ملامح سقوط المشروع الإخواني: الفشل في السيطرة على المجتمع

ملامح سقوط المشروع الإخواني: الفشل في السيطرة على المجتمع

مشاهدة

27/08/2018

تحدّثنا في المقالين السابقين عن ملامح فشل المشروع الإخواني؛ في المقال الأول: تناولنا فشلهم في إيجاد الفرد المسلم الذي كان يراهن عليه الإخوان المسلمون، وفي المقال الثاني؛ تناولنا فشلهم في إيجاد الأسرة المسلمة، ونجاحهم في جعل أسرهم أسراً إخوانية فقط، أما مقال اليوم فسنتناول فيه ملمح فشل الإخوان في السيطرة على المجتمع.

للإخوان مفهوم خاصّ للتعامل مع المجتمع، فهم يؤمنون بأنّ عليهم تغيير المجتمع؛ بداية من عقائده إلى مؤسساته، مروراً بقيمه السائدة، وإذا لم يتمكنوا، فعلى الأقل، يصنعون هذا المجتمع الموهوم داخل جماعتهم؛ فقد كان حسن البنا رافضاً للمجتمع الذي يعيش فيه، ويراه مجتمعاً غير متصل بالإسلام، ويرى أنّ مهمته في الحياة هي إقامة أمة جديدة ومجتمع جديد! على أسس يزعم أنها أسس الإسلام الحقّ، فيقول في رسالة "إلى أيّ شيء ندعو الناس": "إنّ تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، ومناصرة المبادئ، تحتاج من الأمة التي تحاول هذا، أو الفئة التي تدعو إليه، على الأقل، إلى "قوة نفسية عظيمة""، وهذه الرسالة ظهرت العام 1934، أي في مرحلة مبكرة من حياة جماعة الإخوان المسلمين، وجاءت بعد عام واحد فقط من انتقال البنا من الإسماعيلية إلى القاهرة، وكان عمره آنذاك 27 عاماً.

الإخوان يؤمنون بأنّ عليهم تغيير المجتمع وفق رؤيتهم وإذا لم يتمكنوا يصنعون هذا المجتمع الموهوم داخل جماعتهم

والسؤال الملحّ؛ هل كوّن حسن البنا هذه الأمة؟ هل نجح في تربية الشعب؟  بالطبع لا،  وإن ظلّ يزعم أنّه قادر، لو أتيحت له الفرصة، ومرّت الأعوام، وتغيّرت الأحوال كثيراً مع الإخوان، صعوداً وهبوطاً، وبعد أحد عشر عاماً كاملة من التوغل في المجتمع، انتبه البنا إلى أنّه غير قادر فعلاً على تكوين أمة جديدة، وأنّ تصوّراته عن تكوين الأمم طفولية جداً، لكنّه لم يتنازل عن حلمه، فقط عدّل  مطالبه؛ فبدلاً من تكوين الأمم وتربية الشعب قرّر أن يكون هدفه  السيطرة على المجتمع؛ ففي اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد، يوم 8 أيلول (سبتمبر) العام 1945، قال: "إنّكم -أيّها الإخوان- مؤمنون بأنّ من واجب المسلم الحقّ أن يجاهد في سبيل هذا الإسلام، حتّى يهيمن على المجتمع كله، ويحتلّ مكانه الذي هيّأه الله له في دنيا البشر"، لاحظ أنّ البنا يقنع أتباعه بأنّهم مؤمنون بجهاد المجتمع نفسه، أي حمل السلاح عليه! لماذا؟ ليهيمنوا عليه! وليحتلوا المكانة اللائقة بهم فيه! وهذه المكانة هي ما هيأها الله لهم!!

اقرأ أيضاً: فشل التربية الإخوانية في إيجاد الفرد المسلم

لهذا، استمرّ الإخوان، وحاولوا المرة تلو الأخرى السيطرة والهيمنة على المجتمعات، وهو هدف كامن في وجدانهم، مهما تنصّلوا منه، ومهما ادّعوا خلاف ذلك؛ فالتربية الإخوانية تغرس هذه المفاهيم التسلطية والاستعلائية في نفوسهم للأبد، فلا يرون أنفسهم مجرّد مجموعة من الناس تحاول وتجرّب، تصيب وتخطئ، بل هم من ابتعثهم الله ليهيمنوا على المجتمعات، ويحوزوا المكانة التي وعدهم بها الله! فهل نجحوا؟! لم ينجح الإخوان، في الأربعينيات، أو الخمسينيات، أو الستينيات؛ فقد انصرف عنهم الشعب، خاصة بعد انخراطهم في أعمال عنف، وتصدّي أجهزة الأمن لهم.

لكن، مع مرحلة السبعينيات؛ التي سمح فيها الرئيس السادات لهم بالعمل، بالتزامن أيضاً مع سماح كثير من الدول العربية لهم بالتواجد داخل مجتمعاتها، حاول الإخوان السيطرة على أيّ مجتمع تواجدوا فيه، عبر السيطرة على اقتصادياته، وعبر السيطرة على بعض الأجهزة المجتمعية فيه، مثل النقابات والجمعيات الخيرية.

استمرّت محاولات الإخوان الهيمنة على المجتمعات وهو هدف كامن في وجدانهم مهما تنصّلوا منه أو ادّعوا خلافه

ومع خطاب الإسلام العاطفي، ومع ابتزازهم للمجتمعات بحكايات  المظلومية المصنوعة، وفي ظلّ فشل الدولة في تلبية احتياجات الشعب، تمكّن الإخوان من التواجد في مساراتهم الثلاثة، فتمكنوا من جمع أموال الإخوان، وغيرهم من العاملين في الخليج، وتوظيفها في شركات التوظيف، ولأنّهم يهدفون إلى السيطرة فحسب، وليس إلى إقامة مشروع اقتصادي قومي كبير، انتهت تجربتهم بفشل ذريع.

لقد أتيحت للإخوان فرصة أن يكونوا رافعة اقتصادية مهمة في المجتمع المصري والعربي، لكنّهم افتقدوا لوطنية طلعت حرب وحكمة البرجوازية الوطنية في مصر، فانخرطوا في أنشطة استهلاكية، وانشغلوا في التفنّن في كيفية إخفاء الأموال، ولم يشغلهم إقامة صروح اقتصادية قويّة، ففشلت تجربتهم الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: الفشل في إيجاد الأسرة المسلمة

وتزامن مع تجربتهم للسيطرة الاقتصادية سيطرتهم على النقابات، فنجحوا- في بادئ الأمر- في بسط نفوذهم عليها، لكنّهم لم ينجحوا في عمل نقابيّ قوميّ ينسب إليهم؛ بل استطاعوا أن يكوّنوا عداءات كثيرة مع أعضاء النقابات، نظراً إلى اتّباعهم أسلوب السيطرة، واستغلال النقابة لخدمة أفكارهم ومشروعاتهم، وتورّطت النقابات التي سيطر عليها الإخوان في الصراع السياسي والديني في تلك الحقبة، فكثيراً ما استغلت مقرات النقابة لصالح الجماعة، وكثيراً ما كانت النقابات ستاراً للقاءات الإخوان السرية غير الرسمية، ثم انتهت التجربة قبيل وصول الإخوان للحكم في مصر، فتوالت الهزائم في النقابات، وتوالى إخراجهم، فقد فشلوا في أن يكوّنوا قوة إضافية للنقابة، صحيح أنّهم لم يتَّهموا بسرقة مالية كبيرة في النقابة، لكنّهم متّهمون بسرقة النقابة ذاتها "معنوياً" لصالح الجماعة.

لم يشارك الإخوان قوى المجتمع بأيّ مشروع نهضويّ ولن يشاركوا لهذا فشلوا وسيفشلون مستقبلاً

ثم حاول الإخوان في المسار الثالث؛ وهو السيطرة على الجمعيات الخيرية، لكنّهم ظلّوا يقدمون الأعمال الخيرية بهدف الحصول على أصوات الفقراء وقلوبهم، فلم ينالوا منهم أيّ شيء، ولعلّ ندم الإخوان على فعل الخير للشعب الذي لفظهم سياسياً، أكبر دليل على أنّهم لم يقدموا الخدمات للمجتمع لوجه الله، كما كانوا يزعمون.

كما رأينا، لم ينجح الإخوان في تكوين مجتمع، أو في السيطرة عليه، أو في تربيته، ولم يشارك الإخوان أيّاً من قوى المجتمع في أيّ مشروع نهضويّ، ولن يشاركوا؛ ففي البنية الفكرية للإخوان، يرون أنفسهم مربّين للمجتمع، وفي التكوين النفسي لهم؛ هم أعلى من المجتمع، وفي البناء التنظيمي؛ هم يتبعون قيادة ترى أنّ أخطاءها قدر من الله، فهل يمكن لجماعة هذا تفكيرها، وهذه نفسيتها، وهكذا تدير معاركها، أن يكون أعضاؤها قوة إيجابية في المجتمع، لهذا فشلوا في الماضي، وفشلوا في الحاضر، وسيفشلون في المستقبل.

الصفحة الرئيسية