منابع التطرف الثقافية.. عندما يتحول العنف إلى فولكلور قاتم

2652
عدد القراءات

2018-01-28

هل التطرف ظاهرة اجتماعية، تاريخية، أم ظاهرة ثقافية؟ لا يمكن تجاهل الشروط الاجتماعية الموسومة باللاعدالة؛ بل بالظلم والقهر والاستغلال، في مختلف أرجاء العالم، ولا سيما الآثار الكارثية التي تركتها حربان عالميتان ونزاعات محلية وإقليمية كثيرة على الحياة الإنسانية. ولكن البشرية كانت تنتج أشكالاً مختلفة من المقاومة، سواء على صعيد العالم الكلي، أم على صعيد كل شعب على حدة. نشير هنا إلى واقعتين بارزتين، أولاهما توافق الدول كافة على "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، ونهوض الشعوب التي دمرت الحرب بلادها، وأزهقت ملايين الأرواح من أبنائها.

لذلك نميل إلى اعتبار التطرف ظاهرة ثقافية، تفجّرها شروط اجتماعية اقتصادية وسياسية لا إنسانية. ولكن من طبيعة الثقافة، بما هي رأس المال الروحي لأي مجتمع، أن ترد على الشروط اللاإنسانية ردوداً إنسانية، إلا حين تتحول الثقافة إلى أيديولوجيا، بالمعنى السلبي للكلمة، ويظهر مثقفون هنا وهناك يحملون "رسالة" خلاصية لتغيير العالم، فينتجون تصوراً خاصاً عن العالم، أقل ما يقال فيه إنّه قاتم، قتامته هي ما يبرر ادعاء المخلصين بإنقاذ العالم وفرض السعادة على البشر. وقد أشرنا في مقالة سابقة، على " حفريات"، إلى أنّ "الدعوة" هي العامل الذي يحول التعصب إلى تطرف، وليت الأمر يقف عند هذا الحد.

ليس حسناً على الإطلاق أن يفكر أحد في صياغة العالم وتشكيله على هواه، أو وفقاً لعقيدته الخاصة

كتب سيد قطب، في كتابه الشهير، "معالم في الطريق"، الذي يعد المصدر الرئيس لجماعات الإسلام السياسي وجماعات السلفية الجهادية قائلاً:

"تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عرَض للمرض، وليس هو المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم، التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نمواً سليماً، وتترقى ترقياً صحيحياً. وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من القيم. بل الذي لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود، بعدما انتهت الديمقراطية فيه إلى ما يشبه الإفلاس.

فلا بد من قيادة تملك إبقاء وتنمية الحضارة المادية التي وصلت إليها البشرية في الإبداع المادي، وتزود البشرية بقيم جديدة كاملة – بالقياس إلى ماعرفته البشرية – وبمنهج أصيل وإيجابي وواقعي في الوقت ذاته, والإسلام وحده هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج.

وأنا أعرف أن المسافة بين محاولة "البعث"، وبين تسلم القيادة مسافة شاسعة؛ فقد غابت الأمة المسلمة عن الوجود وعن الشهود دهراً طويلاً. .. إنّ العالم يعيش اليوم كله في "جاهلية" من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، وهذا الإبداع المادي الفائق". (سيد قطب، معالم في الطريق، دار الشروق، بيروت والقاهرة، 1979، ص 3 – 4)

إذاً، البشرية على حافة الهاوية؛ لأنها أفلست أخلاقياً.

لذلك، تحتاج إلى قيادة جديدة، ما يعني أنّ مشكلة العالم في قيادته.

الغرب لم يعد لديه ما يقنع ضميره باستحقاقه للوجود.

الأمة المسلمة غابت عن الوجود وعن الشهود دهراً طويلاً .. والعالم كله يعيش في "جاهلية"

لهذا كله، لا بد من "بعث" الأمة من جديد. وهذه المهمة المقدسة ملقاة على عاتق جماعة مسلمة تأخذ بالمنهج الإسلامي؛ لأن "الإسلام هو الحل" لمشكلات البشرية كافة، وإنقاذها من الضلال أو الجاهلية، وإنقاذ المسلمين خاصة من الضلال والجاهلية. ولم يكن سيد قطب موارباً في تكفير المجتمع والدولة وسائر المسلمين الذين لا يرون رأيه، ولا ينتهجون منهجه.

حسن أن يفكر أي شخص في إنقاذ العالم، على افتراض أنّ العالم يحتاج إلى إنقاذ ومنقذ، وأن يقترح منهجاً أو طريقاً إلى ذلك، فهناك كثير من الرؤى والفلسفات الخلاصية، الماركسية واحدة منها، ولكن ليس حسناً على الإطلاق أن يفكر أحد في صياغة العالم وتشكيله على هواه، أو وفقاً لعقيدته الخاصة، كما حاولت الماركسية اللينينية الستالينة، في الاتحاد السوفييتي السابق، مفترضاً أنّ العالم مبتلى بشر مطلق،  هو الجاهلية، والخروج عن جادة الحق، لدى الإسلامويين، والرأسمالية لدى الماركساويين، ولا يمكن مواجهته إلا بخير مطلق, هذا الخير المطلق هو "الأمة الإسلامية" الجديدة؛ أي الجماعة الإسلامية الجديدة المختارة أو المصطفاة لقيادة العالم، أو الأممية البرولتارية.

التطرف ظاهرة ثقافية تتحول معها الثقافة إلى أيديولوجيا ومع الوقت يمكن أن تتحول الأيديولوجيا إلى فولكلور قاتم

من موقع آخر، نظَّر زكي الأرسوزي لـ "بعث" الأمة العربية، وتتلمذ على أفكاره نخبة من السوريين خاصة، من أبرزهم وهيب الغانم وحافظ الأسد، فأسس التطرف في حزب البعث العربي الاشتراكي، وانتهى تطرفه إلى إرهاب موصوف في كل من العراق وسوريا، وفي سوريا خاصة. فقد قال الأرسوزي في الأمة العربية المتخيلة، كالأمة الإسلامية: "تبدو الأمة البدائية في الكون حاملة سيماءها بصورة مجملة، فتنفتح عنها بتجاوب تجلياتها بين (قطبيها): قطب ترسم به في بنية أبنائها معرفة متبلورة، وفي الكون عالماً تنعكس عنه الطبيعة محددة إمكانية إدراكهم، وقطب آخر ترتقي إليه النفوس من خلال هذه التجليات المستشفة في تساميها بنور ذاتها.. تلك هي الأمة العربية عبقرية أبدعت أداة بيانها فأفصحت بهذا الإبداع عن حقيقتها... إنّ الحدس في الكلمة العربية من صرح الثقافة بمثابة البذرة من الشجرة. ذلك ما دعانا إلى القول: بأنّ أمتنا ليست محصلة ظروف تاريخية؛ بل إنها معنى يبدع تجلياته ويوجهها نحو المزيد من الحرية. وذلك ما دعانا إلى الاعتقاد بأنّ مثل ظهور الأمم البديء على مسرح التاريخ كمثل ظهور الأنواع الحياتية على مسرح الطبيعة".

يمكن الإتيان بكثير من الأفكار التي تؤكد أنّ التطرف ظاهرة ثقافية، تتحول معها الثقافة إلى أيديولوجيا، ومع الوقت، يمكن أن تتحول هذه الأخيرة (الأيديولوجيا) إلى فولكلور قاتم، ومماسات مازوخية، كطقوس عاشوراء.

اقرأ المزيد...

الوسوم: