من أدوات تركيا للتمدد الناعم بالخارج رعاية المساجد وتدريب الأئمة... كيف تقوم بتوظيفها؟

من أدوات تركيا للتمدد الناعم بالخارج رعاية المساجد وتدريب الأئمة... كيف تقوم بتوظيفها؟

مشاهدة

31/05/2021

تأسست مديرية الشؤون الدينية في تركيا (ديانت) عام 1924، وذلك في مرحلة كان التوجه الرسمي للدولة فيها هو باتجاه دعم خيار العلمنة والسعي لمراقبة الخطاب الديني والحرص على بقائه بعيداً عن التسييس والتوظيف من قبل تيارات الإسلام السياسي، إلا أنّ التحوّلات التي عرفتها الدولة والمجتمع والمشهد السياسي في تركيا أدت في النهاية إلى إعادة بلورة وظائف وأدوار هذه المؤسسة، وذلك بعدما كانت قد توسعت دائرة عملها داخل تركيا وخارجها، وبحيث باتت مرتبطة في العقدين الأخيرين بأداء وظائف مرتبطة بسياسة ومصالح تركيا الخارجية بالدرجة الأولى.

عقد الثمانينيات... بدايات التوسّع والانتشار

بعد انقلاب العام 1980 في تركيا، وما رافقه وتبعه من اضطرابات وصراعات داخلية، بين التيارات السياسية المختلفة، من يسارية، وقومية، وإسلامية، لجأ العديد من الناشطين ومن أتباع هذه الحركات إلى أوروبا، ووصلت أعدادهم إلى نحو 30 ألفاً، وهناك بدؤوا بالانتشار وممارسة الحضور بين أفراد الشتات التركي، من المهاجرين الأتراك المنتشرين في أوروبا الغربية تحديداً.

خلال عقد الثمانينيات بدأت السلطات التركية بتوسعة نطاق عمليات "ديانت" في أوروبا وكان الهدف الأساس هو الحرص على نشر فكر ديني معتدل بين الأتراك في أوروبا

إثر ذلك بدأت الدولة تدرك أهمية ممارسة المزيد من المتابعة والعناية فيما يتعلق بالشتات التركي في أوروبا، وما يحملونه من توجّهات وانتماءات، وخاصّة أنّ هذه الجاليات كانت هدفاً لنشاط حركة "ميللي غوروش" (الرؤية الوطنية)، وهي الحركة المنتمية لتيار الإسلام السياسي، والتي أسسها نجم الدين أربكان عام 1969 لتكون بمثابة الامتداد لحزبه الإسلامي "النظام الوطني" في القارة الأوروبية.

بعد انقلاب 1980 في تركيا وما رافقه من إعدامات وملاحقات فرّ عدد كبير من الناشطين والمعارضين إلى خارج تركيا

إثر ذلك، بدأت السلطات التركية سعيها لتوسعة نطاق عمليات "ديانت" (مديرية الشؤون الدينية في تركيا)، وقد شملت البلدان الأوروبية التي يتواجد فيها الأتراك، وكان الهدف الأساس من ذلك هو الحرص على نشر فكر ديني متفق مع الأسس والمبادئ العلمانية (الكمالية؛ نسبة إلى كمال أتاتورك) التي قامت عليها الجمهورية التركية بين الأتراك في أوروبا، والحرص على إبعادهم عن الميل نحو التطرف والتعرض للاستقطاب من قبل تيارات الإسلام السياسي الصاعدة آنذاك؛ ومن ثم برزت أهداف أخرى مع تصاعد الصراع المسلح مع الأكراد في جنوب وشرق تركيا، حيث حرصت أيضاً على منع الحركات الكردية من اختراق هذه الجاليات.

اقرأ أيضاً: تركيا: رذاذ الفلفل ضدّ مجموعة من قرّاء القرآن

في هذا السياق، بدأت السلطات التركية تعقد اتفاقيات مع الدول الأوروبية تم بمقتضاها افتتاح فروع لمديرية الشؤون الدينية، وذلك حتى تتمكن من الإشراف على المساجد التي يقصدها الأتراك، وإدارة الجمعيات الإسلامية التركية في تلك الدول.

التحوّل... مهام وأدوار جديدة

وحتى أعوام نهاية عقد التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة، استمر الهدف من تواجد ونشاط "ديانت" في أوروبا، وهو السيطرة على الجاليات والشتات التركي، وليس محاولة استغلاله وتوظيفه لخدمة سياسات تركيا الخارجية ونفوذها في أوروبا، وهو التوجّه الذي بدأ بالظهور بعد ذلك، وتحديداً بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم في تركيا عام 2002.

وجد حزب العدالة والتنمية بأنه يمكنه تسخير "ديانت" كأداة قوة ناعمة، من خلال نشر ثقافة مرتبطة وداعمة للدولة التركية وسياساتها

وقد غيّرت "ديانت" مهام عملها ووسعت من رسالتها وأدوارها، وباتت أكثر ارتباطاً بالحزب الحاكم (العدالة والتنمية) وأجنداته، حتى غدت بمثابة أداة لتنفيذ إيديولوجيته السياسية، ومن الناحية الهيكلية، وبدءاً من العام 2010، أضحت المؤسسة مرتبطة بشكل مباشر بالرئاسة التركية.

وقد وجد الحزب في المؤسسة شبكة تنظيمية واسعة تنضوي تحتها مئات المساجد والجمعيات، بحيث يمكنه الاعتماد عليها في السيطرة على الجاليات التركية وأبعد من ذلك، المسلمة عموماً، في أوروبا، وبأنه يمكن تسخيرها لتكون أداة قوة ناعمة، وذلك من خلال نشر ثقافة مرتبطة وداعمة للدولة التركية وسياساتها بين الأتراك والمسلمين في أوروبا.

الرئيس التركي أردوغان مع علي أرباش رئيس منظمة الشؤون الدينية التركية (ديانت)

ولأنّ حزب العدالة والتنمية ينطلق من مرجعية الإسلام السياسي ذاتها التي أسس لها أربكان وحزبه، فإنّ الحزب اتجه نحو إنهاء الاستقطاب والانقسام بين مؤسسات مديرية الشؤون الدينية (ديانت)، وتجسير الهوة بينها وبين تلك التابعة لحركة "ميللي غوروش"، وسرعان ما تحوّلت العلاقة بينهما من الصدام إلى التعاون، وبذلك تمكّنت حكومة العدالة والتنمية من بسط سيطرتها على غالبية المؤسسات الدينية التركية في عموم القارة الأوروبية، ولم يبقَ خارج سيطرتها سوى المنظمات العلويّة (بيوت الجمع) والكرديّة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة أردوغان والمناصب السيادية... هل تعرقل تركيا الحلول الليبية؟

تزامنت هذه التحوّلات في بداية العقد الأول من القرن الحالي مع توجهات حكومة العدالة والتنمية على صعيد السياسة الخارجية التي كانت تسعى في حينه لامتلاك أكبر قدر ممكن من أوراق الضغط في مواجهة الدول الأوروبية أثناء مساعي الانضمام للاتحاد الأوروبي التي كانت قد دخلت طوراً متطوّراً من مراحل التفاوض في حينه، فسعت لترتيب أوضاع الشتات والجاليات التركية الأوروبية والسيطرة عليها، محاولةً توظيفها باعتبارها أوراق ضغط في يدها.

التوسّع والتمدد

وفي ظل حكم حزب العدالة والتنمية، تضاعفت ميزانية "ديانت" لتصل إلى أكثر من ملياري دولار بحلول عام 2015م، وتضاعف عدد الموظفين ووصل إلى ما يقرب 150 ألفاً، وباتت المؤسسة اليوم تدير أكثر من 85 ألف مسجد داخل تركيا، وأكثر من 2000 مسجد في الخارج.

اقرأ أيضاً: تتار القرم.. كيف توظفهم تركيا في سياستها الخارجية؟

وفي فرنسا، حيث تصل تقديرات أعداد الجالية التركية (بما في ذلك الفرنسيون المنحدرون من أصل تركي)، إلى حوالي 700 ألف شخص، تدير المؤسسة 350 مسجداً مخصصة للجالية، بما في ذلك قيامها بتوظيف الأئمة ودفع رواتبهم، إضافة إلى تدريبهم وإعدادهم، وفي بلجيكا تدير "ديانت" 70 مسجداً من أصل 300 مسجد، ومن بين 475 في هولندا، تدير 146 مسجداً.

وإضافة إلى المساجد التي تديرها "ديانت"، هناك الجمعيات الإسلامية التابعة لـ "ميللي غوروش"، والتي يقدر عددها في أوروبا بـ300 جمعية، تضم في صفوفها زهاء 100 ألف عضو.

وظائف وأدوار مستجدّة

عدا عن الوظائف المرتبطة بالمديرية من إشراف وتعليم وتدريب وتعيين الأئمة، فإنّ الأدوار تجاوزت ذلك لترتبط بمهام أبعد، تبدأ بتحقيق الرقابة على الأتراك الأوروبيين من قبل الدولة التركية، وخاصّة من ناحية الأفكار والتوجهات السياسية، ويشارك الأئمة في جهود الدولة التركية لمراقبة الأتراك في الخارج، ولا سيّما فيما يتعلق برصد وجود أي انتماءات لحركة غولن، أو الحركات والأحزاب الكردية.

من فعاليات ملتقى "مسلمي أوروبا" (كولونيا - ألمانيا) من تنظيم "ديانت" بالتعاون مع شبكة الإخوان في أوروبا 2019

على مستوى آخر، فإنّ الخطاب الذي تتبنّاه "ديانت" وأئمتها ينبني وينطلق من الإيديولوجية السياسية التي يتبنّاها حزب العدالة والتنمية، وخاصّة خطابه على صعيد السياسة الخارجية، من تأكيد القيم المحافظة المرتبطة بالهوية والمرجعية التاريخية العثمانية، وتتمحور الخطابات التي تحاول بثّها حول المزيج الذي يجمع الدين والقومية التركية، ولتخدم في النهاية عقيدة "التمدد العثماني" القائمة على معتقدات ومرجعيات دينية تاريخية يؤمن بها الرئيس التركي أردوغان، وحزبه، وشريحة كبيرة من ناخبي حزب العدالة والتنمية.

لم تعد مهمّة "ديانت" قاصرة على الجانب الديني، وإنما تجاوزتها لمهام مرتبطة بالأمن القومي التركي والسياسة الخارجية التركية

وبذلك، فإنّ مهمّة "ديانت" ليست قاصرة على الجانب الديني، وإنما هي تتولى مهام مرتبطة بالأمن القومي التركي والسياسة الخارجية التركية، وهي تقوم بالمزج والمماهاة بينهما، ويتقاطع ذلك مع تكريس اعتبارات من قبيل أنّ (الإسلام هو تركيا، وتركيا هي الإسلام)، معززين بذلك خطاباً يتعارض بالضرورة مع سياسات الاندماج التي ترعاها وتتبناها الدول الأوروبية الغربية، التي تسعى ليكون الإسلام مكوّناً من مكونات مجتمعاتها، لا أن يكون مرتبطاً بدول ومشاريع من الخارج، وهو ما دفع أوروبا إلى البدء بإجراءات تصدي ومجابهة الدور التركي على هذا الصعيد.

التصدي والمجابهة

ومع تزايد الإدراك لأبعاد هذه الأدوار والأهداف الحقيقية من ورائها، لجأت الدول الأوروبية إلى اتخاذ تدابير لمواجهتها، ففي شباط (فبراير) 2019 فعّلت النمسا قانوناً يحظر التمويل الأجنبي لأئمة المساجد، وهدف بشكل خاصّ إلى منع تمويل الاتحادات الإسلامية والمساجد من قبل تركيا، وفي آذار (مارس) 2020 أيّدت المحكمة العليا في النمسا قراراً للحكومة النمساوية بفصل الأئمة الذين تموّلهم تركيا.

اقرأ أيضاً: الارتباك يسيطر على الإخوان في تركيا... ما الذي يجري؟

وفي نيسان (أبريل) 2019، وَعَد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (بألّا يكون هناك أيّ تهاون في مواجهة أولئك الذين يريدون فرض إسلام سياسي يسعى إلى الانفصال عن المجتمع الفرنسي). وفي أيار (مايو) 2019 رفض وزير التعليم الفرنسي مطالب الحكومة التركية بتأسيس مدارس دينية في فرنسا.

مسجد في مدينة "آخن" بألمانيا... وقد رفع أمامه علم "ديتيت" (وسط) التي تتولى إدارة مساجد الجالية التركية

وفي شباط (فبراير) 2020 أعلن الرئيس الفرنسي عن التوجّه نحو سنّ قانون جديد، باسم "قانون محاربة الانعزالية"، الهدف منه تعزيز الرقابة على خطب المساجد التي لا تتوافق مع "قيم الجمهورية"، والتوقف عن استقبال أئمة ترسلهم وتموّلهم دول أجنبية، مقابل زيادة تعيين الأئمة الذين نشؤوا في فرنسا، واستهدف القانون بالأساس إنهاء التفاهمات التي ترسل تركيا بموجبها أئمة إلى فرنسا، وبالتزامن مع ذلك، بدأت السُلطات الفرنسية بالعمل على إعداد برنامج لتأهيل أئمة مستقلين، وبحيث يكونون متوافقين مع القيم الفرنسية، ومستعدين لبثّ خطاب يشجع على نبذ الانفصال، وتعزيز اندماج المسلمين ضمن المجتمع الفرنسي.

اقرأ أيضاً: هل يعيق ملف الإخوان خطوات تركيا المتسارعة للتقارب مع مصر؟

وفي ألمانيا، وبسبب ارتباط الاتحاد الإسلامي التركي للشؤون الدينية في ألمانيا (ديتيب) بالدولة التركية، فإنّ الساسة الألمان أخذوا يدعون ومنذ فترة طويلة لانفصال مالي وهيكلي للاتحاد عن تركيا، ويعود تاريخ إنشاء هذا الاتحاد في ألمانيا إلى العام 1984.

وقد برزت قضية الدعم والدور التركي فيما يتعلق بالمساجد والأئمة بألمانيا على الساحة في العام 2017، حين داهمت الشرطة الألمانية منازل لأئمة أتراك بعد الاشتباه في قيامهم بأنشطة تجسسية لصالح الحكومة التركية، ضد معارضين أتراك.

اقرأ أيضاً: ما أبرز أبعاد استراتيجية تركيا لتعزيز نفوذها في آسيا الوسطى؟

وفي العام 2019، وضمن التوجه لمجابهة الأدوار الانفصالية للمساجد في ألمانيا، جاء إطلاق المشروع "مساجد من أجل الاندماج"، بتنسيق بين الهيئة الاتحادية لشؤون الهجرة واللاجئين وبالتعاون مع مجلس استشاري يضم ممثلين من منظمات إسلامية،  ويهدف المشروع إلى دعم برامج الإرشاد وتعزيز الصلات بين المساجد والمحيط المجاور لها.

ارتبط نشاط "ديانت" في أوروبا منذ تولي حزب العدالة والتنمية الحكم بأداء أدوار مرتبطة بالسياسة الخارجية للدولة التركية، متعارضةً بذلك مع مصالح والأولويات الأمنية للدول الأوروبية المستضيفة للجاليات التركية، وخاصة فيما يتعلق بتعزيز الانفصال عن المجتمعات المحيطة، وتمحور خطابها حول مزج الإسلام والتعاليم الدينية بقيم قومية تركية وخطاب عثماني مرتبط بطموح تمددي، وذلك وفقاً لمبادئ ومرتكزات خطاب حزب العدالة والتنمية.

وهو ما أدى بالتالي إلى مقابلة دورها بمزيد من الريبة من قبل الدول الأوروبية، وتحركت بالتالي نحو تقويض وعرقلة هذه المساعي، وهو ما يبدو أنه سيصعّب من المساعي التركية لاستغلال وتوظيف المجال الديني في خدمة أجندتها على الساحة الخارجية في أوروبا الغربية تحديداً، بينما ما زالت هذه الجهود التركية تواجه مجابهة أقلّ حدة في مناطق أخرى كـ: البلقان، والعالم العربي.

الصفحة الرئيسية