من يقف وراء هجمات سريلانكا الدامية؟

4648
عدد القراءات

2019-04-23

استيقظ العالم يوم الأحد 21 أيار (مايو) 2019، على أكبر مذبحة شهدتها سريلانكا، خلال عشرة أعوام، منذ أن توقفت النزاعات الإثنية والدينية التي ضربت البلاد لأربعة عقود، وانتهت العام 2009 بهزيمة جبهة نمور التاميل، والتي خلّف الصراع بينها وبين الحكومات المتعاقبة أكثر من 80 ألف قتيل، في حرب أهلية استمرت لأكثر من ربع قرن.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى التنظيم الذي يقف وراء تفجيرات سريلانكا

الهجمات التي استهدفت ثمانية مواقع في مدن سريلانكا، بين كنائس وفنادق ومجمع سكني خلفت، حتى الآن، 300 قتيل وأكثر من 500 جريح، نفذها على الأرجح، وفق ما صرح به الطب الشرعي في سريلانكا، سبعة عناصر انتحارية.

الاعتداءات بدت الأعنف والأكثر وحشية منذ عقد في بلد يتوفر على تنوع ديني وعرقي

الاعتداءات بدت هي الأعنف، والأكثر وحشية، منذ عقد، في بلد يتوفر على تنوع ديني وعرقي، بين أغلبية من السنهال الذين يعتنقون البوذية، بنسبة 70 %، وأقلية هندوسية تأتى في الترتيب الثاني بنسبة 12.6%، بينما يأتي المسلمون في الترتيب الثالث بنسبة 9.7%، ويمثل المسيحيون وأغلبيتهم من الرومان الكاثوليك نسبة 7% من سكان البلاد.

تركزت الصراعات، في أعقاب انتهاء الحرب الأهلية في 2009، بين الأقلية المسلمة والأغلبية البوذية، على خلفية شحن طائفي عارض بين الطرفين، خلّف عدداً من الحوادث المتفرقة، التي لا يمكن الحكم عليها بأنّها تمثل ظاهرة متصلة، أو صراعاً ممتداً؛ بل بدا النزاع مفاجئاً، رغم تورط عدد من الرهبان البوذيين المعروفين بالمسالمة، في التماهي مع الغوغائية التي تحلى بها البعض؛ حيث غلب على الفئات المختلفة في سريلانكا قدر معقول من التسامح والتعايش والاندماج، فلم تشهد البلاد حوادث طائفية بحقّ المسيحيين قبل ذلك، فما الذي طرأ على الساحة؟ ومن هم اللاعبون الجدد الذين قد يضيفون توتراً جديداً على البلاد؟

اقرأ أيضاً: هل ستشهد سريلانكا تفجيرات أخرى؟

حتى الآن، لم تعلن أيّة جهة مسؤوليتها عن الحوادث، وبصرف النظر عن إشارة باهتة ومجهولة وردت في بعض المواقع، توعّد فيها داعش بأيام دامية، لم يتم العثور على دليل يؤكد، أو ينفي، ضلوع التنظيم، الذي لا يحظى بوجود في سريلانكا، بعيداً عما ذكرته السلطات السريلانكية، العام 2016، من أنّ 32 شخصاً من رعاياها غادروا البلاد وانضموا إلى التنظيم، كما لا تتوفر دلائل قوية حول اتصال عناصر سريلانكية متشددة مع جماعات تابعة لداعش في الهند.

العمليات بدت منسقة وقوية بالشكل الذي يفوق طاقة تنظيم صغير أو جماعة عشوائية

حتى الآن، الاحتمالات تدور حول عدد من المشتبه بهم؛ كداعش الذي من الممكن أن يكون قد نجح في تجنيد عناصر جديدة، ليبرز حضوره في ساحة جديدة، ويؤكد من خلالها أنه باقٍ وقادر على التمدد في أماكن أخرى، أو أنّ بعض عناصره، من أبناء تلك المناطق، عادوا بالفعل إلى بلدانهم، في إطار توجيه عام من التنظيم، بتنفيذ عمليات في بلدانهم الأصلية، لكن يصطدم هذا الاحتمال بحجم العملية الذي يؤكد وجود تنظيم قوي ومتشعب، لديه قدرات وخبرات ومعرفة بالساحة التي يعمل بها.

الاحتمال الثاني، وربما يبدو الأرجح: أننا قد نكون أمام بقايا من تنظيم نمور التاميل ممن راكموا خبرات عسكرية، وما يزالون يرفضون الرضوخ للاتفاقيات التي أبرمها تنظيمهم مع الحكومة.

أما الاحتمال الثالث، والذي أشارت إليه بعض المصادر: أنّ من يقف خلف العمليات هي جماعة التوحيد الوطنية، وهي مجموعة إسلاموية توصف بالتطرف، وتتهم بأنّها نفذت عملية تحطيم لبعض التماثيل البوذية، وبالنظر إلى أنّ العمليات نفذت عبر انتحاريين، فمن المستبعد أنّ بنية الجماعة تضمّ عناصر أيديولوجية تؤمن بالعمليات الانتحارية، بالنظر إلى السجل السابق للجماعة، كما لم يصدر من أيّة جهة حكومية اتهاماً للجماعة.

اقرأ أيضاً: عيون العالم على سريلانكا بعد أن ضرب الإرهاب الكنائس

المريب في هذا الحادث؛ ما كشفته وكالة "فرانس برس"، عندما قالت إنّها اطلعت على وثائق تكشف أنّ قائد شرطة سريلانكا أصدر، قبل عشرة أيام، مذكرة لقادة الشرطة، تحذر من انتحاريين يخططون لاستهداف كنائس كبيرة، وقد كتب في مذكرته التحذيرية؛ أنّ وكالة استخبارات أجنبية أبلغته بأنّ جماعة التوحيد الوطنية تخطط لشنّ هجمات انتحارية، تستهدف كنائس بارزة، ومفوضية الهند العليا في كولومبو.

فهل سرّب قائد الشرطة هذه الوثيقة كي يمهد الطريق لتعليق الاتهام بتلك الجماعة، واستخدام هذا الحادث لتبرير إجراءات أكبر؟ لم يظهر ما يؤكد ذلك، لكن لماذا يتجاهل قائد الشرطة تحذيراً بهذا المستوى؟

قد يرى البعض أنّ البلاد شهدت حالة من حالات الاسترخاء الأمني، بعد عقد من انتهاء الحرب الأهلية، لكن التجربة كان يفترض أن تدفعها إلى حالة أكثر جاهزية ويقظة، لمواجهة أيّة ارتدادات لتلك الحرب الأهلية، وليس الاسترخاء.

اقرأ أيضاً: نهر دماء ورماد يتساقط كالثلج.. روايات الناجين من مذبحة سريلانكا

شهد العالم، حتى في عواصم أوروبية، حوادث تورّط فيها داعش، وكيف ساهم ضعف التنسيق بين أبناء القارة الأوروبية الموحدة في نفاذ عنصر من دولة إلى أخرى لتنفيذ عملية هنا أو هناك.

في النهاية؛ نحن أمام فاعلين محتملين: الأول قد يكون عنصراً وطنياً ينتمي لتلك البيئة المترعة بالانقسامات الدينية والعرقية، يستفيد من خلط الأوراق في إضعاف خصومه، حتى إن كان على حساب أقلية دينية مسالمة وصغيرة، كالمسيحيين، وإما بروز جديد لمجموعات قد تنتمي لداعش، تفتح الباب لبروز التنظيم في تلك المنطقة، وهو أمر قد يلجأ له التنظيم، حرصاً على ترميم سمعته التي انهارت مع انهيار دولته في سوريا والعراق.

في كل الأحوال؛ نحن أمام عمليات دامية، تبدو منسقة وقوية، بالشكل الذي يفوق طاقة تنظيم صغير، أو جماعة عشوائية، هنا أو هناك.

اقرأ المزيد...

الوسوم: