مكافحة الإرهاب في مصر: القانون وحده لا يكفي

مصر والإرهاب

مكافحة الإرهاب في مصر: القانون وحده لا يكفي

مشاهدة

22/03/2018

فتحت حادثة الروضة في نهايات عام 2017، بمدينة العريش شمال سيناء المصرية، ملف الإرهاب على مصراعيه، حيث كشف الإرهاب عن أقبح وجه له، لم يعد الأمر يقتصر على استهداف الأقباط، أو أفراد الجيش والشرطة، حتى امتدت للمسلمين في محرابهم، فقتل 305 مواطنين بينهم أطفال، ما يضعنا أمام تساؤل مهم: هل القانون علاجٌ شافٍ لسرطان الإرهاب؟

الإرهاب..الخروج من القوقعة

مثلت الثورة الإسلامية في إيران1979، شرياناً جديداً أمدّ تيار الإسلام السياسي في الوطن العربي بحياة دموية، على أعقابها انتهجت الجماعة الإسلامية في مصر العنف، حيث انطلقت أولى رصاصاتها إلى صدر الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات أثناء احتفالات السادس من أكتوبر، عام 1981.

العمليات الإرهابية في مصر تزايدت بشكل مستمر منذ إصدار قانون 2015، والمطعون في دستوريته من الأساس

هذه الحادثة أعطت الجماعات العنفية فرصة ذهبية للتوغل في المجتمع المصري، ليكونوا له درعاً واقياً من المعارضة المتمثلة في اليسار المصري آنذاك، لتتوالى أعمال العنف، لتشمل رجال الشرطة، فكانت حادثة أسيوط، عقب مقتل السادات بيومين، والتي لقي فيها 97 من رجال الشرطة مصرعهم، وأدّت لمقتل العديد من القيادات الأمنية، إلّا أنَ قوات الأمن نجحت في القبض عليهم، ومثلوا للمحاكمة، على رأسهم ناجح إبراهيم وعصام دربالة، ولم تتوقف أعمال العنف فطالت الأخضر واليابس وازدادت توحشاً، ففي التسعينيات تركزت أعمال العنف على السياح الأجانب، حيث اغتيل مجموعة من السياح الألمان، وصولاً لمذبحة الدير البحري في الأقصر، حتى الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك لم ينج من محاولة الاغتيال التي حدثت في أديس أبابا عام 1995، وقتل جميع أفراد الحرس الجمهوري المرافقين له، اتسعت عمليات القبض على أفراد الجماعة، والمتمركزين في الصعيد المصري، خاصةً في أسيوط، مسقط رأس "الجماعة الإسلامية"، وأعلن النظام السياسي وقتها بشراكة الولايات المتحدة الأمريكية، حرباً على الإرهاب، الذي توحش، وأصبح خطراً على الحضارة الإنسانية.

بتتبع سير نهج العمليات الإرهابية في مصر وحول العالم، نجد أنماطاً وإستراتيجيات تختلف عن إرهاب الثمانينيات والتسعينيات

جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمر، عام 2001، صفعة قوية للولايات المتحدة الأمريكية، حيث ضربها الإرهاب ضربة موجعة، ليعلن تنظيم القاعدة مسؤوليته عن العملية، فاندلعت الحرب على الإرهاب عسكرياً، ما جاء على أثره غزو العراق، ثم أفغانستان، لمواجهة التنظيم الذي لم تضعفه الضربات، بل زاد عنفه وتوحشه، وقد بدا ظاهرياً أنّ التحالفات الدولية والإقليمية في مواجهة الإرهاب قد نجحت نسبياً في الحد من تلك الظاهرة، وهو ما نفاه أستاذ القانون في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، الدكتور عمرو عبدالرحمن، لـ"حفريات"، إذ قال إنّ "الأنظمة السياسية العالمية تتسم بالغباء، فمنذ أعلن جورج بوش الابن، حربه على العراق ثم أفغانستان، وأوهم العالم أنه يحارب الإرهاب، فما كانت النتيجة، إلا تفريخاً أكثر دموية لظاهرة الإرهاب والعنف، وعلى الجانب الآخر، تُظهر تلك الجماعات نفسها كرد فعل على إرهاب السلطة السياسية، والإمبريالية العالمية، فهي بالمقام الأول حرب فكرية، لا يستطيع القانون والتشريع وحده القضاء عليها، حتى القوانين الأخيرة الخاصة بالإرهاب في مصر، مليئة بالعوار القانوني، والفجوات الدستورية، التي لن تقدم جديداً، الجديد الذي ستقدمه، مزيداً من أعمال العنف والدماء، كما أنّ التداخلات في العوامل التي فرّخت ظاهرة الإرهاب، يستعصي القانون وحده على القضاء عليه، فالعوامل النفسية والاجتماعية، ونتاجات الصراع الطبقي، والتنشئة، ونظام التعليم، والظرف الاقتصادي الذي تعيشه البلدان التي المنتجة للإرهابيين، يستحق الوقوف قليلاً على تلك الظاهرة، وتفكيك عواملها وعلاجها كمرض مجتمعي، وليس حرباً عسكرية جيش نظامي ضد مليشيات مسلحة".
ثلت الثورة الإسلامية في إيران1979، شرياناً جديداً أمدّ تيار الإسلام السياسي في الوطن العربي بحياة دموية

خطوة على طريق مكافحة الإرهاب
جاء قرار الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بتأسيس المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب، خطوة على الطريق في مسيرة القضاء على الإرهاب، المجلس الذي تأسس في  أغسطس (آب) 2017، بقرار من رئيس الجمهورية، يترأسه بنفسه، ويضم رئيس الوزراء وشيخ الأزهر، بابا الإسكندرية، وعدد من الوزراء، والمفكرين.
نص القرار على خمسة بنود، اختلفت في سياقاتها، وتطابقت في المغزى والهدف، وهو نسق جديد تنتهجه الدولة للقضاء على تلك الظاهرة، تضمن العمل الاجتماعي والتوعوي بمخاطر الإرهاب، وكذلك تعزيز سبل التواصل بين رجال الدين والمفكرين والمؤسسات التعليمية، التي تعمل على تقديم مناهج تحمي الصغار من تسلل الفكر المتطرف إلى عقولهم، وعلى الجانب الاقتصادي، جاءت المبادرات من الوزارات التنموية، بهدف تطوير الأطراف التي تعاني الفقر والتهميش، وتفرخ هؤلاء الإرهابيين، بإنشاء المصانع، وتوفير فرص العمل للحد من البطالة، التي تعتبر سبباً قوياً في لجوء الشباب إلى الفكر المتطرف، الذي يوفر لهم حاضنة مادية واجتماعية جيدة، بمعزل عن الدولة.

صدر قانون الإرهاب الأخير بمصر عام 2015 إلا أنّ أعمال العنف والإرهاب تزايدت في العام التالي

صدر قانون الإرهاب الأخير في مصر عام 2015، بعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين، إلا أنّه طبقاً لدراسة أعدها مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، فقد تزايدت أعمال العنف والإرهاب في العام التالي، فبعد أن بلغت 72 عملية في 2015، بلغت 104 في عام 2016، وهو ما أكد حتمية حدوثه المحامي والناشط الحقوقي عمرو محمد، الذي أوضح لـ"حفريات" بأنّ "العمليات الإرهابية في تزايد مستمر منذ إصدار قانون 2015، والمطعون في دستوريته من الأساس، وقدم العديد من المحامين التماسات إلى المحكمة الدستورية، تفيد بوجود شبهة دستورية خاصة بالقانون، حيث كانت الجرائم الإرهابية سابقاً تخضع لقانون العقوبات.
بيد أنّ الأمر أصبح مستقلاً بقانون خاص، ما أدى إلى انتهاك حقوق الإنسان في العديد من الحالات، وهي النتيجة الطبيعية، لإصدار قوانين غير منضبطة دستورياً، صدرت على عجالة، وأثبت فشلاً ذريعاً؛ حيث ابتكرت الجماعات الإرهابية تكنيكات جديدة، وغيّرت في إستراتجيتها لإلحاق الخسائر بالدولة، إلا أن الدولة ما تزال عاجزة عن تقديم حلول جذرية ومبتكرة، للقضاء على مثل تلك الظاهرة، والتي هي فكرية بالأساس، قبل أن تحمل السلاح".

الدولة ما تزال عاجزة عن تقديم حلول جذرية ومبتكرة، للقضاء على هذه الظاهرة

حرب الأيديولوجيا

في تصريحات للدكتور أحمد فتحي سرور، رئيس مجلس الشعب في عهد مبارك، أدلى بها عبر برنامج "صباح دريم"، قال إن "القانون وحده السد المنيع لمكافحة الإرهاب، وأنّ الإرهاب يجب أن تحاربه الأجهزة الأمنية، وتقضي فيه السلطة القضائية، بما لا يتنافى مع حقوق الإنسان التي أقرّتها المواثيق الدولية، وهو ما تحاول مصر فعله في الآونة الأخيرة".
ورد الدكتور عمرو عبدالرحمن أستاذ القانون بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، على تلك الأقوال بأنّ "القوانين في مثل تلك الحرب لا تكون إلا عملية تكميلية، لإيقاع العقاب على الجناة، لكن الحرب على الإرهاب في الأساس حرب أيديولوجيا، لم تنجح أمريكا في القضاء على القاعدة كما ظنتّ، ولو نجحت لما وجدنا داعش يُرعب العالم كله بالرؤس المقطوعة، وعمليات إرهابية عمّت بقاع الأرض، فالحل يكمن في القضاء على البؤر المنتجة لمثل هذا الفكر، الذي تصاعد منذ أواخر العشرينيات في القرن الماضي، عبر نشأة الجماعة الأم "الإخوان المسلمين"، التي أنتجت لنا كل تلك الجماعات".

لم يقتصر الأمر على استهداف الأقباط، فصار المسلمون هدفاً جديداً وما حدث في العراق وسوريا دليل على ذلك

بتتبع سير نهج العمليات الإرهابية في مصر وحول العالم، نجد أنماطاً وإستراتيجيات جديدة تقدمها الجماعات الإرهابية، فالإرهاب الحالي الذي يقع المجتمع تحت وطأته يختلف عن إرهاب الثمانينيات والتسعينيات، فالجماعات، صارت تستهدف الدولة وتكبدها خسائر فادحة، فالبنية التحتية من المؤسسات، أصبحت هدفاً معلناً لهم، فاستهدف رجال القضاء، والشرطة والجيش، والأماكن العامة من القطارات والمطاعم، والمساجد.
ولم يقتصر الأمر على استهداف الأقباط، فصار المسلمون هدفاً جديداً، ولعلّ ما حدث في العراق وسوريا، كان دليلاً على ذلك، سيطرت الدولة الإسلامية في العراق والشام المختصرة باسم (داعش)، على مناطق كاملة، وموارد البلاد، التي صارت مصدراً لجلب السلاح؛ بل اجتذبت مقاتلين من قلب أمريكا وأوروبا اللتين تزعمتا الحرب على الإرهاب في العالم، وصار الأمريكي والأوروبي مقاتلاً شرساً يرهب الناس ويروعهم؛ بل ويُجند آخرين ليصبحوا خلايا إرهابية نائمة داخل حصون أوروبا المنيعة.

 

الصفحة الرئيسية