منشق عن الإخوان لـ"حفريات": الجماعة اختطفت الدولة ولا تصلح للحكم

منشق عن الإخوان لـ"حفريات": الجماعة اختطفت الدولة ولا تصلح للحكم

مشاهدة

08/03/2021

أجرى الحوار: ماهر فرغلي

سنوات طوال عاش فيها عبدالمعطي أحمد رجب البالغ من العمر 37 عاماً مع جماعة الإخوان في محافظة الشرقية المصرية، وبعد تجربة صعبة شهدت مشاركته في ميدان التحرير هو وشقيقه الذي قتل في ثورة 25 يناير، وما تلا ذلك من القبض عليه في قضيتين مع جماعة الإخوان، ثم اعتقاله، وبعدها الإفراج عنه، كانت المراجعة للأفكار والمواقف، ثم الانشقاق.

رجب: قررت الانشقاق بعد أن سمحت لي الظروف بمراجعة مواقف الجماعة وأفكارها

يتحدث رجب عن تلك الرحلة، التي بدأت منذ أيام الدراسة الإعدادية، لافتاً إلى أنّه "عندما اشتعلت ثورة تونس، الجماعة عقدت لنا لقاءات لشرح موقفها من الثورات، وأنّ حسن البنا يرفضها ولا يرى جدواها، لكن بعد نجاح ثورة 25 يناير ركّزت في نفوس أعضائها على تأكيد فكرة أنهم دخلوا في عصر التمكين، أي مرحلة الدولة الإسلامية".

وأضاف، في الحوار الذي أجرته معه "حفريات"، أنّه أدرك حتمية سقوط الجماعة "كنت أتوقع ذلك، وللعلم كارثة رابعة لم تكن وليدة الاعتصام بل كانت قبله بسنوات طوال بسبب الأخطاء الدينية والفكرية وخلط أوراق السياسة بالدعوة".

ورأى، بعد هذه التجربة، أنّ "مستقبل الجماعة جزء من مستقبل مشروع الإسلام السياسي بوجه عام، وهو خفوت نجمه؛ فهو الآن مجرد هيكل عظمي"، ناصحاً شباب الإخوان بـ"أن يراجعوا أنفسهم ولا ينخدعوا بالتأصيلات الشرعية المزيفة".

وهنا نص الحوار:

بداية الرحلة مع الإخوان

كيف بدأت رحلتك مع جماعة الإخوان؟

علاقتي مع الإخوان تعود بانضمامي كأحد الأشبال الصغار في المرحلة الإعدادية عن طريق بعض الحلقات التي كانت تنعقد في المساجد، وكانت البداية عن طريق دعوة من أحد الأصدقاء، ثم ما لبث الأمر أن جذبني وداومت عليها، ثم تدرجت معهم في كل مراحل الدراسة الثانوية والجامعية وما بعد التعليم الجامعي، واستمرت العلاقة حتى العام 2015 تقريباً حين قررت الانشقاق بعد أن سمحت لي الظروف بمراجعة مواقف الجماعة وأفكارها.

أعتقد أنك مررت بكل المحاضن التربوية داخل الجماعة، ترى إلى أين وصلت بها؟

نعم هناك المحاضن التربوية، التي يبدأ فيها العنصر سواء في الأشبال أم الشباب، أو كان من الرجال أو النساء في التربويات العلمية والعسكرية، وغيرها، ويأتي تالياً لها بعض الوسائل التي تستخدم في ذلك، ومنها المخيم، الذي يكون به دروس دينية وألعاب رياضية والأفكار التي يريدون أن يوصلوها مثل الثبات على الفكرة، وقد مررت بها كلها، وكانت محاضن تربوية، والسياسة جاءت لاحقاً، وعمدتها هي تلك المواقف المبدئية من الأنظمة، أو تلك الشخصيات التاريخية داخل التنظيم التي يحاولون من خلالها توريث ما يطلقون عليه التضحيات.

هل أقامت الجماعة مخيمات عقب وصولها للحكم؟

نعم كان هناك مخيم بعد الثورة، وكانوا يركزون فيه على تأكيد فكرة أنهم دخلوا في عصر التمكين؛ أي مرحلة الدولة الإسلامية، وكنت ساعتها مشبعاً بأفكارهم، حيث إنك قبل المراجعة تؤمن بالتسليم لا التفكير، وحينما تحدثوا في المخيم كان عن برامج عمومية للجماعة، وشرح التوجهات العامة الجديدة، مثال الانتخابات والتركة الثقيلة التي ورثوها، وشرحوا كيف رفضوا دخول انتخابات الرئاسة في البداية، وكيف بانت لهم أمور دفعتهم إليها، وكنا لا نعترض لأن ذلك يؤثر تنظيمياً على الشخص.

على ذكر التأثير على الشخص، هل هناك ميزات يفقدها الناقد للجماعة؟

الميزات للأفراد هي عمليات الترقي من عضو عامل إلى رئيس مكتب إداري وصولاً إلى عضو بمجلس الشورى.. إلخ، وغالبية الأفراد تريد أن تصعد تنظيمياً للحصول على مكانة إدارية داخل التنظيم، وحينما يظهر على عنصر أنه كثير النقد في الأغلب يتم وقفه عن التصعيد في البناء التنظيمي، لذا كان لدينا جميعاً ثقافة أنها جماعة ربانية ستنتصر، والتبرير لأي خطأ تفعله بسبب الدائرة المغلقة التي كنا نعيش فيها.

بداية المراجعات

ألم تفكر يوماً أن توضح موقفك من الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة أثناء حكم مصر؟

فكرت بكل تأكيد؛ إذ إنني رأيت أن الرئيس محمد مرسي لم يكن صاحب قرار ولم يكن مؤهلاً، والدليل الإعلان الدستوري، حيث قالت مستشارته باكينام الشرقاوي إنّها لم تعرف عنه شيئاً، وكذا مستشاره محمد فؤاد جادالله قال نفس الكلام، وكان يهمني أن أعرف من يصدر تلك القرارات، وكنت انتقد كيف يكون مثلاً أحمد البيلي صيدلياً وتعينه الجماعة محافظاً، وعصام الحداد طبيباً ويصبح مسؤولاً عن الشؤون الخارجية، وتلك كانت بداية المراجعات.

هل كنت تتوقع السقوط للجماعة، ثم ما جرى في اعتصام رابعة؟

نعم كنت أتوقع، وللعلم كارثة رابعة لم تكن وليدة الاعتصام بل كانت قبله بسنوات طوال بسبب الأخطاء الدينية والفكرية وخلط أوراق السياسة بالدعوة، ثم تلا ذلك ما جرى فوق منصة الاعتصام، الذي اختلطت فيه الشعارات الدينية بالدم، مثال قولهم إنهم سيعدمون قادة الجيش، وصنفوا الناس هذا مؤيد وذاك خائن!

بعد العام 2000 استغلت الجماعة الضغوط الأمريكية على نظام مبارك ودفعت بعدد كبير من المرشحين لمجلس الشعب فاز منهم 88

ثم ظهرت "حسم"، وتبعه جناح جديد، فالإخوان أجنحة دائماً، وبدأوا ما يسمى خطة إيلام النظام، والإعداد والتوازن والحسم، ثم عض الأنامل، والسلمية الموجعة، وظهرت مقترنة مع ذلك تأصيلات شرعية من جناح يسمى (علماء الكنانة).

تحولات الجماعة

لقد كنت شاهداً على تحولات الجماعة في استراتيجيتها عقب 25 يناير 2011، صف لنا تلك الحقبة؟

بخصوص تحولات الجماعة فقد بدأت من قبل الثورة بسنوات وبالتحديد بعد العام 2000 وذلك كان لسببين أساسيين، الأول: زيادة الضغوط الأمريكية على نظام الرئيس الأسبق مبارك لإفساح المجال السياسي، عندها قرر الإخوان استغلال تلك الظروف والدفع بعدد كبير من المرشحين لمجلس الشعب، وفاز منهم 88 نائباً مثّلوا عامل ضغط واستقواء على النظام

عندما مالت كفة الشعب إبان ثورة يناير دفعت الجماعة بعناصرها حتى لا تبدو خارجة عن القوى المشاركة

والسبب الثاني: هو تولي محمد مهدي عاكف مسؤولية الجماعة، وكان معروفاً عنه طبيعة المواجهة والتصعيد، ووقتها أعلن أنّ شعار جماعة الإخوان (دعوة علنية عالمية مشرفة) وبعدها قرر ترجمة ذلك عن طريق إظهار قوتهم في الشارع، وتمثّل ذلك في مظاهراتهم لدعم تيار من القضاة في 2005، ثم المشاركة في رفض التعديلات الدستورية العام 2007، وتلاها جمع توكيلات للدكتور محمد البرادعي، حتى جاءت الانتخابات البرلمانية في 2010 فقرر المنافسة بالرغم من عدم وجود أي ضمانات، لكن في الحقيقة كان هدف الجماعة الحفاظ على مكاسبهم السياسية وعدم التفريط فيها، بالإضافة إلى إصرارهم أن يكونوا جزءاً من المعادلة السياسية تحت أي ظروف.

وجاءت ثورة تونس وقتها، وتم عقد بعض اللقاءات الداخلية لشرح موقف الإخوان من الثورات وأنّ المؤسس حسن البنا يرفضها ولا يرى جدواها، لكن عندما قامت ثورة يناير، وبعد أن مالت كفة الشعب وقتها دفعت الجماعة بعناصرها حتى لا تكون خارجة عن القوى السياسية المشاركة، وعندما نجحت في إسقاط النظام تحول الإخوان بسرعة لجني الثمار وكأنهم هم أصحاب الثورة ومفجروها.

انشقاقي بدأ بالاختلاف في المواقف السياسية للجماعة ومن ضمنها اقتناعي بعدم صلاحيتهم للحكم

سادت وقتها حالة من الانتشاء والشعور بالذات، وأصبح عناصرها يتعاملون مع شركاء الميدان على أنهم أوصياء عليهم، متفاخرين أنّهم الكيان الوحيد المنظم وقتها، ثم انتقلوا للسيطرة على مراكز صنع القرار سواء البرلمان والرئاسة، وهنا ظهرت التحولات الكبيرة في المواقف من السرية المطلقة، إلى العلنية، ومن المرحلة المعارضة للسلطة، إلى المشاركة، ثم إلى الاستئثار بالحكم كله.

أسباب الانشقاق  

هل انشققت عنهم في تلك الفترة أم بعدها؟ ولماذا؟

بالنسبة لانشقاقي فقد بدأ بالاختلاف في المواقف السياسية للجماعة، ومن ضمنها اقتناعي بعدم صلاحيتهم للحكم، ثم قناعاتي بفشلهم الذريع في إدارة الدولة ومحاولة خطفها، مروراً بقرارهم الكارثي باعتصام رابعة والوقوف في وجه الشعب ومؤسسات الدولة.

حينما يظهر على عنصر أنه كثير النقد في الأغلب يتم وقفه عن التصعيد في البناء التنظيمي

كل هذه المواقف وزاد عليها أخرى فكرية اتضحت لي أكثر داخل السجن منها: أساس وجود هذه الجماعة وغيرها من الجماعات وأنّ الإسلام في غنىً عنها جميعاً، بل هم أصبحوا عبئاً كبيراً على الدين نفسه، الذي يدّعون أن هدفهم نصرته، إضافةً لنظرة الإخوان للآخر وعدم قبولهم له، والعنف المترسخ في كتب الكثيرين منهم على خلاف الصورة النمطية التي كانوا يصدرونها في الإعلام ، وتلك النظرة التصادمية لكل أنظمة الحكم على مدى تاريخهم.

هل ترى مستقبلاً للجماعة عقب كل تلك التغييرات في مواقفهم وما جرى من رفض الناس مؤخراً لهم؟

مستقبل الجماعة أراه جزءاً من مستقبل مشروع الإسلام السياسي بوجه عام، وهو خفوت نجمه فهو الآن مجرد هيكل عظمي لا روح ولا وجود له، وربما يحصل كثير من الانشطارات داخله ليعيد نفسه بأسماء جديدة، أو ببعض الأفكار المتطورة، لكن ظني أنّ الشعوب قد لفظتهم للأبد ولم يعد ينطلي عليهم مثل هذه التصرفات.

باعتبار أنك خضت معهم تجربة السجون وأُفرج عنك مؤخراً، كيف ترى أحوالهم الآن؟

بالنسبة لأوضاعهم في السجون فهم منقسمون لعدة أقسام، حيث هناك من توجه أكثر للجانب المتطرف، بالأخص الأفكار الداعشية، وهناك قسم لا بأس به لا يزال مستمر على أفكاره ومقتنعاً بها، متوهماً أنّ هذه ضريبة الابتلاء وأنّ الجماعة ستخرج من هذه المحنة أقوى وأقوى مثلما خرجت من محنة الستينيات، وقسم آخر كبير كفر بالعمل السياسي والإخوان وأنّ الجماعة خدعتهم وكانوا مغيبين، وهذا يسبب كثيراً من المشاحنات بين تلك المجموعات في داخل السجون نفسها 

بم تنصح شباب الجماعة الآن بعد كل هذه التجربة؟

أقول لهم لا تصدقوا تلك التأصيلات الشرعية المزيفة، وراجعوا أنفسكم، ولا تجعلوها في دائرة واحدة كي تشاهدوا الواقع بصورة أوضح، وكونوا جزءاً من الحل ولا تكونوا جزءاً من الأزمة، بوقوفكم في وجه هؤلاء القيادات الذين يحرضون على العنف.

الصفحة الرئيسية