مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق

1708
عدد القراءات

2019-05-01

كان بوسع مدينة مكناس المغربية أن تكون كسولة، وأن تركن لمجد مضى، وما يزال ماثلاً حتى اللحظة في معالم تاريخية؛ كباب المنصور، وساحة الهديم، وأسوار المدينة، وإرث ضارب في القدم تاريخياً وحضارياً، غير أنها لا تنفكّ تثابر لتجد لها موطئ قدم في مزيد من الحقول، هذه المرة؛ في حقل العزف على آلة القانون، فباتت تغذّ الخطى وتواظب على تكريس صبغة "عاصمة" آلة القانون، مغربياً وعربياً وعالمياً.

التاريخ الغني الذي تعاقب على المغرب، وثراؤها بالطبيعة الخلابة وبالطرق الصوفية أسهم في صناعة حالة متفردة عالمياً

أنّى ولّيت وجهك في مكناس، وجدتَ لمسات صوفية وإسماعيلية وأندلسية، وأنّى ولّيت وجهك في فترة انعقاد مهرجان مكناس لآلة القانون، ستجد هذا كلّه، إلى جانب الألحان التي لا تكاد تتوقف في كواليس التدريب وبهو الفندق والساحات العامة، وثمّة جنود يواظبون على تكريس هذا كله؛ أولهم شيخ الطريقة القانونية، إن جاز التعبير، مولاي إدريس الشاهدي الوزاني، وثانيهما يوسف مدني علوي، ومولاي إدريس الزيداني وغيرهما من رفاق لا يتوانون لحظة عن دورهم الذي تطوّعوا له؛ لتكريس حضور مكناس وحضور آلة القانون، على السواء.

أنّى ولّيت وجهك في مكناس، وجدتَ لمسات صوفية وإسماعيلية وأندلسية

مهرجان مكناس في دورته الرابعة

مهرجان مكناس لآلة القانون في دورته الرابعة، والذي قامت عليه جمعية "السنابل الإسماعيلية للموسيقى العصرية والإبداع"، كان، ميداناً للألفة والحميمية؛ إذ يعكف كل فرد في الجمعية على الاحتفاء بآلة القانون على طريقته الخاصة، يتحدثون عنها ويحدبون عليها بحنوّ، كما لو أنّ للأمر علاقة ببنوّة وأبوة؛ بل إنّ الأمر متداخل؛ إذ إنّ معظم أبناء منتسبي الجمعية يعزفون على هذه الآلة أيضاً، أو ينخرطون في أجوائها بتجلّ صوفي على أقل تقدير، ولعلّ على رأس هؤلاء؛ أميمة يوسف مدني علوي، التي باتت تكرّس حضورها كواحدة من أشهر عازفات آلة القانون في المغرب العربي، رغم كونها لم تبرح عالم المدرسة بعد.

والدا أميمة، يوسف وفاطمة الزهراء، من بين من يرعون المهرجان رعاية تنظيمية وروحيّة، تضفي طابعاً عائلياً على الفعالية. تارة، من خلال تفقّد الترتيبات التي تتمّ بسلاسة بالغة؛ إذ ينطوي المحفل الفني على رهافة في تفصيلاته كلها، بدءاً من الـ "بروفات" مروراً بالاحتفاء بالضيوف وليس انتهاءً بحفل الختام الذي يضمّ الباقة كاملة متكاملة بعد أيام من العروض المنفردة، وتارة أخرى من خلال التفاعل الباذخ مع تفاصيل المقطوعات والحرص على تقديم العازفين تقاسيم موسيقية وصوفية متمكّنة، بل تكاد فاطمة تلعب دور ضابط الإيقاع من مقعدها الذي تختاره بين الحضور.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

مولاي إدريس الشاهدي الوزاني، كان واحداً ممن تواجدوا في جنبات المكان، باقتدار وإخلاص، متخطياً جروحه الشخصية التي ألّمت به قبل موعد انطلاق المهرجان، فكان، كما العادة، عرّاب الفكرة والتطبيق والتدريب والتنفيذ والعروض، بل بوسع المتواجِد أن يُسبغ عليه لقب "شيخ الطريقة القانونية في مكناس"؛ فهو من تزعّم الفكرة منذ ميلادها، بل منذ أسّس للعزف على هذه الآلة في هذه المدينة المغربية التي يحفظ تفاصيلها كما كفّ اليد. ويكفي لتدرك هذا كله أن يصحبك الوزاني لجولة في المدينة؛ لتستمع للحكاية التاريخية وراء كل ركن فيها.

 قامت عليه جمعية "السنابل الإسماعيلية للموسيقى العصرية والإبداع"

من وجوه المهرجان ورموزه

الوزاني صوفي زاهد في الشهرة غير طامع فيها، رغم أنه قارب على إتمام العقد السادس في تدريسها للراغبين.

محمد بن علي أبو ياسين أحد أكثر من يتركون أثراً سنوياً في هذا المحفل الفني، برغم ما يكابده من متاعب صحية؛ إذ يعكف على أمور فنية عدة من بينها العزف على آلات عدة على رأسها القانون، إلى جانب كتابته الشعر الغنائي ومهاراته في التلحين، وباعه الطويل في الحقل الإذاعي.
أبو ياسين واحد ممّن أوجدَوا موطئ قدم لبذارهم في دورات المهرجان؛ إذ إنّ ابنه من بين محترفي العزف على آلة القانون، فيما ابنته واحدة من أكثر من يمنح المهرجان جداريات تتناغم وأجواء الفعالية.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
موسى وحواسين، أحد تلامذة الوزاني، يتحدث عن احترافه للعزف على هذه الآلة رغم مخاوفه السابقة من كون العُمر قد تقدّم به، كما يقول، غير أنه بمجرد أن عرَضَ الفكرة على الوزاني قال له: اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد، فكان له ما أراد، كما يقول.
بات وحواسين واحداً من العازفين المهرَة والقائمين على هذه التظاهرة الفنية السنوية في مكناس.
يقول وحواسين عن أستاذه الوزاني إنّ الكل يدور في فلكه في هذا المهرجان، وأن حلماً كان يراود الوزاني طويلاً بأن يرى فعالية فنية متكاملة قائمة في مكناس للاحتفاء بآلة القانون، وقد حدَثَ ما كان يتوق له.

آلة القانون تُصنَع مغربياً

آلة القانون تُصنَع مغربياً أيضاً؛ فعثمان العلمي هو أول صانع لآلة القانون في المغرب، منذ عام 1995، وعازف عليها، ومدرّسها في مدينة فاس.

يشرح بإسهاب عن مصادر الخشب الذي تصنع منه هذه الآلة (كالمغرب وتركيا وكندا وأمريكا)، وعن خطوط النايلون فيه وريشته النحاسية وتاريخه الذي ثمة من يعيده للفراعنة، فيما هنالك من ينسبه للبابليين، مستذكراً الفارابي، صاحب الباع الأطول في تطوير هذه الآلة، ومفنداً اللمسة الأندلسية في القانون المغربي، الذي يتميز بهويته الخاصة عن آلات القانون المصنوعة في سوريا والعراق وتركيا وغيرها.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال

يقول: إنّ صناعة آلة قانون واحدة تستلزم منه شهراً تقريباً، ويكشف عن استيائه من قلة الاحتفاء بهذه التجربة، رغم عصاميته في تصميم الآلة وصناعتها في غرفة في بيت والده، إلى جانب انتظامه في فرقة أهل الفاس للمدح والسماع.

عازف القانون الجزائري، وطبيب الأطفال، الدكتور محمد السعداوي، يمسك بالآلة ويترفق بها، كما لو كانت طفلاً يؤم عيادته في العاصمة الجزائرية حيث يقطن.

طيف واسع من عازفي آلة القانون أمّوا المهرجان

في مداعبة القانون

اللمسة التركية حاضرة بقوة في عزف السعداوي الذي يقول: "في مداعبة القانون فسحة لي، أبدّد من خلالها ضغوطات الوظيفة والحياة"، ليغدو الآن واحداً من بين الأكثر تمرساً في العزف على هذه الآلة، ليس في الجزائر فحسب، بل وتركيا أيضاً؛ حيث تتلمذ موسيقياً.

طيف واسع من عازفي آلة القانون أمّوا المهرجان، من بلاد عدّة، حمل كلّ عازف منهم صبغة خاصة، منهم: هناء بوخريص من تونس، ويامن جذبه من سوريا، وعلي شانغو ماسودا من اليابان، ومحمد عبد الوهاب وحنيفة بن عزيزة وفريال بلهوري من الجزائر، ورشدي لمفرج وتهامي بلحوات والبارودي الزكراوي من المغرب.

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
حول فرادة المغرب في العزف والفنّ عموماً، يقول عبد الناصر المكاوي، أستاذ آلة القانون، وأحد أشهر عازفيها في المغرب: "إن التاريخ الغني الذي تعاقب على المغرب، كما ثراؤها بالطبيعة الخلابة والمتباينة، وبالطرق الصوفية والتنوعات الفكرية، كلها أسهمت في صناعة حالة متفردة عالمياً، وعلى رأسها ما يتعلق بآلة القانون"، معوّلاً على هذه التظاهرة الفنية السنوية في إعادة لفت الانتباه لهذه الآلة التي تحمل صبغة أندلسية خالصة في بلاد المرابطين، ما يؤهلها، بجدارة، لاعتلاء مكانة عالمية متقدمة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



روائي فلسطيني يقيم حفلاً لتوقيع روايته على بسطته لبيع القهوة

2019-09-19

في السابعة صباحاً من كل يوم، يغادر الروائي الفلسطيني منزله، ليس إلى مكتبه في وزارة الثقافة، أو  في اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، أو في مؤسسة ثقافية، كما كان يحلم؛ بل إلى عربته الصغيرة "البسطة" التي أقامها بالقرب من مؤسسة الهلال الأحمر الفلسطيني، في مدينة خان يونس، جنوب قطاع غزة، منتظراً المارة، وسائقي التاكسي لشراء القهوة.

يضع هاني السالمي إلى جانب "البسطة" التي يبيع فيها القهوة عدداً من مؤلفاته الأدبية والقصصية ليقرأها الزبائن

وتعدّ القهوة بالنسبة إليه رفيقته الدائمة، التي كان يتلذّذ بتناولها عندما كان يكتب الروايات والقصص، واليوم أصبحت رفيقته في كسب الرزق، وتحدي الظروف المعيشية.
هاني السالمي (41 عاماً)؛ كاتب وروائي فلسطيني من قطاع غزة، صدرت له عدة روايات وقصص قصيرة، اختصّ بأدب الأطفال، وحاز على عدة جوائز محلية ودولية، وكان له دور في تدريب عدد من الشباب والفتيات على كتابة الرواية والقصص القصيرة، حتى أصبحوا كُتّاباً لهم أعمالهم الأدبية.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع الجوائز الأدبية أن تصنع نجوماً؟
ظروف غزة القاسية حوّلت السالمي من كاتب قصص إلى قصّة يكتب عنها الصحفيون؛ فبعد فقدانه الأمل في الحصول على وظيفة، أو مهنة، قرّر أن يجد لنفسه مهنة لتوفير ثمن رغيف خبز يطعمه لبناته الأربع.
افتتح الأديب الفلسطيني، الذي تخرّج في كلية العلوم بجامعة الأزهر، عام 2002، وحصل على عضوية اتحاد الكُتّاب الفلسطينيين، عام 2007، عربة صغيرة "بسطة" لبيع القهوة والمشروبات الساخنة، في محاولة منه للتغلب على ظروفه القاسية، التي يعاني منها منذ سبعة عشر عاماً. 
ويقدّم الروائي السالمي القهوة لزبائنه بهندامه الأنيق، ويتحدث إليهم بلغة مختلفة عن لغة الباعة، التي اعتاد عليها الزبائن، الأمر الذي دفع كثيرين من سكان المدينة إلى زيارة "بسطته" المتواضعة، لتناول القهوة، والاستمتاع بقراءة الروايات.
صدرت له عدة روايات وقصص قصيرة

الكتابة لم تعد تطعم خبزاً
ويقول لـ "حفريات" إنّ "الكتابة والأدب روح الإنسان، لكن في قطاع غزة المحاصر، لم تعد تطعم خبزاً، ولا تروي عطشاً، فعملت في عدد من المهن؛ نجار وشيّال، ومدرّب بالأدب، إلى أن زاد السوء والاحتياج في الأسرة للمصاريف، فقرّرت العمل على عربة صغيره "بسطة" لتكون مقهى يستمتع رواده بقراءة القصص وسماع معلومات ثقافية، فجمعت أدوات من المنزل لافتتاح مشروعي البسيط".

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

ويضيف: "في البداية كنت أشعر بالخجل، خاصة عند مرور زملائي بالدراسة، أو أحد تلاميذي في كتابة الروايات والقصص، لكنّني كسرت هذا الحاجز، واستسلمت للواقع الذي جعلني بائعاً للقهوة، بعد أن كنت كاتباً مشهوراً، فأنا أقدّم للزبائن أعمالي الأدبية والقصصية، ليطّلعوا عليها أثناء تناولهم القهوة، ليشعروا باللذة التي كنت أشعر بها عند كتابة تلك الأعمال".
ويضع الكاتب إلى جانب "البسطة" التي يبيع فيها القهوة، عدداً من مؤلفاته الأدبية والقصصية، ليقرأها الزبائن وهم يتناولون القهوة، ومن ثم يتناقشون معه فيما قرؤوا ويتبادلون الحديث معاً، وتعود به الذاكرة إلى الوراء، ويستذكر الأعمال التي خطّها بيده.
التشجيع على القراءة
ويلفت الأديب السالمي إلى أنّه تعمّد وضع الكتب والروايات أمام الزبائن الذين يأتون لشراء المشروبات، لحثهم على القراءة وعدم إضاعة أوقاتهم دون الاستفادة منها، ولإيصال رسالة للآخرين بأنّه على الرغم من امتهانه مهنة تختلف عن تخصصه الجامعي وموهبته؛ إلا أنّه يسعى لنشر الفكر والوعي في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الروائي البلقاني الأكثر شهرة في العالم يجعل بيته متحفاً
وبيّن أنهّ يفضّل الوجود في قطاع غزة، وبيع القهوة على الرصيف، والحصول على مبلغ زهيد، بالكاد يستطع سدّ رمق أبنائه، على مغادرة غزة بحثاً عن فرصة مجهولة، معتبراً الهجرة هروباً من الواقع، وتلبية لرغبة الاحتلال بإفراغ القطاع من الشباب، وتطبيق سياسة هجرة العقول".

تعمّد وضع الكتب والروايات أمام الزبائن الذين يأتون لشراء المشروبات
ويواصل حديثه: "الهجرة أسوأ مما نتصور؛ فهي تسرق زهرة شبابنا، وتقتلعنا من جذورنا، وتبعدنا عن أوطاننا، فأنا مع السفر للتعلم واكتساب الخبرات والعودة إلى أرض الوطن، لكن لست مع الذهاب إلى طريق مجهول، والموت في بعض الأحيان، فالعمل على بسطة في بلدي أفضل بكثير من العمل في مجال آخر خارجها".
وعود كاذبة
ويشير الكاتب الغزي إلى أنّه، رغم مشواره الأدبي الطويل، الذي يزيد عن اثني عشَر عاماً؛ إلا أنّه لم يحصل على وظيفة في أيّ من المؤسسات الثقافية، أو حتى وزارة الثقافة، أو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين، لافتاً إلى أنّه كان يتلقى وعوداً بتوفير فرصة عمل، لكن دون جدوى.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
ولاقت الخطوة التي اتّخذها الكاتب إعجاباً كبيراً من أصدقائه والمثقفين، ومن نشطاء التواصل الاجتماعي؛ إذ إنّهم وصفوه بالإنسان المثابر الذي قرّر أن يتحدى ظروفه الصعبة، وأن يمتهن أيّة مهنة في سبيل توفير متطلّبات أسرته، مفضلاً ذلك على الهجرة والالتحاق بآلاف الشباب الذين تركوا وطنهم، متمنين له تحقيق طموحه وإيجاد فرصة حقيقة، وأن يعود من جديد لتأليف القصص والروايات والحصول على الجوائز.
وبعد انقطاعه عن الكتابة وتأليف الروايات والقصص؛ حصل الروائي السالمي على فرصة لإصدار رواية جديدة له من خلال اتحاد الكتّاب الفلسطيني، حملت اسم "المسيحي الأخير"، تحدّثت عن أعداد المسيحيين في قطاع غزة، والتي تتناقص بشكل كبير، محاولاً فهم سبب الرحيل.
لاقت الخطوة التي اتّخذها الكاتب إعجاباً كبيراً من أصدقائه والمثقفين

توقيع كتاب على الرصيف
ورغم استعداد إحدى المؤسسات الثقافية لرعاية حفل توقيع رواية "المسيحي الأخير"، وإقامته في أحد الفنادق، إلا أنّ مؤلّف الرواية رفض ذلك، وفضّل أن يقيم حفل التوقيع على الرصيف في الشارع وسط الناس، وأمام عربته التي يُقدّم فيها المشروبات الساخنة لزبائنه؛ حيث ناقش روايته مع كُتّابٍ وأدباء حضروا إطلاق الرواية.

أصبحت مهنة بيع القهوة على الطرق والمفترقات ظاهرة منتشرة بين الخريجين الذين لم يتمكّنوا من الحصول على فرصة عمل

وعن سبب رفضه توقيع روايته بأحد الفنادق، وإقامة الحفل على الرصيف، علّل قائلاً: "شعرت أنّ التوقيع سيكون للأشخاص الأغنياء، أصحاب القرافات "ربطات العنق"، لذلك اخترت أن أقيمها على الرصيف، إلى جانب العربة التي تعد مصدر رزقي الوحيد، ليكون حفل التوقيع مميزاً، خاصّة أنّ أغلب الحضور سيكونون بملابسهم الاعتيادية، والابتسامة الحقيقية حاضرة على شفاههم، وأتناول معهم القهوة التي أعدّها لهم بحب".
وتمكّن عضو اتحاد الكتّاب الفلسطينيين من نشر عدد من الروايات والقصص، وأشهرها: "الندبة"، "سرّ الرائحة"، "حين اختفى وجه هند"، "هذا الرصاص أحبّه"، "الظل يرقص معي"، "ماسة"، "المسيحي الأخير"، "قلب طابو"، "الأستاذ الذي خلع بنطاله"، "حافلة رقم 6"، وكتب رواية "الجنة الثانية" التي تحاكي قصة الجندي الإسرائيلي المختطَف في غزة، جلعاد شاليط، التي حظيت بتقييم مرتفع، فوصلت رواياته وقصصه إلى عدد كبير من دول العالم.
وتعدّ شريحة الكتّاب والمثقفين الفئة الأقل اهتماماً في قطاع غزة؛ فهم يعانون من عجز في المصادر والتمويل، ويضطرون إلى طباعة مؤلفاتهم على نفقتهم الخاصة، نظراً إلى ضعف التمويل وشحّ الموارد، وتراجع مستوى الاهتمام بالقطاع الثقافي والنهوض به إلى الأفضل.
غلاف الرواية

مهنة منتشرة
وأصبحت مهنة بيع القهوة على الطرق والمفترقات ظاهرة منتشرة بين الخريجين، الذين لم يتمكّنوا من الحصول على فرصة عمل بعد حصولهم على الشهادات الجامعية، نتيجة ارتفاع معدلات البطالة إلى 295 ألفاً، وارتفاع نسبة الفقر إلى 80%، بينما بلغت نسبة البطالة 54%، وفق إحصاءات الاتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين.

للمشاركة:

هل يستجير المصريون بأدب الرعب هروباً من رعب الواقع؟

2019-09-09

منذ أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وفنون الرعب هي الأكثر مبيعاً ومشاهدة في القاهرة، ومؤخراً حقّق الجزء الثاني من فيلم الرعب المصري "الفيل الأزرق"، أعلى إيرادات في تاريخ السينما المصرية.
وتحقّق روايات الرعب المبيعات الأكبر بين الكتب في القاهرة، وحاول علماء نفس وعلماء اجتماع تفسير الظاهرة وربطها بالأحداث الدموية وأحداث الإرهاب التي شهدتها مصر في الأعوام الأخيرة، والهروب النفسي من قبل الشباب إلى عالم الرعب للتخفيف من الدموية التي تسيطر على المشهد.

اقرأ أيضاً: المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً
رواج أدب الرعب في تلك الفترة لا يعني أنّه حديث الظهور مصرياً، فقد اشتهرت قصص الرعب التي قدمها الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق، منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وقدمت السينما المصرية العديد من أفلام الرعب، مثل: "الإنس والجن" للفنان عادل إمام، غير أنّ الرواج الأكبر كان في الأعوام التي أعقبت كانون الثاني (يناير) 2011، مما يطرح العديد من التساؤلات حول التفسيرات الاجتماعية والنفسية والفنية أيضاً، حول ذلك الرواج.
الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ علم نفس الإبداع

مواجهة الخوف
أستاذ علم نفس الإبداع الدكتور شاكر عبد الحميد، أصدر كتباً تناولت هذه النوعية من الفنون، على مستوى الكتابة والسينما أيضاً، كما في كتابه "الغرابة المفهوم وتجلياته في الأدب"، الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، العدد 384، كانون الثاني (يناير) 2012. وكتابه "الخيال – من الكهف إلى الواقع الافتراضي"، العدد 360 من سلسلة عالم المعرفة، الصادرين عن (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت).

شاكر عبد الحميد: الإقبال على أدب الرعب عائد إلى أنّ الشباب يبحثون عن شكل جديد في التعبير عن ذواتهم

عبد الحميد قال: لو فسرنا حالة الإقبال الشديد على أدب الرعب والخيال العلمي والفانتازيا على مستوى القراءة والكتابة بالمعنى السيكولوجي، فمن الممكن أن نقول إنّ هذا النوع من الأدب يعدّ من أساليب مواجهة الخوف، التي ابتكرها الإنسان من خلال الخوف المتخيل الذي يواجه به الخوف الحقيقي، موضحاً أنّ هذه الآلية تسمى "الإشباع البديل"؛ فأنت تواجه هنا خوفاً يتعلق بأحداث وكوارث ودمار يحدث للآخرين، لا للقارئ أو الكاتب، مؤكداً أنّ الكاتب هنا آمن ومستمتع بالتخيل بأحداث تقع على مسافة منه.
وعلى مستوى ثانٍ، يضيف عبد الحميد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "هذا نوع من الأدب الخيالي المرتبط بعوالم يضعها فينا حبّ الاستطلاع أو الفضول المعرفي أو التشويق، أو نوع من الأدب يوحي بأن ما سرده أمر واقعي، لكي يتقدم تدريجياً، ويسهّل هذا الإيهام أو يتجاوزه".

اقرأ أيضاً: السينما الجزائرية ومرثيات اليأس السياسي
ويستكمل عبد الحميد تفسيره السيكولوجي على مستوى ثالث؛ بعرض نظرية "روزماري جاكسون"، التي تقول إنّ هذا النوع من الأدب يساعد على الدخول إلى تلك العوالم الغريبة الموجودة خلف مرآة الواقع، موضحاً أنّه تجسيد لفضاءات موجودة خلف المرئي، وخلف الصورة، ومن ثم يضعنا فى مناطق مظلمة فيها التباس، يمكن من خلالها أن يظهر أيّ شيء غير متوقع.
ويرى أستاذ علم نفس الإبداع أنّ هذه الأنواع من الكتابة متداخلة، لافتاً إلى أنّ "زيادة الإقبال على هذا النوع من الكتابة، بعد أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، ربما عاد إلى أنّ الشباب يبحثون عن شكل جديد في التعبير عن ذواتهم، التي تعاني حالة عدم الاستقرار التي يواجهها الواقع فى المراحل الانتقالية، والتي يمرّ فيها الإنسان بحالة من الالتباس"، مشيراً إلى أنّها "محاولة للبحث عن يقين حالي يساعد على مواجهة اللايقين الموجود الآن، يساعد في التعبير عن الذات وتحقيقها والتعبير عن إحساسات مركبة، كنوع من محاولة لمواجهة الواقع المضطرب".
الناقدة الفنية رشا حسني

السينما صناعة قائمة على التجريب
الناقدة الفنية رشا حسني، التي تشير إلى أنّ السينما في مصر صناعة يتجاوز عمرها 100 عام، تؤكد أنّ السينما صناعة قائمة على الاختراع والتجريب منذ بداية ظهورها، بالتالي من المرجح أن تحدث في السينما المصرية تغييرات سواء على المستوى التقني الخاص بالمؤثرات أو على مستوى الحرفة نفسها، والتي لها علاقة بأفلام الرعب والإثارة.

أحمد خالد توفيق ساهم في بناء تلك الشعبية لأدب الرعب حين أصدر سلسلته الأشهر "ما وراء الطبيعة"

وتضيف حسني، في تصريح لـ "حفريات": "من ضمن التطورات التي تشهدها السينما المصرية تقديمها لأنواع فيلمية جديدة عليها، منها أفلام الرعب والإثارة".
ونفت حسني مسألة لجوء الشباب للرعب هرباً من الدموية التي تشهدها المنطقة، لافتة إلى أنّه في أوقات الأزمات والحروب تزداد الحاجة إلى أنواع الفنون الملهية، وليس العكس. و"يعود نجاح فيلم (الفيل الأزرق) إلى أنّ الجزء الأول الذي قدم عام 2014 كان طفرة بالفعل، لم يكن هناك فيلم شبيه له في السينما المصرية، سواء من حيث الإنتاج أو إتقان الحرفة، وذلك عائد إلى أنّ أفلام الرعب التي قدمت سابقاً في السينما المصرية كان مستوى تنفيذها مثيراً للضحك".
فيلم الرعب المصري 122

الرعب ليس غريباً على تراثنا العربي
كاتب الرعب والخيال العلمي، ياسين أحمد سعيد، يرى أنّ البشر كائنات بالغة التنوع في طباعها، ومن ثَم ذائقتها الفنية الأدبية. بناء عليه، "عندما تتوفر لهم مختلف الألوان الأدبية، فذلك هو الوضع الطبيعي".
ويوضح، في تصريح لـ "حفريات": "لدينا وفرة في الأدب الاجتماعي والتاريخي مثلاً، بينما في الأعوام القريبة الماضية عانينا، وربما ما نزال نعاني، من نقص شديد في صنوف أدبية مثل: "الخيال العلمي، الرعب، أدب الرحلات، أدب الطفل، ...إلخ"، مضيفاً: "لذلك، أحبّ أن أنظر للأمر من وجهة نظر مختلفة؛ فلا أقول إنّ هناك موجة زيادة عن إصدارات الرعب مؤخراً؛ بل الأصوب: إنّ هناك فجوة قد سُدّت، أتمنى وأنتظر سدّ بقية الثغرات الأخرى قريباً، خصوصاً أنّ الرعب ليس غريباً على تراثنا المحلي أو العربي؛ بل له جذور موغلة في القدم، بداية من "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، إضافة إلى قصص (الجنّ، العرافين، النبوءات) التي كانت تدخل في نسيج العديد من الملاحم والسير الشعبية".

ياسين أحمد سعيد
ويرفض سعيد التفسير الذي يربط المسألة بالأحداث السياسية، من منطلق أنّ المخاوف الشعبية زادت عقب الربيع العربي، فزادت معها محاولة هروب القرّاء من الواقع، موضحاً: "أرى مثل هذه التفسيرات تقوم بليّ عنق الوقائع، في محاولة لافتعال العمق. في رأيي؛ إنّ كلّ (قارئ، كاتب، ناشر) أقبل على الرعب، قد تكون له أسبابه التي تختلف عن نظيره، لكن إذا حاولنا التطرق للأسباب التي تعدّ عاملاً مشتركاً، أكثر من غيرها، بين هؤلاء؛ فلعلّها ترجع إلى: مواقع التواصل الاجتماعي، المنتديات: التي تساهم طوال الوقت، من وجهة نظري، في (إبراز) كلّ ما هو مختلف أو نادر، على الجانب الآخر، لا نغفل سبباً رئيساً آخر في شعبية أدب الرعب حالياً، يتمثل في اسم أحمد خالد توفيق، الذي ساهم في بناء تلك الشعبية، تدريجياً، منذ التسعينيات، حين أصدر سلسلته الأشهر (ما وراء الطبيعة)".

للمشاركة:

المخرج كوستا غافراس.. الاحتفاء بالوعي الإنساني سينمائياً

2019-09-03

كرّم "مهرجان البندقية" السينمائي، قبل أيام، المخرجَ الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس وذلك لـ "إسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة".
كما عرض فيلمه الجديد "أدالتس إن ذا روم" الذي يدور حول أزمة الديون اليونانية وشروط أوروبا لإنقاذ بلاد الشاعر ريتسوس من الإفلاس، الفيلم مأخوذٌ عن كتاب لوزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، ويسلط الضوء على مفاوضات حزمة الإنقاذ المالي لليونان في العام 2015.

كرّم مهرجان البندقية مؤخراً المخرج الفرنسي اليوناني الأصل كوستا غافراس لإسهاماته المبدعة في تطوير السينما المعاصرة

هذا الجانب، الذي وصفه غافراس بكونه نتاجاً لمجمل "السياسات المشوشة في أوروبا"، يكاد يشكل جوهر المعاني الذي أقام عليها المخرج أفلامه بدءاً من "زد" وصولاً إلى "مدينة مجنون" وغيرها العشرات. وهنا نستعيد كيف احتفى الجمهور العربي، وتحديداً منذ سبعينيات القرن الماضي، بأعمال غافراس، التي أظهرت عمق أزمة إنسانية جماعية وعبّرت عن معطياتها بشكل جليّ.
في السينما بالذات نجد إمكانية هائلة للتعبير عن المجموع بقراءة واقعة فردية أو رؤية فترة تاريخية معاصرة عبر استقراء خفايا حادثة فردية، لما لهذا الفن من قدرة على التكثيف والتجسيد، واختزال الامتداد الزمني، وإعطاء الرموز قدرة ونفوذاً في التعبير عن حالات تتطلب الإسهاب حين تعرضها الأنواع والأنشطة الذهنية والفكرية الأخرى.

فيلم "زد".. تعرية الديكتاتوريات وقوة الرفض الاجتماعي
هذه المعاني تحيلنا لأعمال المخرج كوستا غافراس اليوناني المولد (1933) من أب روسي وأم يونانية، ونختار هنا أربعة أفلام تتوافق مع استنتاج المقدمة، وهي "زد – 1968"، "حالة حصار – 1972"، "المفقود – 1982"، و "هانا ك – 1984" الذي عرض في عواصم عربية عدة صيف 1986، لما للأعمال الأربعة من صفة مشتركة تجمعها، فهي اعتمدت حوادث فردية للكشف عن أزمة اجتماعية شاملة.

في فيلمه (حالة حصار) ينقل المشاهد إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية

ففي فيلم "زد" (من إنتاج الجزائر التي منحت المخرج غافراس وساماً رفيعاً العام الماضي) نجد أنّ حادثة اغتيال النائب البرلماني اليوناني (لامبراكيس) في العام 1963 والتي أمعن هذا العمل في إظهار تفاصيلها، قد كشفت جوهر سلطة حاكمة بكامل مؤسساتها وطبيعة الظرف الاجتماعي للبلاد، كما أنّ غافراس في فيلمه التالي "حالة حصار" ينقلها إلى أجواء الصراع والديكتاتوريات الحاكمة في بلدان أمريكا اللاتينية عبر حادثة تقع لوزير خارجية أحد تلك البلدان.
أما قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله، فذلك يتجسد عبر فيلم غافراس المهم "المفقود"، الذي حاز به جائزة مهرجان كان– 83 مناصفة مع فيلم المخرج التركي يلماز غوني الذي حمل عنوان "يول – الطريق"، وتعتمد قصة الفيلم ومحور أحداثه على قضية الصحافي الأمريكي (شارل هورمان) الذي قُتل أثناء تغطيته لوقائع الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس التشيلي سلفادور الليندي في العام 1973، حيث قام والد هذا الصحفي وهو أدمون هورمان (جاك ليمون) ويعمل رسّاماً، برفع قضية اختفاء ولده إلى القضاء، وقام بجمع الحقائق في ملف كامل المحامي توماس هوسر.

اقرأ أيضاً: بين المسرح والشاشة: حوار مع المخرج الإيراني أصغر فرهادي
سيناريو الفيلم اعتمد ذلك الملف مادة له، وفيه الكثير من المعلومات ليس عن ظرف اختفاء الصحافي فحسب، بل وقائع تكشف الانقلاب وتُدينه، لكن غافراس بدأ هنا باستبدال لغته السينمائية تماماً، فهو لم يشر مباشرة ولم يسمّ أحداً، بل اكتفى باللمحة القوية المؤثرة؛ حيث نجد تلك الحركة السريعة والغموض البوليسي، وتلك خصائص أفلامه الأولى، وتصاعدت بدلاً عنها إيماءات زاخرة بالحيوية ورموز مبهرة (الفرس البيضاء المنطلقة في شوارع سانتياغو المقفرة).
لكنه في الوقت ذاته، يكشف للمشاهد أثناء بحث زوجة الصحافي، بت (سيسي سباسيك) عن زوجها (المفقود)، عن هول المجزرة وما تعرضت له من قيود وصلت للاعتقال لمجرد أنّها كانت تسأل عنه، على الرغم من كونها أمريكية، وذلك يوفر لها ميزة خاصة (سلطات الانقلاب كانت مدعومة من واشنطن حينها).

فيلم "المفقود".. الحقيقة الضائعة في دهاليز السلطة الباطشة
"المفقود" الذي نجح في صالات العرض، حقق غرضه في الكشف عن مأساة شاملة، لكنه أظهر لاحقاً وعبر ذلك النجاح ازدواجية كبيرة ولاحيادية في موقف الإعلام والمؤسسات الثقافية في الغرب عموماً، حيث قوبل فيلم غافراس التالي "هانا – ك" بصمت مطبق إن لم نقل بالمحاربة، على الرغم من كون فيلم "المفقود" كان أكثر جرأة في قول الحقائق وبلغة أكثر فصاحة وبرؤية دقيقة لم تتوفر بذات الوقائع في "هانا – ك" وحين نتيقن السبب، يبطل عجبنا؛ فالفيلم يتحدث عن القضية الفلسطينية وتلك وحدها تحدث في أوساط الغرب السياسية والثقافية الكثير من الفزع! وذات الحقائق التي قبلت من غافراس في "المفقود" لم تقبل منه تلك المرة بل أنه وصف بأشد اللعنات، كيف لا؟! وهو يشير ويسلط الضوء على "جوانب" من الحقيقة، حقيقة البناء العنصري الاسرائيلي، وكانت خير وسيلة للنيل منه هي في ضرب هذا الحصار من الصمت المطبق حول الفيلم ومحاربته بأشنع الوسائل، واتهم المخرج بالتهمة الجاهزة "اللاسامية"، وحينها وجد المخرج وزوجته، ميشيل راي غافراس، وهي منتجة الفيلم، نفسيهما في وسط ملغوم بالافتراء !

قوة الحادثة الفردية وقدرتها في التعبير عن صدق واقع بأكمله يتجسد عبر فيلم غافراس المهم (المفقود)

"هانا – ك" هو اسم المحامية (هانا كونمان)، اليهودية النازحة إلى "أرض الميعاد" والمتزوجة من الفرنسي فيكتور (جين يان) الذي تتركه على أثر خلاف، وتجد مع رفيقها قاضي التحقيق جوشوا (جبريال بيرني) عبر صداقة وطفلٍ غير شرعي منه ما يحقق أمنياتها "الوهم" بعسل عودتها إلى أرض الميعاد التاريخي، غير أنّ وقائع كهذه ما تلبث أن تتفكك شيئاً فشيئاً مع ظهور الفلسطيني (محمد بكري) الذي يُعثر عليه متخفياً في بئر أحد البيوت الفلسطينية وهو يبدأ رحلة العودة لأرضه بطريقة يعتبرها الإسرائيليون "لا شرعية".
المخرج مع بداية كهذه لا ينسى أن يظهر حقيقة جنود الاحتلال؛ إذ يفجرون البيت مع أول خيوط الفجر المنسجمة مع أصوات الأذان!
تكلف المحكمة العسكرية، المحامية (كونمان) بالدفاع عن المتهم الفلسطيني التي تستغرب من هيئة المحكمة في تأكيدها على كون موكلها "مخرباً" وهو الأعزل من كل سلاح، ومن هنا يبدأ الشرخ في وعي كوفمان، وذلك ما يلبث أن يتعمق ويصبح شكوكاً في حقيقة وجود اسرائيل حين يعود الفلسطيني ثانية لأرضه ويطلب منها (بكري) الدفاع عنه هذه المرة.
غافراس وكاتب السيناريو (فرانكو ساليناس) أظهرا الفلسطيني بوعي يجد فيه المشاهد الغربي سمةً متحضرةً وطريقةً عقلانية في مناقشة الأمور، إذ أظهرا الهدوءَ في شخصيته، تعاملهُ برصانةٍ مع وقائع حياته عبر استخدامه الوثائق التي تؤكد ملكيته لبيته في (كفر رمانة)، ولكن "أين كفر رمانة هذه؟" الجندي الاسرائيلي وبحدّة ينصح المحامية حين تسأله عن القرية باستعمال خريطة جديدة "وقائع مزيفة جديدة"، فالقرية أصبح اسمها (كفر ريمون)!

اقرأ أيضاً: المخرج الإيراني عباس كيارستمي: الحياة ولا شيء سواها
هكذا إذن أصبحت القرية الفلسطينية مستعمرة لا أثر فيها غير بيت عائلة الفلسطيني المتهم بالتخريب، والذي أصبح "متحفاً" لوجاهة تظهر عليه، وذلك الراعي الذي يقود قطيع أوهامه في أطراف القرية وهو يصيح: هنا، هنا كفر رمانة. إنّ هذا المشهد وبجمالية تنفيذه العالية يحيلنا إلى نص الشاعر الفلسطيني محمود درويش المنشور في مجلة "اليوم السابع" في متن الرسالة الموجهة منه إلى صديقه الشاعر سميح القاسم، وذلك النص قريب في تفاصيله لذلك المشهد، حين يقول: "حين مارست طقس الحج الأول إلى قريتي (البروة) لم أجد منها غير شجرة الخروب والكنيسة المهجورة، وراعي أبقار لا يتكلم العربية الواضحة ولا العبرية الجارحة: من أنت يا سيد؟ فأجاب: أنا من كيبوتس (يسعور) قلت أين كيبوتس (يسعور)؟ قال: هنا، قلت هنا: البروة". قال: ولكنني لا أرى شيئاً ولا حتى حجارة، قلت: وهذه الكنيسة.. ألا تراها؟ قال: هذه ليست كنيسة، هذا اصطبل للأبقار، هذه بعض آثار رومانية ويستدرك الشاعر موجهاً الحديث لصديقه، لاحظ المعاني العكسية، الانقلابية، الاستبدادية للكلمات، نحن في أحسن الأحوال حراس آثار روماني"!!

فيلم "هانا ك" .. غافراس الفلسطيني
في دلالة النص أعلاه نجد مقاربة في أحد حوارات الفيلم بين المحامية وإحدى نساء المستعمرة، فتخبرها نحن سكان المنطقة، لكن بيت الفلسطيني ووثائق ملكيته ونسخة الصورة الموجودة مع تلك الوثائق والأصل المعلّق على جدار البيت وصوت ذلك الراعي العربي والأشجار الوفيرة قديمة الإنبات، توفر عند المحامية قناعة كاملة مناقضة لكل ما تقوله ألسنة الكذب في المستعمرة.

ذات الحقائق التي قُبلت من غافراس في (المفقود) لم تقبل منه في (هانا ك) عندما عرّى جرائم الاسرائيليين

إنّ قناعاتٍ كهذه تتصاعد بهدوء وبانتقالات كاميرا مدير التصوير الإيطالي (ريكاردو أرونوفيش) التي تنوعت بين البحث عن الجمالي المجرد في مكونات المشهد وتسجيلها للوقائع، لكنها ناقشت المكان بهدوء بالغ ما وفّر فرصةً اعتبرها البعض شيئاً من التخلي عن الجرأة التي عرف بها غافراس حين يتصدى لقضية تحمل في طياتها أزمةً اجتماعية، لكن ما فعله الفيلم يبقى مهماً على الرغم من اختلاطات وعي كاتب السيناريو والمخرج.
تطور الأحداث في الجزء الأخير من الفيلم أعطى التفاصيلَ للمشهد الحقيقي لواقع الاحتلال: غلاة الإسرائيليين لا يترددون في تهديد المحامية لأنّها تعرض حقيقة الشاب الفلسطيني العائد؛ الذعر من عملية فدائية وهو يقطع إيقاع الحياة في كل شيء، الضغط المتواصل من هيئة المحكمة على المحامية لترك الموضوع نهائياً، فنجاحها يعني أنّ ملايين الفلسطينيين سيمتلكون الحق منطقياً في العودة لبلادهم المحكومة وفق منطق الاحتلال الاستعماري لا بـ"أوهام العودة التاريخية" كما تراها المحامية في أيام وجودها الأولى هناك.

مشهد من فيلم غافراس الأخير "بالغون في غرفة"
جيل كلايبورغ، الممثلة الأمريكية وبطلة "هانا – ك" و "بعطرها" الخفي الذي يتحسسه الفلسطيني (محمد بكري) وهي تراقبه عن بعد توقعاً منها، قيامه بعمليات "تخريبية"، تبدع في تجسيد شخصية المحامية، وفي مشهد طردها للعشيق والزوج، والطفل الفلسطيني الصغير حين يتم اتهامه بمسؤوليته عن (عملية تفجير). وحمل لنا ذلك المشهد براءةً تحاول الوصول إليها عبر التخلص من كل تلك القذارات والأوهام التي خاضت فيها !

اقرأ أيضاً: أمير العمري: الكاميرات الرقمية خلصت المخرجين الشباب من التبعية، ولكن...
المخرج غافراس كان هو الآخر ممتازاً في صنع مشاهد القدس، على الرغم من بعض الإطالة والجو السياحي الذي اتسمت به بعض المشاهد، غير أنّ جمالية التعبير العالية في موسيقى الفيلم التي وضعها اللبناني الأصل (غبريال ياريد) صاحب الموسيقى التصويرية لفيلم يوسف شاهين "وداعاً بونابرت" والتي اعتمد في تنفيذها على الإيقاعات العربية والتراتيل وأصوات الأذان، منحت تلك المشاهد حيويتها وجمالها الرفيع ومشاعر الحنين الناعمة، ويظل ذلك الفيض من الضوء الساطع الذي التقطته الكاميرا في أسواق القدس القديمة وظلال الناس والأشياء وضباب الفجر في المشهد الأول، ولمعان الذهب في قبة المسجد الأقصى، ترانيم تتلاعب بمشاعرنا وتمتلكها دون تردد.

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي الإرهابية تواصل جرائمها في حيس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

تواصل ميليشيات الحوثي الإرهابية جرائمها في محافظة الحديدة والمدن المحطية بها، مستغلة كافة إمكاناتها الحربية من مقذوفات وأسلحة وألغام وقناصة؛ حيث استهدفت الميليشيات الإرهابية، أمس، تجمّعات سكنية شمال مديرية حيس، جنوب الحديدة، غرب اليمن، مستخدمة الأسلحة القناصة المتوسطة والخفيفة.

الميليشيات الإرهابية فتحت نيران أسلحتها القناصة صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في حيس

وأفادت مصادر محلية في حيس، نقلت عنهم صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ الميليشيات فتحت نيران أسلحتها القناصة من مناطق تمركزها شمال المديرية صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان .

وأضافت المصادر: "عمليات القنص متواصلة منذ ساعات ظهيرة أمس حتى اللحظة، بشكل مكثَّف ومستمر" .

وكانت الميليشيات الحوثية قد ارتكبت مجازر مروعة بحقّ السكان في حيس، قبل أيام، سقط إثرها شهداء وجرحى من الأطفال، ودمِّرت عدد من المنازل وسط المدينة.

وفي سياق آخر؛ ذكر مصدر محلي بمحافظة حجة، أنّ ميليشيا الحوثي شيّعت، أمس، قائدها الميداني بجبهة حرض، المدعو حسن محمد فايد الحاتمي.

ميليشيا الحوثي تشيّع قائدها الميداني بجبهة حرض، الإرهابي المدعو حسن محمد فايد الحاتمي

وأشار المصدر إلى أنّ "الحاتمي لقي مصرعه على أيدي قوات الجيش اليمني بالمنطقة العسكرية الخامسة، أثناء صدّ هجوم الميليشيا، الأحد الماضي، على محيط مدينة حرض".

ويعدّ الصريع الحاتمي، شقيق إبراهيم محمد الحاتمي، مشرف الميليشيات بمديرية أفلح اليمن، وكلاهما متورطان في عمليات الاعتقال، وملاحقة أبناء المديرية، وفي جرائم أخرى كثيرة.

 

 

للمشاركة:

المنتدى العربي يحذّر من الاستثمار في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

حذّر اقتصاديون سعوديون من مخاطر الاستثمار في تركيا؛ بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الثقة في القضاء.

وقال رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، الدكتور سامي العبيدي: إنّ "الاستثمار الناجح يتطلب استقلال القضاء واستقرار الوضع الاقتصادي، وإذا نظرنا إلى تركيا نجدها في المرتبة 116 عالمياً في استقرار الاقتصاد، وفي المرتبة 111 في استقلال القضاء، وبالتأكيد هذا مؤثر سلبي لضمان أيّ استثمار أو تعامل تجاري"، وفق ما أوردت صحيفة "الاقتصادية".

اقتصاديون يؤكدون أنّ الاستثمار في تركيا غير آمن لعدم الاستقرار الاقتصادي وضعف القضاء

العبيدي أوضح، خلال انعقاد المنتدى العربي الأول بعنوان: "دور الإعلام في التوعية بمخاطر الاستثمار الخارجي – تركيا نموذجاً"، في العاصمة السعودية، الرياض، أنّ "أغلب الاستثمارات في تركيا لأفراد وليست استثمارات شركات"، محذراً من الاستثمارات فيها، سواء عقارات أو غيرها؛ إذ لا توجد حماية لحقوق المستثمرين، ومؤكداً أنّ القطاع الخاص السعودي واعٍ لهذا الأمر.

بدوره، رأى مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادي، الدكتور يسري الشرقاوي؛ أنّ "تركيا لا تمتلك مقومات الاستثمار والاستقرار الاقتصادي"، مبيناً أنّ "80% من حجم استثمارات السعوديين في تركيا يعود لأفراد".

وأفاد بأنّ "تركيا تعيش أزمة اقتصادية حادة، بسبب السياسات التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وذلك ما انعكس سلباً على الليرة التركية، التي انهارت أمام الدولار الذي بلغ نحو 5.7 ليرة".

من جهته، دعا رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، المهندس خالد العثمان؛ إلى موقف خليجي لتجنّب هذه المخاطر الاستثمارية، منوّهاً إلى أنّ الاستقرار السياسي في تركيا لم يعد موجوداً، وبسببه أصبح الاستثمار خطراً في ظلّ عدم الاستقرار.

كما ذكر العثمان بقضايا النصب العقاري، التي تعرض لها مواطنون كويتيون في تركيا.

يذكر أنّ كثيراً من المواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال من شركات عقارية، وعند لجوئهم للقضاء؛ تبيّن أنّ المحتالين يتملصون من مسؤولياتهم عبر منافذ قانونية لا تنصف المستثمرين الأجانب.

 

للمشاركة:

صالح يوجه بمنع نقل المتظاهرين إلى العاصمة الجزائرية.. هذه مبرراته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، أمس؛ أنّه أعطى تعليمات للقوى الأمنية "للتصدي" للحافلات والعربات التي تقلّ متظاهرين من خارج العاصمة، أيام الجمعة، وتوقيفها، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها.

وقال قايد صالح، خلال تفقد قوات عسكرية في تمنراست: "لاحظنا ميدانياً؛ أنّ هناك أطرافاً من أذناب العصابة ذات النوايا السيئة تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير، المتمثل في خلق كلّ عوامل التشويش على راحة المواطنين، من خلال الزجّ الأسبوعي بعدد من المواطنين يتمّ جلبهم من مختلف ولايات الوطن إلى العاصمة"، وفق "فرانس برس".

صالح: هناك أطراف تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير والتشويش على راحة المواطنين

وأشار إلى أنّ الهدف من ذلك "تضخيم الأعداد البشرية في الساحات العامة التي ترفع شعارات مغرضة وغير بريئة"، معتبراً أنّ "الغرض الحقيقي هو تغليط الرأي العام الوطني بهذه الأساليب المخادعة لتجعل من نفسها أبواقاً ناطقة، كذباً وبهتاناً، باسم الشعب الجزائري".

وأضاف: "عليه، أسديت تعليمات إلى الدرك الوطني، بغرض التصدي الصارم لهذه التصرفات، من خلال التطبيق الحرفي للقوانين السارية المفعول، بما في ذلك توقيف العربات والحافلات المستعملة لهذه الأغراض، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها".

ويأتي هذا الإعلان بعد مرور ثلاثة أيام على تحديد الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، 12 كانون الأول (ديسمبر)، موعداً للانتخابات الرئاسية.

ويرفض المحتجون إجراء الانتخابات في ظلّ الحكومة الحالية، مطالبين بتفكيك النظام الموروث من عشرين عاماً من حكم بوتفليقة.

ويجتاح المتظاهرون شوارع العاصمة الجزائرية، كلّ يوم جمعة، منذ ثلاثين أسبوعاً، للمطالبة برحيل كلّ أركان النظام، بعد أن نجحوا في حمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة.

 

 

 

للمشاركة:



هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية