من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
3830
عدد القراءات

2019-07-31

ترجمة: مدني قصري


تُعدّ فرنسا الدولة الغربية الأكثر تضرّراً من ظاهرة الجهاد في سوريا، لقد أقام نحو 1300 فرنسي في الواقع في المنطقة السورية العراقية، وتم اعتقال المئات قبل وصولهم إلى وِجهتهم، في نهاية شباط (فبراير) 2018، كان هناك 323 "عائداً" إلى فرنسا، بما في ذلك 68 قاصراً.

اقرأ أيضاً: جهاد الطلب.. هل أصّل الفقهاء لصناعة الأعداء؟
تحلّل دراسة إيفري "Ifri" (المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية)، المستندة إلى مصادر قضائية أصلية، ملامح وخلفيات 137 شخصاً تمّت إدانتهم في فرنسا في قضايا جهادية، من عام 2004 إلى نهاية عام 2017. يبدو أنّ هؤلاء الأفراد يتميزون بانخفاض في مستوى التعليم والاندماج المهني، ودرجة أعلى من الفقر، ومشاركة أكبر في الجريمة، وعلاقة أوثق بالمغرب العربي وإفريقيا وجنوب الصحراء.

الإرهاب الذي يؤثر على فرنسا هو داخلي بشكل أساسي فمعظم الأفراد المدانين وُلدوا بفرنسا وترعرعوا في هذا البلد

فيما وراء الأرقام؛ يساعد التحليل النوعي على فهمٍ أفضل لعمليات التطرف والانزلاق نحو الإرهاب؛ فالأدوار التي تلعبها ديناميات المجموعة، أو الإنترنت، أو السجن، مفصلة، على سبيل المثال.

كما سلطت هذه الدراسة الضوء على كيفية تأثير الظاهرة الجهادية على الإدارات القضائية والسجون، وتمّ ذكر مسألة الارتداد إلى الجريمة على وجه التحديد، لا سيما من خلال قضايا الأفراد المحكوم عليهم بارتكاب أعمال إرهابية، والذين ارتكبوا، بعد قضاء مدة عقوبتهم، هجمات على الأراضي الفرنسية، هذه القضية أكثر سخونة؛ لأنّه يجب إطلاق سراح حوالي 60 شخصاً مداناً بالإرهاب خلال العامين المقبلين.

تُعدّ فرنسا الدولة الغربية الأكثر تضرّراً من ظاهرة الجهاد في سوريا

الجنس والعمر

العيّنة التي استعمِلت كأساس لِدراسة إيفري، تتكوّن من 131 رجلاً، و6 نساء فقط، ولا تعكس النسبة الصغيرة للنساء انخراط النساء في التنظيمات الجهادية؛ إذ تشير التقديرات إلى أنّ حوالي ثلث المواطنين الفرنسيين الذين ذهبوا إلى سوريا كانوا من النساء.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تحويل جهادي إلى مكافح للتطرف

كون أنّ التوزيع بحسب الجنس غير متوازن للغاية، في العيّنة أمرٌ يمكن تفسيره بالاتجاه الذي ساد منذ فترة طويلة داخل الإدارة القضائية، القائم على عدم محاكمة النساء المتورّطات في التنظيمات الجهادية؛ إذ غالباً ما  تعتبَر النساء ضحايا، مدفوعات بالأزواج المتطرفين، لكن، قد تلعب النساء دوراً في تطرّف أزواجهنّ.

لاحظ العديد من المؤلفين انخفاض مستوى المعرفة الدينية لدى الشباب المنخرطين في الجهادية

تطورت الممارسة القضائية منذ نحو عامين، ويرجع ذلك بشكل خاص إلى محاولة الهجوم من قبل مجموعة من النساء في عام 2016، بالقرب من كاتدرائية نوتردام في باريس، منذ ذلك الحين، من المرجَّح أن تكون النساء، خاصة العائدات من سوريا، إرهابيات أكثر منهنّ ضحايا. وهنّ الآن يخضعن لمقاضاة منهجية، مثل الرجال تماماً.

أما بالنسبة إلى متوسط العمر؛ فهو في العيّنة عند 26 عاماً، كثيراً ما يقال إنّ متوسط عمر الجهاديين آخذ في الانخفاض، في عيّنة الدراسة؛ ثبت أنّ الجهاديين الذين صدرت ضدّهم أحكام عام 2017، هم بالفعل أصغر سناً (24 عاماً في المتوسط) من أولئك الذين حكم عليهم في الأعوام السابقة، لكنّ الانخفاض ليس مذهلاً، متوسّط العمر كان يمكن أن يكون أقلّ لو أدمِج القاصرون في الدراسة، فيما يخصّ القاصرين تم بالفعل تخصيص أعمال خاصة بالمتطرفين منهم.

من المرجَّح أن تكون النساء خاصة العائدات من سوريا إرهابيات أكثر منهنّ ضحايا

مكان الإقامة

هناك لامركزية قوية لأماكن إقامة 121 من أصل 137 جهادياً في العيّنة؛ حيث تتأثر بعض المناطق أكثر من غيرها، يفسَّر التشتت الجغرافي هذا، على الأقل، جزئياً بالانتشار المهمّ للدعاية الجهادية على الإنترنت.

اقرأ أيضاً: جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

بالنسبة إلى بنية "مراكز" الإرهاب، يمكن فهمها من خلال وجود مجندين في مدن معينة، ومن خلال ديناميات المجموعة التي تفضل إشراك عدة أشخاص من الحي نفسه، لقد تمّ فحص عناوين الجهاديين الـ121 بواسطة خريطة الأحياء ذات الأولوية لسياسة المدينة، واتّضح أنّ 49 (أو 40 ٪) من هؤلاء الأفراد يأتون من حيّ ذي الأولوية.
هذه النسبة الكبيرة من الأشخاص الذين شملتهم الدراسة التي تأتي من أحياء ذات أولوية تبيّن أنّ العديد من الأفراد المدانين بارتكاب أعمال إرهابية ينتمون إلى خلفيات محرومة، ورصيدهم الثقافي ضعيف جدّاً.

مستوى التعليم والاندماج في سوق العمل

أمكن جمعُ بيانات حول المستوى التعليمي لـ68 شخصاً أدينوا بالإرهاب، 32 منهم ليس لديهم مؤهلات، وتركوا النظام الدراسي مبكراً؛ 6 منهم حاصلون على شهادة الكفاءة المهنية، و6 حاصلون على شهادة الدراسات المهنية، و16 حاصلون على درجة الثانوية العامة، و3 حاصلون على دبلوم فني عال، و2 حاصلان على البكالوريوس، و1 مهندس، و1 طبيب في فيزياء الجسيمات.

اقرأ أيضاً: محنة ابن حنبل.. مع "السَّلفيات الجهادية"

مع هذا المستوى المتدني من التعليم، ليس من المستغرب أن يواجه الجهاديون الذين تضمنتهم العيّنة، صعوبة في الدخول إلى سوق العمل، تمّ الحصول على معلومات حول الخلفية المهنية لـ124 شخصاً أدينوا بارتكاب أعمال إرهابية، وتَبيّن أنّ حالات البطالة والوظائف غير المستقرة هي الغالبة.

ليس من المستغرب أن يواجه الجهاديون الذين تضمنتهم العيّنة صعوبة في الدخول إلى سوق العمل فمستوى التعليم للعينة متدنٍّ

بالتالي، كان الدخل الرسمي لهؤلاء الأفراد منخفضاً؛ حيث كان المتوسط حوالي 1000 يورو، كان لجهاديّ واحد فقط دخل مرتفع للغاية، بفضل تهريب المخدرات، الفقر الذي نتحدث عنه هنا نسبي، في بعض الأحيان، تُعَدِّدُ الأحكام الصادرة الممتلكات التي تمّ الاستيلاء عليها أثناء عمليات التفتيش، وعلى الرغم من الدخول المتواضعة، غالباً ما يكون للمدَّعَى عليهم هواتف ذكية وأجهزة لوحية وأجهزة كمبيوتر وأجهزة ألعاب فيديو، تبيّن عمليات المصادرة، من ناحية، أنماط الاستهلاك الموجودة عند معظم الشباب من العمر نفسه، ومن ناحية أخرى؛ تشير إلى أنّ بعض الأفراد لديهم دخل مخفيّ، يحصلون عليه في بعض الأحيان من أنشطة غير مشروعة.

الجريمة

أمكن الحصول على البيانات من السجل الجنائي لـ126 شخصاً، وتبيّن أنّ 50 منهم تلقوا إدانة واحدة على الأقل، ولم يدان 15 منهم قط، ولكن كان قد تم إبلاغ الشرطة عنهم، و61 سجلاً نظيفاً. أكثر الأسباب شيوعاً للإدانة؛ العنف والسرقة أو الاحتيال وتهريب المخدرات والجرائم المرورية.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: الجهاديون ليسوا حفنة من الحمقى

كما تمّ الحصول على بيانات حول العقوبات المفروضة على 96 فرداً؛ تمّ الحُكم على 22 منهم فقط بالسجن، 4 منهم حُكم عليهم بالسجن لأكثر من عامين، فيما لم يكن من الممكن معرفة عدد الأشخاص الذين نُفّذت فيهم إجراءات بديلة عن السجن، ومهما يكن الأمر، يبدو من مجموع العيّنة أنّ بيئة السجن ليست المكان الرئيس للتطرف.

تمويل العمل الجهادي

وقد أمكن جمعُ بيانات عن طُرق تمويل 59 مداناً، تتمثل طرق التمويل الأربعة التي تم الكشف عنها، بترتيب تنازلي من حيث الأهمية: الدعم من الجماعة الجهادية، أو الداعمين لها، واستخدام المدّخرات الشخصية، واللجوء إلى وسائل إجرامية (السرقة، والاحتيال، والاتجار غير المشروع)، وتبرعات الأسرة (ليس بالضرورة أن تنضم الأسرة إلى الدافع الجهادي). في جميع الحالات، تكون المبالغ المعنيّة متواضعة: من بضع مئات إلى بضعة آلاف من اليوروهات، الأمر هنا يتعلق بجهادية منخفضة التكلفة، والتي لا تتطلب إنشاء دوائر مالية معقّدة.

أكثر الأسباب شيوعاً للإدانة هي العنف والسرقة أو الاحتيال وتهريب المخدرات والجرائم المرورية

الجنسية والدين

في عيّنة من 137 شخصاً، تمّ الحصول على بيانات حول جنسية 130 فرداً، فمن بينهم كان هناك 90 فرنسياً، و29 من ثنائيي الجنسية (14 فرنسياً، و10 فرنسيين جزائريين، و5 فرنسيين تونسيين)، و11 أجنبياً: 3 مغاربة، و3 جزائريين، و3 تونسيين، وهندي، وباكستاني.

العديد من الأفراد المدانين بارتكاب أعمال إرهابية ينتمون لخلفيات محرومة ورصيدهم الثقافي ضعيف جدّاً

تؤكّد هذه الإحصائيات وجود اتجاه لوحظ في بلدان أوروبية أخرى، منذ هجمات لندن في عام 2005: الإرهاب الذي يؤثر على فرنسا هو داخلي بشكل أساسي (الإرهاب المحلي)، معظم الأفراد المدانين وُلدوا في فرنسا وترعرعوا في هذا البلد، الأحكام تتيح الحصول على تفاصيل حول أصل والِدَيْ 125 متهماً؛ 74 هم من أبوين من المغرب الكبير، و22 من فرنسا، و12 من إفريقيا جنوب الصحراء، و7 من آسيا، و1 من هايتي، ويأتي 9 أفراد من زوجين مختلطين (8 فرنسا / المغرب العربي، 1 فرنسا / إفريقيا جنوب الصحراء)، في القيمة النسبية.

يلعب عامل الهجرة، إذاً، دوراً مُهِماً في الظاهرة الجهادية؛ هنا نجد واحدة من الأطروحات التي طوّرها توبي ناثان في كتابه The Wandering Souls""، من حيث الدين؛ تمّ جمع معلومات عن 136 مدّعَى عليهم أو متّهمين، هناك 101 مسلم بالولادة (74٪)، و35 متحوّلون إلى الإسلام (26٪). نسبة المتحوّلين أقل بكثير من تلك التي تثيرها الدراسات البحثية الأخرى، من بين المتحوّلين دينياً، يوجد، على الخصوص، مسيحيّون وملحدون، لكن يوجد أيضاً بوذيان ويهودي، تتوفر معلومات قليلة عن درجة الممارسة الدينية لعائلات المدَّعَى عليهم أو المتّهمين، لكن يبدو أن العائلات غير الملتزمة أو التقليدية هي الغالبة.

اقرأ أيضاً: العراق يسلم تركيا عشرات من أطفال الجهاديين

كخلاصة لهذا الجزء الكمّي؛ يبدو أنّ الجهاديين في العيّنة يتميّزون عن متوسط عدد السكان الفرنسيين بمستوى تعليمي واندماج مهني أكثر ضعفاً، ودرجة أعلى من الفقر، وبتورّطٍ أعلى في الجريمة، وبعلاقة أوثق بإفريقيا المغاربية وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

مسارات حياة الإرهابيين

هناك ثلاثة جوانب تتعلق بمسار حياة الإرهابيين الذين تمّت دراستهم.
1. طفولة الجهاديين
الجانب الأول يتعلق بطفولة هؤلاء الأفراد، لكن نظراً إلى أنّنا لم نتمكن من الوصول إلى استطلاعات شخصية لـ137 إرهابياً، فلم نحصل على فكرة واضحة عن المشكلات التي واجهوها في طفولتهم ومراهقتهم.
في عدد من الحالات، كانت هناك قصاصات من المعلومات، متاحة، وهي تكشف عن حالات معقدة للغاية، فيما يلي بعض الأمثلة:

تشير التقديرات إلى أنّ حوالي ثلث المواطنين الفرنسيين الذين ذهبوا إلى سوريا كانوا من النساء

• بول م: لديه أب متعدد الزوجات، توفيت والدته عندما كان عمره حوالي 10 أعوام، ترعرع على يد أخته الكبرى، وهو يَعتبِر أبناءَ أخته بمثابة إخوته الصغار.
• نيكولاس م: طفل بالتبني في سن 4 أعوام، انفصل والداه اللذين تبنّياه عندما كان عمره 12 عاماً، أصبح طفلاً جانحاً في وقت مبكر، تم وضعه في مركز تعليمي في سن 13 عاماً.
• جمال ب: يصف والده بأنّه "زعيم" أمضى أعواماً عديدة في السجن، وقد تم وضعه في سجون مختلفة.
• محمد ج: كان لديه أب عنيف، مدمن على الكحول والمخدرات، ترك الأسرة قبل ولادة أخته الصغيرة.
• يوسف إ: كثيراً ما كان يتمّ إبعاده عن والدته، ودخل المستشفى بسبب اضطرابات نفسية.
• سيدني د: لم يعرف والده، توفيت والدته، وكانت مدمنة مخدرات، توفيت عندما كان عمره 12 عاماً، تمّ وضعه في ملاجئ، وتحت رعاية عائلات.
• غيطان ف: كان له أب كحولي وعنيف، انفصل والداه عندما كان عمره حوالي خمسة عشر عاماً، توفي والده، الذي أصبح بلا مأوى، في نهاية المطاف بسبب مرض فتور حرارة الجسم.
• جوناثان د: اضطرب كثيراً بسبب انتحار والده وجدّه.

اقرأ أيضاً: لنكن صرحاء... أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟
• إبراهيم ع: لم يعرف والده، أنجبت والدته سبعة أطفال من آباء مختلفين، وقد حُكم عليها بالسجن مع وقف التنفيذ لسوء معاملته.
• سمير أ: كان له أب عنيف، في سن الـ20، فقد شقيقه التوأم في حادث سير.
بالطبع، لا يمكن أن تكون الأحداث المأساوية المرتبطة بالطفولة أو المراهقة كافية لتفسير التطرف، ومع ذلك؛ فإنّ حالات الأشخاص الراديكاليين الذين يعانون من هشاشة نفسية نتيجة حالات الصدمة التي مروا بها خلال شبابهم تبدو عديدة، بما يكفي لتبرير جُهدٍ مُهِمٍّ لرفع الوعي من جانب المصالح المسؤولة عن حماية الطفل.

أحياناً يكون الأفراد الذين يتم وصفهم على أنّهم ذئاب منفردون راسخين بشكل جيد في حركة راديكالية

2. الممارسة الدينية
الجانب الثاني من السيرة الذاتية الذي لفت انتباهنا، يتعلق بالممارسة الدينية؛ لاحظ العديد من المؤلفين انخفاض مستوى المعرفة الدينية لدى الشباب المنخرطين في الجهادية.
هكذا، كتب عالم الاجتماع فرهاد خسروشافار:
"ليست المعرفة المسبقة العميقة عن الإسلام هي التي تحفّز التطرف الديني في الضواحي؛ بل على العكس من ذلك فإنّه الجهل العميق الذي يتسبب في سرعة التصديق، وهو شكل من أشكال السذاجة الناتجة عن الجهل.. الذي يشجع على التطرف الديني".

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..

ومع ذلك، هناك فرقان دقيقان مُهِمّان، من ناحية، هناك اختلاف في الأجيال، بالنسبة للمجموعات التي أدينت في العقد الأول من عام 2000، فمن الممكن في بعض الأحيان تحديد الأعضاء الذين عاشوا لفترة طويلة في بلد إسلامي بهدف دراسة القرآن الكريم، بالنسبة إلى غير المعرَّبين، لتعلم اللغة العربية. الحالة الأكثر رمزية، المعروفة جيداً للمتخصصين، هي حالة توماس ب. الذي حضر دورات لمدة عامين بالمملكة العربية السعودية، كما تظهر وجهات أخرى مثل مصر واليمن وموريتانيا.

من ناحية أخرى؛ في المجموعات الأكثر حداثة، يتميز الفرد بمعرفته الدينية، وبالتالي فهو يحظى باحترام بشكل خاص من قبل الأعضاء الآخرين، على سبيل المثال؛ في قضية تم الحكم فيها في عام 2014  ضمّت أكثر من عشرة أشخاص، معظمهم يبلغون من العمر عشرين عاماً وقت حدوث الوقائع، أُعتبِر الشخصُ المسمّى "الشيخ أحمد" المرجع الديني للمجموعة، إنّه أكبر من الآخرين (حوالي 50 عاماً) ويمارس الرقية.

3. تأثير المجموعة
الجانب الثالث الذي يجب ملاحظته حول عمليات التطرف هو تأثير المجموعة، في العينة التي تمّ تحليلها بواسطة إيفري لا يظهر "الذئب المنفرد"؛ هذه الفكرة أصبحت أكثر فأكثر مثارَ جدلٍ، يذهب العديد من الخبراء إلى حدّ القول إنّ المفهوم ذاته يجب أن يتم رفضه؛ لأنّه، في كثير من الأحيان، يكون الأفراد الذين يتم وصفهم على أنهم "ذئاب منفردون" هم في الواقع راسخون بشكل جيد في حركة راديكالية، وربما يكون لديهم شركاء، في الأحكام التي درسناها، عرف الكثير من المدَّعَى عليهم، أو المتهمين بعضَهم البعض لفترة طويلة، كان بعضهم في نفس الفصل في الكلية، أو يلعبون كرة القدم في نفس النادي، وكان الآخرون جيراناً.

هل السجون حاضنات للإرهابيين؟

في النقاش العام غالباً ما تُعرض السجون على أنها حاضنات للإرهابيين، وتُطرح المشكلة على النحو الآتي: هل يجب ترك الجهاديين مع السجناء الآخرين، أو تجميعهم معاً؟
تُظهر التجارب التي أجريت في الخارج وفي فرنسا؛ أنّ لكلّ حلّ من الحلول عيوبه: الخطر الأول يتمثل في توليد تلوث أيديولوجي بين السجناء "الكلاسيكيين"، والثاني قد يسمح للإرهابيين بالتخطيط لهجمات أثناء الاعتقال.
في العامين المقبلين، سيتم الإفراج عن حوالي 60 شخصاً محتجزين حالياً بسبب الإرهاب، ومن المتوقع أن تحدث ذروة في الإفراج عن الجهاديين في عام 2022.
إذا خرج هؤلاء الأشخاص من السجن وهم على نفس الدرجة من التطرف، إن لم يكن أكثر من ذي قبل، علينا أن نستعد لأيام صعبة.


المصدر: ifri.maps.arcgis.com

اقرأ المزيد...
الوسوم:



إرهاصات داعش بين الحرب والخيال والفوضى

2019-10-15

ترجمة: علي نوار


ظهر تنظيم داعش إلى النور بفضل الترويج لنبوءات خيالية مروّعة، ونما هناك في منطقة تسودها جيواستراتيجية الفوضى ويعيش حالة من انعدام الاستقرار وشيوع أجواء الاستقطاب وانهيار الأوضاع الإنسانية والاجتماعية والثقافية، يغذّي كل ذلك تدخلّات عسكرية أجنبية. ورغم إجهاض الأهداف الإقليمية لهذه الجماعة الإرهابية، لا تزال أفكارها وقدرتها على القتل والتكيّف ضمن الإطار العام قائمة.

اقرأ أيضاً: صُنّاع "داعش" يقطفون الثمار

ركّز مشروع الشر المُلقّب بتنظيم "الدولة الإسلامية" في البداية على بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي كانت تشمل المنطقة الواقعة بين الأندلس- شبه جزيرة إيبيريا- وحتى خراسان- إيران وأفغانستان والهند وإلخ. لكن تقويض التطلّعات التوسعية لهذا التنظيم الإرهابي جاء متمثّلًا في خسارته المدن والقرى التي كانت تخضع له على الأراضي السورية والعراقية واحدة وراء الأخرى. وقفت قرية الباغوز السورية الصغيرة شاهدة على الانهيار الرمزي لـ"الخلافة" في آذار (مارس) 2019، بعد تحرير القرية على يد تحالف (قوات سوريا الديمقراطية) الذي تقوده وتشكّل أغلب قوامه فصائل كردية.

أطلال مسجد النوري في الموصل حيث أعلن البغدادي خلافته عام 2014

ويدين "داعش" بالفضل في ظهوره لما يُعرف باسم "جيواستراتيجية الفوضى": في مسرح تتضارب وتتقاطع فيه مصالح القوى العظمى والمتوسطة حيث تعتاد الدول الكبرى التدخل عسكرياً في دول ذات مقدرات عسكرية أضعف، وصولاً إلى تدمير البنية التحتية العامة- مثل الكهرباء والصحة والتعليم وإلخ- وإحداث خسائر كبيرة بين المدنيين بين قتيل وجريح. لذا لم يكن من قبيل الصدفة إعلان التنظيم الإرهابي قيام "الخلافة" المزعومة في هذا الإقليم. إنّ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والطائفية الدينية المتفشية في كافة أرجاء المنطقة- التي تسكب السياسة النار عليها- وفشل وقمع ثورات الربيع العربي عام 2011 في سوريا وليبيا، لهي أحداث لعبت دوراً رئيساً في تجذير الخلافة الزائفة.

تقترن بداية داعش بصورة زعيمه البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في الموصل بالعراق في حزيران 2014

وتقترن بداية "داعش" بشكل متكرّر بصورة زعيمه أبو بكر البغدادي وهو يعلن قيام الخلافة من مسجد النوري في مدينة الموصل بالعراق في حزيران (يونيو) عام 2014. لكن من أجل الوصول لجذور هذه الجماعة الإرهابية يجب أن نرجع للوراء عدّة أعوام، وتحديداً مع ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة الجهادي الراحل أبو مصعب الزرقاوي. يُعتبر "داعش" تأصيلًا للأفكار والمنهجية التي قام على أساسها تنظيم القاعدة، بخلق آلة رعب وتضخيمها إعلامياً بشكل يؤدّي لتلطيخ سمعة الإسلام بهدف وحيد هو تبرير ممارسات التنظيم الدموية، وكذلك تنصيب نفسه حامياً للإيمان بينما يفرّغه من أي معنى، الأمر الذي ينعكس في حقيقة كون 85% من ضحايا أعمال "داعش" هم من المسلمين.

والآن وبعد تجريد "داعش" من أي أراض كان يسيطر عليها، هل نجحنا بالفعل في إنزال الهزيمة بالفكر الجهادي وتجاوز الأسباب الهيكلية والاجتماعية الثقافية التي ساهمت في صعوده؟ الحقيقة أنّ الإجابة أبعد ما تكون عن الإيجاب.

حرب أهلية في صفوف القاعدة

يعتبر تنظيم القاعدة طليعة الإرهاب الجهادي منذ عقد التسعينيات وعلى رأسه زعيمه الراحل أسامة بن لادن، ويضمّ خلايا وأفرع تعمل على مستوى محلّي في كل مكان يكون له تواجد فيه ويتّسم نشاطه بالعالمية، رغم أنّ كل خلية أو مجموعة فرعية تتميّز بنوع من الاستقلالية. لكن الخلافات الداخلية بين صفوف التنظيم الأم أسهمت في نشوء "داعش".

اقرأ أيضاً: هل سيكون داعش ورقة ابتزاز جديدة بيد أردوغان؟

وفي 1999 أسّس الأردني أبو مصعب الزرقاوي تنظيم (التوحيد والجهاد) بهدف إقامة دولة إسلامية في البلد العربي، رغم أنّ الأمر انتهى به نشطاً بشكل أساسي في العراق المجاور. كانت رؤية الجهادي الأردني تجاه صور الجهاد أكثر أصولية إلى حد بعيد من تلك التي كان يتبنّاها بن لادن وقيادات القاعدة، ما أدّى لظهور خلافات ونزاعات فكرية مع هذا التنظيم منذ 1999. ورغم ذلك وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2004 أقسم الزرقاوي الولاء لبن لادن، وظهر تحت قيادته (تنظيم القاعدة في العراق).

عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم لنشر جميع صور العقاب والإعدام بجودة ذات بصمة سينمائية احترافية

قبل قيادته لتنظيم القاعدة في العراق، كان الزرقاوي قد أمر ونفّذ أعمالًا إجرامية ضد المدنيين المسلمين، الشيعة منهم على وجه الخصوص. كانت هذه الممارسات تتستّر بغطاء أيديولوجي من منطلق فكرة أنّه من أجل إقامة الخلافة فيجب القيام بتطهير الأمّة من الداخل. وبعد تولّيه زعامة القاعدة في العراق، استمرّ الزرقاوي في هذه الأفعال، الأمر الذي جلب عليه وبال التوبيخ من قيادات تنظيم القاعدة. فقد بعثوا إليه برسائل يطالبونه فيها بالتخفيف من حدّة أسلوبه والتركيز على جمع الدعم الشعبي من أجل إقامة الخلافة لاحقاً على المدى البعيد، وهو الهدف الذي كان من الواضح أنّ القيادي الجهادي الأردني لم يكن يتبنّاه تماماً؛ حيث كان يعتبر أنّ الخلافة يجب أن تقوم في أقرب وقت ممكن ثم سيأتي التأييد الشعبي فيما بعد عن طريق السيطرة الشديدة على المجتمع وحملات التطهير.

الطموحات الأولية الخيالية للخلافة التي أرادها داعش

وفي حزيران (يونيو) 2006، وقبيل نجاح أبو مصعب الزرقاوي في تحويل فكرته الخاصة بإعلان قيام "دولة إسلامية"، جرى قتله على يد القوات الأمريكية. لكن قبل مصرعه بأشهر، كان تنظيم القاعدة في العراق قد اندمج مع خمسة تنظيمات أخرى لينشأ ما يُسمّى بـ(مجلس شورى المجاهدين). وبعد مرور أربعة أشهر من مقتل الزرقاوي، تحوّل التنظيم إلى ما سيصبح فيما بعد (الدولة الإسلامية في العراق) تحت قيادة أبو عمر البغدادي- وهو ليس الزعيم الحالي أبو بكر البغدادي- وأبو أيوب المصري. وبدءاً من هذه اللحظة، نشأت توتّرات كثيرة بين تنظيم القاعدة الأم وفرعها العراقي، رغم عدم انفصالهما رسمياً بعد. وباءت محاولة (الدولة الإسلامية في العراق)- الذي كان بالكاد يسيطر على أراضي- بإنشاء خلافة في 2010 بالفشل حين أسقطت الولايات المتحدة زعيميه الاثنين. وفي نفس ذلك العام تحديداً قفز إلى الصورة زعيم "داعش" الحالي أبو بكر البغدادي.

اقرأ أيضاً: واشنطن بوست: مخيم الهول السوري قد يسقط في يد داعش

مع وجود البغدادي على رأس تنظيم مستقلّ عملياً عن (القاعدة)- رغم أنّ قيادات الأخيرة كانوا ما زالوا يعترفون بالبغدادي زعيماً لـ(الدولة الإسلامية في العراق)- واستغلالًا لحالة الفوضى التي حدثت عام 2011 جراء الحرب الأهلية في سوريا، حاول (القاعدة في العراق) توسيع نطاق نفوذه إلى سوريا. كانت الذريعة هي الانضمام إلى فرع (القاعدة) في سوريا المعروف باسم (جبهة النصرة) بحيث تصبح قيادة التنظيم في العراق تسيطر أيضاً على فرع التنظيم في سوريا، وبالتالي إعلان إنشاء "دولة إسلامية" في العراق وسوريا. رفض قادة تنظيم القاعدة فكرة الدمج هذه، ورأوا أنّ كل فرع يجدر به العمل بصورة مستقلة، كما أنّ زعيم (جبهة النصرة) محمد الجولاني رفض هو الآخر هذه الفكرة. إلّا أنّ تنظيم (الدولة الإسلامية في العراق) نجح في توسيع نطاق نفوذه إلى الداخل السوري، وصولاً حتى إلى إدماج عناصر من (النصرة). وفي عام 2014 وبعد أعوام من التوتّر والنزاع مع الفرع العراقي وعبر رسالة، أعلن زعيم (القاعدة) أيمن الظواهري انشقاق (داعش) عن تنظيمه. وفي ذلك العام خرج البغدادي ليذيع للعالم نبأ قيام دولته ونصب نفسه خليفة.

احتراف دعاية الرعب

تستهدف كل جماعة جهادية إقامة دولة إسلامية. لذا لا يزال تنظيم (القاعدة) يسير على أفكار منظّرين مثل أبو مصعب السوري- الشهير بلقب مصطفى ست مريم-. ففي كتابه (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية)، يعتبر السوري أنّ الخط الذي يجدر بتنظيم القاعدة السير عليه يجب أن يكون إقامة دولة إسلامية، مروراً قبل ذلك بالجهاد المدعوم شعبياً. ورغم أنّه يشترك في هدف إنشاء دولة إسلامية، لكن تنظيم داعش لا يتبنّى استراتيجية السوري في تحقيق الأهداف.

أراد الزرقاوي إقامة الخلافة في أقرب وقت ثم ضمان التأييد الشعبي لاحقاً عن طريق السيطرة على المجتمع وحملات التطهير

فبتصعيده لوتيرة العنف والرعب، يتبيّن أنّ "داعش" يرتكز في أفكاره إلى مسار القيادي الإرهابي الأردني الزرقاوي والمنظّر الجهادي أبو بكر ناجي وكتابه (إدارة التوحّش). والأخير يرى الكثير من المحلّلين أنّه بمثابة كتاب (كفاحي) الذي ألّفه الزعيم النازي الراحل أدولف هتلر، بالنسبة للجهاديين.

ورغم إبراز ناجي أهمية اكتساب التأييد الشعبي عن طريق توفير الخدمات العامة، لكن كتابه يؤكّد أنّ الاستراتيجية الواجب اعتمادها لإقامة دولة إسلامية تعتمد على الهيمنة عن طريق الاستخدام غير المحدود للعنف. وخلافاً للقاعدة، فإنّ "داعش" لم يكترث لمسألة إذا كان يحظى بدعم المسلمين المحلّيين، وكان جلّ ما يهتم به هو غزو الأراضي وإعلان إقامة خلافة في أقرب وقت ممكن اعتماداً على العنف. وانطلاقاً من هذا الأساس، أقدم "داعش" وأفرع أخرى وتنظيمات موالية للقاعدة على تحدّي قياداتها بمحاولات فاشلة لإعلان دول إسلامية وأهم الأمثلة على ذلك هو جماعة الشباب بالصومال عام 2008، وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية باليمن عام 2012، وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بمالي عام 2013.

أراضي العراق وسوريا التي سيطر عليها داعش حتى عام 2016

سار "داعش" على أفكار ناجي والزرقاوي، لينجح منذ إعلان خلافته عام 2014 في التمدّد وإثارة الرعب على مستوى العالم عن طريق نزاع مسلّح كان يُبثّ أحياناً بشكل مباشر عبر الإنترنت. ووصل الأمر لدرجة أن سيطر داعش خلال عامي 2014 و2015- الفترة الذهبية بالنسبة له- على أراضي تفوق مساحة دولة مثل النمسا، وتشمل مدناً يقطنها 100 ألف نسمة مثل الرقة في سوريا، أو حتى مليون نسمة مثل الموصل بالعراق. في هذه الأراضي ارتكب "داعش" كافة أنواع الفظائع سواء الصلب أو بتر الرأس أو الإغراق أو بتر الأطراف. كانت هذه العقوبات القاسية توقّع بحق من يُضبط بينما يدخّن أو يحتسي الكحول أو يستمع للموسيقى أو يشاهد مباريات لرياضات غربية. بينما عمل جيش حقيقي من وسائل الإعلام التي دشّنها التنظيم بنفسه، مثل مجلتي (دابق) و(رومية) ووكالة الأنباء (أعماق)، لنشر جميع صور العقاب والإعدام بتقديم وجودة سمعية بصرية رفيعة المستوى ذات بصمة سينمائية احترافية. يُضاف إلى كل ذلك الترويج ونشر دعاية جهادية عبر قنوات عدة على تطبيق (تيليجرام) وشبكة (تويتر) للتدوينات المصغّرة ومواقع اجتماعية أخرى.

اقرأ أيضاً: الإخوان وداعش.. أيهما أخطر على أوروبا؟

ولعل الدافع وراء إضفاء هذا القدر من الاحترافية على قنوات بث الرسائل الجهادية ظهرت منذ العدد الأول من مجلة (دابق)، الصادر في تموز (يوليو) 2014. فقد أفرد هذا العدد مساحة كبيرة منه لتعديد مميزات العيش تحت إدارة الخلافة، بما فيها رواتب مغرية والسبايا اللاتي سيكنّ تحت طوع المقاتل. وهنا تبرز النبوءات الخيالية التي أرسى عليها "داعش" خلافته: الرؤية الكوارثية التي تتكهّن بقرب نهاية الزمان. وقبلها سيأتي المهدي المنتظر لإنقاذ المسلمين ويقودهم في مواجهة الصليبيين بمنطقتي دابق (سوريا) وأعماق (تركيا)، لذا دعا التنظيم هؤلاء الذين يرغبون في النجاة يوم الحساب بالانخراط في صفوفه. ولأجل منح الأمر مزيداً من الملحمية، حملت أولى مطبوعات "داعش" تحديداً اسمي هاتين المنطقتين.

غزو العراق: جيوسياسة الفوضى

لا يعُد توسّع "داعش" في الأراضي السورية والعراقية وسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي في دول أخرى مثل ليبيا- حيث تمكّن التنظيم عام 2015 من الاستحواذ على ما يزيد عن 200 كلم من السواحل الليبية- من قبيل الصدفة على الإطلاق. فقد حافظ التنظيم على أراضٍ واسعة؛ حيث استفاد بشكل كبير من الفرص التي أتيحت كنتيجة لجيوسياسة الفوضى، أو بمعنى آخر، الدول الفاشلة الغارقة في بحور العنف والطوارئ الإنسانية. وكانت حالة غياب الاستقرار هذه راجعة في جانب إلى التدخّلات العسكرية التي حدثت بداعي "إحلال السلام" في الدول التي تشهد وجود أنظمة استبدادية، الأمر الذي استوجب بالتالي وضع خطط للإغاثة الإنسانية والدعم الاجتماعي السياسي من قبل الفاعلين الديمقراطيين المحليين خلال الفترة التالية للعمليات العسكرية.

الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش

وفي السياق ذاته، فإنّ الغزو غير المسؤول للعراق عام 2003 يلعب دوراً كبيراً في فهم كيفية نشوء تنظيم داعش. ففي أعقاب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بنيويورك، بدأت حرب إعلامية تقودها إدارة الرئيس الأمريكي السابق، جورج دبليو بوش، الذي دأب على التأكيد بوجود أسلحة دمار شامل في العراق. وتحت هذه الذريعة الزائفة، سقط نظام الدكتاتور العراقي الراحل صدام حسين بعد أسابيع قليلة من دخول القوات العسكرية بقيادة الولايات المتحدة إلى البلد العربي. حوّل هذا التدخّل العراق إلى دولة فاشلة، ليسهّل بالتالي توافر الظروف كي يجد الزرقاوي، وبعده البغدادي، تربة خصبة للصعود. بعدها بأعوام، تسبّبت الفوضى في ليبيا إثر التدخّل العسكري الغربي ومقتل العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، في تكرار نفس المشهد بالدولة المغاربية.

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟

خلال مرحلة غزو العراق- التي شهدت مصرع آلاف المدنيين- حفلت السجون بوسائل تعذيب بشعة كانت تُمارس بشكل مُمنهج. التحق الكثير من السجناء الذين تعرّضوا لسوء المعاملة والإهانات داخل السجون العراقية فيما بعد بصفوف "داعش" أو تنظيمات جهادية أخرى مثل "القاعدة". يُعتبر (أبو غريب) و(بوكا) أشهر السجن العراقية؛ حيث هيمن شعور الإحباط والإذلال والذي زرع بذور الكراهية والتي تحوّلت بدورها إلى أصولية جهادية لدى الكثير من المُعتقلين. كان سجن بوكا، الذي يلقّبه الكثير من الجهاديين بـ"المدرسة"، يضمّ عدداً كبيراً من قيادات والمتعاطفين وعناصر الجماعات الجهادية، والذين نجحوا خلال فترة حبسهم في تجنيد أفراد آخرين وبناء ما سيصبح لاحقاً تنظيم داعش. كان أبو بكر البغدادي نفسه محبوساً في هذا السجن، حيث أجرى اتصالاته لوضع الهيكل الذي سيقوم على أساسه التنظيم.

أمسى الاستياء الشعبي الذي تلا الغزو الأمريكي، صراعاً طائفياً بين السنة والشيعة، تغذّيه القرارات السياسية التي تتّخذها القوات المحتلّة التي جاءت عقب التدخّل العسكري الكارثي بنوري المالكي- شيعي المذهب- على رأس السلطة عام 2006. تُرجم ذلك إلى أوضاع أسوأ بالنسبة للسنّة من العراقيين، الذين اضطروا للتخلّي عن السلطة وعانوا انقطاعات مستمرة في التيار الكهربي فضلًا عن غياب الخدمات العامة وصعوبات أخرى. على جانب آخر، تزايدت وتيرة الهجمات التي تستهدف الشيعة والتي كان ينفذّها تنظيم القاعدة- سنّي المذهب-. ومن شمال العراق تحديداً، مسقط رأس صدام حسين وحيث يسيطر شعور بالظُلم، انبثق تنظيم داعش. نظراً لأنّ الكثير من سكّانه تعرّضوا للتعذيب والإهانة داخل السجون الأمريكية على الأراضي العراقية، وليس مستغرباً أنّ عدداً كبيراً من كبار مسؤولي نظام صدام راودهم السخط تجاه فقدان السلطة ليقرّروا الانخراط في صفوف الجماعات الإرهابية، بل وتولّوا مناصب قيادية فيها.

سوريا أرض خصبة لداعش

مع بداية الثورة السورية عام 2011، ومع قُرب إسقاط الأسد- خاصة بعد رؤيته لرؤساء إقليميين آخرين يغادرون الحُكم مثل بن علي في تونس ومبارك في مصر-، نفّذ الرئيس السوري مناورة من أجل الحفاظ على صورته أمام المجتمع الدولي كخيار أقل سوءاً، وصولاً إلى النجاح في الحصول على دعم روسيا. وفي مستهل الاحتجاجات، أطلق رئيس سوريا سراح مئات السجناء الأصوليين، الذين انخرطوا في صفوف تنظيمي "جبهة النصرة" و"داعش" للقتال. هذا السياق، وعلاوة على قمع المعارضة الديمقراطية السورية، كان سلاحاً ماضياً استغلّه تنظيم البغدادي في العراق كي يمدّ هيمنته إلى سوريا حيث تمكّن من السيطرة على مدن بأهمية تدمر والرقة.

خلال مرحلة غزو العراق حفلت السجون بوسائل تعذيب كانت تُمارس بشكل مُمنهج حيث التحق الكثير منهم فيما بعد بصفوف داعش

قد يكون "داعش" قد انهزم بحرمانه من آخر معاقله في الباغوز، لكن لا ينبغي الخلط بين انتزاع الأراضي منه وبين الهزيمة النهائية. من الخطير للغاية هنا التقليل من شأن تنظيم نجح في استقطاب 50 ألف مقاتل ضمن صفوفه ينحدرون من مختلف الأماكن. كما أنّ زعيم التنظيم لا يزال حياً حتى لحظة كتابة هذا المقال، ما يعبّر عن قدرة "داعش" على التكيّف.

لقد كان التدخل العسكري السوفييتي في أفغانستان خلال الثمانينيات والغزو الأمريكي للعراق في 2003، كمدرستين للأصولية والإرهاب بالنسبة للقاعدة وداعش، على الترتيب، والدرس المُستفاد هنا هو مدى الخطر المحيق عند السماح بإطالة أمد نزاعات مسلّحة تعمّق حالة الاستقطاب وانعدام الاستقرار. ربما جرى شنّ الحرب على الإرهاب من المُنطلق العسكري، لكن يجب شنّها أيضاً على مستوى الفكر والثقافة والجوانب الإنسانية كذلك، بصورة تسهم في التعامل مع المشكلات التي تجابهها الدول الفاشلة التي لا تزال جذور وروافد الجماعات الإرهابية حاضرة فيها بعد.


تحليل لعوامل ظهور تنظيم داعش وأسباب انتشاره، لخابيير بلانكو الأستاذ في جامعة سالامانكا الإسبانية والمتخصص في الإرهاب السلفي الجهادي، نشرته مؤسسة (الأوردن مونديال)

مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2kQNmI7

للمشاركة:

هذه دوافع أردوغان من العدوان على سوريا

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-14

ترجمة: مدني قصري


شنّ الجيش التركي في الآونة الأخيرة هجومه الجوي والأرضي، شمال شرق سوريا، بهدف طرد المقاتلين الأكراد السوريين، حلفاء الولايات المتحدة أمس، ضدّ داعش، أنقرة تريد إنشاء منطقة عازلة على طول حدودها.
الجميع يدين هذه العملية، لكن من الواضح أنّ دونالد ترامب أعطى الضوء الأخضر في محادثته الهاتفية، يوم الأحد، مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، نحن هنا في قلب الفوضى الحالية في العالم: التراجع الأمريكي عن التزاماته يترك الأرض حرّة لقوة إقليمية عدوانية، تعمل وفق جدول أعمالها.

اقرأ أيضاً: أكاديميون أتراك: عدوان أردوغان على سوريا "جريمة ضد الإنسانية"
إذا كانت إدارة ترامب تقول اليوم إنّها لا تدعم العمل التركي؛ فالواقع يقول إنّ الجنود الأمريكيين قد انسحبوا بالفعل، منذ بداية الأسبوع، من المناطق التي تعرضت للهجوم، الرئيس لا يدين، فهو يهدّد "بتدمير الاقتصاد التركي" إذا ذهبت أنقرة بعيداً، وهو وحده من سيحكم على ذلك، فقط الكونغرس، بناءً على مبادرة من منتخبين جمهوريين، يبرزون من رئيسهم، في محاولة منهم للضغط على أنقرة.
صراع حليفين
في الواقع؛ يتصارع في هذه الحرب حليفان للولايات المتحدة: تركيا، وهي عضو مهم في الناتو، والمقاتلون الأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً، بمساعدة الغرب، في استعادة المناطق التي يسيطر عليها جهاديو داعش؛ لذلك يتطلب الأمر كثيراً من السخرية؛ أن يترك جيش أردوغان يلاحق الفائزين في الرقة، ولكن بعد كلّ شيء، كما قال ترامب بجدية كبيرة مؤخراً، لم يساعد الأكراد كثيراً أثناء نزول نورماندي..

يتصارع في هذه الحرب حليفان لأمريكا: تركيا، عضو مهم في الناتو، والأكراد الذين لعبوا دوراً رئيساً بالحرب ضد داعش

هذه العلمية ليس لها من دافع سوى إرادة الرئيس التركي للقضاء، أو على الأقل إبعاد وجود هؤلاء المقاتلين الأكراد؛ إنه يريد إنشاء منطقة عازلة مستدامة على الجانب السوري، على طول حدودها.
تصف تركيا المقاتلين الأكراد السوريين بأنّهم "إرهابيون"؛ بسبب علاقاتهم مع حزب العمال الكردستاني، عدوّها الكردي في تركيا نفسها، فهذه الروابط حقيقية، لكنّها ليست سوى القليل من دورها وخسائرها، في المعركة الحاسمة ضدّ داعش.
في البداية؛ يريد الأتراك مطاردة الأكراد، الذين قد لا يجدون خياراً آخر سوى اللجوء إلى نظام دمشق، بدعم من روسيا وإيران، إذا كان الأمر كذلك، فسيكون ذلك نتيجة متناقضة للانسحاب الجزئي الأمريكي.
في خطوة ثانية؛ أعلنت تركيا رغبتها في تثبيت ملايين اللاجئين السوريين الموجودين حالياً على أراضيها، وهو مشروع ذو جدوى مشكوك فيها، قابل للنقاش إنسانياً؛ لأنّ مسألة إعادة هؤلاء السوريين إلى وطنهم الأصلي، ذات تكلفة باهظة، لا أحد سيتولاها، فلعله يأمل في دفع أوروبا إلى دفع هذا الثمن.

أردوغان يكرس هيمنته من أجل بقائه السياسي
إنّ الإدانة العامة في العالم، كما يمكن التنبؤ بها، تقترن بعجز أو بعدم وجود إرادة لوقف تركيا.
ناشدت فرنسا مجلس الأمن الدولي، وهو نهج رمزي إلى حدّ كبير؛ لأنّ هذه الهيئة مشلولة بسبب حقّ النقض المتكرر للقوى العظمى لحماية "زبائنها"، لقد أصبحت الأمم المتحدة مرادفاً للعجز الجماعي.
تعرف تركيا تحت تصرف من يوجد سلاح اللاجئين الرهيب، الذي يروّعون به الأوروبيين، ومن يحمل سلاحاً آخر مع مئات الجهاديين الأجانب، أسرى الأكراد، الذين قد ينتهي بهم المطاف بين يديه.

اقرأ أيضاً: أردوغان يكمّم أفواه معارضي هجوم شرق الفرات
لذلك؛ فهي حلقة شريرة جديدة من هذه الحرب السورية التي استمرت لمدة سبعة أعوام بالفعل، والتي تزرع الموت والمعاناة، ومن علامات هذا الزمن، فإنّ رئيس القوة العالمية الأولى هو الذي يضيف الحرب إلى الحرب، ويغسل يديه من عواقبها المشؤومة.
أما بالنسبة إلى باتريس فرانسيسكي (Patrice Franceschi)، مؤلف كتاب "الموت من أجل كوباني"؛ فإنّ ترك أردوغان حراً ضدّ الأكراد هو "خطأ أخلاقي وسياسي"، حول هذا الموضوع أجرت معه صحيفة "لوبوان" الفرنسية هذه المقابلة:
"ما يحدث اليوم ليس على الإطلاق صداماً بين الغرب والشرق (...)؛ إنه صدام بين العالم الحرّ والشمولية" ما هو الوضع على الأرض؟
باتريس فرانسيسكي: الأكراد في حالة ذهنية تماماً، كما كان الحال أثناء معركة كوباني ضدّ داعش، عام 2015، إنهم على استعداد للقتال حتى النهاية، الأمر يتعلق ببقاء شعبهم، إنّهم يقاتلون من أجل أسرهم وكرامتهم، وهم يعرفون أنّ أردوغان موجود هنا لإنهاء الشعب الكردي، والتخلص منه نهائياً! هذا هو هدفه بالضبط، إذا استطاع، فإن هو استطاع سيفعل ما فعله المسؤولون الأتراك مع الأرمن في بداية القرن الماضي، لقد بدأ بالفعل التطهير العرقي في عفرين بشرق سوريا؛ حيث طارد أردوغان الأكراد، إنّه ليس صراعاً حدودياً، ولكنه حرب وجودية يريد أردوغان أن يخرج منها منتصراً.
كيف يمكن للأكراد مقاومة الهجوم التركي؟
تماماً كما في كوباني ضدّ داعش! سيقاتلون حتى النهاية إذا لزم الأمر؛ لأنّهم محاصرون من هذا الجانب وذاك، إنّهم عالقون بين سوريا وتركيا، في غضون ذلك، سيقاومون أطول فترة ممكنة؛ أي إلى أن يستيقظ المجتمع الدولي ويتفاعل معهم، تركيا لديها سيارات مدرعة وطيران، والأكراد لديهم شجاعتهم الخاصة، منذ بضعة أسابيع، كانوا يستعدون لهذا الهجوم، لقد أدركوا أنّ دونالد ترامب، الذي أعطى الضوء الأخضر لتدخل أردوغان العسكري، لا ينبغي الوثوق به.
ماذا يمكن للمجتمع الدولي أن يفعل؟
لا بدّ من إجبار دونالد ترامب على تحمل المسؤولية، إضافة إلى ذلك؛ ففي الولايات المتحدة، يتعرض الكونغرس للفضيحة: ما يفعله أردوغان ليس مجرد انتهاك صارخ للقانون الدولي، إنّه يهاجم حلفاءنا، والأشخاص الذين حاربوا داعش لمدة ستّة أعوام على الأرض، بينما لم نكن نريد، نحن الغربيين، إشراك قواتنا على الأرض.

اقرأ أيضاً: المسماري يحذر: أردوغان سينقل آلاف الإرهابيين إلى ليبيا
يجب على مجلس الأمن ألا يدين العدوان التركي فقط؛ يجب عليه أن يقرر العقوبات المشدّدة ضدّ أنقرة، العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية التي تؤلم، أردوغان لا يفهم سوى هذا، عندما دخلت القوات التركية عفرين، عام 2018، لم نقل نحن أي شيء، دعونا لا نضيف الخزي والعار إلى اللامبالاة، من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد.
ترامب تخلى عن الأكراد ومنح تركيا حرية التصرف

لماذا؟
إنّه خطأ أخلاقي؛ لأنّه لا يجوز أن ندع حليفاً يسقط، حارب الأكراد داعش من أجلنا، لسبعة أعوام، دفعوا ثمناً باهظاً من خلال التضحية لمحاربة داعش، بهذا السجل الرهيب: 36000 قتيل أو جريح في صفوفهم.
أخلاقياً: هذا عمل غير محتمل، أن نخذل من قاموا بالعمل ضد داعش من أجلنا، لكنّه أيضاً خطأ سياسي: الأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا لإضعاف الأكراد، لطالما استخدمت تركيا الجهاديين لإضعاف أعدائها، في عفرين، يستخدمون الآن مقاتلي القاعدة السابقين أو مقاتلي داعش، إنّه في النهاية خطأ سياسي؛ لأنّه ليس صراعاً بعيداً صغيراً، إنّه يتعلق أيضاً بمصداقية الغرب في الساحل، أو في أفغانستان، من خلال التخلي عن الأكراد، يرسل الأمريكيون إشارات مقلقة إلى جميع الذين يحاربون الجهاديين، نحن لا نسيء معاملة حلفاء يقاتلون أعداءنا.
فرنسا لم تقلل دعمها للأكراد؛ هناك حالياً قوات خاصة ترافق الأكراد، هل ما يزال لفرنسا رأي في المنطقة؟
بالتأكيد! والأكراد يعرفون أنّهم يستطيعون الاعتماد على فرنسا، لقد عززت باريس أجهزتها على الأرض في الأشهر الأخيرة، ورحّب إيمانويل ماكرون، رسمياً أو بسريّة، بعدة وفود كردية في الأشهر الأخيرة، وقاد مؤخراً ألمانيا وبريطانيا للانضمام إلينا على الخط نفسه في مجلس الأمن.

من الخطأ الأخلاقي والسياسي ترك أردوغان يقتل الأكراد؛ فالأتراك سيشجعون داعش على إعادة ترتيب أوضاعهم وإعادة بناء الخلايا

لفرنسا موقف مشرف، لكنّ وسائلنا العسكرية محدودة، يجب على فرنسا أن تدفع شركاءها الأوروبيين إلى فرض عقوبات اقتصادية على أنقرة، تركيا في حاجة إلى أوروبا أكثر من العكس.
على الأقل، يمكن أن يستدعي الاتحاد الأوروبي سفراءه غداً، لا يكلف الأمر سوى 28 تذكرة، لكن ميزة هذا الإجراء أنّه سيجعل الأتراك يفهمون غضبنا على الفور، إنّه أمر غريب، ولكن عندما ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم، وجد الأوروبيون الموارد لمعاقبة بوتين، عندما تقطع تركيا الحدود وتذبح حلفاءنا، نبقى هادئين، إذاً، سنخاف من بوتين أقل مما نخاف من أردوغان؟

اقرأ أيضاً: العدوان التركي على سوريا.. ما الذي يريده أردوغان؟!
أعتقد أيضاً أنّ بإمكان فرنسا طرد جميع الأئمة الذين تموّلهم تركيا ويعملون في فرنسا، فبعد كلّ شيء؛ نحن لسنا ملزمين بقبول هذا التدخل أمامنا، لدينا نوع من هتلر البوسفور، يجب ألا نرتكب الأخطاء نفسها، كما حدث في الثلاثينيات، فلنطرد تركيا من حلف الناتو، وفوق كلّ شيء، يجب أن نحمي أفضل حلفائنا في المنطقة، ما يحدث اليوم ليس صداماً بين الغرب والشرق على الإطلاق؛ لأنّ العديد من الدول العربية غاضبة أيضاً من عدوان أردوغان، إنّه صدام بين العالم الحرّ والشمولية.
نعم، في هذه المعركة، لدينا رأي نقوله بوضوح.
هل يمكننا تخيل مفاوضات مع أردوغان، خاصة إذا جاءت إدانة من مجلس الأمن؟
لم يعد هناك وقت للثرثرة والتملق واللغو، يجب أن نُظهر لأردوغان أنّ أمامه أشخاصاً لن يتخلوا عن الأكراد، لن يكون هناك ميونيخ ثانية في عام 2019، يريد أردوغان تثبيت مليوني لاجئ على الأراضي الكردية: إنّه تطهير عرقي، فلنُوقفه حالاً، وإلا انقلب هذا العدوان ضدّنا!
آلاف الأكراد يتحدون دكتاتورية أردوغان

التهديدات التركية
إضافة إلى العمل العسكري؛ يلعب رجب طيب أردوغان أيضاً لعبة كلامية ضدّ أوروبا، في مواجهة الانتقادات من الدول الأوروبية، هدّد الرئيس التركي بفتح الأبواب لإرسال "3.6 مليون مهاجر"، لقد تلاشى تدفق المهاجرين من تركيا إلى أوروبا بشكل كبير بفضل اتفاق أبرم عام 2016 بين أنقرة والاتحاد الأوروبي، لقد أجابه رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، بحزم شديد؛ حيث قال للصحفيين: "لن نسمح أبداً باستخدام اللاجئين كسلاح للضحك علينا"، وقال دونالد تاسك، عقب اجتماع مع الرئيس القبرصي، نيكوس أناستاساديس: "يجب أن تفهم تركيا أنّ شاغلنا الرئيس هو أنّ تصرفاتها قد تؤدي إلى كارثة إنسانية جديدة، وهذا أمر غير مقبول"، "عملية تركيا العسكرية الأحادية الجانب تثير مخاوف خطيرة، ويجب أن تتوقف، يجب حلّ المخاوف الأمنية التركية من خلال الوسائل السياسية والدبلوماسية، أما التدخل العسكري فسيزيد الأمور سوءاً".
هدفان
لأردوغان هدفان متزامنان: دفع القوات الكردية إلى أقصى حدّ ممكن من الحدود، ومنعها من إنشاء دولة ملاصقة لتركيا، وإنشاء منطقة عازلة طولها 30 كيلومتراً يعتزم أن ينقل إليها، لا أحد يدري في أي ظروف، ما يصل إلى مليوني سوري، أكثر من نصف الذين لجؤوا إلى تركيا في الأعوام الأخيرة.
مغامرة خارجية ليست مصادفة
يوم الأربعاء، قصفت دولة عضو في حلف الناتو، المزودة بطائرات أمريكية من طراز "F-16"، القوات الديمقراطية السورية (SDF)، التي زود محاربوها من القوات الكردية (YPG)، أفضل حليف محلي للغربيين في الحرب ضدّ داعش، ويبدو أنّ الهدف الأول من الهجوم هو مدينة الأبيض، التي انسحب منها الجيش الأمريكي المنتشر في المنطقة منذ إعلان دونالد ترامب هذا الانسحاب، يوم الأحد.
زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة
وبهذه الطريقة، يسهم أردوغان في زيادة زعزعة الاستقرار في المنطقة، ومن خلال مهاجمة خصمه المحلي الرئيس؛ فهو يُسهّل إعادة تشكيل قوات داعش وهي، رغم ما أكّده دونالد ترامب يوم الأحد، بعيدة عن أن تهزم مئة بالمئة، العامل المجهول الرئيس في القضية هو مصير الآلاف من جهاديي داعش الذين احتجزتهم قوات سوريا الديمقراطية، ومن بينهم كثير من الفرنسيين، الذين يمكنهم اغتنام الفرصة للفرار، إضافة إلى ذلك، يُقوي أردوغان يد بشار الأسد وحليفتيه الرئيستين؛ روسيا وإيران، اللتين يدعمهما حلفاؤهما المحليون برحيل الأمريكيين، وضعف الأكراد.

لطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا بمن فيهم داعش

ليست المغامرة الخارجية لأردوغان بعد بضعة أشهر من الانتكاسات المريرة التي تعرض لها في الانتخابات البلدية قبل الصيف، بأيّ حال من الأحوال، مصادفة، في تحليل الدوائر الحاكمة التركية، فإنّ فقدان إسطنبول وأنقرة والمدن الرئيسة الأخرى التي انتقلت إلى أيدي المعارضة، يرجع إلى حدّ كبير إلى سخط السكان ضدّ حوالي 3.7 مليون من اللاجئين السوريين في البلاد، المطالبة بنقلهم إلى سوريا تهدف إلى تهدئة هذا الغضب، بالنسبة إلى أردوغان وحزبه، حزب العدالة والتنمية، تشكل خسارة المدن الكبرى تهديداً خطيراً لنظام التمويل شبه المافياوي، المعمول به منذ 25 عاماً، للاستفادة من الصفقات العامة للبلديات وأسواق العقارات.
أردوغان يكرّس هيمنته من أجل بقائه السياسي
"إنّ إستراتيجية تركيا ليست مجرد تمرين جيوسياسي"؛ هكذا قال جونول تول، مدير مركز الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن (magazine américain Foreign Affairs)، على موقع مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية على الإنترنت، الأربعاء: "بالنسبة إلى أردوغان؛ إنّه أولاً وقبل كلّ شيء مرتبط ببقائه السياسي".
تهدف سياسة أردوغان السورية بأكملها، وفق المحلل جونول تول، إلى تعزيز هيمنته على الساحة السياسية الداخلية التركية، بعد بدء الصراع السوري، عام 2011، دعم رجل تركيا القوي الإسلاميين ضدّ نظام بشار الأسد، ولطالما غضّت أنقرة الطرف عن الجهاديين الأجانب، وكان كثير منهم يسافرون عبر تركيا للقتال في سوريا، بمن فيهم أولئك الذين انضموا إلى صفوف داعش.

اقرأ أيضاً: أردوغان وسياسة "الذئب الرمادي": مشهدية استعراضية تخفي الواقع
كان الأمر بالنسبة إلى أردوغان، في ذلك الوقت، هو تعزيز الدعم الذي كان يتمتع به في صفوف الإسلاميين الأتراك، في الوقت الذي بدأ فيه عملية كبرى لأسلمة نظام التعليم التركي، عندما أجبرته الانتكاسات الانتخابية الأولى، عام 2015، على التحالف مع حزب قوميّ متشدد، انفصل عن الأكراد وهاجم الأكراد السوريين، من خلال توغّلين عسكريين أوّليين في شمال سوريا.
سرعان ما أصبحت انتصارات الأكراد العسكرية ضدّ داعش، بدعم من الغربيين، كابوساً لأردوغان، منعُهم من إنشاء شبه دولة كردية، من النوع الذي أنشؤوه في شمال العراق، أصبح أولوية أنقرة العليا، منذ عام 2017، اكتمل انقلاب أردوغان ضدّهم، بالتحالف مع القوات الموالية للأسد المدعومة من روسيا، ليظهر أردوغان، الذي نجح في إقناع ترامب بالتخلي عن الأكراد، كم هو غير مهتم الآن بالمصالح مع الأوروبيين.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lepoint.fr/monde

للمشاركة:

كيف ألهمني محمد صلاح لأن أصبح مسلماً؟

2019-10-13

ترجمة: محمد الدخاخني


لقد ألهمني محمّد صلاح حقّاً وصدقاً. إنّني حامل تذكرة موسميّة في نادي نوتنغهام فورست، ويمكن أن أقدّم نفسي على هذا النحو فقط، لكن لأنّني أعلنت عن إيماني، فلأتحدّث بوصفي مسلماً. ما زلت الشّخص الّذي كنته، وهذا ما تعلّمته من محمّد صلاح. وأنا أحبّ لو ألتقي به، فقط حتّى أصافحه وألقي عليه التّحية وأقول له "شكراً".

اقرأ أيضاً: محمد صلاح يتبرع لمعهد الأورام بـ 3 ملايين دولار
لا أظنّ أنّ زملائي يعتقدون فعليّاً أنّني مسلم، وذلك لأنّني لم أتغيّر حقّاً. كلّ ما في الأمر أنّني أعتقد أنّ قلبي في حال أفضل. أحاول بالفعل التّغيّر في أيّام المباريات. فعادةً ما نذهب إلى حانة، ونراهن، وبعد المباراة نعود إلى الحانة وندرك أنّنا خسرنا الكثير من المال. ويكون من الصّعب العدول عن ذلك عندما يتعوّد المرء على مثل هذه الثّقافة، الّتي هي جزء من كرة القدم بالنّسبة إلى كثير من النّاس.

كان صلاح أوّل مسلم أجد نفسي في شخصيّته والأمر يرتبط بالطّريقة التي يعيش بها حياته وكيف يتحدّث إلى النّاس

أشعر بالحرج من قول هذا، لكن، في الواقع، آرائي حول الإسلام كان ملخّصها أنّ أصحاب هذا الدّين لم يندمجوا وأرادوا الاستحواذ على مجتمعاتنا. كما نظرت دائماً إلى المسلمين باعتبارهم الفيل الّذي في الغرفة. وكرهتهم.
عندما كنت في المرحلة السّادسة، مررت بفترة، كما أعتقد، احتجت فيها إلى شخص ألومه على ما يحلّ بي من مِحَن. لسوء الحظّ، حصل المسلمون على العبء الأكبر من ذلك واكتشفت بسرعة المنصّات الإعلاميّة اليمينيّة. وقد قام أصحابها بالاعتناء بي عبر إرسال قطع دعائيّة طويلة وما إلى ذلك.
وبالرّغم من إيماني وقتها بأفكارٍ رهيبة حول الإسلام، فإنّني لم ألفظ بها البتّة في وجه مسلم. ففي هذه المرحلة لم أكن أعرف أيّ مسلم. لكن دراستي ضمن قسم دراسات الشّرق الأوسط بجامعة ليدز غيّرت كلّ شيء.
كان علينا أن نكتب أطروحة وأردتّ القيام بشيء مختلف إلى حدّ ما. أتذكّر أنّ معلّمي، الّذي كان يساعدني في تجاوز عسر القراءة، قد أخبرني: "ماذا عن أغنية محمد صلاح"؟ كنت على دراية بها واعتقدتّ أنّها رائعة ولكنّني لم أفكّر فيها على هذا النّحو من قبل.

بن بيرد، حامل تذاكر الموسم في نوتنغهام فوريست
وأخيراً، وصلت إلى السّؤال البحثيّ: "محمد صلاح، هدية من الله. هل يُلهِب أداء محمد صلاح نقاشاً يحارب الإسلاموفوبيا في الأوساط الإعلاميّة والسّياسيّة"؟
تشتمل أغنية مشجّعي ليفربول - والّتي تأتي موافقة للحن أغنية "غود إنوف" لفرقة الرّوك دودجي - على سطر يقول: "إذا سجّل عدداً قليلاً من الأهداف، فسأكون مسلماً أيضاً"،  وقد أخذت هذا بجديّة وحرفيّة.
كنت طالباً أبيض نموذجيّاً ذهب إلى مدينة مختلفة وشرب حتّى الثّمالة وعاش الحياة الطّلابيّة بكلّ تفاصيلها. وخلال حصولي على درجتي العلميّة، عرفتُ الإسلام للمرّة الأولى بطريقة أكاديميّة.

اقرأ أيضاً: مكة ترافق محمد صلاح لتسلمه جائزة هداف الدوري الإنجليزي
كذلك، منحتني الجامعة الفرصة للقاء الكثير من الطّلاب السّعوديّين. ظننت في السّابق أنّهم أناس أشرار يحملون السّيوف، لكن اتّضح فيما بعد أنّهم ألطف من عرفت. والأحكام المسبقة الّتي كانت لديّ حول الدّول العربيّة ذابت بالكامل.
كان محمد صلاح أوّل مسلم أجد نفسي في شخصيّته. والأمر يرتبط بالطّريقة التي يعيش بها حياته، وكيف يتحدّث  إلى النّاس. خلال أحد الأسابيع الماضية، قام بالتقاط صورة مع أحد مشجّعي ليفربول الّذي أصيب بكسر في الأنف أثناء ملاحقته لصلاح. وأعرف أنّ بعض لاعبي كرة القدم الآخرين سيفعلون ذلك لو حصل معهم الأمر نفسه، ولكنّك تتوقّع ذلك الآن من صلاح.
في الجامعة التقيت بعدد من الطّلاب المصريّين وعندما اكتشفوا أنّ بحثي يدور حول "محمّد صلاح، هديّة من الله" - وهي أغنية أخرى لنادي ليفربول - تحدّثوا معي لساعات حول روعته وما قدّمه من أجل بلدهم. والعام الماضي، أبطل مليون مصريّ أصواتهم وصوّتوا لصالحه ليكون رئيساً.

اقرأ أيضاً: محمد صلاح ضمن 100 شخصية مؤثرة في العالم
وقد أخبرني أحد المصريّين الّذين تحدّثت إليهم أنّ صلاح يمثّل ما ينبغي أن يكون عليه المسلم، وأنّه يتبع الإسلام بشكل صحيح. كما اعتقدَ أنّ صلاح قد جعل النّاس يحبّون المسلمين مجدّداً.
وهذا يجد صداه عندي. فعندما يسجّل صلاح هدفاً، أعتقد أنّه يسجّله في سبيل الإيمان. وعندما فاز بدوري الأبطال، قلت لصديقي إنّه انتصار للإسلام. وبعد كلّ هدف يسجّله، يقوم صلاح بالسّجود ويعرض أمام العالم رمزاً إسلاميّاً للغاية. كم من النّاس يشاهدون الدّوري الإنجليزيّ الممتاز كلّ أسبوع؟ الملايين على مستوى العالم.

محمد صلاح يمارس السجود بعد تسجيله هدفاً لفريق ليفربول ضد أرسنال في آب
لقد أظهر لي صلاح أنّه يمكنك أن تكون مسلماً وطبيعيّاً، إذا كانت هذه هي العبارة الصّحيحة. أنّه يمكنك أن تكون نفسك. إنّه لاعب رائع ويحظى باحترام مجتمع كرة القدم وقناعاته السّياسيّة والدّينيّة، لا تخصّ أحد - وهذا، بالنّسبة إليّ، ما يمكن لكرة القدّم أن تقوم به.
عندما يقرأ النّاس القرآن الكريم، أو يقرؤون عن الإسلام، فإنّهم يرون شيئاً مختلفاً لا  يُصوَّر دائماً في وسائل الإعلام. وأنا جديد على المجتمع الإسلاميّ وما زلت أتعلّم. إنّ الأمر صعب. إنّه تغيير يمسّ نمط الحياة.

وصلت إلى السّؤال البحثيّ: هل يُلهِب أداء محمد صلاح نقاشاً يحارب الإسلاموفوبيا في الأوساط الإعلاميّة والسّياسيّة؟

ماذا أقول للشخص الّذي كنته قبل الإسلام؟ لقد صفعته، لأكون صادقاً، ويمكنني أن أقول له: 'كيف تجرؤ على التّفكير على هذا النّحو في أناسٍ متنوّعين للغاية. عليك البدء في التّحدّث مع النّاس. عليك البدء في طرح الأسئلة. فنحن نعيش في مجتمع متعدّد الثّقافات ومتعدّد الأديان ومتعدّد القوميّات'.
في الموسم الماضي، كان مشجّعو تشيلسي يغنّون "صلاح مُفجّر قنابل". وكانت هذه هي المرّة الأولى على وسائل التّواصل الاجتماعيّ الّتي أتعاطى فيها مع الأمر بشكل صحيح. كنت حانقاً لأنّني مع المزاح الكرويّ لكنّك تعرف عندما تسير الأمور بشكل غير صحيح.
والآن، أقول للأطفال المسلمين: "لا تخافوا من الذّهاب إلى إحدى مباريات كرة القدم". أعتقد أنّ هذه مسألة يجب أن ننظر إليها من كلا الجانبين. كنت خائفاً من أن يتمّ عزلي. فلا أريد أن أخسر زملائي؛ لأنّني أنظر إليهم كإخوة لي. والآن، خُمس سكّان العالم هم إخوتي وأخواتي.
يجب على المسلمين في إنجلترا توسيع أنشطتهم، ولعب كرة القدم، والذّهاب إلى المباريات. والأمر متروك لنا لندرك أنّنا في هذا معاً. وأفضل متحدّث عن ذلك هو محمّد صلاح.


بن بيرد، الغارديان

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.theguardian.com/football/2019/oct/03/mohamed-salah-inspired-...

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية