ملامح إستراتيجية داعش الجديدة في أفغانستان

 ملامح إستراتيجية داعش الجديدة في أفغانستان
صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
10016
عدد القراءات

2019-04-22

تتعدد مسارات انشغالات الخبراء والمراقبين المعنيين بدراسة ملفات تنظيم داعش، بعد خساراته في معقليه؛ العراق وسوريا، وفقدانه لمركزيه في الموصل والرقة، على التوالي، ويبدو أنّ هذه الانشغالات تُعنى اليوم بدراسة مستقبل داعش، بالتركيز على مسارين؛ الأول: كيفية التعامل مع عناصر داعش، وعائلاتهم وأطفالهم، وتحديداً من يحملون جنسيات بلدان غير العراقية والسورية، بما في ذلك احتمالات إعادتهم إلى بلدانهم، ومحاكمتهم فيها، على غرار تسليم حوالي 150 عنصراً ممن ألقي القبض عليهم في البوكمال، شرق سوريا، إلى السلطات الأمنية العراقية، كونهم يحملون الجنسية العراقية.

إنّ التصعيد الذي تشهده المنطقة، على جبهتي إيران والهند، وفي أفغانستان وباكستان، يشكل بيئة مناسبة لإعادة إنتاج داعش

والمسار الثاني: دراسة الساحات المحتمل أن ينتقل إليها مركز الفعل "الجهادي" لداعش، واحتمالات أن تنتقل إلى سيناء المصرية، أو جنوب ليبيا ومالي، أو غرب إفريقيا ونيجيريا، أو القرن الإفريقي، أو المناطق التاريخية لانطلاقة القاعدة بين باكستان وأفغانستان؛ حيث تنشط في هذه المناطق المحتملة تنظيمات موالية لداعش وأخرى موالية للقاعدة، وجميعها توفر بيئات حاضنة، عنوانها دول يمكن تصنيفها، وفق القواميس السياسية، بين "فاشلة" أو "شبه فاشلة"، أو دول" هشّة"، غارقة في صراعات إثنية، دينية ومذهبية وقبلية وطائفية، قابلة لمزيد من الانقسامات، وتتداخل مع مظاهر فشل مزمن في تحقيق تنمية اقتصادية ومواجهة الفقر، إضافة إلى الفشل في تحقيق إصلاحات سياسية وديمقراطية، تأخذ بالحدود الدنيا مقاربات منظومات القيم الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: ما بعد الباغوز .. هل ثمة إستراتيجية جديدة لداعش؟

ورغم أنّ المناطق المذكورة في إفريقيا وآسيا، تعدّ مناطق مؤهلة ومحتملة لتكون مركزاً لقتال داعش، إلا أنّ مناطق الحدود الباكستانية الأفغانية، تبدو المناطق الأكثر احتمالاً لانتقال داعش إليها، فبالإضافة لاستمرار مظاهر الدولة الهشة في المنطقة، خاصة في أفغانستان، وتصاعد مظاهر الصراعات الإثنية والدينية والمذهبية، والأبعاد الدولية للصراع في المنطقة "المطامع الروسية بإطلالة على المنطقة، تنفيذاً لإستراتيجية مرتبطة بالأمن القومي الروسي، وارتباط الإرهاب فيها بالإرهاب الذي تشهده الجمهوريات الإسلامية السوفييتية السابقة، ومطامع الصين بتأمين طريق الحرير، وتوجهات الولايات المتحدة لضبط إيقاع الصراعات في المنطقة بما يحقق أهدافها"، إضافة إلى الصراع بين القوى الإقليمية الفاعلة؛ "إيران، الهند، باكستان"، إضافة إلى السعودية وتركيا "جميعها تجعل احتمالات أن تكون باكستان وأفغانستان الوجهة القادمة لداعش احتمالات واردة."
وتتردّد في المنطقة، بين كثير من الخبراء المختصين بالإرهاب هذه المقاربة، وفق تطورين، هما: تصاعد العمليات النوعية والمؤثرة التي بدأت بتنفيذها تنظيمات سنّيّة إيرانية ضدّ الحرس الثوري الإيراني، في مناطق جنوب شرق إيران "بلوشستان"، ومناطق "الأحواز" في جنوب غرب إيران، والتي تدور شكوك عميقة حول ارتباطات لتلك التنظيمات مع القاعدة وداعش، والثاني: التصعيد الذي تشهده الحدود الباكستانية الهندية على خلفية تنفيذ تنظيمات سنّيّة باكستانية في كشمير، عمليات ضدّ الجيش الهندي، وردود الفعل المتبادلة بين الهند وباكستان، بإسقاط متبادل لطائرات حربية من كلا الجانبين.

اقرأ أيضاً: بالأسماء.. أمريكا تعاقب ممولي داعش

إنّ التصعيد الذي تشهده المنطقة، وعلى جبهتي إيران والهند، وفي أفغانستان وباكستان، يشكل بيئة مناسبة لإعادة إنتاج داعش في المنطقة، والتي يرجح أن تبني إستراتيجيتها في المنطقة، وفق المحاور الآتية:

أولاً: وجود فرع للتنظيم في أفغانستان، تم تأسيسه في ولاية ننغرهار، على الحدود الباكستانية الأفغانية، من مجموعات منشقة عن حركة طالبان وتنظيم القاعدة، وحركة أوزباكستان الإسلامية، إضافة لمقاتلين من آسيا الوسطى والقوقاز والإيغور، يعرف  بتنظيم ولاية خراسان، الذي خاض معارك طاحنة خلال عامي 2015  و2016، مع حركة طالبان، ومع تنظيم القاعدة، ورغم الضربات المكثفة التي تعرض لها التنظيم، وفقدانه عدداً من قياداته، إلا أنه ما يزال فاعلاً في المنطقة حتى تاريخه، وقادراً على شنّ هجماته ضدّ الأهداف التي يقرر ضربها.

اقرأ أيضاً: "القاعدة" تتنامى إعلامياً على أنقاض "داعش"

ثانياً: إنّ الضربات التي وجهت إلى القاعدة من قبل الولايات المتحدة والتحالف الدولي، منذ عام 2001، والتي أسهمت في إضعاف التنظيم، بما فيها القضاء على عدد كبير من رموز القاعدة، من بينهم زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، وظهور داعش في العراق وسوريا، وعودتها إلى أفغانستان، ربما تشكّل حاضنة لكثيرين من قواعد داعش الذين فقدوا الأمل بقيادتهم، أو تقطّعت بهم السبل في أفغانستان وباكستان؛ لذا يتوقع أن تستجيب مجموعات وعناصر من القاعدة لدعوات داعش بالانضمام إلى التنظيم الجديد.

ثالثاً: رغم سياقات المصالحة في المشهد الأفغاني، وعنوانها الاعتراف بحركة طالبان من قبل أمريكا وروسيا، بإجراء مفاوضات معها، مباشرة وغير مباشرة، لترتيب أفغانستان الجديدة، إلا أنّ بعض أجنحة طالبان، غير الراضية عن تلك المفاوضات، ستكون حواضن محتملة لتقديم مظلة لداعش.

رابعاً: استقطاب ما يعرف بالمقاتلين القوقازيين، والذين ينتشرون في تنظيمات جهادية، في الجمهوريات الإسلامية التي كانت تتبع للاتحاد السوفيتي؛ "تركمنستان، قيرغستان، أوزباكستان، أذربيجان"، وتنبع خطورة الجهاديين من هذه المناطق من استعدادهم للانضمام إلى داعش والانخراط في صفوفها، والخبرات العالية لغالبية عناصرها وكوادرها والتي اكتسبوها خلال خدمتهم في الجيش الروسي، بما فيها العمليات الخاصة، والتوحش المفرط لدى كثير منهم، وتولّيهم مهمات التصفية الوحشية للخصوم.

رغم سياقات المصالحة في المشهد الأفغاني إلا أنّ بعض أجنحة الحركة الرافضة للمفاوضات ستكون حواضن محتملة لتقديم مظلة لداعش

خامساً: أكدت تقارير أمنية أمريكية على ارتباطات وثيقة بين القيادة الإيرانية مع قيادة القاعدة، بما فيها الاتفاق المبرم بين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، خامنئي، مع زعيم القاعدة، أسامة بن لادن، الذي تضمن توفير إيران ملاذاً آمناً لزعماء القاعدة الهاربين، عام 2001، إلى إيران، مقابل عدم تعرض القاعدة في العراق للمقامات الشيعية في العراق، وهو ما كان أحد الأسباب لانشقاق داعش في العراق، ورفض قياداته لهذا الاتفاق، والموقف من استهداف الشيعة، بوصفهم "الروافض"، وفق القاموس السنّي الشيعي.

سادساً: لطالما كانت هناك شكوى من قبل أوساط في الولايات المتحدة حول تهاون باكستاني من قبل بعض الأجهزة الأمنية، في مكافحة الإرهاب والتعاون مع القاعدة وحركة طالبان، ومع التصاعد الذي تشهده الحدود الباكستانية والهندية، ولكون الصراع الهندي الباكستاني يستند بالأساس لجذور دينية عميقة، فربما تجد داعش في تطورات هذا الصراع، أرضية لتنفيذ إستراتيجيتها لإعادة الانتشار في المنطقة.

اقرأ أيضاً: 3 إسبانيات يروين قصصهن من داخل تنظيم داعش

وفي الخلاصة؛ إنّ ما يشهده الإقليم من تصعيد؛ باكستان، أفغانستان، إيران، والهند، والصراع القائم فيه على أسس مذهبية ودينية، أو على أسس قومية، إضافة لتعقد الصراعات الدولية والإقليمية، تجعل منه بيئة مواتية لداعش، ليكون الإقليم بديلاً لساحتي العراق وسوريا، اللتين فقدهما.
من هنا؛ فإنّ تتّبع الإستراتيجية التي يمكن أن يتّبعها داعش، وعناصر تلك الإستراتيجية وأدواتها واتجاهاتها، يشكّل أهمية للجهات المعنية في المنطقة، لإعداد خطط المواجهة والتصدي لها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أي تأثير للكورونا على المثقفين؟

2020-04-02

رغم أنّ المثقفين هم الفئة الأكثر ريادة على صعيد التنبؤ والتحذير من قرب نهاية العالم، عبر ما لا يعد ولا يحصى من  الأعمال الأدبية، الواقعية والرمزية والخيالية، إلا أنّهم يكادون يجدون أنفسهم الآن على هامش ردود الأفعال تجاه (طاعون 2020) الذي يجتاح العالم على نحو سوريالي وفانتازي؛ إذ فيما يتصدّر مشهد التصدّي لوباء الكورونا الأطباء ثم العسكر ثم الاقتصادسياسيون، فإنّ سائر فئات المجتمع لاذت بمنازلها لأجل غير مسمّى، مدجّجة بالخوف من المجهول والموت جوعاً وتناقص القدرة على النوم جرّاء هذا السّيل المنهمر من الأخبار على مدار الثانية، والذي تتكفل بتدفقه وسائل التواصل الاجتماعي في المقام الأول.

بعض الكتب حول كورونا لم تساوِ ثمن الحبر الذي كُتبت به! وعلى رأسها "جائحة كوفيد19 تهزّ العالم" للفيلسوف سلافوي جيجاك

لا ريب في أنّ مثقفي المقاهي والمنتديات الثقافية هم الأكثر تضرّراً من بين المثقفين، جرّاء الاضطرار لملازمة المنازل، نظراً لأنّهم مثقفون شفويّون يمارسون حضورهم الثقافي عبر التلاقي اليومي والدائم. ومن المؤكد أنّ اضطرارهم لمواجهة ضرورة الكتابة وجهاً لوجه، سوف يمثل عبئاً قاسياً وكبيراً. كما أنّ غير قليل من المثقفين المؤدلجين الذين ظلّوا يرفضون الإقرار بأنّ الكورونا وباء حقيقي يتطلّب تغييراً جذرياً لنمط الحياة البشرية، سيجدون صعوبة كبيرة في التخلّي عن نظرية المؤامرة، والتوقف عن الزّعم بأنّ الصين قد أطلقت الفيروس لتدمير أمريكا والسيطرة على العالم أو العكس من ذلك .
وإذا كانت دور النشر- أسوة بالعديد من المؤسسات الاقتصادية – قد راحت تتكيّف واحدة تلو الأخرى مع الواقع  الكابوسي الجديد، وتدعو الكتّاب للانخراط في الكتابة عن تجاربهم في ظل الزائر المخيف، فإنّ العديد من المثقفين قد راحوا أيضاً يحاولون التكيف والمواكبة شكلاً ومضموناَ، سواء على صعيد التعويض عن التباعد الاجتماعي عبر البث الإلكتروني المشترك أو الفردي، أو على صعيد الانخراط اليومي وعلى مدار الساعة في مستجدّات الجائحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو على صعيد الإعلان عن الشروع في كتابة اليوميات والمسرحيات والروايات، رغم كل ما يستدعيه هذا الإعلان من تساؤلات عن مدى مصداقية هذه الكتابة إبداعياً، وعمّا إذا كانت ضرباً من لفت الانتباه أو تسجيل قصب السبق، مع أنّ جبل الجليد الكوروني لم يظهر منه حتى الآن سوى القمّة التي قد تخفي الكثير تحتها، ومع أنّ مئات (المواكبات) التي سجّلت إبّان اندلاع الربيع العربي قد طواها النسيان ولم تعْدُ كونها تقارير تدثرت بأسماء الرواية والقصة والمسرحية والقصيدة زوراً وبهتانا، ومع أن معظم الكتاب الراسخين في الكتابة يميلون إلى الاعتقاد بأنّ حدثاً كونياً مثل (الكورونا)، يتطلب صمتاً وتأملاً واقتداراً غير مسبوق، حتى يرتقي النص المكتوب إلى مستوى الحقبة الملحمية والأسطورية التي تعبرها البشرية الآن.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا: كيف سيتأثر شهر رمضان بهذه الجائحة؟
وأيّا كان الأمر، فإنّ ممّا قد يغفر لدور النشر العربية وللكتاب العرب، تسرّعهم في الإعلان عن الشروع في محاكاة الكورونا، مبادرة بعض المفكرين الغربيين المرموقين إلى (انتهاز الحدث) وإصدار كتب خلال بضعة أسابيع فقط. ولا حاجة بي للقول - نقلاً عمّن أثق بهم ممّن قرأوا هذه الكتب – إنّ هذه الكتب لم تساوِ ثمن الحبر الذي كُتبت به! وعلى رأسها  للأسف الشديد، كتاب (جائحة كوفيد19 تهزّ العالم) للفيلسوف الأشهر سلافوي جيجاك!

عبر مثقفون عن خوفهم من نفاد السجائر والقهوة وسارعوا للاستنجاد عبر صفحاتهم بكل من يستطيع أن يشفق عليهم ويوصلها لهم!

مع ضرورة التنويه بأنّ عدداً من المثقفين قد لاذوا بالصّمت وآثروا المراقبة والمتابعة عن بعد؛ لأنّ الجائحة أقسى وأبلغ من أن تختزل بكلام عابر، فإنّ عدداً آخر آثر الصدق مع نفسه ومع الآخرين، فلم يتردد في التعبير عن مشاعره البسيطة أو احتياجاته الآنية الملحّة؛ فأقرّ بعضهم بأنه يختبر الشعور بالعزلة للمرة الأولى واستفاض في توصيف ملامح هذه العزلة التي يُفترض أنّها أولى تجارب المثقف، كما أقرّ بعضهم الآخر باختبار الوحدة للمرة الأولى واستطرد في معايَنتها، رغم أنّها قرينة المثقف التي لا تفارقه، بل إنّ بعضهم أقرّ بأنّه يختبر تجربة الاحتجاز مع عائلته للمرة الأولى، وراح يتحدث عن زوجته وأبنائه بوصفهم كائنات طارئة عليه أن يُحسن التكيّف معها. وأما الأصدق على الإطلاق فأولئك الذين عبروا عن خوفهم الشديد من نفاد السجائر والقهوة من منازلهم، وسارعوا للاستنجاد عبر صفحاتهم، بكل من يستطيع أن يشفق عليهم ويوصل لهم قدراً من السجائر والقهوة، حتى يستعينوا بها على تأمل هذه التجربة الكونية غير المسبوقة في العصر الحديث، والتي قد تكون التجربة الأخيرة في تاريخ البشرية!   

اقرأ أيضاً: رأسمالية الكوارث: كيف نقرأ أزمة كورونا بالمقارنة مع كوليرا هاييتي 2010؟
ورغم أنّ وسائل التواصل الاجتماعي قد عزلت المثقف العربي تدريجياً، عن الواقع اليومي منذ أعوام، ورغم أنّ هذا المثقف لم ينفك طوال هذه الأعوام عن التغني بالعزلة والشكوى من عدم تمكنه من الاختلاء بنفسه، إلا أنّ ردود أفعال معظم المثقفين الذين وجدوا أنفسهم مرغمين على التمتع بما حلموا به طويلاً، لا تشي بتصالحهم مع ما تمنّوه، بل إنّها تؤكد أنّ فردوس "الملاذ المتخم بكل ما لذ وطاب" يدفعهم للقيام والتفكير بكثير من الأشياء، سوى القراءة والكتابة، دون كتبٍ أو أوراق أو أقلام؛ لأن أزرار الهواتف غدت النوافذ التي يقرأ ويكتب عبرها الجميع!

للمشاركة:

هل ستحكم أمريكا قبضتها على العالم بعد كورونا؟

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2020-04-01

يشهد العالم كلّه، خاصة الأوساط السياسية والاقتصادية، نقاشات محمومة حول تغيرات ستصيب النظام العالمي على خلفية انتشار وباء كورونا، وتحديداً الاقتصاد العالمي، وأنّ الأزمة الحقيقية ستطول وتُحدِث تغييرات في مواقع ومساهمات كل دولة في الاقتصاد العالمي؛ وخلاصتها تراجع موقع الاقتصاد الأمريكي وصعود اقتصاد الصين والهند والبرازيل وروسيا وبعض الدول الأوروبية، وأنّ تكتّل شرق آسيا بقيادة الصين سيقود العالم، ما يُفضي إلى نظام عالمي جديد يُنهي القطبية الواحدة التي مثلتها أمريكا منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991.

اقرأ أيضاً: أمريكا تتخذ إجراءات دفاعية في قواعدها بالعراق
وتذهب جدالات أخرى للقول بأنّ هذا الوباء مُقدمة لإثبات فشل النظام الرأسمالي والليبرالية المتوحشة لحساب النظام الاشتراكي العالمي؛ على خلفية مقارنات متسرعة بين تعامل دول تنتمي لكلا النظامين مع كورونا، لكن الحقيقة المؤكدة أنّ ما بعد كورنا لن يكون كما قبله، لكن ليس بالطريقة التي يتم تداولها والتي لا تخلو من انحيازات مسبقة وتقديرات إما مبالغ فيها أو متسرعة؛ فباستثناء الآثار الاقتصادية للأزمة التي انعكست على أسواق المال العالمية وهبوط أسعار النفط وتوقف الدورة الاقتصادية بين الدول والتكتلات الاقتصادية، وداخل كل دولة جراء توقف انسياب البضائع والسلع والخدمات كالسياحة وغيرها من قطاعات، فإنّ المزاعم بتغييرات عميقة قد تصل لتغيرات في الخرائط السياسية للدول تبدو توقعات متسرعة.

الانتشار السريع لفيروس كورونا واشتماله على كافة الدول الرأسمالية والاشتراكية يُفنّد مزاعم بداية النهاية للنظام الرأسمالي

إنّ الحديث عن كتلة شرقية تقابل نظاماً رأسمالياً متوحشاً يحتاج إلى مراجعة، فالحديث عن تراجع القطبية الواحدة بقيادة أمريكا مقابل صعود قوى أخرى كان قائماً قبل "كورونا"، وتحديداً في الهند والبرازيل إلى جانب الصين، وهي حقيقة. لكنّ الأهم في ثنايا هذه الحقيقة أنّ أمريكا بقيت هي القاسم المشترك فيما بينهم، علاوة على التنافس بين هذه القوى الصاعدة ما يحول دون تشكّل كتلة متجانسة موحدة ضد الولايات المتحدة، أمّا عن التأثير السلبي لكورونا على الاقتصاد العالمي فإنّه سيصيب كل القوى الكبرى بما فيها الصين والقوى الصاعدة، ويبدو أنّ الفرق سيكون بين قدرة كل دولة وتكتّل اقتصادي على التكيّف مع الأزمة القادمة، ووفقاً لتجارب تاريخية فإنّ الولايات المتحدة هي الأقدر على التكيّف لأسباب مرتبطة بطبيعة نظامها السياسي.

اقرأ أيضاً: كيف استطاعت الصين السيطرة على انتشار فيروس كورونا؟
إنّ الانتشار السريع لفيروس كورونا واشتماله على كافة الدول الرأسمالية والاشتراكية يُفند مزاعم أنّه بداية النهاية للنظام الرأسمالي؛ إذ إنّ الفروق بين الصين وإيران وتركيا، مثلاً، بالتعامل مع كورونا مقارنة مع أمريكا وإيطاليا وإسبانيا، تتركز بالإفصاح عن المعلومات الحقيقية؛ فالأرقام المُعلنة في الصين وإيران تدور حولها شكوك عميقة، فيما الرهانات على نظام إنساني عالمي أكثر أخلاقية تقوده روسيا والصين مقابل "لا إنسانية" أمريكا والغرب، موضع شكوك عميقة؛ إذ إنّ افتراض تلك الأخلاقية ستكون من تداعيات كورونا، فليست الصين ولا روسيا بوضع يؤهلهما لقيادة العالم أخلاقياً.
في الشرق الأوسط، هناك حالة من الانكشاف لكافة الدول بما فيها القوى الرئيسة في المنطقة "السعودية، مصر، إيران، تركيا"، ويبدو أنّ دولة وحيدة في المنطقة تمكّنت من توظيف تداعيات كورونا لصالحها وهي إسرائيل، التي نجحت في التوافق سريعاً على حكومة وحدة، ما كان لها أن تتم لولا كورونا.

طرحت أزمة كورونا تساؤلات حول جدوى منظومة الاتحاد الأوروبي بعد إحجام دول أوروبية عن تقديم المساعدة لإيطاليا وإسبانيا

ليس لدينا أي شكوك بعمق تأثير كورونا في تشكيل النظام العالمي الجديد، لكن لنلاحظ أنّ تداعيات الفيروس على النظام العالمي الجديد تتوافق مع مقاربات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، التي طرحها في حملاته الانتخابية وتلك التي نفّذها منذ تسلّمه إدارة البيت الأبيض، والمتمثلة في تعزيز مقاربة الدولة الوطنية والدولة العميقة، بكل ما يتبع ذلك من سياسات لاحقة، مقابل إضعاف دور المؤسسات الأممية والاتحادات الدولية؛ إذ غابت الأمم المتحدة بمؤسساتها ومنظماتها عن المساهمة الحقيقية في مواجهة كورونا، بالتزامن مع طرح تساؤلات حول جدوى منظومة الاتحاد الأوروبي بعد إحجام دول أوروبية عن تقديم المساعدة لإيطاليا وإسبانيا واليونان بمواجهة كورونا، حيث أصبح مقبولاً لدى شعوب هذه الدول اليوم اتخاذ الخطوة التي أقدمت عليها بريطانيا بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وهو ما يُشّجع عليه ترامب.

اقرأ أيضاً: انتشار فيروس كورونا كيف سيؤثر على تنظيم داعش الإرهابي؟
صفقات واتفاقات ثنائية ستقودها الولايات المتحدة مع كل دول العالم؛ مع الهند واليابان وكوريا الجنوبية شرقاً والبرازيل جنوباً، ومع دول أوروبية مثل بريطانيا، وعلاقات إستراتيجية مع دول النفط في الخليج وتركيا، تُمكّنها من إدارة الصراع الاقتصادي والعسكري مع الصين وروسيا، وتضمن احتفاظها بقيادة العالم وفق شراكات عنوانها القوة الاقتصادية والعسكرية لكل طرف، دون حروب طاحنة على غرار الحربين العالميتين الأولى والثانية.

للمشاركة:

كيف فشلت محاولات أسْلمة فيروس كورونا؟

صورة عبدالباسط سلامة هيكل
أستاذ علوم العربية وآدابها بجامعة الأزهر
2020-03-31

منذ ظهور فيروس كورونا في إحدى المقاطعات الصينية في كانون الثاني (يناير) 2020، وما تبعه من اجتياح لأنحاء العالم، والخطاب الديني لم يتوقف عن استنطاق الوباء بما يُريده من أفكار؛ فجعلوه الواعظ الذي طال انتظاره ليعظ الناس بالخير ويزجرهم عن الشرّ، حتّى أنّ أحدهم استعار عبارة النبي، صلى الله عليه وسلم، "دعوها فإنّها مأمورة"؛ في وصْفه لحركة الفيروس، وازدحمت مواقع التواصل الاجتماعي بمنشورات وعظيّة دينية في ظاهرها، مُخاصمة لإيمان العقل والقلب في جوهرها.

اقرأ أيضاً: إيران وكورونا… وسلطة رجل الدين
وهناك فرق كبير بين حقائق الوحي المُقدّس التي تُؤكد قوة الطبيعة وتحديّاتها التي لن تنتهي للبشرية، وقدرة الإنسان، هو الآخر، المُجتبى من الله تعالى على المواجهة؛ حيث من لا يُواجه يتلاشى، وبين تصورات بعض الوعاظ والدعاة التي تُعجّلُ إنتاج معانٍ قادرة على استرقاق قلوب العامة واستعطافها في مغالطات من قبيل أنّ الوباء عقوبة إلهية للصينيين خاصّة؛ انتقاماً لما فعلوه مع مسلمي الإيغور، فالقضية من منظورهم قضية دينية وليست سياسية عِرقية.

يحاول الخطاب الديني استنطاق الوباء بما يُريده من أفكار؛ فجعلوه الواعظ الذي طال انتظاره ليعظ الناس بالخير!

وقد أورد موقع "صوت السلف"، الموقع الرسمي للدعوة السلفية، سؤالاً يقول؛ "نسمع الآن مِن كثيرٍ مِن الناس أنّ ما يحصل في الصين من انتشار القتلى والضحايا بسبب فيروس كورونا هو عقوبة إلهية مِن الله تعالى بعد ما فعلته الصين في مسلمي الإيغور. فهل هذا كلام صحيح؟" فردّ الشيخ ياسر برهامى، نائب رئيس الدعوة السلفية، قائلاً؛ "أنواع الكفر والظلم والبغي، تستوجب أنواعاً مِن العذاب في الدنيا والآخرة، والأوبئة أصلاً عقوبة مِن الله تعالى".
وعقب تجاوز الفيروس حدود الصين؛ مضوا في توظيف أزمة كورونا توظيفاً وعظياً، فصوّروا الله تعالى بالمُنتقم لكن هذه المرة من المسلمين الذين يتبنون مواقف سياسية مختلفة عن مواقف الإسلامويين، انطلاقاً من ثنائيّاتهم الفكرية حول صراع الحق والباطل، والإسلام وأعداء الإسلام؛ فرأوا في الوباء الفرج الذي طال انتظاره وطاقة النور التي ستخرجهم من الظلمة، على حدّ قول أحدهم؛ "وما يعلمُ جنودَ ربِّكَ إلا هو: قد يتسللُ اليأسُ إلى قلوبِ بعضِ المستضعفين المقهورين، ويُزيِّنُ لهم الشيطانُ أنَّ ما وعدهم الله من النصر والتمكين باطلٌ وغرورٌ، فإذا بطاقة من النور ينشقُّ عنها رحمُ الظلام، وإذا الطغاةُ يبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ويأتي هذا الفرج من حيث لا يُرتَجَى، وعلى يد شيءٍ حقيرٍ لا يُؤبَهُ له، ولا يُبالى به؛ إمعاناً في تحقيرِ مَنْ تسوِّلُ لهم أنفسهم أنَّهم يملكونَ من الأمر شيئاً".

اقرأ أيضاً: التوظيف السياسي الدولي لأزمة كورونا
هكذا؛ تغمر حياتهم حالة متواصلة من المرارة والعداوة، وتشوب نظرتهم إلى الكون حالة من الخوف، وبدلاً من أن ينشغلوا بإفناء ذواتهم في حبّ الله تعالى ومجاهدة أنفسهم حتّى يكتشفوا الرّوح الإلهية داخلهم، يُحاربون من يختلف معهم، ويتوقعون دوماً أنّ الله سيتدخل نيابةً عنهم للثّأر من خصومهم السياسيين. فكلّ منا يرى الله وفق ما تعكسه مرآة نفسه؛ فالمتدين الغاضب سيرى الله غاضباً دوماً، والمتدين المتسامح سيراه الله البشير بكل ما يفوق الأحلام والآمال، الرحمن، الرحيم الذي لا حدود لرحمته، القيوم الحكيم الذي يقف إلى جانبنا بقيومته وحكمته لنُواجه المجاعات والفيضانات والأوبئة.

أسقط النبي صلى الله عليه وسلم، الذّهاب للمسجد بالمطر والبرد فكيف بجائحة فيروسية حصدت أرواح الآلاف؟

ومع الاجتياح العالمي لوباء كورونا، اتسعت دائرة الفكرة الانتقامية؛ فصوّروا الله تعالى بالمنتقم هذه المرّة من البشرية جميعها، متجاهلين أنّ هذه ليست المعركة الأولى بين الفيروسات والبشرية، التي انتصرت على فيروسات مثل الحصبة والجدري وشلل الأطفال وما زالت معركتها البحثية دائرة مع فيروسات أخرى مثل فيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز"، فمحاولات الخطاب الديني أسلمة فيروس كورونا دفعتْه لتفسير الظواهر الطبيعية على نحو أضرّ بتصوراتنا حول الله تعالى، فروّجوا لفكرة الله تعالى "المنتقم" من البشرية بالفيروسات، وكأنّ الله تعالى الغاضب في مقابل الإنسان المُنقذ مكتشف اللقاح، والله تعالى أعلى وأجلّ من تلك التصورات البدائية المغلوطة التي تضرّ ولن تنفع، إذ تجعل الله تعالى يُعاقب المستضعفين من كبار السنّ وذوي الأمراض المزمنة على ما اقترفه الأقوياء من بني الإنسان!

اقرأ أيضاً: الإخوان وكورونا: تديين للفيروس وجمع الزكاة لصالح الجماعة
ثم كانت صدمة إغلاق الحرمين الشريفين لتُطرح فكرة الخصوصية الغيبية التي تُحصّن الحرم المكي وماء زمزم من الأوبئة والفيروسات للاختبار، فواقع الأزمة والتاريخ كشفا بوضوح عدم صحة تلك الأفكار التي ظنّ النّاس أنّها جزء من المقدّس لشيوعها وكثرة ترديدها حتى أنّها كانت متعالية عن الإخضاع للتفكير قبل اجتياح فيروس "كورونا".
وكما وجد الإسلامويون في تعطيل العمرة وإغلاق الحرمين المقدسين فرصة لتأكيد معاني المؤامرة على الإسلام، رأوا في تعطيل صلاة الجماعة وإغلاق المساجد كأحد مراكز التجمعات في إطار الإجراءات الاحترازية لمنع انتشار الوباء؛ عقوبة إلهية أو مؤامرة كونية لتعطيل العبادة واصفين إياه بالتخريب المنهي عنه في قوله تعالى: "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا"، فهي مُحادّة الله تعالى، متجاهلين أنّ الأصل في الصّلاة أنّها تكليف فرديّ ليس مرتبطاً بالاجتماع، وأنّ تعليق الحكومات إنّما هو للاجتماع وليس للصلاة، وأنّ النبي، صلى الله عليه وسلم، أسقط الذّهاب للمسجد بالمطر والبرد فكيف بجائحة فيروسية حصدت أرواح الآلاف؟ فهؤلاء إن بحثوا في عقولهم سيجدون أنّهم حصروا الله تعالى في مكة المكرمة أو المدينة المنورة أو في المساجد، بينما الله تعالى في قلب كلّ عبد مؤمن، كما يقول في الحديث القدسي: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن".

لن يمنع التكبير الظاهرة الطبيعية وإنّما يمنع الانهزام النفسي والاستسلام الداخلي أمامها، وهذا لا يكون بمسيرات الشوارع

وفي محاولة لإيقاف انتشار الفيروس؛ كانت مسيرات التكبير، ظنّاً أنهم يتأسون بالنبي صلى الله عليه وسلم، في تصوّر مغلوط أشاعه الخطاب الديني عن اعتماد النبي صلى الله عليه وسلم على الهتاف بالتكبيرات في إطفاء الحريق وغيرها من الكوارث الطبيعية، وخفي عنهم طبيعة الفعل النبوي الذي إنْ حثّنا على التكبير فإنّما هي كلمات يهمْس بها المؤمن في نفسه، فليس التكبير مُوجّهاً إلى الوباء الذي يقف بالخارج، وإنما هو مُوجّه إلى الداخل/ النفس؛ لتستجمع قُوّتها الذّاتية فلا تشعر بالعجز أمام الظاهرة الكونية؛ فالتكبير لن يمنع الظاهرة الطبيعية وإنّما يمنع الانهزام النفسي والاستسلام الداخلي أمام الظاهرة، وهذا لا يكون بمسيرات الشوارع وإنّما في المناجاة الخاصة بين الإنسان وربّه.

للمشاركة:



كورونا يهدّد ثلث الشعب التركي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حذّر المدير العام لمؤسسة "KONDA" التركية للدراسات والأبحاث، بكير أغيردير، من أنّ فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، يهدّد عدداً كبيراً من المواطنين في تركيا.

أغيردير: التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة كورونا وحملة أردوغان لجمع التبرعات تفتقر للحسّ الجماعي

وأشار بكير أغيردير إلى أنّ الأطباء والعلماء يحذرون من أنّ الخطر الأكبر لفيروس كورونا يكون على كبار السنّ (أكبر من 65 عاماً)، أو المصابين بأمراض مزمنة، مشيراً إلى ثلث الشعب التركي إما من كبار السنّ أو مصاب بأمراض مزمنة.

أغيردير أوضح أنّ التدابير التي تتخذها الدولة لمواجهة فيروس كورونا وحملة التبرعات التي أعلن عنها رئيس الجمهورية أردوغان تفتقر للحس الجماعي، مؤكداً أنّ مسودة قانون العفو الجديد المقدمة من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية غير كافية؛ لأنّها لا تشمل المعتقلين السياسيين والصحفيين، على حدّ تعبيره.

وأعلن وزير الصحة، فخر الدين كوجا، أمس، أنّ إجمالي عدد الإصابات بفيروس كورونا داخل تركيا قد وصل إلى 15 ألفاً و679 حالة، وأنّها سجلت 277 حالة وفاة.

قانون العفو الجديد المقدّم من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لا يشمل السياسيين والصحفيين

وفي سياق متعلق بقانون العفو العام انتقد حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، حزمة الإصلاح القضائي الجديدة في تركيا، والتي تتضمن تعديلات على قانون العقوبات، ضمن مشروع قانون "العفو العام"، الذي تسعى حكومة حزب العدالة والتنمية لتمريره من البرلمان خلال جلسات الأسبوع المقبل.

وأكّد وكيل رئيس تكتل نواب حزب الشعب الجمهوري في البرلمان، أنجين ألتاي، أنّ التعديلات لا تقضي بالإفراج عن المعتقلين السياسيين.

وبعد انتظار طويل، قدَّم حزب العدالة والتنمية وبدعم من حليفه حزب الحركة القومية، قبل يومين إلى البرلمان اقتراحه الخاص بـ "قانون العفو"، والذي يتضمن تعديلات على مدد العقوبات والإفراج المشروط عن معتقلين.

للمشاركة:

وفاة نحو 3 آلاف إيراني بسبب كورونا.. ومسؤولون يكذّبون تصريحات روحاني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية؛ أنّ عدد ضحايا كورونا بلغ أكثر من 3 آلاف حالة وفاة، مؤكدة أنّ إيران لم تصل بعد إلى "مرحلة احتواء" تفشي الفيروس.

وأعلن كيانوش جهان بور، المتحدث باسم وزارة الصحة في إيران، أمس، عن الإحصاءات اليومية لتفشي كورونا في البلاد، قائلاً: "توفَّى 138 شخصاً بفيروس "كوفيد-19"، خلال الـ 24 ساعة الماضية، وبلغ العدد الإجمالي للوفيات 3036 شخصاً".

وزارة الصحة الإيرانية تعلن أنّ عدد ضحايا كورونا نحو 3 آلاف حالة وفاة و47593 إصابة

وقال جهان بور أيضاً: "من بعد ظهر أمس وحتى اليوم، وبناءً على معايير تشخيصية نهائية، تم تسجيل 2987 مصاباً جديداً بفيروس "ـكوفيد-19" في عموم إيران، ووصل العدد الإجمالي للمرضى الذين تم تأكيد إصابتهم بهذا بالمرض إلى 47593 شخصاً".

وبحسب ما قاله المتحدث باسم وزارة الصحة؛ فإنّ 3871 من المصابين بالفيروس في حالة حرجة، فيما تماثل للشفاء حتى الآن 15473 شخصاً وغادروا المستشفيات.

ووفق وثائق وزارة الصحة الإيرانية، التي حصلت عليها "إيران إنترناشيونال"، فقد جاءت نتائج أكثر من 104 آلاف اختبار كورونا إيجابية، في حين رفضت بعض المراكز الطبية والمستشفيات إجراء اختبارات كورونا لعدد من المشتبه في إصابتهم بالفيروس.

هذا وقد بعث 8 مديرين سابقين في القطاع الصحي وأعضاء هيئات علمية في جامعات العلوم الطبية في إيران، رسالة مفتوحة إلى الرئيس الإيراني، حسن روحاني، انتقدوا فيها وجود إحصاءات ومعلومات خاطئة في تصريحاته حول أزمة كورونا، مشيرين في رسالتهم إلى الإحصاءات الرسمية بهذا الخصوص.

ولفت الموقعون في رسالتهم، التي تم نشر نصّها أمس، إلى الوتيرة المتصاعدة للإحصاءات المتعلقة بالإصابات الجديدة بفيروس كورونا، خلال الأيام الثلاثة الماضية، بناء على تقارير اللجنة الوطنية لمواجهة الفيروس، منتقدين تصريحات روحاني حول "تحسن الأوضاع".

مسؤولون سابقون في قطاع الصحة الإيراني: روحاني يقدم معلومات خاطئة عن كورونا

وقارن الموقعون بين إحصاءات الوفيات بفيروس كورونا في إيران والصين، وأكدوا وجود "أفكار واستشارات خاطئة" لدى الحكومة.

وفي جزء من رسالتهم، أعرب هؤلاء الأساتذة والمسؤولون السابقون عن استيائهم إزاء "نصيحة وذمّ" الشعب من قبل النظام.

كما انتقدوا استمرار عمل البنوك والدوائر، وتجاهل الأوضاع المالية لدى العمال، خاصة عمال المياومة، والعمال الموسميين.

وطلب الموقعون من الرئيس الإيراني تقديم إيضاحات حول مبلغ الـ 200 مليون يورو الذي تمّ وضعه لهذا الأمر، ودعوه إلى أن يبين المبلغ المخصص لإنتاج الأدوية، والمبلغ المخصص للاستيراد.

للمشاركة:

في مناطق طالبان.. تفجير يقتل مدنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

لقي سبعة مدنيين، على الأقل، مصرعهم، وأصيب مدنيان آخران، أمس، في انفجار هزّ إقليم هلمند، جنوب أفغانستان.

وقال الناطق باسم حاكم الإقليم، عمر زواك، إنّ حافلة صغيرة انفجرت، بسبب قنبلة زرعت على جانب طريق بمنطقة جريشك بالإقليم، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الألمانية.

انفجار هزّ إقليم هلمند الذي تسيطر حركة طالبان على مناطق واسعة منه وقتل 7 مدنيين

وأضاف زواك؛ أنّ أرقام الضحايا هي حصيلة أولية، وربما ترتفع، وأكّد عضو مجلس الإقليم، عبد الماجد أخوند زاده، أيضاً، حصيلة القتلى.

يذكر أنّ مسلحي حركة طالبان يسيطرون على منطقة واسعة من الإقليم.

في غضون ذلك، قال مسؤول أمني كبير؛ إنّ الحكومة الأفغانية ستفرج عن 100 سجين من طالبان اليوم، مضيفاً: "في المقابل ستفرج طالبان عن 20 من أفراد الأمن الأفغان".

اقرأ أيضاً: من هو شارلي شابلن أفغانستان وماذا يفعل؟

ويأتي تبادل الأسرى ضمن إجراءات بناء الثقة التي تعدّ أمراً حاسماً لنجاح اتفاق السلام الموقع بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، لإنهاء ما يقرب من عقدين من الحرب.

الحكومة الأفغانية ستفرج اليوم عن 100 سجين من طالبان مقابل 20 من أفراد الأمن الأفغان

ويمثل الإفراج عن 100 من مقاتلي طالبان الخطوة الأولى نحو تبادل 6000 سجين محتجزين لدى الحكومة الأفغانية وطالبان.

وكان فريق من طالبان، المكوّن من ثلاثة أعضاء، قد وصل إلى كابول لبدء عملية مبادلة السجناء واجتمع بمسؤولين أفغان، رغم إجراءات العزل العام المطبقة في البلاد للحدّ من انتشار فيروس كورونا المستجد.

للمشاركة:



إبراهيم الزيات.. "عنكبوت" الإخوان في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

حسام حسن

قبل عام، قدم الإخواني إبراهيم الزيات أوراق اعتماده كهمزة وصل بين شبكة تنظيم الإخوان في أوروبا والنظام التركي، حتى أصبح "عنكبوت" الجماعة في القارة العجوز، بحسب وثائق برلمانية وأمنية أوروبية.

ففي الثاني من يناير/كانون الثاني 2019، التقى مسؤولو الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) مع قيادات الإخوان في المسجد الكبير بكولونيا غربي ألمانيا، لتأسيس مجلس تنسيقي للمسلمين، يعمل كغطاء للتحالف المشبوه بين منظمات الطرفين.

ومنذ ذلك الوقت، برز اسم إبراهيم الزيات الذي يربط خطوط شبكة الإخوان في أوروبا، والعقل المدبر لأنشطة الجماعة، وحامل دفاترها المالية، وهمزة الوصل مع النظام التركي.

وبدا واضحاً أن الزيات يعد أهم الشخصيات المركزية في شبكة الإخوان بأوروبا، ويرتبط ارتباطا وثيقا مع كل التنظيمات المتطرفة في الشرق الأوسط، والمؤسسات الإسلامية في تركيا، خاصة ميللي جورش (الرؤية الوطنية)، بحسب هايكو هاينش، الكاتب والباحث النمساوي المتخصص في شؤون الإخوان.

وفي حديثه لـ"العين الإخبارية"، أزاح هاينش الستار عن أن "الزيات هو العنكبوت الذي يربط خيوط شبكة الإخوان ببعضها، ويحمل أختام دفاترها المالية".

وتضع هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ألمانيا الزيات تحت رقابتها؛ حيث قاد لسنوات طويلة منظمة المجتمع الإسلامي، كبرى مؤسسات الإخوان بألمانيا، وفق تقرير لمجلة دير شبيجل.

وعادة ما تُخضِع هيئة حماية الدستور، التنظيمات والأفراد الذين يمثلون خطرا كبيرا على الديمقراطية ويهدفون إلى تقويض النظام السياسي، لرقابتها.

وأضافت مجلة دير شبيجل: "يمكن القول إن الزيات، هو قائد الفرع الألماني للإخوان، وأكد المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف قبل سنوات، هذا الأمر في تصريح رسمي".

مناصب متعددة
وبالإضافة لدوره كقيادي في شبكة الإخوان بأوروبا، يعد الزيات مؤسس ومدير اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا (FIOE)، وشغل في السابق منصب أمين المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية، وجميعها منظمات محسوبة على الإخوان. 

ويتولى الزيات موقعا مسؤولا في مجلس إدارة منظمة الإغاثة الإسلامية التي قالت مذكرة حكومية ألمانية في أبريل/نيسان الماضي، إن فرعها في برلين؛ يملك صلات شخصية مهمة بالإخوان، وصلات مؤسسية بمنظمات قريبة من الجماعة.

لذلك، تصف التقارير الرسمية لهيئة حماية الدستور في ألمانيا، الزيات بأنه "مثل العنكبوت في شبكة المنظمات (الإسلامية) المتطرفة" في أوروبا.

الزيات نفسه يعتبر حلقة وصل أساسية بين تركيا والإخوان، ويمثل معبر الدعم التركي للجماعة في الدول الأوروبية ذات الجاليات الإسلامية الكبيرة مثل ألمانيا والنمسا وهولندا.

ويحظى الزيات بهذه المكانة بسبب علاقته القوية مع النظام التركي التي تشمل بعدا شخصيا، حيث إنه متزوج من ابنة أخت نجم الدين أربكان، مؤسس حركة ميللي جورش، وفق تقرير لمجلة فورين بولسي الأمريكية نشر في مايو/أيار الماضي.

وخلصت دراسة "الإخوان في النمسا" التي أشرفت عليها هيئة حماية الدستور النمساوية "الاستخبارات الداخلية" في 2017 إلى أن الزيات يملك أيضا روابط أيديولوجية قوية للغاية مع ميللي جورش، أحد أهم أذرع أردوغان في أوروبا، ويراها تنظيما عابرا للحدود، وذا تأثير قوي في الدول الإسلامية.

وذكرت وثيقة للبرلمان النمساوي تعود لـ25 يناير/كانون الثاني 2013، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها، أن "إبراهيم الزيات يقود الإخوان في أوروبا، ويملك علاقة قوية مع المنظمات التركية، خاصة ميللي جورش".

وأضافت أن "الزيات لا يبحث عن الاندماج في المجتمعات الأوروبية، وإنما عن تعزيز التيارات الإسلامية المتطرفة".

ولفتت إلى أن الرجل "يملك روابط مالية قوية مع التيارات الإسلامية في الشرق الأوسط"، و"أن السلطات في ألمانيا والنمسا تملك العديد من الملفات عن أنشطته، خاصة المعاملات المالية والاتصالات المريبة".

فيما ذكرت وزارة الداخلية بولاية شمال الراين ويستفاليا غربي ألمانيا في تقرير رسمي، أن "علاقات منظمة المجتمع الإسلامي في ظل رئاسة الزيات، كانت تتراوح بين الروابط الشخصية والمشاريع المشتركة، وتشمل المنظمات الإسلامية المتطرفة في الشرق الأوسط وتركيا، ومؤسسات مانحة يشتبه في دعمها الإرهاب".

شخصية مثيرة للجدل
ودائما ما يثير إبراهيم الزيات الجدل، حيث إنه غير مرحب به في كل مكان يوجد به. ففي سبتمبر/أيلول 2015، قدم النائب البارز في البرلمان النمساوي آنذاك، فيندلين مونتسر، طلب إحاطة للحكومة، اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منه، حول مشاركة الرجل في أحد المؤتمرات في فيينا، واصفا إياه بأنه "قيادي كبير في جماعة الإخوان".

وفي مايو/أيار 2007، أحدث الزيات ضجة كبيرة في ألمانيا عندما حضر مؤتمر الاندماج الذي تنظمه وزارة الداخلية هناك.

وتسبب حضور الزيات للمؤتمر في انتقادات كبيرة للحكومة الألمانية آنذاك، لكن وزارة الداخلية الألمانية ذكرت في بيان حينها، أنها "لم تدع الزيات للمؤتمر، وفوجئت به".

وفي تصريحات لـ"دير شبيجل"، قال السياسي البارز بالحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في ألمانيا: إن "رجلا مثل الزيات لا يمكن أن يكون شريكا في حوار مع الحكومة".

فيما ذكرت وثيقة للبرلمان الألماني تعود لـ23 أكتوبر/تشرين الأول 2003، واطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها: "لم يكن إبراهيم الزيات في أي وقت من الأوقات شريكا معترفًا به في الحوار مع الحكومة الفيدرالية".

وأوضحت أن الزيات كان الممثل الأوروبي للرابطة العالمية للشباب الإسلامي، وهي منظمة تأسست في الولايات المتحدة، ونشطت حتى 11 سبتمبر 2001.

وتملك جماعة الإخوان وجودا قويا في ألمانيا، بـ1600 قيادي، إلى جانب العديد من المؤسسات.

وتصنف هيئة حماية الدستور "الاستخبارات الداخلية" في ألمانيا، الإخوان بأنها تهديد للنظام الدستوري والديمقراطي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

حول مستقبل الإسلام السياسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

بابكر فيصل

كتب رئيس حركة النهضة التونسية، راشد الغنوشي، مقالا بعنوان "هل فشل الإسلام السياسي حقا؟"، حاول فيه قراءة مستقبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة العربية، مقدما العديد من الدفوعات التي تنفي أفول نجم تلك الحركات.

قال الغنوشي إن "ما يسمى بالإسلام السياسي ليس في حالة تراجع وإنما هو بصدد إصلاح أخطائه والتهيؤ لطور جديد غير بعيد من الممارسة الأرشد للحكم، وإنه لا يحتاج إلى عشرات السنين ليسترجع فرصا أكبر تنتظره في زمن الفضاءات الإعلامية المفتوحة، وفي مواجهة مشاريع انقلابية عارية من غطاء قيمي وحضاري وسياسي".

وأضاف أن "الحركة الإسلامية في خطها العريض ودعك من الهوامش المتشددة التي لا تخلو منها أيديولوجيا وأمة، قدمت الإسلام مُتمما لمنجزات ومكارم الحضارات وليس باعتباره نقيضا من كل وجه لمنجزات التحديث كالتعليم للجميع ذكورا وإناثا ولقيم العدالة والمساواة حقوقا وحريات دون تمييز على أساس الاعتقاد والجنس واللون بما يكفل للجميع حقوق المواطنة والإنسانية والحريات الدينية والسياسية كما هو متعارف عليه في الديمقراطيات المعاصرة باعتبار المساواة في الحقوق والحريات تفريعا لازما من أصل التكريم الإلهي لبني آدم 'ولقد كرمنا بني آدم'".

لا شك أن زعيم حركة النهضة في حديثه أعلاه لا يصدر عن المقولات والأفكار الأساسية بل وحتى الممارسة التاريخية التي شكلت عقل وروح الحركات الإسلامية الحديثة التي ظهرت إلى الوجود في مصر عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

فهو ربما يكون يُعبر فقط عن حركة النهضة التي يزعم كاتب هذه السطور أن لها خصوصية لا يمكن تعميمها على الحركات الشبيهة في المنطقة العربية والإسلامية. هذه الخصوصية نابعة من تأثرها وسعيها للاستجابة لضغط معطيات الواقع الفكري والسياسي التونسي الذي يتميز على العديد من المجتمعات الأخرى.

فمن الناحية الفكرية طغى على ذلك الواقع تراث التنوير الديني الذي أفرزه "جامع الزيتونة" على يد علماء مستنيرين كبار من أمثال الطاهر بن عاشور، كما ساد مجتمع سياسي ومدني قوي تأثر كثيرا بقيم الحداثة الغربية، وهذا على العكس من القطع الذي أحدثه البنا مع إرث الإصلاح الديني الذي قاده الإمام محمد عبده وعلماء ومصلحين آخرين مثل الشيخ حسن العطار والطهطاوي وقاسم أمين وعلي عبد الرازق.

هذا الفارق الحاسم يتبين من خلال الأفكار الجوهرية التي عبر عنها البنا، فعلى سبيل المثال نجده يقول في قضية منح المرأة الحق في العمل والانتخاب: "ما يريده دعاة التفرنج وأصحاب الهوى من حقوق الانتخاب والاشتغال بالمحاماة مردود عليهم بأن الرجال، وهم أكمل عقلا من النساء، لم يحسنوا أداء هذا الحق، فكيف بالنساء وهن ناقصات عقل ودين".

كتب البنا كلامه أعلاه في عام 1947 وبعد ذلك التاريخ بتسعة أعوام فقط، أي في عام 1956 كانت تونس قد أقرت قانون الأحوال الشخصية الذي أضحى وثيقة فارقة في التشريع ليس فقط في العالمين العربي والإسلامي ولكن على مستوى العالم حيث منح المرأة حقوقا غير مسبوقة.

لم يصدر قانون الأحوال الشخصية التونسي من فراغ بل مهدت له حركة فكرية تنويرية عبر عنها كتاب الطاهر الحداد "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الذي أصدره في العام 1929، واعتبر فيه قضية المرأة من دعائم تقدم البلاد ولا تتعارض مع عقيدته.

أما حقوق المواطنة التي يتحدث عنها الغنوشي فلم يكن البنا يؤمن بها أصلا، فنجده على سبيل المثال يقول في "رسالة التعاليم" "لا بأس أن نستعين بغير المسلمين عند الضرورة في غير مناصب الولاية العامة ولا عبرة بالشكل الذي تتخذه ولا بالنوع، ما دام موافقا للقواعد العامة في نظام الحكم الإسلامي".

ليس هذا فحسب بل أن زعيم حركة الإخوان المسلمين في السودان الدكتور حسن الترابي لم يكن حتى وقت قريب يؤمن بقضية المواطنة، وكان يقول إنه لا يمكن لغير المسلم أن يُصبح رئيسا للدولة في الوقت الذي كان فيه المجتمع السوداني ومختلف قواه السياسية والحزبية قد تجاوزت هذه البديهية.

يحاول الغنوشي في حديثه كذلك أن ينفي عن تيار الإسلام السياسي صفة التشدد ويحصرها في هوامشه بينما التشدد والعنف هما مكونان أصيلان من المكونات الفكرية لهذا التيار. فالشيخ البنا كان في غالبية كتاباته وخطبه ومقالاته يخاطب أعضاء جماعته بلفظ الجنود، والتنظيم العسكري كان العمود الفقري للجماعة، وهو لم يكن ينفي ضرورة استخدام القوة للوصول للأهداف وإحداث التغيير.

يقول الغنوشي كذلك إن "الإسلاميين اليوم أكثر من أي وقت مضى يقفون على أنبل وأصلب موقع، فهم إلى موقع القرب العقدي والمفاهيمي الثقافي من الناس، هم يقفون كما في مصر يحملون أنبل الشعارات، مثل الدفاع عن إرادة الشعب والاحتكام لصناديق الاقتراع".

فما هو رأي المرشد المؤسس في قضية الديمقراطية؟ يقول البنا في رسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي "ولو أخذنا بالحزم وأعلناها صريحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون"، وهو لا يكتفي بذلك بل يصف الديمقراطية بالنظام "التافه".

أثبتت التجربة العملية أن رأي البنا في قضية الديمقراطية هو المبدأ الثابت والأصيل لدى أهل الإسلام السياسي، وأن تماهيهم مع العملية الديمقراطية لا يُعبِّر عن إيمان بها أكثر من تعبيره عن مصلحة مؤقتة، فهم متى ما رجحوا الفوز في الانتخابات تحوَّل أنصارهم إلى مدافعين عن صناديق الاقتراع ومتى ما عجزوا عن الوصول للسلطة عبر التصويت لجأوا للانقلاب العسكري، وخير دليل على ذلك هو التجربة السودانية حينما استولوا على السلطة في 1989 بعد الإطاحة بحكم شرعي ديمقراطي كانوا هم جزءا منه.

من المعلوم أن إرادة الشعب لا تقتصر على مجرد إيصال حزب ما للسلطة ومن ثم يُصبح في مقدوره العبث بالعملية الديمقراطية وتغيير قواعدها، فقد وصل هتلر للحكم في 1933 عبر الانتخابات، ولكنه بدأ في تحطيم النظام من الداخل حتى تمكن من إجهاضه بالكامل ومن ثم تحول لأسوأ دكتاتور أوروبي.

المدهش في الأمر هو أن أولى الخطوات التي اتخذها هتلر لتقويض النظام الديمقراطي تمثلت في تمرير قانون أطلق عليه اسم "قانون التمكين"، وهو قانون يُغيِّب البرلمان، ويمنح مجلس الوزراء سلطات تشريعية لمدة أربع سنوات، وهي خطوة شبيهة بتلك التي اتخذها الرئيس المصري الراحل محمد مرسي عند تمريره لمرسوم جمهوري يحصِّن قراراته ضد أية طعون قضائية.

إن إصلاح الأخطاء يتطلب مراجعة جذرية للأصول الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، هذه المراجعة تشمل بالأساس الموقف المبدئي من مفاهيم الوطنية والديمقراطية والعلاقة بالآخر (المسلم وغير المسلم)، إضافة لنبذ منهج العنف والتشدد والإقصاء والتخلي عن الاستعلاء الذي يقود بالضرورة لطائفية بغيضة ظل يتميز تيار الإسلام السياسي منذ نشوئه وحتى اللحظة الراهنة.

عن "الحرة"

للمشاركة:

اليمن يعاني أزمات عدة.. إلا كورونا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-04-02

من المفارقات العجيبة واللافتة، أن بلدا فقيرا كاليمن الذي يعاني من ويلات الحرب وتبعاتها، كما يعاني الصراع والتفشي المتكرر للأوبئة؛ يعيش سليما معافى حتى اليوم من فايروس كورونا الذي ضرب معظم دول العالم وأدى إلى وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص وإصابة مئات آلاف منهم.

ولم يسجل اليمن حتى اليوم أي إصابات بفايروس كورونا، وسط مخاوف متكررة وتحذيرات من أنه في حالة وصوله إلى البلد، ستكون له تبعات ونتائج كارثية في شتى المجالات، لاسيما أن هذا البلد الفقير يعاني من تدهور حاد في القطاع الصحي الذي بات شبه مدمر.

وعلى الرغم من عدم انتشار هذا الوباء في اليمن، صنع هذا الفايروس تأثيرات كبيرة على حياة السكان وعلى أعمالهم وحياتهم اليومية، وسط الإجراءات المتكررة المتخذة من قبل السلطات الحاكمة، سواء الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا، أو جماعة أنصارالله الحوثية، التي تسيطر على صنعاء ومحافظات أخرى مكتظة بالسكان.

وضمن الإجراءات الاحترازية الرامية إلى منع وصول فايروس كورونا إلى اليمن، اتخذت مختلف السلطات إجراءات احترازية بينها إغلاق المنافذ الجوية والبرية وإيقاف العملية التعليمة بشكل عام، إضافة إلى إغلاق صالات الزفاف والمناسبات والمؤتمرات، مع إغلاق الحدائق العامة وبعض الأسواق.

ويشكو اليمنيون من التأثيرات السلبية التي جلبها هذا الفايروس على حياتهم، رغم عدم وصوله إلى البلاد، بسبب الإجراءات المتخذة التي أوقفت العديد من الأعمال، وأثرت بشكل كبير على حياة المواطنين الذين يعانون بالفعل من أزمة إنسانية كبيرة، حتى ما قبل المخاوف التي أثارها الفايروس التاجي.

وأجبر العديد من اليمنيين على إيقاف أعمالهم مؤقتا وبقائهم في منازلهم حرصا على سلامتهم من الفايروس، فيما يشكو آخرون من أن المخاوف من انتشار الفايروس قد أدى إلى ضرب حركة السكان في الأسواق والمؤسسات وغيرها.

الآلاف من العالقين في قلب اليمن

المخاوف من انتشار الفايروس، جعل جماعة الحوثي تقرر منع دخول أي مسافر ومواطن إلى المناطق الخاضعة لسلطتها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحكومة الشرعية، فيما قامت الحكومة الشرعية بإجراء مماثل.

وأدى هذا القرار إلى خضوع الآلاف من المسافرين للحجر الصحي في ظروف سيئة بمحافظة البيضاء التي توصف بأنها قلب اليمن، وسط شكاوى من الظروف الصعبة التي يعانيها هؤلاء الخاضعون للحجر الصحي.

وقال مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، “إن هناك مخاوف بشأن الآلاف من الأشخاص،  بينهم مهاجرون (من القرن الأفريقي) بمرافق الحجر الصحي في ظروف سيئة ومزدحمة بمناطق مختلفة في البلاد، كجزء من التدابير الاحترازية ضد كورونا”. وأكد أن “شركاء العمل الإنساني، يقدمون مساعدات منقذة للأرواح، للأشخاص في مرافق الحجر الصحي”.

ويقول محمد القحم، وهو أحد العالقين الخاضعين للحجر الصحي في منفذ عفار بمحافظة البيضاء لوكالة الأنباء الألمانية (د. ب. أ)، إنه يعيش ظروفا صعبة بسبب عدم وجود خدمات أساسية في الحجر الصحي.

ويضيف أن “الظروف هنا مأسوية للغاية، والناس يعيشون في واقع مزدحم غير خاضع لأي إجراء صحي سليم، ما قد يؤدي إلى انتشار هائل للفايروس إذا كان أحد المتواجدين مصابا بكورونا”.

ويتابع لافتا إلى “أنه إذا كانت هناك ضرورة وتشديد من قبل السلطات حول الحجر الصحي، يفترض أن يتم تقديم الخدمات الأساسية للمتواجدين هناك، ومحاولة التفريق في ما بينهم وعدم الزج بالعديد من الأفراد في غرف ومدارس تخلو من أي خدمات صحية”.

كورونا يفقد اليمنيين الدخل
مع بدء الإجراءات الاحترازية الرامية لمنع وصول كورونا، تأثر العديد من اليمنيين وفقدوا فرص عملهم، بسبب توقف المؤسسات أو الأماكن التي يعملون فيها، والتي أغلقت إجباريا، كما حدث في العديد من دول العالم.

ومن بين الذين فقدوا أعمالهم حاليا وتوقف دخلهم، عصام مهيوب، وهو يعول 6 من الأطفال ويعيش في صنعاء. يتحدث مهيوب عن وضعه مشيرا إلى أن فايروس كورونا تسبب في صنع تأثيرات سلبية على حياته، بعد أن توقف عمله في إحدى الوكالات المعنية بخدمات الحج والعمرة والسفر بصنعاء. قائلا “حاليا أعيش دون دخل، وأتمنى انتهاء هذه الجائحة التي سببت لنا أزمات نفسية ومعيشية، رغم أنها لم تصل اليمن”.

مأساة في بلد تطحنه الحرب

لم يكن فايروس كورونا هو الوباء الأول الذي يخشاه اليمنيون حاليا؛ فقد عانوا كثيرا خلال الفترة الماضية من تفشي الأوبئة كالكوليرا الذي أودى بحياة أكثر من 3700 شخص منذ العام 2017، وفقا لتقارير أممية رصدت أيضا وجود أكثر من مليوني حالة يشتبه إصابتها بالوباء ذاته في اليمن خلال الفترة ذاتها.

وفي حال مجيء فايروس كورونا إلى اليمن، فإن الوضع سيكون مختلفا ومأسويا بشكل أكبر من السابق، خصوصا أن هذا الوباء عجزت العديد من الدول عن التصدي له. وتقول الصحافية اليمنية المختصة بالجانب الإنساني عفاف الأبارة إن كورونا له تأثيرات كبيرة على المجتمع اليمني الذي تطحنه الحرب والأوبئة للعام السادس على التوالي.

وتضيف “لقد لاحظنا الكثير من الإجراءات الاحترازية التي قامت بها الأطراف المتصارعة من أجل مكافحة الفايروس؛ لكننا شاهدنا إجراءات بها الكثير من الاستفزاز والاستغلال لوضع المواطن، وتعريض حياته للخطر الحقيقي”.

وتطرح كمثال “استغلال جماعة الحوثي لوضع المواطنين القادمين من الخارج واستخدامهم كورقة سياسية للانتقام من خصومها في المملكة العربية السعودية والحكومة الشرعية، حيث لم تراع الجماعة وضع المواطنين المصابين بالأمراض المزمنة والأمهات والآباء الكبار في السن، الذين تم وضعهم في حجر صحي يفتقر لأدني مقومات الحياة”.

وتختم قائلة “بالتكاتف وتوحيد الجهود سيخرج الشعب من أزمة كورونا بأقل الخسائر، لكن ما نراه على أرض الواقع العكس، فالميليشيات والتشكيلات العسكرية التي أفرزتها الحرب ستواصل مشاريعها التخريبية، ولن يأتي اليوم الذي يهمها معاناة شعبها وآلامه وكل همها تنفيذ ما يملى عليها الخارج فقط”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية