيقة الآن، رغم تخوفات سابقة، مما أطلق عليه باحثون في بداية انتشار استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بين الشباب "إدمان الإنترنت"، ووهم العوالم الافتراضية، لكنّها تخوفات سقطت سريعاً أمام الضرورة: "هاتفتني صديقاتي المقربات، بكين في الهاتف، كيف يعجزن عن حضور حفل خطبتي، وبكيت معهنّ، فكان قرار الخطوبة "أونلاين" هو الحلّ".

هل يظلّ المجتمع المصري أولاً، والعالم أجمع، بعد كورونا، هو ذاته العالم الذي كنا نعرفه قبل أسابيع قريبة؟

مسألة قد يراها البعض في الظروف العادية غير ذات أهمية؛ لماذا يبكين من عدم حضور خطبة صديقة مقربة، لكنّها بالفعل ظروف غير عادية، من يكسر حظر التجوال في القاهرة يعرّض نفسه للحبس، الخروج للطعام أو للدواء، وفقط.
دشّنت آية دردشة جماعية على فيسبوك، تبادلت صور التجهيزات مع الأصدقاء والصديقات، بدأت في إرسال صورتها وهي ترتدي فستان الخطوبة، تلقت التهاني والتبريكات، تعامل الجميع مع غرابة الموقف بابتسامة، يكتب أحد الأصدقاء: "كلّ واحد في الجروب ياخد مسافة متر من اللي قدامه عشان العدوى"، يرد باسم عبد الحليم على ضيوفه "أونلاين": "الله يبارك فيكم يا جماعة، معلش مفيش حاجة نقدمها لكم، فكل واحد يروح على ثلاجة بيته ويتصرف"، ثم يتعجلهم صديق: "خلصوا والبسوا الدبل فيه حظر"، بالفعل لم يتجاهل الحبيبان مسألة الحظر، فحفل الخطوبة "أونلاين" عقد في الثانية ظهراً، واستمر حتى الرابعة، يجب أن يكون الجميع في منازلهم قبل السابعة مساءً.

تغيّر العقل المصري
ما فعلته آية وباسم يفعله الجميع في مصر الآن؛ أطلقت وزارة الثقافة المصرية قناة على موقع يوتيوب لبثّ حفلات دار الأوبرا المصرية "أونلاين"، وقدم عازف البيانو المشهور، عمر خيرت، حفله الأخير "أونلاين"، وناقش أدباء مصريون رواياتهم الصادرة حديثاً من خلال بثّ مباشر خلال موقع فيسبوك، أو تطبيقات للتواصل، تطبيقات استعانت بها نوادي الكتاب في مصر، بعد رفضهم لتعطيل لقاءاتهم الشهرية، فكان التواصل خلال تطبيق إلكتروني هو الحل، غير أنّ السؤال الذي بات ملحاً، بعد إدراك الجميع في مصر والعالم الآن لحقيقة أنّ التكنولوجيا قدمت بالفعل بديلاً للتواصل، وأنّ المسألة ليست مجرد شباب يعيشون وهم الحياة الافتراضية، هل ستعود الحياة كما كانت بعد زوال خطر كورونا، أم إنّ "السوشيال ميديا" وجدت أخيراً فرصة حقيقية لإثبات أحقيتها في التواجد الفعلي، لا الافتراضي؟

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
بحسب تقرير "we are social" لأبحاث الإنترنت، وصل عدد مستخدمي منصات السوشيال ميديا في مصر  إلى 40 مليون مستخدم، يمثلون 40% من إجمالي عدد السكان، البالغ 100 مليون نسمة، ويصل عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي عبر الهاتف الذكي 38 مليون مستخدم، ما يعادل 38%.
التقرير أكّد أنّ كلّ مصريّ يقضي ما يقرب من 3 ساعات و4 دقائق يومياً على المنصات والتطبيقات المختلفة، ويستخدم 35% وسائل التواصل أثناء العمل، ويستخدم موقع الفيسبوك 39 مليوناً بواقع 36% من الإناث، و64% من الذكور، و11 مليون متابع لموقع إنستغرام؛ منهم 58% من الذكور، و42% من الإناث. وفي مصر أيضاً وصل حجم المعاملات الإلكترونية إلى ٢ مليار دولار في ٢٠١٩، بحسب تقرير لجنة الاتصالات بمجلس النواب، أرقام تستدعي التوقف أمامها، فهي معدلات استخدام المصريين لتلك المنصات قبل شبح الكورونا؛ فهل يظلّ المجتمع المصري أولاً، والعالم أجمع، بعد كورونا، هو ذاته العالم الذي كنا نعرفه قبل أسابيع قريبة؟!

للمشاركة:



تحالف دعم الشرعية يعلن حملة عسكرية نوعية ضدّ الحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

شنّت مقاتلات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اليوم، عدة غارات على مقار عسكرية تابعة لميليشيات الحوثي في العاصمة صنعاء.

وأعلن التحالف بدء عملية عسكرية نوعية لتدمير أهداف عسكرية مشروعة تتبع للميليشيا الحوثية الإرهابية، وفق ما نقلت وكالات أنباء عالمية.

كما أوضح أنّ العملية تهدف إلى تحييد وتدمير التهديد الباليستي والقدرات النوعية بين أيدي الميليشيات، والتي تهدّد حياة المدنيين.

وأكّد التحالف، في بيان له، استمراره باتخاذ الإجراءات والوسائل الحازمة والصارمة ضدّ انتهاكات الميليشيات المتعمدة باستهداف المدنيين، وشدّد على اتخاذ كافة الإجراءات الوقائية لحماية المدنيين من أي أضرار جانبية.

التحالف أعلن أنّ العملية تهدف إلى تحييد وتدمير التهديد الباليستي والقدرات النوعية لميليشيات الحوثي

يأتي هذا الإجراء بعد أن أطلقت ميليشيات الحوثي صواريخ باليستية، الأول من أمس، باتجاه الرياض وجازان.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت صاروخين بالستيين، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية من صنعاء وصعدة،)، باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بالمملكة.

وأوضح أنّ الصاروخين البالستيين تمّ إطلاقهما باتجاه مدينة الرياض ومدينة جازان، ولا توجد خسائر بالأرواح حتى إصدار هذا البيان، وقد تسبب اعتراض الصاروخين بسقوط بعض الشظايا نتيجة عملية التدمير للصاروخين على بعض الأحياء السكنية بمدينة الرياض ومدينة جازان.

كما بيّن أنّ إطلاق الصواريخ البالستية من قبل الميليشيا الحوثية الإرهابية والحرس الثوري الإيراني في هذا التوقيت يعبّر عن التهديد الحقيقي لهذه الميليشيا الإرهابية والنظام الإيراني الداعم لها؛ حيث إنّ هذا الاعتداء الهمجي لا يستهدف المملكة العربية السعودية ومواطنيها والمقيمين على أراضيها؛ بل يستهدف وحدة العالم وتضامنه، خاصة في هذه الظروف الصعبة والعصيبة والتي يتوحّد فيها العالم أجمع لمحاربة تفشي الوباء العالمي كورونا.

 

للمشاركة:

مساهمة سخية من منصور بن زايد آل نهيان لمواجهة كورونا في بريطانيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

قرر نادي "مانشستر سيتي" بطل الدوري الإنجليزي الممتاز في الموسمين الماضيين، وضع أجزاء من ملعب "الاتحاد" في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا، في إطار مكافحة تفشي فيروس كورونا المستجد، بحسب تقارير صحفية.

 

وسيضع النادي الإنجليزي، الذي يملكه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، القاعات المخصصة لكبار الشخصيات في مدرجات إستاد الاتحاد، إضافة الى صالات المؤتمرات فيه، في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية "لمساعدتها في تدريب الأطباء والممرضين خلال الأزمة"، وفق ما أوردت "سكاي نيوز".

ومن المرجح أن تنتقل الهيئات الطبية إلى الملعب في الأيام القليلة المُقبلة.

نادي "مانشستر سيتي" يقرر وضع ملعب "الاتحاد" في تصرف هيئة الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا

ولم يعلق مان سيتي بشكل مباشر على هذه التقارير، لكنّه نشر، الأول من أمس، أشرطة مصورة لعدد من نجومه، يوجهون من خلالها رسائل دعم لهيئة الخدمات الصحية، المعروفة باسم "إن أتش أس"، ويحثون الناس على البقاء في منازلهم للمساهمة في مكافحة تفشي "كوفيد-19".

ومن هؤلاء اللاعبين: رحيم سترلينغ والبرتغالي، برناردو سيلفا، والفرنسي بنجامان مندي.

وسبق للعديد من اللاعبين والأندية في مختلف الدول إطلاق مبادرات مختلفة وجمع تبرعات لدعم مكافحة فيروس كورونا، في ظلّ توقف المنافسات الرياضية حول العالم بسبب "كوفيد-19".

وأعلنت السلطات الكروية الإنجليزية وقف المنافسات حتى 30 نيسان (أبريل)، على الأقل.

 

 

للمشاركة:

كورونا يجتاح تركيا وحكومة العدالة والتنمية تحاول التكتم..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

تجاوزت تركيا الدول الأوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، الأعلى في معدلات الإصابة بفيروس كورونا، من حيث سرعة الانتشار اليومي للإصابات، رغم مرور 18 يوماً فقط على إعلانها اكتشاف أول حالة إصابة بالفيروس.

ويشير التقرير المعد بحسب أعداد حالات الإصابة المؤكدة وتواريخ الكشف وحالات الوفاة؛ إلى أنّ اليوم الثامن عشر للوباء في تركيا سجل 1815 حالة إصابة مؤكدة في يوم واحد، ليصبح الإجمالي 9216 حالة إصابة، بينما إيطاليا، الأعلى في معدلات الوفيات حول العالم، وأكثر الدول الأوروبية من حيث عدد المصابين، فقد سجلت في اليوم الثامن عشر 1797 حالة في اليوم، ليصل إجمالي الحالات لديها آنذاك 9161 حالة؛ ما يعني أنّ معدل انتشار الفيروس في تركيا أسرع من إيطاليا.

تركيا تجاوزت الدول الأوروبية في معدلات الإصابة بفيروس كورونا، من حيث سرعة الانتشار

من جهة أخرى؛ شكّك نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، والي أغابابا، في أرقام الإصابات بفيروس كورونا واتهم حكومة حزب العدالة والتنمية بعدم الشفافية، حيث تحدث عن تضارب بين بيانات بوابة الحكومة الإلكترونية وبيانات وزارة الصحة.

وقال والي أغابابا، في سلسلة تغريدات على تويتر: "توفى 20 شخصا في إسطنبول، نتيجة الإصابة بفيروس كورونا، هذه الأسماء موجودة على موقع بوابة الحكومة الإلكترونية، بسبب الفيروس يموت 20 شخصاً في يوم واحد في مدينة واحدة، وفي نفس الوقت تعلن الحكومة أنّ إجمالي الوفيات في 81 مدينة في اليوم نفسه 16 حالة، هذه فضيحة".

في وقت لاحق؛ ذكر أغابابا أنّه "تمّ حظر الدخول إلى منظومة بيانات المتوفين"، قائلًا: "بعد التغريدة التي نشرتها مباشرة، تم حظر الدخول إلى منظومة معلومات المتوفين على بوابة الحكومة الإلكترونية. للأسف، لم تعد الشفافية التي أكدنا على ضرورتها منذ البداية موجودة، على وزارة الصحة أن تعلن فوراً البيانات الحقيقية للرأي العام".

أغابابا يتهم حكومة العدالة والتنمية بعدم الشفافية، ويؤكد أنّ هناك تضارباً في أعداد المصابين بكورونا

وسجلت تركيا حتى أمس 9 آلاف و217 إصابة، و131 وفاة بفيروس كورونا.

وبعد القفزة الكبيرة في الأرقام خلال الأسبوع الأخير، لجأت تركيا، أول من أمس، إلى عزل المدن عن بعضها، عبر وقف حركة القطارات بين مدنها وتقليل عدد رحلات الطيران الداخلية لمواجهة تفشي فيروس كورونا.

وكان رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، كمال كيليتشدار أوغلو، قد توقع في حال خروج الأمر عن السيطرة أنّ أعداد المصابين بفيروس كورونا قد تصل إلى مليون مصاب، وأن يسجل الاقتصاد التركي انكماشاً بقيمة 30 نقطة.

 

للمشاركة:



هل يمكن أن أصاب بفيروس كورونا مرتين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

بعض المرضى تعافوا من فيروس كوفيد- 19 وكانت كل نتائج الاختبارات التي أجريت لهم سلبية، ولكن في وقت لاحق تحولت نتيجة الاختبار إلى إيجابية. إن عدوى فيروس كورونا تشبه حالات البرد الشائعة والتي تؤدي عادة إلى خلق المناعة لدى المريض، فما الذي يختلف مع هذا الفيروس؟

يعد رجل في السبعينيات من العمر نموذجا مبكرا وصارخا على نوع من التعافي أزعج الأطباء. لقد وضع الشخص في العزل بمستشفى بالعاصمة اليابانية طوكيو في فبراير/ شباط الماضي بعد تشخيص إصابته بفيروس كورونا.

وبحسب هيئة الإذاعة اليابانية NHK فإنه تعافى وعاد إلى ممارسة حياته الطبيعية لدرجة أنه كان يستقل المواصلات العامة. ولكن بعد أيام قليلة مرض ثانية وأصيب بالحمى وعاد إلى المستشفى. وكانت المفاجأة بالنسبة له وللأطباء أن نتيجة تحليله للفيروس جاءت إيجابية ثانية. وهذا الرجل ليس الحالة الوحيدة من هذا النوع في اليابان، فقد حدث ذلك لآخرين ورغم أنهم أقلية، ولكن عددهم يلفت الأنظار، فلماذا يحدث ذلك؟

عودة الفيروس
يقول لويس إنجوانيس، أخصائي الفيروسات في المعهد الإسباني الوطني للتكنولوجيا الحيوية، لبي بي سي إن 14 في المئة من المرضى الذين تعافوا من كوفيد -19 أصيبوا به ثانية. وهو يعتقد أنهم لم يصابوا بالعدوى ثانية، ولكنها حالة "ارتجاع" للفيروس.

ويوضح إنجوانيس قائلا: "رؤيتي من بين رؤى أخرى محتملة، وعموماً فإن الإصابة بهذا الفيروس تخلق المناعة لدى الناس، ولكن رد فعل الجهاز المناعي ليس قويا جدا لدى البعض، فعندما يبطئ رد فعل جهاز المناعة فإن بقايا الفيروس الكامنة في الجسم تعود من جديد". الفيروس يعيش في الجسم وبعض الأنواع يمكنها أن تبقى في الجسم لثلاثة أشهر أو أكثر.

ويقول إنجوانيس: "عندما تتغير نتائج اختبار الفيروس لدى البعض من الإيجاب إلى السلب، فإن ذلك يفترض أنه طور مناعة ضد الفيروس، ولكن البعض منه يظل كامنا في الأنسجة التي لم تتعرض لدفاعات الجسم مثل الأعضاء الأخرى".

وهناك شيء آخر يثير اهتمام العلماء حول كوفيد-19 وهو: المدة القصيرة التي تفصل بين التعافي والتحليل الإيجابي للمريض ثانية.

حيرة العلماء
نعلم أن جهاز المناعة يعمل بشكل مختلف مع مختلف الأمراض. ففي حالة الحصبة يكفي لقاح واحد في الطفولة لمنح الشخص مناعة مدى الحياة. وهناك أمراض أخرى تحتاج إلى جرعات منتظمة مثل الأنفلونزا الشائعة التي يجب أن نأخذ لقاحها سنويا لأن الفيروس متغير.

محاولات للفهم
ولأن كوفيد-19 فيروس جديد فإن العلماء يحاولون فهم ما الذي يفسر قصرالمدة بين الإصابة بالعدوى الأولى والثانية. يقول إيزادورو مارتينيز، الباحث بمعهد كارلوس الثالث الصحي في مدريد، إنه رغم أن الإصابة بعدوى فيروس كورونا مجددا ممكنة، إلا أنه من الغريب أن ذلك يحدث بعد مدة قصيرة من التعافي.

ويضيف مارتينيز: "إذا لم تكن هناك مناعة دائمة، فإنه في الانتشار المقبل للوباء خلال عام أو اثنين، ستصاب مجددا بالعدوى، هذا أمر طبيعي".

وأوضح: "ولكنه أمر نادر الحدوث لشخص أن يصاب بالعدوى من نفس الفيروس عقب شفائه مباشرة منه. كذلك وبحسب معرفتنا، فإن فيروس كورونا هذا لا يتغير كثيرا كفيروس الأنفلونزا".

ارتفاع مؤقت
ويطرح مارتينيز تفسيرا مشابها لإنجوانيس. ويقول مارتينيز: "ربما ما يحدث أن أولئك الذين جاءت نتيجة تحاليلهم إيجابية مجددا لكوفيد-19 بعد التعافي يمرون بارتفاع مفاجئ ومؤقت في العدوى قبل أن تنتهي تماما". ولكن الباحثين يبديان الحذر فيؤكدان على الحاجة لمزيد من الدراسات لفهم كوفيد-19.

وقالت منظمة عموم الصحة الأمريكية PAHO لبي بي سي: "هذا الفيروس جديد ونتعلم عنه الجديد كل يوم"، لذلك ليس من المحتمل توفير شرح مؤكد لحالات الإصابة مجددا بالعدوى. ولكن العلم يحاول الحصول على إجابة لمساعدة الحكومات في تحديد ما هو الإجراء الصحي العام الذي عليها اتخاذه.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

هل يؤسس "كورونا" لتحالفات دولية جديدة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-03-30

مهدي شحادة

بعيداً عن نظرية "المؤامرة" التي يهوى البعض ترويجها للدلالة من ورائها أن هناك قوة دولية ما اعلنت حرباً جرثومية على اعدائها لأسباب اقتصادية ،

وبمنأى عن مصداقية الاتهامات الموجهة لبعض الدول  وتحميلها مسؤولية  ولادة هذا الفيروس الخطير ،والتي تشير وفق ادعاءات البعض، تارة الى الولايات المتحدة الأميركية ، وتارة أخرى الى الصين ،

وفي ظل عدم بروز أية وثائق  تثبت نظرية "المؤامرة"، فلنقنع انفسنا  مبدئياً بالتفسير العلمي الذي خرج الى العلن مع بداية  وقوع اصابات بالكورونا  في (وهان) ، والتي تقول ان  ما ابتلى به العالم اليوم كان نتيجة تفاعل جرثومي حيواني في الصين، وأنتقل الى الإنسان عبر وسيلة غذائية ، والعالم بأسره يعاني اليوم من هذا الوباء الجديد في نشأته وتداعياته على البشر، وعلى عالم البحث الطبي ، وعلى المشتغلين بقطاع الصحة العامة .

وهذا ما يؤدي بالتالي الى استخلاص ثلاث نتائج لا يمكن التغافل عنها :

النتيجة الأولى هي أن ما من دولة سواء كان نظامها ديكتاتورياً او ليبرالياً أمكن لها التستر على اضرار كورونا في ظل تطور وسائل الاتصالات والمواصلات ، وسرعة ما تنقله وسائط التواصل الاجتماعي العابرة للحدود ولأنظمة "الرقابة" ، والقادرة على خرق أي سرية .

والنتيجة الثانية هي أن  فيروس كورونا أثبت سرعة انتشاره مستفيداً من نظام العولمة  الذي حوّل الكرة الأرضية  الى "قرية كونية" بحيث سهّل  حرية انتقال الأشخاص ، وهذه الحرية سهّلت  بدورها انتشار كورونا من دون حاجته الى الحصول على إذن أو على تأشيرة ، بدليل حدوث الوباء في منطقة محددة من الصين ، وإنتقاله خلال ايام الى العالم اجمع . مما يعني ان الوباء انضم الى طائفة القوى والأدوات العابرة للقارات .

والمفارقة هنا هي ان العولمة بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية كانت تخدم انظمة رأسمالية دولية ، ويتم توظيفها لخدمة مآرب ومشاريع تصب  بشكل خاص في مصلحتها على حساب الفقراء من دول وشعوب ، ولكن مع فيروس كورونا انتفت أي فروقات طبقية  وسادت ما يمكن تسميته ب "اشتراكية المرض" بحيث لم يبق  الفقير كما الغني بمنأى عن هذا الوباء ، ولم تكن الأنظمة ومن يمثلها في هرمية السلطة  بعيدة عن مخاطره. وبذلك اصبح الوباء عابراً للطبقات الإجتماعية بكل متدرجاتها وتصنيفاتها.

والنتيجة الثالثة هي ان الممارسة البراغماتية الشائعة  نظرياً وعملياً  في العالم اليوم  وجدت لها حيزاً مهماً في كيفية تعامل الدول الكبرى مع تداعيات كورونا وما استدعى ذلك من توظيف مبادرات انسانية وطبية في خدمة غايات استراتيجية ذات ابعاد سياسية واقتصادية  ومالية .

فالمراكز البحثية تتسابق في ما بينها ، ليس لغاية حماية الروح البشرية، بل من اجل اكتشاف دواء أو لقاح يحقق لشركة ما العائدات الوفيرة، على أن تكون السباقة في احتكار سوق شفاء المصابين بعدوى كورونا .

وبعض القوى الدولية المقتدرة لجأت الى إقرار تقديم مساعدات "انسانية" لدول حليفة بالدرجة الأولى ، ولدول أخرى اقل اهمية بالنسبة لها بالدرجة الثانية .

ولهذا التصنيف خلفياته النفعية على المدى الطويل لأن منطلقاته وإن تكن "انسانية" ، إلا أن غاياته ستستثمر في مجالات لها علاقة بالمصالح المشتركة .

وحول هذه النقطة الأخيرة ، وفي خضم سيطرة "كورونا" على مفاصل الحياة بكل تفاصيلها في العالم أجمع، امكن رصد المساعدات التي تقدمها الصين المبتلية بالمرض ، الى دول عدة في العالم المتقدم او العالم النامي. كما امكن رصد ما تفعله ايضاً روسيا في هذا المضمار ، وبالإمكان ايضاً رصد المساعدات المتواضعة الصادرة من دول اوروبية .

وهنا تصبح السياسة البراغماتية مبررة إلى حدٍ ما من منطلق أن التأسيس لبناء منظومة مستقبلية من المصالح تم التسويق لها  آنياً بمبادرات ذات طابع انساني .

ولكن  السياسة البراغماتية التي لا يمكن تبريرها هي تلك التي تنتهجها الولايات المتحدة الأميركية اليوم في ظل الحرب الكونية على كورونا حيث لم تبادر حتى الأن إلى تقديم الدعم لأية جهة خارجية مفضلة الإنكفاء على نفسها  والأهتمام فقط بما يحصل داخل حدودها الجغرافية .

وهذه  السياسة البراغماتية ليست حديثة العهد على الممارسة الأميركية ، ولكنها ازدادت حدة مع وصول دونالد ترامب الى سدة الرئاسة والذي يتعامل مع العالم الأخر بعقلية "التاجر" المسكون بمسعى كيفية تحقيق المزيد من الربح من دون أي اعتبار للوسيلة، وشرط ان لا يقابل هذا الكسب أي التزام تجاه الأخر، لأنه – برأي ترامب وإدارته – من يملك عناصر القوة ويحتل مركز الصدارة  العالمية عسكرياً ومالياً واقتصادياً يحق له أن يفرض على الأخر ما يشاء من غير أن يُفرض عليه أي التزام .

وهنا ، وإزاء هذا الواقع الدولي ، يكون فيروس كورونا هو العامل المستجد الذي سيؤسس بعد القضاء عليه لمنظومات من العلاقات الدولية تختلف كثيراً عما هو سائد اليوم.

فالتعاطي في دوائر القرار الدولية اليوم ليس مع فيروس كورونا كوباء متفشٍ فقط ، بل ايضاً مع ما افرزه اقتصادياً ومالياً  حيث برزت بشكل واضح انعكاسات كورونا على البورصات العالمية ، وعلى شبكة المبادلات التجارية والمالية ، وعلى قطاعات الصناعة بمختلف اوجهها .

وهذا  الواقع ينبىء بإحتمال  بداية ولادة تحالفات جديدة قد لا تكون على قاعدة التبعية أو الولاء للأقوى ، كما هي الحال مع الولايات المتحدة ، كما قد لا تكون على شكل التكتلات  الأقليمية والدولية السائدة بدليل أن ايطاليا بات لديها الكثير من  الملاحظات على عضويتها في منظومة  الأتحاد الأوروبي، وبدليل أن كورونا اعاد إحياء رسم الحدود الجغرافية بين الدول الأوروبية حرصاً من كل دولة على مواطنيها فيما كان الظن ان هذه الحدود لم تعد موجودة إلا كخطوط على خارطة من ورق .

وقد يكون من العسير الأن رصد ملامح الخارطة المستقبلية  للتحالفات الدولية ، ولكن من المؤكد انها ستولد تباعاً لتؤسس لأنماط جديدة على المستويات الاقتصادية والسياسية .

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا تساعد الصين أوروبا في مواجهة وباء كورونا؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-03-30

ترجمة: مدني قصري


تُكثّف الحكومة الصينية لفتات التضامن الطبي تجاه أوروبا، التي أصبحت مركزاً لوباء كورونا بعد مدينة ووهان في مقاطعة هوبي الصينية، ويقع هذا الكرم الصيني في قلب عملية علاقات عامة واسعة النطاق، قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ والحزب الشيوعي، لتحويل الانتقادات ضد مسؤوليتهم في انتشار وباء مميت.

أرسلت الصين فريقاً طبياً من 9 أشخاص وحوالي 30 طناً من الإمدادات الطبية إلى إيطاليا

ليس مستبعداً أنّ هذا الموقف من قبل الصين كفاعل خير للبشرية، قد يعطي نتائج، طالما أنّ القادة الأوروبيين اعتادوا على عدم إزعاج الشريك التجاري الثاني للاتحاد، فهل يميل الجمهور الأوروبي، الذي يتحمّل وطأة المعاناة بسبب الوباء إلى تجاهل الأعمال السيئة للسلطات الصينية؟
في ما يبدو وكأنّه إذلال جيوسياسي، ضاعفت أورسولا فون دير لين، رئيسة المفوضية الأوروبية والمدير التنفيذي للاتحاد الأوروبي، الذي يفتخر بأنّه يمثل "أكبر اقتصاد في العالم"، الانحناءات أمام الهدايا الصغيرة من المعدات الطبية الصينية، إذ تقول؛ "تحدثتُ مع رئيس مجلس الدولة الصيني لي كه تشيانغ، الذي أعلن أنّ الصين ستزوّد أوروبا بمليوني قناع جراحي، و200 ألف قناع "N95"، و50 ألف اختبار فحص. في كانون الثاني (يناير)، تبرّع الاتحاد الأوروبي بخمسين طناً من المعدات إلى الصين، واليوم نشكر الصين على مساعدتها، من الجيد مساعدة بعضنا البعض عند الحاجة".

وقد تدخلت الصين عندما عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم مساعدة كبيرة لإيطاليا، ثالث اقتصاد في الاتحاد والتي تضرّرت بشدة من الفيروس، خاصة عندما حظرت ألمانيا، أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، جميع صادرات الأقنعة والقفازات وغيرها من معدات الحماية، لتجنّب الوقوع في حالة نقص.

اقرأ أيضاً: كيف يخوض الجزائريون معركتهم مع كورونا؟
وأرسلت الصين فريقاً طبياً من 9 أشخاص من الصليب الأحمر الصيني إلى إيطاليا وحوالي 30 طناً من الإمدادات الطبية في 12 آذار (مارس) الجاري، وقال رئيس الصليب الأحمر الإيطالي، فرانشيسكو روكا، إنّ الشحنة "كشفت قوة التضامن الدولي"، مضيفاً؛ "في هذه اللحظات من التوتر الشديد والصعوبة الشديدة، تُمثّل هذه الإمدادات مصدر ارتياح كبير لنا. ستكون هذه المساعدة ذات استخدام مؤقت فقط، ولكنّ هذا لا ينتقص شيئاً من أهميتها، الآن نحن بحاجة ماسة إلى الأقنعة، نحن بحاجة إلى أجهزة التنفس. لهذه التبرعات من الصليب الأحمر الصيني للحكومة الإيطالية أهمية لا تُقدّر لبلدنا".
كما أرسلت الصين في الأيام الأخيرة إمدادات طبية لكل من:
اليونان؛ في 21 آذار (مارس) الجاري وصلت طائرة تابعة لشركة إير تشاينا، تحمل 8 أطنان من المعدات الطبية، بما في ذلك 550 ألف قناع جراحي ومعدات حماية مختلفة مثل؛ النظارات والقفازات وأغطية الأحذية، إلى مطار أثينا الدولي، وذكر السفير الصيني لدى اليونان تشانغ تشيو مقولة للفيلسوف أرسطو؛ "من هو الصديق؟ إنّه روح واحدة تعيش في جسدين"، مضيفاً "الأصدقاء الحقيقيون يظهرون في الأوقات الصعبة"، وأنّ "الصين واليونان تقاتلان عن كثب ضد الفيروس التاجي". وخلص تشانغ تشي إلى أنّ هذا "يؤكد مرة أخرى العلاقات والصداقة الممتازة بين الشعبين".

عندما ظهرت الحالات الأولى للفيروس؛ لم يحشد الحزب الشيوعي الصيني موارده التي لا تُعدّ ولا تحصى إلا لإخفاء الحقيقة

صربيا؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، أرسلت الصين 6 أطباء وأجهزة تنفس صناعية وأقنعة جراحية إلى صربيا لمساعدة بلغراد على وقف انتشار فيروس كورونا، وقال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش "شكراً جزيلاً للرئيس شي جين بينغ والحزب الشيوعي الصيني والشعب الصيني"، كما قال السفير الصيني في بلجراد "تشن بو"؛ إنّ المساعدة دليل ساطع على "الصداقة الحديدية" بين البلدين، وذكرت وكالة الأنباء الصينية "شينغهوا" أنّ "الرئيس شي يُعلّق أهمية كبيرة على تطوير العلاقات الصينية الصربية، ويعتقد أنّ الصداقة طويلة الأمد بين الشعبين ستكتسب المزيد من العمق من خلال القتال المشترك ضد الوباء، كما يأمل الرئيس شي في تعميق الشراكة الإستراتيجية بين البلدين والوصول إلى آفاق جديدة".

إسبانيا؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، تبرّع مؤسس ورئيس شركة "Huawei" الصينية لإسبانيا بملايين الأقنعة، التي وصلت إلى مطار سرقسطة شمال شرق إسبانيا في 23 آذار (مارس) الجاري، وسيتم تخزين الأقنعة في مستودع لموزّع الملابس الإسباني "Zara"، الذي سيضع شبكته اللوجستية في خدمة الحكومة الإسبانية، ربما لن يتم عزل هذه الشحنة لأنّ عشرات الموردين الصينيين والمقاولين من شركة "Zara" أشاروا إلى أنّهم يتهيأون لإرسال معدات طبية إلى إسبانيا، وحذّرت الولايات المتحدة الأمريكية إسبانيا من المخاطر الكامنة من فتح شبكات اتصالات الجيل الخامس أمام مزودي تكنولوجيا الهاتف المحمول الصينيين، بما في ذلك هواوي.

تحاول الصين تمرير نفسها كمنقذ لأوروبا من أجل تحسين موقفها على المسرح العالمي وانتزاع القيادة العالمية من أمريكا

جمهورية التشيك؛ في 21 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة شحن أوكرانية محملة بـ 100 طن من الإمدادات الطبية من الصين، في مطار باردوبيس، وهي مدينة تقع على بعد 100 كيلومتر شرق براغ، وفي 20 آذار (مارس) الجاري، قامت طائرة صينية بتفريغ مليون قناع في جمهورية التشيك، ومن المتوقع أن يتم طلب 5 ملايين جهاز تنفس صناعي و30 مليون قناع و250 ألف بدلة واقية من الصين.
هولندا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، تبرّعت شركة "China Eastern Airlines" و"China Southern Airlines" و"Xiamen Airlines"، وجلهم شركاء "KLM Royal Dutch Airlines"، بـ 20 ألف قناع و50 ألف زوج من القفازات الطبية لصالح شركة KLM، وقد وصلت الشحنة إلى مطار أمستردام شيفول على متن رحلة طيران شيامن. وقال بيتر إلبيرز، الرئيس التنفيذي لشركة KLM؛ "تمرُّ بلادنا ومؤسستنا بأوقات صعبة للغاية، لذلك نحن سعداء جداً بهذا الدعم المقدم لـ KLM وهولندا. قبل أقل من شهرين تبرعت KLM للصين، والآن نتلقى منها مساعدة رائعة وبسخاء".

اقرأ أيضاً: الحب في زمن كورونا: خطوبة آية وباسم "أونلاين"
فرنسا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، أرسلت الصين إلى فرنسا، ثاني أقوى دولة في الاتحاد الأوروبي، مجموعة من الإمدادات الطبية؛ بما في ذلك الأقنعة الواقية والأقنعة الجراحية والبدلات الواقية والقفازات الطبية، وغرّدت السفارة الصينية في فرنسا قائلة؛ "متحدون، سننتصر!". وفي اليوم التالي، أرسلت الصين إلى فرنسا دفعة ثانية من الإمدادات الطبية، وقالت السفارة الصينية على تويتر "الشعب الصيني يقف إلى جانب الشعب الفرنسي، إنّ التضامن والتعاون سيسمحان لنا بالتغلّب على هذا الوباء".
بولندا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، وعدت الحكومة الصينية بإرسال عشرات الآلاف من المواد الواقية و10 آلاف مجموعة فحص فيروس كورونا إلى بولندا، وفي 13 آذار (مارس) الجاري، قامت السفارة الصينية في وارسو برعاية مؤتمر عبر الفيديو؛ تبادل خلاله خبراء من الصين وأوروبا الوسطى معارفهم حول مكافحة الفيروس التاجي، وشكر وزير الخارجية جاسيك تشابوتوفيتش الصين على دعمها في مكافحة الوباء، وشدّد على ضرورة مواصلة التعاون وتبادل الخبرات مع بكين.

 تدخلت الصين عندما عجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم مساعدة كبيرة لإيطاليا
بلجيكا؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة شحن صينية في مطار لييج وعلى متنها مليون ونصف المليون من الأقنعة التي سيتم توزيعها في بلجيكا وفرنسا وسلوفينيا، هذه المعدات الطبية هي هدية من "جاك ما"، مؤسس شركة علي بابا الصينية العملاقة للتجارة الإلكترونية المعروفة باسم "أمازون الصينية".
جمهورية التشيك؛ في 18 آذار (مارس) الجاري، هبطت طائرة في براغ وعلى متنها 150 ألف اختبار لفيروس كورونا، وقد دفعت وزارة الصحة حوالي 450 ألف يورو مقابل 100 ألف اختبار منهم، في حين تم دفع ثمن الـ 50 ألف الآخرين من قبل وزارة الداخلية، وتم تأمين وسائل النقل من قبل وزارة الدفاع.

اقرأ أيضاً: شوارع السعودية خالية بسبب كورونا: الترقب سيد المكان
إسبانيا؛ في 17 آذار (مارس) الجاري، قامت طائرة صينية بتفريغ 500 ألف قناع جراحي في مطار سرقسطة، وقال الرئيس الصيني شي جين بينغ لرئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز؛ "الشمس تشرق دائماً بعد المطر"، مضيفاً أنّ الصداقة بين الصين وإسبانيا ستخرج أقوى من الأزمة، وأنّ العلاقات الثنائية ستتألق بعد المعركة المشتركة ضد الفيروس، وقال شي إنّه بعد الوباء، يتعين على البلدين تكثيف التبادلات والتعاون في مجموعة واسعة من المجالات.
بلجيكا؛ في 16 آذار (مارس) الجاري، وصلت دفعات مختلفة من الإمدادات الطبية المُمولة من مؤسسة "جاك ما" ومؤسسة "علي بابا" إلى مطار لييج للمساعدة في منع فيروس كورونا في بلجيكا.
وقد أوضحت مجلة "Fortune" الدعاية الصينية على النحو التالي:
"بالنسبة للصين، تُعدّ اليد الممدودة إلى أوروبا جزءاً لا يتجزأ من مشروع بناء قيادة دولية تأتي مباشرة بعد سياسة الكتمان التي ساهمت في انتشار الفيروس بعيداً جداً عن الحدود الصينية، حيث سعت حكومة الرئيس شي جين بينغ لإسكات المنتقدين، بمن فيهم الصحفيين والمعلقين عبر الإنترنت، ونشرت أيضاً نظريات المؤامرة حول أصل الفيروس".

ستكون الصين هي التي تكتشف اللقاح الأكثر حيوية لمكافحة الفيروس، وتوزعه في جميع أنحاء العالم

وعلى الصعيد الجيوسياسي، تحاول الصين تمرير نفسها كمنقذ لأوروبا، من أجل تحسين موقفها على المسرح العالمي؛ فهي الآن في حالة تنافس مع إدارة ترامب، إذ تخوض الصين والولايات المتحدة معركة على جميع الجبهات لكسب نفوذ عالمي، وقد طردت بكين أكثر من 12 صحفياً أمريكياً هذا الأسبوع، مع سعيها لصرف الانتباه عن إدارتها للمرض.
وفي مقابلة مع صحيفة الغارديان البريطانية، قالت ناتاشا قسام، وهي دبلوماسية أسترالية سابقة؛ "نرى الآن مسؤولين صينيين ووسائل إعلام رسمية صينية يؤكدون أنّ الصين قد أعطت بقية العالم الوقت للاستعداد لهذا الوباء، لقد علِمنا أنّ آلة الدعاية الصينية كانت قادرة على إعادة كتابة التاريخ في الصين، لكنّنا نجد الآن أنّ إعادة الكتابة هذه تحدث أيضاً في الخارج، لقد تم بالفعل كتابة انتصار الصين على "Covid-19" وتحاول السلطات توصيل الرسالة إلى الخارج.
وفي مقال نشرته صحيفة "Libertad Digital" الإسبانية؛ شرح المُعلّق "Emilio Campmany " الموضوع بذكاء، قائلاً؛ لقد جنّدت الصين كل أجهزتها الدعائية الضخمة، إنّ إيطاليا، التي شعرت بحق أنّ الاتحاد الأوروبي قد تخلى عنها، ممتنة اليوم للمساعدة التي تقدمها لها دول آسيا، لقد ناقشت وسائل الإعلام الإيطالية هذه القضية بشكل مكثف وعلى نطاق واسع.

حقائق العملية الدعائية
تُخفي هذه العملية الدعائية حقائق ذات طبيعة مختلفة؛ فالحقيقة الأولى والأهم هي أنّ هذا الوباء له مُذنب، وأنّ هذا المُذنب هو النظام الصيني، ليس من قبيل نظرية المؤامرة قول ذلك، لقد ثبت أنّ أسواق الحيوانات الحيّة الصينية تُمثّل خطراً وبائياً، كما أنّ النظام الشيوعي للجمهورية الشعبية، الذي لا يمزح أبداً حول أي شيء ويسيطر على جميع جوانب الحياة الصينية، لم يتمكّن من إنهاء خطر هذه السوق. وعندما ظهرت الحالات الأولى؛ أنفق الحزب الشيوعي الفعّال على ما يبدو؛ وقتاً طويلاً للتفاعل مع الأزمة، ولم يحشد موارده التي لا تُعدّ ولا تحصى إلا لإخفاء الحقيقة، وعندما استحال عليه إخفاء الحقيقة، تدخّل بوحشية، وبهذا الثمن نجح في القضاء على الوباء، لكنّ إهماله تَسبّبَ بانتشار الفيروس في العالم كله.

اقرأ أيضاً: الإمارات تكافح فيروس كورونا في سوريا
الحقيقة الثانية هي أنّ الشيوعية ليست أفضل أداة ضد الفيروس، لقد حقّق الذكاء الرأسمالي نتائج أفضل بكثير في دول مثل كوريا الجنوبية، وقد أظهرت كوريا أفضل من الصين؛ كم يمكن لسياسة الفحص الضخمة أنّ تؤتي ثمارها، إنّها أفضل سياسة حتى الآن، ولا يمكن تصديق أنّ الإيطاليين والإسبان أنفقوا وقتاً طويلاً في فهم ذلك، هذه التأخيرات تُفسرها الدعاية الشيوعية أكثر مما يفسره كون أنّ هذه البلدان الأوروبية يحكمها أشخاص غير أكفاء.
ما الذي تستفيده الصين من الوباء؟
تعتزم الصين الاستفادة من هذه الكارثة لانتزاع القيادة العالمية من الولايات المتحدة؛ ستكون الدولة الشيوعية التي تصنع لنا الأدوية الأكثر حيوية لمكافحة الفيروس، وسوف تكتشف اللقاح قبل الجميع وتوزّعه في جميع أنحاء العالم في وقت قياسي، ثم ستشتري أصولنا وتستثمر في بلداننا لإنقاذ اقتصاداتنا، وفي نهاية القصة، ستقول الصين بصوت عال وواضح أنها مُخلصنا.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

https://fr.gatestoneinstitute.org/15791/coronaviru s-chine-propagande

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية