"منع الراديكالية وإعادة تأهيل الإرهابيين".. كيف نعالج التطرف ونقضي على الإرهاب؟

1922
عدد القراءات

2019-01-31

"منع الراديكالية وإعادة تأهيل الإرهابيين: إطار للتطبيق وصنع السياسات"؛ تحفة فنية من "الأرابيسك البحثي"، قدّمها روهان غونارتنا ( Rohan Gunaratna)، والباحثة صبرية حسين (Sabariah Hussin)، بمقاربات كلانية، يمكن أن تشكّل "كتالوجاً"، و"خريطة طريق" لا غنى عنها، للدول ومؤسسات المجتمع المدني، والمجتمعات، والخبراء، والباحثين الأكاديميين، ورجال الدين، الذين يريدون أن يفهموا برامج إعادة التأهيل والاندماج والرعاية اللاحقة، وأفضل الطرق والأساليب لمكافحة التطرف العنيف، وذلك من خلال تركيزهم على موضوعات تستخدم المقاربات الكلانية، ومن مختلف حقول المعرفة، خاصة في الجانب السيكولوجي والمعالجة السريرية والمجتمعية، مع التركيز على الأبعاد العولمية لظاهرة الإرهاب، وتمثيل أكبر عدد ممكن من الدول بالدراسة.

اقرأ أيضاً: الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!
الكتاب هو الجزء الثاني من سلسلة الكتب التي نعرض لها في "حفريات"، وهو كتاب "منع الراديكالية وإعادة تأهيل الارهابيين: إطار للتطبيق وصنع السياسات"؛ الصادر عن دار النشر المعروفة (Routledge)، الطبعة الأولى 2018، ويتألف من سبعة فصول، و(140) صفحة، وقد أكّد محرّراه على خطورة ظاهرة الإرهاب العالمي، و"دقّ ناقوس الخطر" بأنّ الإرهاب العالمي سينتشر ويزداد خطورة أكثر؛ إذا لم يتمّ التعامل معه بشكل مناسب وحصيف من قبل كافة الأطراف الفاعلة؛ من الأفراد، والدولة، ومؤسسات المجتمع الدولي، والمجتمع المدني.

غلاف الكتاب

مكافحة الإرهاب في ثلاث مقاربات
يحذّر الكتاب من أنّ تعزيز الحكومات لقدراتها الهجومية "الخشنة" على الإرهاب لا يكفي؛ بل لا بدّ من مزجها بالأساليب "الناعمة"، من خلال مبادرات لبرامج مكافحة التطرف وإعادة تأهيل الإرهابيين؛ لأنّ كلّ إرهابي، سواء كان داخل السجن أو خارجه، يمكن أن يكون أداة لتجنيد إرهابيين جدد، وحتى الإرهابيين الموتى، يمكن أن يكونوا أداة تجنيد ودعاية للإرهابيين الجدد؛ ومثال ذلك؛ أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، الذين تحوّلوا إلى" شهداء" في نظر أفراد الجماعات الإرهابية؛ لذلك يتخذونهم مثالاً، فيحذون حذوهم.

دون وضع برامج ضدّ الأيديولوجيا المتطرفة في كلّ الديانات لن تنجح جهود مكافحة التطرف العنيف والإرهاب

في المقابل؛ فإنّ المتطرفين والإرهابيين المعاد تأهيلهم، يمكن أن يكونوا مفيدين جداً في معركة العلاقات العامة في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
بالطبع؛ فإنّه ليس هناك حلّ سهل لتحديات مكافحة الراديكالية وإعادة التأهيل، لكن هذا الكتاب، من خلال اعتماده على العديد من "دراسات الحالة" الإمبيريقية المهمة من مختلف دول العالم؛ التي أشرنا إلى بعضها في الكتاب الأول، يستعرض بالتفصيل أفضل الأطر المفاهيمية موثوقية ومرونة، بما يقدمه من إرشادات لتأسيس أفضل، وأكثر برامج مكافحة الراديكالية وإعادة التأهيل ملاءمة للدول، من حيث الأولوية والأهمية والتكلفة المالية.
يؤكّد روهان وصبرية؛ أنّ المؤسسات الحكومية وشركاءها، مثل؛ الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أعدت "كُتيّب إرشادات"، يتضمن ثلاث مقاربات رئيسة في مكافحة الإرهاب وهي: مكافحة الإرهاب الإستراتيجية، وتأتي من ضمنها برامج "مكافحة التطرف العنيف" التي تستهدف البيئة العامة للإرهاب والانخراط المجتمعي في مكافحته، ومكافحة الإرهاب العملياتية، ومكافحة الإرهاب التكتيكية التي تستهدف في النهاية القضاء على الإرهابيين.

اقرأ أيضاً: إرهاب "ما بعد" داعش.. ما شكل الوحش القادم؟
وبناءً عليه؛ فإنّه من المهم لمكافحة الإرهاب الفعالة؛ أن تمزج بعقلانية بين المقاربات الثلاثة (الإستراتيجية، والعملياتية، والتكتيكية) للحصول على مقاربة كلّانية (holistic) لمكافحة الإرهاب.
إنّ إستراتيجية مكافحة التطرف العنيف (CVE)؛ التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي السابق، بارك أوباما، خلال الفترة 2009-2017، كانت تستهدف التفاعل مع المجتمعات الإسلامية ومنع الراديكالية، إلّا أنّ أوباما لم يفِ بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو، وعلاوة على ذلك لم تطبق فيه أية برامج لإعادة التأهيل؟!
ومعلوم أنّ تلك الإستراتيجية جاءت أصلاً؛ على خلفية "الحرب العالمية على الإرهاب" المثيرة للجدل، التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، التي عاد الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، إلى تبنّيها من خلال العودة الى استخدام المقاربة الخشنة في مكافحة الإرهاب، بحجة أنّ تلك المقاربة لم تكن فعّالة.

اقرأ أيضاً: بارقة أمل لإعادة تأهيل أطفال اليمن المجنّدين
وهو ما يؤكد الباحثان على خطورته في مجال مكافحة الإرهاب؛ بحجّة أنّه سيساهم في زيادة انتشار التطرف العنيف والإرهاب، بدلاً من نشر الوسطية الإسلامية.
مع الإشارة إلى مسيرة الإدارات الأمريكية في إدارة ملف مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب؛ من الحرب ضدّ طالبان إلى غزو العراق، والأخطاء المتراكمة التي دفعت في النهاية إلى زيادة خطر الإرهاب العالمي الإسلاموي، وظهور تنظيم داعش؛ الذي استقطب مقاتلين من 120 دولة في العالم، الذين يشكّلون خطراً محتملاً في المستقبل القريب على دولهم، في حال عودتهم، إضافة إلى خطر ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة.
ولعلّ هذا ما دفع البعض، عشية الذكرى السابعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر، إلى التصريح بأنّ تنظيم القاعدة هو الذي انتصر في النهاية، بسبب ضيق العقل الأمريكي.

هل يمكن أن تكون السجون والمعتقلات مكاناً مناسباً لبرامج إعادة التأهيل؟

هل تساهم المعتقلات في إعادة التأهيل؟

إنّ أهمّ الأسئلة التي نقّب عنها المساهمون في الكتاب الثاني سؤال: هل يمكن أن تكون السجون والمعتقلات مكاناً مناسباً لبرامج إعادة التأهيل، وهو سؤال يستلهم روح الفيلسوف والمنظر الاجتماعي البريطاني، جريمي بنثتام، صاحب فكرة البانوبتيكون (Panopticon) المراقبة المركزية والخفية، وقوة العقل على العقل، التي تسربت إلى أفكار الفلاسفة والكتّاب منهم: الفرنسي ميشيل فوكو، وشغفه بمسألة السجن والحرية للإنسان، عندما كتب مقالته "المراقبة والمعاقبة"، ونعوم تشومسكي، وزيجمونت بومان، والروائي جورج أورويل في "مزرعة الحيوانات"، وإمكانية خلق مجتمع من الجواسيس.

المتطرفون والإرهابيون المعاد تأهيلهم يمكن أن يكونوا مفيدين جداً في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف

ورغم الجدل العميق حول دور السجون وإمكانية التأهيل داخل السجن، وفوائده للمجتمع بشكل عام؛ إلا أنّ التجارب تبقى متضاربة، في الأردن –مثلاً- كانت تجربة السجون سلبية جداً؛ حيث خرّجت أكثر من 90% من أشرس إرهابيي الأردن، وعلى رأسهم "أبو مصعب الزرقاوي"، والعديد من الإرهابيين الذين كانوا معه في السجن، وقتلوا في العراق، وأفغانستان، والشيشان، وكردستان، وسوريا.
وفي العراق؛ خرج من سجن "بوكا" أشرس إرهابيّي داعش اليوم، وعلى رأسهم "أبو بكر البغدادي".
وهؤلاء كلهم كانت تحركهم أيديولوجيا متطرفة، ما تزال تُستغلّ، وتستخدم كعامل توحيد ودمج للمؤمنين بها.

اقرأ أيضاً: سنغافورة... التأهيل الديني سلاح فعال ضد الإرهاب
ولذلك؛ فإنه دون برامج ضدّ الأيديولوجيا المتطرفة في كلّ الديانات التي تستخدم الدين للدعاية والتجنيد وتبرير أعمالها الإرهابية، لن تنجح جهود مكافحة التطرف العنيف والإرهاب، وبرامج إعادة التأهيل والدمج لسببٍ بسيط؛ وهو أنّ الدين هو أساس معضلة الأيديولوجيا المتطرفة، وهو ما طبقته السعودية واليمن والعراق ومصر وسيرلانكا وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، في برامجها المختلفة.
لكن؛ هل تكفي المعالجة التقليدية (الاجتماعية، والسيكولوجية، والدينية) وحدها في مكافحة التطرف العنيف وإعادة التأهيل؟

اقرأ أيضاً: ما الجديد في إستراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب؟
بالطبع لا؛ لذلك فإنّ هناك مقاربة جديدة متعددة الأبعاد، وهي "إعادة التأهيل الاقتصادي"، التي تستند إلى تجربة حلّ النزعات بعد الحروب، وتقوم على أفكار مثل: نزع السلاح، والإدماج، والتعبئة (DDR) المستمدة من التجربة الأمريكية في أمريكا الوسطى، عام 1989، للاستفادة من المتطرفين والإرهابيين ليكونوا منتجين، ويندمجوا في المجتمع، بدل بقائهم كتهديد لأمن المجتمع هناك.
اليوم، ظهرت دراسات تدّعي أنّ المشاكل والأزمات المالية العالمية كانت وراء انتشار مظاهر التطرف العنيف والشعبّوية في أوروبا وأمريكا؛ لذلك فإنّ هناك أهمية لفهم الآليات التي تعمل بها آليات العولمة الاقتصادية في التأثير في حياة الأفراد، كما يمكن أن تكون إعادة التأهيل خارج السجون، بمشاركة كافة الأطراف الفاعلة؛ بداية من الدولة إلى القطاع الخاص، وحتى المجتمع والعائلة، أيضاً يمكن أن تشكّل وصمة العار(stigmatization) والاحتقار التي تلاحق الإرهابيين، حتى المفرج عنهم، نقطة حاسمة لمسألة إعادة التأهيل والإدماج في المجتمع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟
كما يمكن لتشجيع وتحفيز "ريادة الأعمال"، وإقامة المشاريع الاقتصادية التشاركية الصغيرة، مثل: المطاعم، ومكاتب تأجير السيارات، والورش الصناعية الصغيرة، أن تساعد في مكافحة التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، ويمكن أن تشكّل مجالاً واسعاً يُكافح من خلاله التطرف العنيف، ويعمل على دمج الأفراد المتهمين بالإرهاب والتطرف العنيف، وإزالة وصمة العار التي تلاحقهم وتدفعهم للاغتراب والتهميش.

لا يمكن النجاح دون دراسة وفهم دور المحيط والبيئة الحاضنة للمتطرفين

البيئة المحيطة جانب لا يمكن إهماله

لكن، لا يمكن لكلّ هذه البرامج والمقاربات أن تنجح دون دراسة وفهم دور المحيط والبيئة الحاضنة للمتطرفين والإرهابيين في المجتمع والعائلة والأصدقاء؛ لذلك لا بدّ لهذه البرامج من استهداف هذه البيئة، وفهم آلياتها، من خلال إعادة التأهيل الاجتماعي، وتعدّ تجارب السعودية وسنغافورة وسيرلانكا أمثلة مهمة على هذه المقاربة.

أفضل الإستراتيجيات تلك التي تدمج بين مختلف الأساليب وتخلط الطرق الخشنة بـالناعمة

للوصول إلى برامج شاملة وكلانية لإعادة التأهيل والإدماج والرعاية للمتهمين؛ لا بدّ لنا من استخدام مقاربة "إعادة التأهيل السيكولوجي" للمتهمين بالإرهاب، الذين يحملون أيديولوجيا متطرفة، وذلك من خلال رحلة مضنية ومعقدة من العمليات النفسية التي  تهدف إلى إعادة صياغة وتأسيس المتهمين، ليكونوا فاعلين في المجتمع مرة أخرى، باستخدام نوعين معروفين من المعالجة هما: العزل للمتهمين، وعدم السماح لهم بحرية الاتصال والحركة واللقاءات، والثاني العكس؛ وهو الدمج للمتهمين، والسماح لهم بحرية الحركة واللقاءات العائلية، بحسب تصنيف الحالات داخل السجون.
في النهاية؛ تحتاج كلّ هذه المقاربات والبرامج المتنوعة والمختلفة إلى عملية تقييم شاملة وواضحة ضمن نماذج متعددة ومتنوعة وآليات ومعايير تختلف من دولة إلى أخرى، لتقييم البرامج والبيانات والدلائل الإحصائية، ونسب النجاح التي تحققها البرامج في مجالين: التحول الفكري والتحوّل السلوكي.
لقد استطاع البروفسور روهان والباحثة صبرية من خلال هذا الكتاب، أن يقدمّا إضافة نوعية لا تقدَّر بثمن إلى أدبيات برامج إعادة التأهيل والاندماج والرعاية اللاحقة، التي تعاني من ضعف في الإنتاج البحثي والتأليف الرصين والعميق، خاصة في العالم العربي.

اقرأ أيضاً: مواجهة التطرف العنيف في الأردن.. هل من جديد؟
مع ترك المجال مفتوحاً لمزيد من الدراسة والبحث في المستقبل والبعد عن الحتميات وادعاء الحكمة، من خلال التأكيد على أنّه ليس هناك نموذج موحد لبرامج إعادة التأهيل والاندماج ومكافحة التطرف العنيف، وأنّ هذه البرامج تصلح لكافة أشكال التطرف العنيف، وليست مقتصرة على الجماعات الإسلاموية فقط، وأنّ هذه البرامج ليست ترفاً فكرياً؛ بل ضرورة ملحّة، وساحة أخرى في المعركة المفتوحة مع الإرهاب العالمي، خاصّة في ظلّ احتمال عودة الكثير من "المقاتلين الأجانب الإرهابيين" من ساحات القتال إلى بلادهم، خاصة الدول العربية.
إذاً؛ إنّ أفضل الإستراتيجيات هي تلك التي تدمج بين مختلف الأساليب، وتخلط الطرق "الخشنة" بــ "الناعمة"، بما يحول دون انتشار الفكر المتطرف في المكونات الهشّة للمجتمعات، لا سيما في العالم العربي.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

"منع الراديكالية وإعادة تأهيل الإرهابيين".. كيف نعالج التطرف ونقضي على الإرهاب؟

1922
عدد القراءات

2019-01-31

"منع الراديكالية وإعادة تأهيل الإرهابيين: إطار للتطبيق وصنع السياسات"؛ تحفة فنية من "الأرابيسك البحثي"، قدّمها روهان غونارتنا ( Rohan Gunaratna)، والباحثة صبرية حسين (Sabariah Hussin)، بمقاربات كلانية، يمكن أن تشكّل "كتالوجاً"، و"خريطة طريق" لا غنى عنها، للدول ومؤسسات المجتمع المدني، والمجتمعات، والخبراء، والباحثين الأكاديميين، ورجال الدين، الذين يريدون أن يفهموا برامج إعادة التأهيل والاندماج والرعاية اللاحقة، وأفضل الطرق والأساليب لمكافحة التطرف العنيف، وذلك من خلال تركيزهم على موضوعات تستخدم المقاربات الكلانية، ومن مختلف حقول المعرفة، خاصة في الجانب السيكولوجي والمعالجة السريرية والمجتمعية، مع التركيز على الأبعاد العولمية لظاهرة الإرهاب، وتمثيل أكبر عدد ممكن من الدول بالدراسة.

اقرأ أيضاً: الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!
الكتاب هو الجزء الثاني من سلسلة الكتب التي نعرض لها في "حفريات"، وهو كتاب "منع الراديكالية وإعادة تأهيل الارهابيين: إطار للتطبيق وصنع السياسات"؛ الصادر عن دار النشر المعروفة (Routledge)، الطبعة الأولى 2018، ويتألف من سبعة فصول، و(140) صفحة، وقد أكّد محرّراه على خطورة ظاهرة الإرهاب العالمي، و"دقّ ناقوس الخطر" بأنّ الإرهاب العالمي سينتشر ويزداد خطورة أكثر؛ إذا لم يتمّ التعامل معه بشكل مناسب وحصيف من قبل كافة الأطراف الفاعلة؛ من الأفراد، والدولة، ومؤسسات المجتمع الدولي، والمجتمع المدني.

غلاف الكتاب

مكافحة الإرهاب في ثلاث مقاربات
يحذّر الكتاب من أنّ تعزيز الحكومات لقدراتها الهجومية "الخشنة" على الإرهاب لا يكفي؛ بل لا بدّ من مزجها بالأساليب "الناعمة"، من خلال مبادرات لبرامج مكافحة التطرف وإعادة تأهيل الإرهابيين؛ لأنّ كلّ إرهابي، سواء كان داخل السجن أو خارجه، يمكن أن يكون أداة لتجنيد إرهابيين جدد، وحتى الإرهابيين الموتى، يمكن أن يكونوا أداة تجنيد ودعاية للإرهابيين الجدد؛ ومثال ذلك؛ أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي، الذين تحوّلوا إلى" شهداء" في نظر أفراد الجماعات الإرهابية؛ لذلك يتخذونهم مثالاً، فيحذون حذوهم.

دون وضع برامج ضدّ الأيديولوجيا المتطرفة في كلّ الديانات لن تنجح جهود مكافحة التطرف العنيف والإرهاب

في المقابل؛ فإنّ المتطرفين والإرهابيين المعاد تأهيلهم، يمكن أن يكونوا مفيدين جداً في معركة العلاقات العامة في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.
بالطبع؛ فإنّه ليس هناك حلّ سهل لتحديات مكافحة الراديكالية وإعادة التأهيل، لكن هذا الكتاب، من خلال اعتماده على العديد من "دراسات الحالة" الإمبيريقية المهمة من مختلف دول العالم؛ التي أشرنا إلى بعضها في الكتاب الأول، يستعرض بالتفصيل أفضل الأطر المفاهيمية موثوقية ومرونة، بما يقدمه من إرشادات لتأسيس أفضل، وأكثر برامج مكافحة الراديكالية وإعادة التأهيل ملاءمة للدول، من حيث الأولوية والأهمية والتكلفة المالية.
يؤكّد روهان وصبرية؛ أنّ المؤسسات الحكومية وشركاءها، مثل؛ الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، أعدت "كُتيّب إرشادات"، يتضمن ثلاث مقاربات رئيسة في مكافحة الإرهاب وهي: مكافحة الإرهاب الإستراتيجية، وتأتي من ضمنها برامج "مكافحة التطرف العنيف" التي تستهدف البيئة العامة للإرهاب والانخراط المجتمعي في مكافحته، ومكافحة الإرهاب العملياتية، ومكافحة الإرهاب التكتيكية التي تستهدف في النهاية القضاء على الإرهابيين.

اقرأ أيضاً: إرهاب "ما بعد" داعش.. ما شكل الوحش القادم؟
وبناءً عليه؛ فإنّه من المهم لمكافحة الإرهاب الفعالة؛ أن تمزج بعقلانية بين المقاربات الثلاثة (الإستراتيجية، والعملياتية، والتكتيكية) للحصول على مقاربة كلّانية (holistic) لمكافحة الإرهاب.
إنّ إستراتيجية مكافحة التطرف العنيف (CVE)؛ التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي السابق، بارك أوباما، خلال الفترة 2009-2017، كانت تستهدف التفاعل مع المجتمعات الإسلامية ومنع الراديكالية، إلّا أنّ أوباما لم يفِ بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو، وعلاوة على ذلك لم تطبق فيه أية برامج لإعادة التأهيل؟!
ومعلوم أنّ تلك الإستراتيجية جاءت أصلاً؛ على خلفية "الحرب العالمية على الإرهاب" المثيرة للجدل، التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، التي عاد الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، إلى تبنّيها من خلال العودة الى استخدام المقاربة الخشنة في مكافحة الإرهاب، بحجة أنّ تلك المقاربة لم تكن فعّالة.

اقرأ أيضاً: بارقة أمل لإعادة تأهيل أطفال اليمن المجنّدين
وهو ما يؤكد الباحثان على خطورته في مجال مكافحة الإرهاب؛ بحجّة أنّه سيساهم في زيادة انتشار التطرف العنيف والإرهاب، بدلاً من نشر الوسطية الإسلامية.
مع الإشارة إلى مسيرة الإدارات الأمريكية في إدارة ملف مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب؛ من الحرب ضدّ طالبان إلى غزو العراق، والأخطاء المتراكمة التي دفعت في النهاية إلى زيادة خطر الإرهاب العالمي الإسلاموي، وظهور تنظيم داعش؛ الذي استقطب مقاتلين من 120 دولة في العالم، الذين يشكّلون خطراً محتملاً في المستقبل القريب على دولهم، في حال عودتهم، إضافة إلى خطر ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة.
ولعلّ هذا ما دفع البعض، عشية الذكرى السابعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر، إلى التصريح بأنّ تنظيم القاعدة هو الذي انتصر في النهاية، بسبب ضيق العقل الأمريكي.

هل يمكن أن تكون السجون والمعتقلات مكاناً مناسباً لبرامج إعادة التأهيل؟

هل تساهم المعتقلات في إعادة التأهيل؟

إنّ أهمّ الأسئلة التي نقّب عنها المساهمون في الكتاب الثاني سؤال: هل يمكن أن تكون السجون والمعتقلات مكاناً مناسباً لبرامج إعادة التأهيل، وهو سؤال يستلهم روح الفيلسوف والمنظر الاجتماعي البريطاني، جريمي بنثتام، صاحب فكرة البانوبتيكون (Panopticon) المراقبة المركزية والخفية، وقوة العقل على العقل، التي تسربت إلى أفكار الفلاسفة والكتّاب منهم: الفرنسي ميشيل فوكو، وشغفه بمسألة السجن والحرية للإنسان، عندما كتب مقالته "المراقبة والمعاقبة"، ونعوم تشومسكي، وزيجمونت بومان، والروائي جورج أورويل في "مزرعة الحيوانات"، وإمكانية خلق مجتمع من الجواسيس.

المتطرفون والإرهابيون المعاد تأهيلهم يمكن أن يكونوا مفيدين جداً في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف

ورغم الجدل العميق حول دور السجون وإمكانية التأهيل داخل السجن، وفوائده للمجتمع بشكل عام؛ إلا أنّ التجارب تبقى متضاربة، في الأردن –مثلاً- كانت تجربة السجون سلبية جداً؛ حيث خرّجت أكثر من 90% من أشرس إرهابيي الأردن، وعلى رأسهم "أبو مصعب الزرقاوي"، والعديد من الإرهابيين الذين كانوا معه في السجن، وقتلوا في العراق، وأفغانستان، والشيشان، وكردستان، وسوريا.
وفي العراق؛ خرج من سجن "بوكا" أشرس إرهابيّي داعش اليوم، وعلى رأسهم "أبو بكر البغدادي".
وهؤلاء كلهم كانت تحركهم أيديولوجيا متطرفة، ما تزال تُستغلّ، وتستخدم كعامل توحيد ودمج للمؤمنين بها.

اقرأ أيضاً: سنغافورة... التأهيل الديني سلاح فعال ضد الإرهاب
ولذلك؛ فإنه دون برامج ضدّ الأيديولوجيا المتطرفة في كلّ الديانات التي تستخدم الدين للدعاية والتجنيد وتبرير أعمالها الإرهابية، لن تنجح جهود مكافحة التطرف العنيف والإرهاب، وبرامج إعادة التأهيل والدمج لسببٍ بسيط؛ وهو أنّ الدين هو أساس معضلة الأيديولوجيا المتطرفة، وهو ما طبقته السعودية واليمن والعراق ومصر وسيرلانكا وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، في برامجها المختلفة.
لكن؛ هل تكفي المعالجة التقليدية (الاجتماعية، والسيكولوجية، والدينية) وحدها في مكافحة التطرف العنيف وإعادة التأهيل؟

اقرأ أيضاً: ما الجديد في إستراتيجية ترامب لمكافحة الإرهاب؟
بالطبع لا؛ لذلك فإنّ هناك مقاربة جديدة متعددة الأبعاد، وهي "إعادة التأهيل الاقتصادي"، التي تستند إلى تجربة حلّ النزعات بعد الحروب، وتقوم على أفكار مثل: نزع السلاح، والإدماج، والتعبئة (DDR) المستمدة من التجربة الأمريكية في أمريكا الوسطى، عام 1989، للاستفادة من المتطرفين والإرهابيين ليكونوا منتجين، ويندمجوا في المجتمع، بدل بقائهم كتهديد لأمن المجتمع هناك.
اليوم، ظهرت دراسات تدّعي أنّ المشاكل والأزمات المالية العالمية كانت وراء انتشار مظاهر التطرف العنيف والشعبّوية في أوروبا وأمريكا؛ لذلك فإنّ هناك أهمية لفهم الآليات التي تعمل بها آليات العولمة الاقتصادية في التأثير في حياة الأفراد، كما يمكن أن تكون إعادة التأهيل خارج السجون، بمشاركة كافة الأطراف الفاعلة؛ بداية من الدولة إلى القطاع الخاص، وحتى المجتمع والعائلة، أيضاً يمكن أن تشكّل وصمة العار(stigmatization) والاحتقار التي تلاحق الإرهابيين، حتى المفرج عنهم، نقطة حاسمة لمسألة إعادة التأهيل والإدماج في المجتمع.

اقرأ أيضاً: لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟
كما يمكن لتشجيع وتحفيز "ريادة الأعمال"، وإقامة المشاريع الاقتصادية التشاركية الصغيرة، مثل: المطاعم، ومكاتب تأجير السيارات، والورش الصناعية الصغيرة، أن تساعد في مكافحة التطرف العنيف وإعادة التأهيل والإدماج، ويمكن أن تشكّل مجالاً واسعاً يُكافح من خلاله التطرف العنيف، ويعمل على دمج الأفراد المتهمين بالإرهاب والتطرف العنيف، وإزالة وصمة العار التي تلاحقهم وتدفعهم للاغتراب والتهميش.

لا يمكن النجاح دون دراسة وفهم دور المحيط والبيئة الحاضنة للمتطرفين

البيئة المحيطة جانب لا يمكن إهماله

لكن، لا يمكن لكلّ هذه البرامج والمقاربات أن تنجح دون دراسة وفهم دور المحيط والبيئة الحاضنة للمتطرفين والإرهابيين في المجتمع والعائلة والأصدقاء؛ لذلك لا بدّ لهذه البرامج من استهداف هذه البيئة، وفهم آلياتها، من خلال إعادة التأهيل الاجتماعي، وتعدّ تجارب السعودية وسنغافورة وسيرلانكا أمثلة مهمة على هذه المقاربة.

أفضل الإستراتيجيات تلك التي تدمج بين مختلف الأساليب وتخلط الطرق الخشنة بـالناعمة

للوصول إلى برامج شاملة وكلانية لإعادة التأهيل والإدماج والرعاية للمتهمين؛ لا بدّ لنا من استخدام مقاربة "إعادة التأهيل السيكولوجي" للمتهمين بالإرهاب، الذين يحملون أيديولوجيا متطرفة، وذلك من خلال رحلة مضنية ومعقدة من العمليات النفسية التي  تهدف إلى إعادة صياغة وتأسيس المتهمين، ليكونوا فاعلين في المجتمع مرة أخرى، باستخدام نوعين معروفين من المعالجة هما: العزل للمتهمين، وعدم السماح لهم بحرية الاتصال والحركة واللقاءات، والثاني العكس؛ وهو الدمج للمتهمين، والسماح لهم بحرية الحركة واللقاءات العائلية، بحسب تصنيف الحالات داخل السجون.
في النهاية؛ تحتاج كلّ هذه المقاربات والبرامج المتنوعة والمختلفة إلى عملية تقييم شاملة وواضحة ضمن نماذج متعددة ومتنوعة وآليات ومعايير تختلف من دولة إلى أخرى، لتقييم البرامج والبيانات والدلائل الإحصائية، ونسب النجاح التي تحققها البرامج في مجالين: التحول الفكري والتحوّل السلوكي.
لقد استطاع البروفسور روهان والباحثة صبرية من خلال هذا الكتاب، أن يقدمّا إضافة نوعية لا تقدَّر بثمن إلى أدبيات برامج إعادة التأهيل والاندماج والرعاية اللاحقة، التي تعاني من ضعف في الإنتاج البحثي والتأليف الرصين والعميق، خاصة في العالم العربي.

اقرأ أيضاً: مواجهة التطرف العنيف في الأردن.. هل من جديد؟
مع ترك المجال مفتوحاً لمزيد من الدراسة والبحث في المستقبل والبعد عن الحتميات وادعاء الحكمة، من خلال التأكيد على أنّه ليس هناك نموذج موحد لبرامج إعادة التأهيل والاندماج ومكافحة التطرف العنيف، وأنّ هذه البرامج تصلح لكافة أشكال التطرف العنيف، وليست مقتصرة على الجماعات الإسلاموية فقط، وأنّ هذه البرامج ليست ترفاً فكرياً؛ بل ضرورة ملحّة، وساحة أخرى في المعركة المفتوحة مع الإرهاب العالمي، خاصّة في ظلّ احتمال عودة الكثير من "المقاتلين الأجانب الإرهابيين" من ساحات القتال إلى بلادهم، خاصة الدول العربية.
إذاً؛ إنّ أفضل الإستراتيجيات هي تلك التي تدمج بين مختلف الأساليب، وتخلط الطرق "الخشنة" بــ "الناعمة"، بما يحول دون انتشار الفكر المتطرف في المكونات الهشّة للمجتمعات، لا سيما في العالم العربي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: