من وراء تصفية واختطاف ناشطي الحراك الشعبي في العراق؟

العراق

من وراء تصفية واختطاف ناشطي الحراك الشعبي في العراق؟

مشاهدة

15/12/2019

مع كلِّ هدفٍ يسجلهُ المحتجون العراقيون في مرمى الكتل السياسية التي تقود الائتلاف الحاكم في البلاد، تزداد عمليات التصفية الجسدية التي تطال ناشطين وفاعلين من شبيبة الاحتجاجات، القائمة منذ مطلع تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ حيث تراوح مصير 14 ناشطاً عراقياً ما بين الاختطاف والقتل المباشر، في وقت ارتفع فيه صوت البعثة الأممية في العراق مؤخراً، متهماً ميليشيات موالية لإيران بأنّها تقف وراء عمليات "الإرهاب الأمني" بحقّ الناشطين وقادة الرأي المدني في العراق.

خطف وقتل ناشطي الاحتجاجات العراقية يتصاعد يوماً بعد آخر... والحكومة تقع في حرج أمني لتنامي سلطة الميليشيات

تداعيات الهجوم الميليشاوي، في السادس من كانون الأول (ديسمبر) الحالي، على معقل التظاهرات العراقية وسط بغداد، دفع رئيس الحكومة "المستقيلة"، عادل عبد المهدي، إلى سحب يد الحشد الشعبي من منظومة الأمن داخل العاصمة، ورافق ذلك قرار آخر تمثل بعزل قائد عمليات بغداد من منصبه، ما أثار أكثر من استفهام سياسي حيال القرار الأخير، الذي يعزوه نواب الى رفض القائد العسكري الرضوخ لسلطة الميليشيات الحاكمة في المدينة.

وكان مسلّحون مجهولون قد هاجموا، مساء يوم الجمعة الماضي، المتظاهرين في ساحة الخلاني، وقرب جسر السنك، وسط العاصمة بغداد، بالرصاص الحي، ما أسفر عن وقوع 150 ضحيةً.

ناشطان بغدادي وكربلائي يعانقان الموت

عند منتصف الليل، يغادر الناشط المدني، علي نجم اللامي، ساحة التحرير وسط بغداد، للعودة الى منزلهِ بعد يومٍ احتجاجي صاخب، لكن مساء ذلك اليوم كان مختلفاً؛ إذ يقول زميله خالد صالح لـ "حفريات": "أطلق مسلحون مجهولون النار عليه ضمن منطقة الشعب شمال بغداد، أثناء عودته لمنزله، ما أدّى إلى مقتله في الحال".

اقرأ أيضاً: الحرس الثوري يقود حملة لتصفية معارضي خط إيران في العراق
ويضيف صالح: "اللامي بات ضحية المناخ الأمني المنفلت، هو شخص وطني غيور، قاد مفاصل عدة داخل تظاهرات ساحة التحرير"، مبيناً أنّ "القوات الأمنية شرعت بنقله إلى دائرة الطب العدلي، وفتحت تحقيقاً في ملابسات مقتله، وهو عادة يرافق كلّ قتيل دون الوصول إلى نتائج". 

وفي مساء متأخر من ليل الإثنين الماضي، شهدت محافظة كربلاء (100كم جنوب بغداد)، مقتل أبرز ناشطي احتجاجاتها، فاهم الطائي، الذي طالته رصاصات مجهولة من قبل ملثمين، كانوا يتربصون له قبالة منزله وسط المحافظة.

ويقول شقيقه، فخر الطائي، لـ "حفريات": "فاهم، كان يريد وطناً، واستشهد على يد مرتزقة، نتيجة إهمال أجهزة الأمن العراقية"، لافتاً إلى أنّ شقيقه المغدور "كان ينتقد الفاسدين دون مجاملة، عبر مقالاته وصفحته الشخصية على فيسبوك". 

12 ناشطاً في غياهب المجهول

إلى ذلك، يؤكد ناشطون مدنيون في عدة محافظات، وسط وجنوب العراق، اختطاف جهات مسلحة لعددٍ من نظرائهم، جراء مشاركتهم في فاعلية التظاهرات القائمة في محافظات الديوانية وذي قار وميسان، إذ كان مجموع المختطفين في الأسبوع الماضي نحو 12 ناشطاً، موزعين على المدن الثلاث.

ويؤكد لؤي الحارث لـ "حفريات"؛ أنّ "ثمانية ناشطين من مدينة الديوانية (200كم جنوب بغداد)، كانوا قد شاركوا في احتجاجات ساحة التحرير وسط العاصمة"، مبيناً أنّه "لدى عودتهم من بغداد للديوانية تمّ اختطافهم من قبل جهة مجهولة".

ناشط بغدادي وآخر كربلائي في قبضة الموت المجهول... والجنوب العراقي يفقد 12 من ناشطيه عن طريق الاختطاف

وأضاف: "المختطفون كانوا على اتصال مستمر مع ذويهم، وأكدوا أنهم في طريقهم إلى مدينتهم، لكن بعدها اختفى أيُّ أثرٍ لهم".
أما في محافظة ذي قار (360 كم جنوب بغداد)، فقد غاب عن نشاطها الاحتجاجي، قاسم راضي، أحد الناشطين المدنيين في ساحتها، بحسبِ ما ذكر صديق له لـ "حفريات".

وقال نجم جاسم، وهو قاص عراقي: "عائلة راضي بحثت في كلّ مراكز الشرطة عن ابنها، لكن عادت دون نتيجة". في حين شهدت محافظة ميسان الجنوبية، اختطاف ناشطها المدني حازم الساعدي، الذي ما يزال مصيره مجهولاً منذ أيام.

يونامي تحدّد هوية الخاطفين 

بدورها، اتهمت بعثة الأمم المتحدة في العراق "يونامي" فصيلَين مسلَّحين ينتميان لقوات الحشد الشعبي، ومواليين لإيران، بعمليات خطف واستهداف الفاعلين في التظاهرات الشعبية بالعراق.
وقالت البعثة في تقريرها الأخير عن تداعي حقوق الإنسان في العراق: "تلقينا معلومات موثوقة تفيد بأنّ المتظاهرين والناشطين البارزين تمّ استهدافهم واعتقالهم من قبل القوات الأمنية وميليشيات مسلحة"، مبينة أنّ "معلوماتها موثقة وأن القوات الأمنية العراقية ألقت القبض على أشخاص من منازلهم ومن مركباتهم واحتجزتهم بالحبس الانفرادي أثناء التحقيق".

اقرأ أيضاً: العراق... بين انتفاضتين و"بين احتلالين"
وأوضح التقرير الأممي الثالث عن الاحتجاجات العراقية؛ "تشير المعلومات إلى أنّ الميليشيات، ومنها عصائب أهل الحق، اختطفت ما لا يقل عن خمسة من الناشطين والمتظاهرين البارزين في بغداد، واحتجزتهم في الحبس الانفرادي في مواقع احتجاز غير رسمية، لعدة أيام، أثناء استجوابهم".
من جهتها، حذّرت لجنة حقوق الإنسان النيابية، الحكومة والقوات الأمنية من استمرار عمليات خطف وقتل الناشطين، وقالت في بيان مقتضب: "الحكومة والقوات الأمنية ستتم محاسبتهم دولياً إذا استمرت حملات خطف وقتل الناشطين"، مطالبة بـ "بذل الجهود العاجلة لإطلاق سراح المخطوفين في مختلف المحافظات". 

سبب تنامي عمليات الخطف

وفي السياق ذاته؛ كشفت لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي، السبب الذي يسهّل حدوث عمليات الخطف التي تطال المتظاهرين في الآونة الأخيرة.
وقال عضو اللجنة، باسم الخفاف، لـ "حفريات": "عمليات الخطف ليست بالعمليات الجديدة، لكن بسبب عدم وجود جهة تتخصص في مكافحة عمليات الخطف، خصوصاً بعد أن كانت هناك مؤسسة مخصصة لمكافحة عمليات الخطف، أدرجت بعدها مع عمليات بغداد، الأمر الذي حال دون السيطرة على العمليات الأخيرة".

اقرأ أيضاً: اقتحام مرقد الحكيم: نهاية الحكم باسم الشعارات الدينية في العراق
وأكّد أنّ "عمليات الخطف من الطبيعي أن تظهر في ظلّ الظروف الأمنية والسياسية المعقدة"، موضحاً أنّ "أغلب عمليات اختفاء الناشطين حصلت في الليل، وهذه تصنّف مع عمليات التهديد المسلح؛ لأنّ دلالات عمليات الخطف لا تحصل في الليل".
وأشار عضو الأمنية النيابية إلى أنّ "الجهات الأمنية، بشكل عام، تتحمل مسؤولية ازدياد حالات الخطف، ليس هناك جهة معنية بتأمين الشوارع ونصب الكاميرات وغيرها"، مؤكداً أنّه "بالإمكان السيطرة على اختطاف الناشطين عن طريق تحديد أوقات عملهم وحركتهم، التي يجب أن تكون معلومة وبمصاحبة أعداد من الأشخاص أو بمرافقة الأجهزة الأمنية إذا استوجب الأمر".

عبد المهدي يحجم دور الحشد في أمن بغداد

وفي سياق منفصل؛ أصدر رئيس حكومة تصريف الأعمال في العراق، عادل عبد المهدي، توجيهاً بعدم تدخل الحشد الشعبي في قضايا تخصّ الأمن.
وقال المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء الركن عبد الكريم خلف، في تصريح صحفي: "القائد العام أصدر توجيهاً بعدم تدخل الحشد الشعبي في قضايا تخص الأمن"، وأضاف: "القرارات نصّت على حصر تكليف الحشد بمهام أمنية بالقائد العام للقوات المسلحة فقط"، لافتاً إلى أنّ "مقرات الحشد الشعبي داخل العاصمة باقية في مكانها".

نواب: استفحال عمليات الخطف في بغداد وباقي المدن العراقية يعود لغياب جهاز المكافحة الخاص بهذه العمليات

ويأتي قرار عبد المهدي الأخير بعد اتهامات طالت فصائل داخل الحشد الشعبي، بتنفيذ الهجوم الميليشاوي، يوم الجمعة الماضي، على متظاهري ساحة الخلاني والسنك وسط بغداد، ما أدّى إلى مواجهة مؤقتة بين المهاجمين وعناصر سرايا السلام، التابعة لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الذين يتواجدون وسط المتظاهرين بدعوى حماية محتجي ساحات الاعتصام البغدادية.

ويعلّق المحلل السياسي العراقي باسم الدراجي: "قرار الحكومة هذا جاء متأخراً، خصوصاً بعد استفحال سلطة الميليشيات القائمة في أكثر مدن العراق".

عزل قائد عمليات العاصمة

وبعد صدور قراره بعدم تدخل الحشد الشعبي في أمن بغداد، عزل القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عادل عبد المهدي (رئيس الوزراء المستقيل)، قائد عمليات العاصمة، الفريق الركن قيس المحمداوي، من منصبه.

ويعزو صباح الخفاجي، نائب عن تحالف "سائرون"، سبب عزل المحمداوي إلى رفض الأخير "الرضوخ للضغوط التي مارستها بعض الجهات السياسية والميليشيات والفصائل المسلحة تجاهه، بغية قمع التظاهرات السلمية وفضّها بالقوة، لذلك فقد تمّ إعفاؤه من منصبه وتكليف اللواء عبد الحسين التميمي للقيام بمهام قيادة عمليات بغداد".
ويضيف لـ "حفريات": "إننا ككتلة نيابية، نحمّل القائد العام للقوات المسلحة المسؤولية الكاملة عن سلامة المتظاهرين"، داعياً المحمداوي إلى "قطع إجازته والعودة لممارسة مهامه في قيادة العمليات على اعتبار أنّه من الشخصيات المهنية والقوية والوطنية".

لكنّ النائب عن الكتلة المدنية، باسم خشان، اتّهم قائد عمليات بغداد المعزول، بـ "التقصير"، وقال في تصريح له: "المحمداوي لم يحرّك قطاعاته العسكرية عندما هاجمت الميليشيات المتظاهرين في ساحة الخلاني، وهذا تقصير واضح، وتجب محاكمته وعدم الاكتفاء بعزله فقط".

الصفحة الرئيسية