موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

2348
عدد القراءات

2019-01-29

منذ إنتاج وشيوع ما صرنا نتلقاه ونسميه "مثقفاً"، وبالتحديد منذ واقعة دريفوس، الجندي اليهودي الذي احتجز في فرنسا، وتكالبت السلطة عليه بتلفيق التهم له، ثمّ بعد ذلك تشكلت مجموعة من "الأدباء" و"المفكرين"، الذين أطلق عليهم فيما بعد "مثقفين"؛ ومفهوم المثقف يعاني من تشتت دلالي، خاصة إذا تقدمنا في التأريخ للمفهوم ومحاولة فهمه.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟

بيد أنّ الاشتغال الجينالوجي لمفهوم المثقف لا يهمنا كثيراً في هذه المقالة؛ فثمة كتب ودراسات عملت على إضاءة المفهوم تاريخياً، وكذلك بعضها عمل على تبيئة مفهوم "المثقف" في السياق العربي، حتى يغدو المفهوم ذا صحة جيدة في سياقنا (يمكن قراءة كتاب الجابري: "المثقفون في الحضارة العربية.."، في هذه الصدد).

المثقف التمثيلي ينطلق من فكرة مفادها؛ أنّ ثمة نظرية ما برأسه، يعمل وفق "خططها"، ووفق ما تمليه عليه من تعاليم

وما يمكن التأكيد عليه، بادئ ذي بدء، من هذا الاشتغال الجينالوجي لمفهوم "المثقف"؛ هو المهمة النقدية للمثقف من جهة، واهتمامه بما يسمى "الشأن العام" من جهة ثانية، وقد تمثل ذلك في الموقف من دريفوس؛ حيث أصدر هؤلاء الأدباء والمفكرون بياناً ينقدون فيه موقف السلطة منه، وفعلهم ذلك كان يدلّ على اهتمامهم بالشأن العام؛ الأمر الذي يميزهم عن غيرهم من المشتغلين بالمعرفة، وبالخبراء، والمحللين، إلى آخر القائمة.

وما دمنا في سياق فرنسي، فسوف نرصد النقد الذي تعرض له المفهوم من قبل فيلسوفين متميزين، هما: ميشيل فوكو، وجيل دولوز، وذلك في حوار جمعهما، في آذار (مارس) 1972، عن "المثقفين والسلطة"، بعد الحدث الأهم والشهير، ألا وهو مظاهرات الطلبة في أيار (مايو) 1968، مما جعلهما يفصحان عن تصوّر جديد للمثقف، يتجاوان به المثقف الأممي والكوني الذي بشرت به الأيديولوجيات الكبرى لعقود طويلة، واجتهدا في تبيان الالتباس الحاصل بين المثقف واشتغاله، وبين السلطة والنظرية ووهم الممارسة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟

ثمة اعتقاد واسع تمّ تعميمه، سواء بنظريات فلسفية معينة، أو من خلال سلطة ما، بأنّ وظيفة المثقف يتم تحديدها بالأساس من خلال قرب هذا المثقف من "الناس" و"الجمهور" و"الشارع"، وأن يعمل هذا المثقف على "تمثيل" حاجات الناس عند السلطة، أو بالاحتجاج عليها؛ بحيث يكون كالسفير بين حاجات الناس وجموح السلطة. وهذا النوع من المثقف هو ما بشّر به القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، وهو ما يمكن أن نسميه في هذا المقال "المثقف التمثيلي"، الذي يعتقد أنه هو صوت الناس، وهو من يستعير أفواههم.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع

إنّ المثقف التمثيلي ينطلق من فكرة مفادها؛ أنّ ثمة نظرية ما برأسه، يعمل وفق "خططها"، ووفق ما تمليه عليه من تعاليم: تمثيل الناس، التحدث باسمهم، تصويرهم في خطاباته، ...إلخ، وهو أمر ينبني على مسلمة خاطئة عن "النظرية" بشكل عام، "فالنظرية ليست كلية"، كما يقول دولوز، أي ليست ذات خطّ مستقيم تنطلق من نقطة متعالية نسميها "نظرية" إلى أدنى، وهو ما نطلق عليه الممارسة؛ بل "كلّ نظرية لها وظيفة ما، قد تكون في مجال بعيد عنها"، فالممارسة ليست نتاج نظرية محددة؛ بل إنّ الممارسة لتنتج نظريات أثناء عملها، وتبدع تصورات أخرى للمفاهيم وللفكر وللنظرية.

اقرأ أيضاً: المثقف اللامنتمي: مواجهة الفكر والسلطة في التاريخ الإسلامي

فالمثقف التمثيلي، في هذا المفهوم؛ هو جزء من شبكة أوسع، هي شبكة السلطة المختبئة؛ فثمّة تحوير رائع قد قام به ميشيل فوكو في أعماله، وهو محاولة اكتشاف السلطة فيما لا نظن أنه سلطة، إذا كان الراحل إدوارد سعيد يقول: "السياسة في كلّ مكان"، فإننا مع فوكو يمكن أن نقول: "السلطة في كلّ مكان"؛ لذلك، فالمثقف نفسه، بوهمه التمثيلي، يكون جزءاً من السلطة المنتشرة، والتي لا يلتفت إليها، باعتباره "بريئاً"، و"مناضلاً"، ...إلخ.

فوهم تمثيل الناس يقوم على قاعدة سلطوية مختبئة، لا بدّ من فضحها والكشف عنها، وهي أنّ الناس لا يستطيعون أن يتكلموا عن أنفسهم، أو أن يعبروا عن رؤاهم عن المفاهيم السيارة: كالسلطة، والعدالة، والحقوق، والمساواة، ...إلخ؛ ففي حين يتوهم المثقف التمثيلي أنه يمثل الناس، فإنّه، حقيقة، يحجبهم عن القول، أي يتسلط عليهم.

المثقف نفسه، بوهمه التمثيلي، يكون جزءاً من السلطة المنتشرة والتي لا يلتفت إليها باعتباره "بريئاً" و"مناضلاً"

إن الجموع، الناس، الجمهور، ليسوا كتلة واحدة؛ بل الاختلاف والتمايز يخترقهم اختراقاً؛ أي أنّ ما نسميه "جمهوراً" هو متخيل سلطوي غير موجود، وهناك أفراد فقط يستطيعون أن "يمثلوا" أنفسهم؛ لأنّ لديهم تصوراتهم عن حياتهم، وعما يعانون منه، وإذا اجتمعوا في احتجاج ضدّ مطلب معين ومحدد؛ لذلك، فالمفترض أن المثقف يعمل على تحوير نظرياته ومتخيله نحو "علبة المفاهيم" التي يملك.

ويحكي فوكو تجربته المثيرة مع "فريق الاستعلامات عن السجون"، في شباط (فبراير) 1971بفرنسا؛ حيث أسس فوكو هذا الفريق ليس على مهمة حزبية، أو أرثوذكسية نضالية؛ بل كان يعمل على استجواب المسجونين ونظرتهم للسلطة وللحياة العارية التي يعيشونها، فالسلطة هي المكان الذي تتجلى فيه السلطة عارية، بحسب فوكو. ويلاحظ فوكو أنّ هؤلاء المساجين كانوا يمتلكون تصورات مختلفة عن السجن وطبيعته، ألهمته وغيرت من أفكاره، ويذكر أنّ فوكو كانت مهمته أن ينشر ما استجوب به المسجونين.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟

إذاً، ما هو دور المثقف؟ أو من هو المثقف ما بعد التمثيلي؟ في رأيي، واعتماداً على دراسات فوكو عن السلطة؛ تكمن مهمة المثقف ما بعد التمثيلة في تخليه عن الشعائرية الحزبية والأرثوذكسية النضالية، بأن يعمل على "فضح" السلطة التي هي شبكة في المجتمع، ويجيب عن سؤال: ما هي السلطة؟ ومن يمارسها؟ وما هي حدودها؟ كما أنه، في الأساس، يعمل على إخلاء القنوات لأصوات الناس والجمهور، كي يتحدثوا هم، وكي يمثلوا أنفسهم.

فتعرية السلطة، وكشف الهيمنة الطبقية التي توظفها السلطة في جهاز الدولة باحتكار المادة والاقتصاد والهيمنة الرمزية على مؤسسات إنتاج المعرفة، كالجامعات والصحافة والإعلام، هي مهمة المثقف الذي تجاوز وهم التمثيل وزيف النظرية.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: