من هي الشخصيات التي أعادت الحكومة الصومالية بناء تماثيلها؟

أعيد في الصومال، الشهر الماضي، بناء وترميم النصب التذكارية لشخصيات وطنية، تدمّرت تماثيلها في مرحلة الحرب الأهلية، وأبرز تلك التماثيل التي شيدتها الحكومة الصومالية من جديد تعود لمحمد عبد الله حسن، الذي يرتبط ذكره بمقاومة الاستعمار البريطاني في صومال لاند، وأحمد غري، البطل التاريخي من القرن الخامس عشر، وأيقونة التحرّر من الاستعمار الإيطالي؛ حاوا تاكوا.

استخدم الرئيس سياد بري صورة الثائرة الصومالية حاوا تاكوا من أجل الترويج لنفسه بأنّه يدعم حقوق المرأة الصومالية

وشُيّدت النصب التذكارية لهؤلاء الشخصيات في العاصمة الصومالية قرب المسرح الوطني، بحضور الرئيس الصومالي، محمد عبد الله فرماجو، الذي غرّد معلقاً على حسابه في توتير: "كنت فخوراً بأن أقود أمتنا اليوم في ترميم آثارنا التاريخية"، وأضاف: "هذه الآثار هي فخر لنا جميعاً، ولأجيال الصومال، والحفاظ على تاريخنا يذكرنا برحلتنا التاريخية ويلهم مستقبلنا".
لكن سرعان ما أثار هذا الموضوع جدلاً على صفحات التواصل الاجتماعي، فيما رأى البعض أنّ الحكومة خطت بنصبها هذه التماثيل أولى خطواتها في حملتها الانتخابية القادمة، ويتصل الجدل المثار حول هذه الشخصيات بالخلاف القائم على السرديات المتضاربة حول التاريخ الوطني في الصومال؛ فمن هي تلك الشخصيات؟

الرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو يدشن النصب التذكارية لشخصيات وطنية

حاوا تاكو: أيقونة التحرر من الاستعمار الإيطالي
تعدّ حاوا تاكو من أبرز رموز الاستقلال من الاستعمار الايطالي في الصومال الجنوبي، ورغم أنّ حقيقة حياتها غير معروفة بشكل كامل، إلا أنّ شخصيتها تحضر في الذاكرة الجمعية الصومالية كرمز للكفاح ضدّ الاستعمار في بلادها.
في أربعينيات القرن الماضي، كانت حاوا تنتمي لرابطة الشباب الصومالي، وذاع صيتها، بحسب بعض المصادر التاريخية، حين عقدت "لجنة القوى الأربعة"، المكونة من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي، اجتماعاً، في كانون الثاني (يناير) 1948، لتوزيع المستعمرات الإيطالية في القرن الأفريقي، في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضاً: صراع قطري تركي في الصومال
وأصبح وجود اللجنة نقطة اشتعال للخلاف السياسي بين المستعمِر الإيطالي ورابطة الشباب الصومالي (SYL) التي كانت حاوا تنشط في صفوفه، وتسعى إيطاليا في أعقاب الهزيمة التي لحقتها من الحرب العالمية الثانية الاحتفاظ بالصومال وإدارتها لمدة ثلاثين عاماً أخرى، في وقت كانت تلاحق نيل باقي الدولة الأفريقية على الاستقلال.
وفي 11 كانون الثاني (يناير) 1948، نظمت رابطة الشباب الصومالي مظاهرات حاشدة للمطالبة بتعجيل استقلال الصومال، وأطلق الحاكم الاستعماري الإيطالي الشرطة وبعض المرتزقة الصوماليين لمواجهة المظاهرة بعنف، مما تسبّب بقتل 17 صومالياً بمن فيهم حاوا تاكو.

يعدّ الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي بطلاً وطنيّاً من أبطال الصومال، واكتسب أهميته تلك خلال الحرب الإثيوبية الصومالية

وتشير إحدى روايات وفاتها إلى أنّه عندما وصلت القوات التي تقودها إيطاليا، انقسمت الرابطة إلى مجموعتين، كانت إحداها بقيادة حاوا؛ حيث قاتلت برمي الحجارة حتى قُتلت، ووفق ما قالته حليموا غودني، في مقابلة أجرتها مع الباحثة في جامعة هارفارد، صفية عيديد: "هاجم الإيطاليون المسلحون بالأسلحة النارية المظاهرات السلمية، وبدأوا في إحراق مبنى "SYL"؛ حيث تم إطلاق النار على محمد حرسي نور، أحد الأعضاء المؤسسين لـ "SYL"، وقد حاولت حاوا تاكو مساعدته، وأصيبت هي الأخرى بالرصاص".
وتقدّم الروايات الأكثر دراماتيكية للحادثة تفاصيل أكثر، منها القول إنّها قتلت بسهم مسموم؛ وإنّها ماتت أمام أولادها، ويقدّم تلك الروايات الكاتب العالمي، نور الدين فارح، في روايته "إبرة عارية"؛ حيث يورد أنّها قتلت بسهم مسموم أطلقه عليها صومالي مؤيد لبقاء إيطاليا، وهو ابن حاكم المنطقة، ويدعى حسن باري تولو.

تمثال حاوا تاكو

وأياً يكن؛ فقد أًصبحت حاوا تاكو ضمن ثقافة الصومال الشفهية رمزاً قومياً يجسد دور المرأة في حركة التحرر من الاستعمار، وأصبح وضعها الأيقوني رسمياً في السبعينيات، بعد تولي سياد بري السلطة في انقلاب عسكري؛ حيث بنى نظام بري نصباً تذكارية عديدة في مقديشو "تكريماً لشخصيات وأحداث قومية رمزية في التاريخ الصومالي"، ومن بين هذه الآثار؛ تمثال حاوا تاكو، التي شُيِّد تمثالها بالقرب من المسرح الوطني، وهو يصورها مسلحة بالسيف والحجارة، وتظهر أيضاً في عملة الشلن الصومالي، وهي تحمل بندقية ومجرفة مع طفل مربوط بخصرها، ويمثل ذلك رمزاً حيوياً لشجاعة المرأة الصومالية وقوتها وقدرتها على التحمّل، ودورها في بناء الأمة.

اقرأ أيضاً: هل يسدد الصومال ديونه الخارجية ويخرج من نفق "الدولة الفاشلة"؟
وفي حركته التحديثية القسرية؛ استخدم الرئيس سياد بري صورة حاوا من أجل الترويج لنفسه؛ بأنّه يدعم حقوق المرأة الصومالية؛ حيث أُعلن، مثلاً، قانون الأسرة المساند للمرأة في ذكرى وفاة حاوا، عام 1975، وأعلن بري القانون بالقول: "اعتباراً من هذا اليوم، فإنّ الرجال والنساء الصوماليين متساوون".
محمد عبد الله حسن: قائد الدراويش و"الملأ المجنون"
أسّس محمد بن عبد الله حسن نور حركة الدراويش، وهي حركة نهضت بدور محاربة الاستعمار في صومال لاند، وتجمع في مرجعيتها بين السياسة وتصوف الطريقة الصلاحية، وهدف من خلالها توحيد القبائل الصومالية، وحثّ الناس على الجهاد ضدّ الاحتلال البريطاني وقاد المعارك بنفسه.

اقرأ أيضاً: تمرير قانون النفط يفاقم الانقسامات السياسية في الصومال
تنقل السيد عبد الله حسن في صباه بين الطريقة القادرية والأحمدية، طلباً للعلم، قبل أن يسافر إلى مكة، بغية أداء شعائر الحج، غير أنّه التقى هناك رجل دين يدعى الشيخ محمد صالح، وهو مؤسس الطريقة الصالحية والمتأثرة بالأفكار الثورية المناوئة للاستعمار الأوروبي، وقد انعكس ذلك على موقف محمد عبد الله حسن من الاستعمار الأوروبي في الصومال وقت رجوعه.

يظهر محمد عبدالله حسن في المخيال الشعبي؛ بصورة البطل في بعض المناطق، ويظهر في مناطق أخرى بصورة المخرّب والمتهوّر

أٌقام السيد حسن في الجزيرة العربية أربعة أعوام (1886-1890)، وهي فترة كافية للتخرّج في مدرسة الشيخ محمد صالح الصوفية، والحصول على الثقة المطلوبة لتعيينه خليفة، أو ممثلاً شخصياً لزعيم الطريقة الصالحية في الصومال، وهكذا أسّس فور وصوله إلى صومال لاند، مراكز تتبع طريقة الصالحية في مدينة بربرة، التي استقر فيها ثلاثة أعوام، ومن ثم بدأ في مقاومة الاستعمار الأوروبي والاحتلال الإثيوبي، عبر تحشيد القبائل ضدّ الاستعمار.
وقد شنّت عليه بريطانيا حرباً عسكرية، وعملت على تشويه صورته من خلال إشاعة أنّه مجنون؛ حيث أطلق عليه الألمان لقب "الملا المجنون" (Mad Mullah)، لكنّه واجه أطماع الإثيوبيين والإيطاليين في البلاد إلى جانب البريطانيين، وشنّت الأخيرة عليه، في أواخر حزيران (يونيو) 1916، حملة قضت على معظم رجاله، لكنّها فشلت في أسره، خلافاً لما خططت له.

اقرأ أيضاً: الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب
ويعدّ السيد محمد عبد الله حسن من أكثر الشخصيات التاريخية المثيرة للجدل، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اهتمت الحكومة العسكرية بتضخيم صورته واستخدمت أشعاره القتالية في الدعاية الحربية أثناء الحرب الصومالية الإثيوبية، عام 1977، لكن يظهر في المخيال الشعبي؛ مرة بصورة البطل في بعض المناطق، بينما يظهر في بعض المناطق الأخرى بصورة المخرّب والمتهوّر؛ حيث كان يقتل وينهب إبل القبائل التي لا تشارك معه في حروبه.
وفي أعوامه الأخيرة؛ شهدت حركته انشقاقات في صفوفها، وطلب الحماية من الدولة العثمانيّة، لكنّها لم تقدم له المساعدة التي احتاجها، فقد كانت مشغولة بالثورة العربية، وتحت القصف البريطاني لاذ بالفرار إلى الأراضي الإثيوبية بعد أسر عدد من عناصره وأفراد عائلته؛ حيث توفّي هناك بسبب الإنفلونزا، عام 1920.

تمثال السيد محمد عبد الله حسن

أحمد جري: بطل صومالي من القرن الخامس عشر
الشخصية الثالثة التي تمّت إعادة بناء تمثالها، هي للإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، المعروف باسم أحمد جري (جري: تعني الأعسر في اللغة الصومالية)، من مواليد إقليم حوبات، وهو من أسرةٍ صومالية؛ عمل أفرادها جنوداً في جيش أمير هرر في سلطنة عدل، بحسب بعض المصادر.
لكنّ أصول أحمد غروي غير متفقة؛ حيث يثار كثير من الجدل حول أصوله القومية، عمّا إذا كان إثيوبياً؛ حيث تقول بعض الروايات إنّه كان ابناً لقسيس في مقاطعة أيجو بالحبشة، وبعد أن اتّصل بالمسلمين وسمع بعض دعاتهم في مقاطعة عدل، أسلم واختار لنفسه اسم أحمد غري، ويرجح هذا القول المستشرق توماس أرنولد، لكنّ الكاتب الصومالي، علي الشيخ آدم موسى، ومصادر إسلامية، أكّدوا أنّ كلام المستشرق توماس لا يستند إلى دليل موثوق.
ولم يشر شهاب الدّين أحمد بن عبد القادر، صاحب كتاب "فتوح الحبشة"، إلى الحياة الخاصّة لأحمد غري، وركّز هذا الكتاب، الذي يعد المصدر الأساسي عن تلك الحقبة، على المعارك القتالية التي خاضها الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي ضدّ الأحباش فقط، في بيئة كانت تموج بالصراعات على السلطة والدين.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
فقد كانت المنطقة تشهد، في تلك الفترة، حروباً دينية بين المسلمين والمسيحيين، خصوصاً بعد حصول المسيحيين على الأسلحة النارية من حلفائهم البرتغاليّين، وهي الأسلحة التي لم تكن معروفةً وقتئذ في القرن الأفريقي، فشنّ الطرفان، الحبشي والبرتغالي، حملةً منسقة ضدّ سلطنة عدل؛ الأحباش من البرّ، والبرتغاليون من البحر، وتمكّنت قوات النجاشي الحبشي داؤود الثالث، عام 1516، من إلحاق هزيمة ساحقة بالقوات الصومالية والعفارية، التابعة لإمارة عدل، التي يقع أهمّ مراكزها على ساحل خليج عدن، بما فيها العاصمة "زيلع".
وقُتل الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي، في مكانٍ يُقال له "زنطرا"، بطلقة رصاصة، في 21 شباط (فبراير) 1543، ويعدّ الصوماليون الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي بطلاً وطنيّاً من أبطال الصومال، واكتسب أهميته تلك خلال الحرب الإثيوبية الصومالية المتكررة في العهد الحديث.

وتتشارك هذه الشخصيات بأنها خضعت لـ "الأسطرة" في التاريخ الصومالي، في فترة الرئيس سياد بري، واستخدم النظام إرث محمد الله حسن وأحمد غري في أوقات حروبه ضدّ إثيوبيا، مما يعني أنّ كتابة تاريخها، وتنصيب النصب التذكارية لها، لم يكن يخلو من الدعاية الأيديولوجية القومية التي كانت تسيطر على الصومال في ذلك الوقت، ورغم ذلك فقد أضحى هؤلاء الثلاثة من أبرز الشخصيات التاريخية في الذاكرة الجمعية للصوماليين.

الأقسام: