ناشطة تونسية تدعو إلى مناهضة الذكورية المهيمنة على الخطاب الديني

7424
عدد القراءات

2018-10-30

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


أثار النقاش حول حزمة التعديلات المتعلقة بحقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية بتونس جدلاً كبيراً، وأثار نوبة من الغضب لدى التيارات والمؤسسات الدينية، التي تحفّظت عليه، باعتباره يمثّل انتهاكاً صريحاً للنص الديني، بينما انبرى المؤيدون للدفاع عن الحراك المدني التونسي، باعتباره خطوة حتمية في طريق القضاء على كلّ أشكال التمييز.

"حفريات" حاورت في هذا الشأن الباحثة والناشطة التونسية بمجال حقوق المرأة، الدكتورة هاجر المنصوري التي دعت إلى الثورة "الحقوقية" ضدّ ترسانة الذهنية التراثية الذكورية التي تفرض هيمنتها على الخطاب الديني، فهماً وتأويلاً.

اقرأ أيضاً: النساء بين تطور القانون في تونس والارتهان للنص في مصر

والمنصوري أستاذة في الدراسات الحضارية، وتشتغل بتحليل الخطاب حول المرأة، وحاصلة على شهادة الدّراسات المعمّقة في البحث في اللّغة والآداب العربيّة تخصّص حضارة، كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات منّوبة، لها عدة دراسات من بينها: "المرأة والإمامة في الخطاب الإمامي المعاصر"، و"الصدّيقة وبنت الصدّيق في كتب مناقب الحديث: الصّحيحين نموذجاً"، و"الجدل حول الجندر في الخطاب العربي الإسلامي، المرجعيّات والآفاق".

هنا نص الحوار:

سبقت مجلة الأحوال الشخصيّة في تونس مثيلاتها في العالم العربي؛ من حيث استيعابها لقضية الحقوق والمساواة بين الرجل والمرأة، فهل كان ذلك بفضل جهود الحبيب بورقيبة وحده، أم أنّ المجتمع التونسي كان أكثر قدرة على استيعاب مفاهيم الحداثة؟

تنحدر مجلّة الأحوال الشخصيّة في كلّ بلدان العالم العربي من قانون حقوق العائلة، الذي صاغه العثمانيون في بداية القرن التاسع عشر، ولم يدوّنوه إلّا عام 1917، وأخذ هذا القانون يشهد تطوّراً في إطار موازنته بين الفقه الإسلامي للأحوال الشخصيّة، والمنحى التجديدي في الخطاب الدّيني، الذي بدأ يظهر في العالم الإسلامي، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ويسعى إلى مراعاة المتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية من جهة، ومتطلبات الحداثة من جهة أخرى.

وتعدّ تونس من البلدان العربيّة الأولى التي أصدرت مجلّة أحوالها الشخصيّة، التي تعد أوّل ما نطقت به الدّولة الوطنيّة إثر استقلالها، ودعا إلى صياغتها، آنذاك، رئيس الوزراء الحبيب بورقيبة، وشكل في إنجازها لجنة يشرف عليها مفتي الديار التونسية، وتضمّ خيرة الباحثين والمحامين، وثلّة من شيوخ جامع الزيتونة وأبنائه، ومن بينهم؛ الإمام محمّد الطاهر بن عاشور، صاحب "التحرير والتنوير في تفسير القرآن".

التنوير يجب ألّا يكون خياراً نخبوياً أو حزبياً أو جمعياتياً؛ بل عليه أن يطال القاعدة الشعبية في تونس

ورغم أنّ غالبيّة البلدان العربيّة الإسلاميّة تعاملت بالمقاربات نفسها في تبنّي قانون الأحوال الشخصيّة، المستمدّ من الفقه الإسلامي؛ فإنّ تونس كانت مجدّدة فيما نصّت عليه مجلّتها من قوانين في شؤون الأسرة والعلاقة بين أفرادها، وعدّت من أكثر مشروعات القوانين في العالم الإسلامي تحرّراً من قيود التقاليد والأعراف الاجتماعية، ومواكبة لمكتسبات الحداثة، التي انخرط فيها المجتمع التونسي ذاته مند القرن التّاسع عشر؛ إذ تضمّنت المجلة أحكاماً عزّزت بها مكانة المرأة التونسية، بأن ضبطت الحدّ الأدنى للزواج بـ17 عاماً للفتاة، و20 عاماً للفتى، ومنعت إكراه الفتاة على الزواج، وألغت الزواج العرفيّ، وفرضت الصيغة الرسمية للزواج، ومنعت تعدّد الزوجات، وأقرّت معاقبة كلّ من يخترق هذا المنع، وأقرّت المساواة الكاملة بين الزوجين في كلّ ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره، ووضعت، إضافة إلى ذلك، إجراءات قضائيّة: للنفقة، والحضانة، والنسب، والإرث، إلى جانب أحكام أخرى تعزز مكانة المرأة.

لكن، لا يمكن لمجلّة في الأحوال الشخصيّة بهذا الحجم من التجديد إلا أن تنتج عن حراك إصلاحي يعكس ما يعتمل في المجتمع من تطوّرات هيكلية، فما هي أبرز المستويات التي توزع عليها هذا الحراك الإصلاحي؟

يمكن أن نوزّع هذا الحراك على ثلاثة مستويات: أوّلها؛ مستوى الإصلاح الاجتماعي النّسوي؛ وفيه حفرت الذاكرة التونسية منذ عشرينات القرن الماضي، اسمَي المناضلتين "المنوبية الورتاني" و"حبيبة المنشاري"؛ اللّتين شاركتا في المقاومة الوطنيّة، ونادتا بخروج المرأة وتحريرها، وحتّى نزع " حجابها"، وفي هذا المستوى بدأت تونس تشهد انخراط النساء في الحياة العامة، وبداية المسيرة نحو العمل النقابي والنضالي ضدّ المستعمر، فكانت شريفة المسعدي ممن تصدّرن العمل النقابي بامتياز، وقد وقع انتخابها في الهيئة المديرة لاتحاد الشغل، عام 1948، وبشيرة بن مراد التي كوّنت أوّل جمعيّة نسائيّة عام 1936، وتوحيدة فرحات التي أشرفت على نادي الفتاة التونسية عام 1954، وغيرهنّ من النساء اللّواتي آثرن الفعل في الحراك المجتمعي، على أن يلتزمن الصمت في خدورهنّ.

بشيرة بن مراد أسست أوّل جمعيّة نسائيّة تونسية عام 1936

وثانيها؛ مستوى الإصلاح الثّقافي؛ ونذكر في هذا الصّدد أهمية العمل التنظيريّ الذي قام به المجدّد الزيتوني، الطاهر الحداد، الذي تأثّر ببعض رؤى عصره التقدميّة، في مؤلّفه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، الصّادر عام 1930، وفيه رأى أنّ "المرأة نصف الإنسان، وشطر الأمّة نوعاً وعدداً وقوّة في الإنتاج من عامّة وجوهه"، وطرح مسائل تتّصل بوضع المرأة في المجتمع، مطالباً باحترام حقّها في اختيار شريك حياتها، وفي طلب الطلاق والمشاركة في الحياة العامة، كما طالب بتجاوز قاعدة "وللذكر مثل حظّ الانثيين" وأقرّ مبدأ المساواة، تماشياً مع سنّة التطور وروح الشّرع ومقاصده. 

اقرأ أيضاً: المساواة في الميراث بتونس جدل ديني على تخوم الصراع السياسي

وثالثها؛ مستوى الإصلاح السياسي؛ وهو يرتبط بشخصيّة الوزير الأوّل آنذاك الحبيب بورقيبة، الذي استفاد من الوضع الاجتماعي والثّقافي، فسعى إلى إدراج تونس وشعبها ضمن تيار الحداثة؛ بالعمل على تجديد الخطاب الدّيني، والرفع من حدود التمكين النسائي فيه، مستلهماً في ذلك نفس الطّاهر الحدّاد التجديدي.

ولا يخلو القرار السياسي بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة في العام نفسه الذي استقلّت فيه البلاد التونسيّة من دلالات رمزيّة بالنسبة إلى المرأة التونسيّة، وذلك حتى ترتبط نساء تونس جميعهنّ بتحرير تونس من هيمنة الاستعمار الفرنسي، وتحريرهنّ من هيمنة السلطة الذكوريّة عليها وعلى نمط العلاقات الاجتماعيّة القائمة بين الجنسين في تونس.

وكيف تمكّن هذا الحراك من إسكات الأصوات المعارضة من التيار الأصولي آنذاك؟

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ جزءاً من الساحة الدينية آنذاك؛ رأى أنّ المجلة تنتهك الشريعة الإسلامية، وقد أرسل حينها بورقيبة لهم رسالة قال فيها: أنا مسلم مثلكم، أحترم هذا الدّين الذي قدّمت له كل شيء، حتى ولو كان ذلك فقط من خلال إنقاذ أرض الإسلام من الإذلال الاستعماري، لكن بحكم واجباتي ومسؤولياتي، أنا مؤهّل لتفسير القانون الديني.

وأكاد أجزم أنّ هذه المجلّة لئن كانت نتاج حراك اجتماعي، نسوي وثقافي مميّز في المنطقة العربيّة آنذاك، فإنّه ما كان ليفرض بعدها الإجرائي، لولا الإرادة السياسيّة القويّة للرّئيس بورقيبة، الذي أوجب تشريعاتها على الجميع، ودفع بالمجتمع دفعاً إلى سبل التحديث أمام تحديات وطنيّة ودوليّة كبرى تنتظر المجتمع التونسي حتّى يحقّق نهضته الحقيقيّة.

وما هي الأرضية التي تمكنت من خلالها الهيئات الحقوقية من الضغط على صانع القرار، في سبيل تطوير القوانين المتعلقة بحقوق المرأة، فيما يتعلق بالمساواة في الإرث وغيرها من التشريعات، وهو ما يعني تحقيق قفزة نوعية أثارت حالة من الجدل داخل وخارج تونس؟

تشهد تونس الآن جدلاً حول قانون المساواة في الإرث، وغيره من التشريعات المنصفة للمرأة، وهو جدل شبيه بما عرفته عند إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة، فالمجتمع المدني، بمنظماته النسائيّة وهيئاته الحقوقيّة، ما انفكّ يطالب بضرورة إقرار المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون، وهو ما دفع بالحكومة التونسيّة إلى توقيع اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة "سيداو"، وإن تحفّظت حينها على بعض المواد المتّصلة بحقوق المرأة في العائلة، لكنّها -عام 2011- رفعت جميع هذه التحفّظات، معترفة بـأنّ المرأة والرجل شريكان متساويان في  فرص تمكينهما من جميع مجالات الحياة.

اقرأ أيضاً: جذور مكتسبات المرأة التونسية تعود لعصر مبكّر من التاريخ الإسلامي

ومن أجل التفعيل القانوني للقضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ النساء، تصاعدت وتيرة الحراك المجتمعي والنّسوي في تونس؛ فخرجت في 10 آذار (مارس) 2017 إلى البرلمان التونسي مسيرة حاشدة مباشرة، بعد يومين من اليوم العالمي للمرأة، دفعت بالسلطة السياسيّة آنذاك، إلى تبنّي جميع مطالب التّمكين النسائي، في 13 آذار (مارس) 2017، وهو تاريخ عيد المرأة التونسيّة، والاحتفال بتاريخ إصدار مجلّة الأحوال الشخصية، فأمر الرئيس بتشكيل لجنة تتولى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالمساواة والحريات الفردية، استناداً إلى مقتضيات دستور (27)، كانون الثاني (يناير) 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

هناك أحزاب تونسية ترفض الحراك التنويري لدواع سياسية واجتماعية

وكيف كان موقف التيار الإسلامي من تلك المقترحات؟

منذ أن شرعت اللجنة في صياغة تقريرها، وحتى الانتهاء منه، تعالت أصوات عديدة من شرائح جنسية وعمرية مختلفة، واختصاصات متنوعة، وانتماءات اجتماعية وسياسية متفرقة، تقدّم موقفها من هذا التقرير، بما في ذلك الجزء المتّصل منه برفع كلّ أشكال التمييز ضدّ النساء في الإرث، وأمام تعدّد الآراء بين مؤيّد له في كليته، ورافض له في مجموعه، أو في جزء منه، التفّ التيار الإسلامي بمختلف طوائفه الحزبية والمؤسساتية، ومن يمثلونه فكراً وتوجهاً، حول رفض التقرير، وما ورد فيه من مقترحات تتعلّق بالمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وإلغاء كلّ من المهر، ونظام رئاسة الزوج للعائلة، وغيرها، رفضاً التزموا فيه مرجعيّاتهم الفكريّة وتوخوا فيه استراتيجيتهم المعهودة.

وما هي أبرز ردّات الفعل المقاومة التي قام بها التيار الأصولي في مواجهة هذه التعديلات المقترحة؟

يمكن إيجاز ذلك فيما يأتي: المواجهة السلمية؛ وتزعمها " تيّار المحبّة"، و"حزب التحرير"، حيث سارعا إلى التعبير عن رفضهما القاطع، شكلاً ومضموناً، لتقرير لجنة المساواة والحريات الفردية، وعبّر تيار المحبة عن "كرهه" الشديد للتقرير، ونظّم أتباعه وقفة احتجاجية في شارع الحبيب بورقيبة، رافعين شعار" تيار المحبة، يقول للباجي وبشرى: ديننا خطّ أحمر"، أمّا حزب التحرير فقد "حرّر" رسالة مفتوحة منه إلى رئاسة الجمهورية، مرفقة بردّه التفصيلي على تقرير اللجنة، وشرع يندّد بالتقرير، واصفاً إياه بــ "المشروع المحارب للإسلام"، وداعياً إلى التحرك ضدّه، ونظّم وقفات احتجاجية ببعض الجهات، وعدّ رئيس المكتب السياسي للحزب ما ورد في التقرير، تشريعاً للتفسخ المجتمعي.

تشهد تونس الآن جدلاً حول قانون المساواة في الإرث، وغيره من التشريعات بما يذكّر بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة

أما حركة النهضة؛ فقد آثرت استراتيجية المراحل، فالتزمت في المرحلة الأولى خيار الصمت، ثمّ نطقت في مرحلة ثانية بخطاب مراوغ، يقوم على ثنائية المسايرة، ثمّ المغايرة، ونلمح هذه الثنائية في كلّ ما ورد في بياناتها، وفي 5 تموز (يوليو) 2018، أصدرت الحركة بياناً، أعلنت فيه أنّها ستعبّر عن موقفها بالتفصيل من هذا المشروع، إذا ما تحوّل إلى مشروع قانون، وأنها تعمل على تعميق التشاور والحوار حول مضمونه، مجددة تأكيدها على قيمة الحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين، وفي هذا السياق؛ نجدها تشدّد على حقّ جميع التونسيّين، أفراداً ومؤسسات، في حريّة الرأي والتعبير والتفكير، لكنّها تلتزم بما تتبناه من أنّ تونس دولة مدنية لشعب مسلم، ومن ثم، فإنّها ترى أنّ المقاربة في الحريات الفردية والمساواة، ينبغي أن تجمع بين الالتزام بأحكام الدستور واحترام مقوّمات الهويّة العربية الإسلامية للشعب التونسي.

وهل أخذت حركة النهضة خطوات إجرائية لموضعة رؤيتها في المشهد المحتدم؟

في 13 آب (أغسطس)؛ سلّم رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، رسالة لرئيس الجمهوريّة، تضمّنت موقف الحركة من مشروع لجنة الحريات الفردية والمساواة، وصرّح مكتبها التنفيذي بأنّ الغنوشي استمع إلى مقاربة رئيس الجمهورية حول المسائل المتعلقة بالإرث، وقضايا الحريات الشخصية، وأكّد المتحدث باسم حركة النهضة، أنّ تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، سيكون "منطلقاً لحوار مجتمعي واسع"، وأنّ موقف حزبه من التقرير منسجم مع ما دعا له الرئيس في العام الماضي، لكنّه يشدّد على ضرورة عدم المساس بالشعور الديني للمواطنين من خلال الإصلاحات المقترحة، وفي السياق نفسه صرّحت يمينة الزغلامي، عضو البرلمان التونسي عن حركة النهضة، أنّه لا يمكن تمرير هذا القانون بالقوة، مؤكّدة على اختلاف السياق الزمني بين قانون الأحوال الشخصية، الذي أقرّه الرئيس الأسبق، الحبيب بورقيبة، وقانون الحريات الفرديّة المطروح حالياً للنقاش.

عبرت النهضة عن رفضها لأيّ مشروع يتنافى مع الدستور والنصوص القطعية للقرآن

ومنذ أيام؛ أعلن رئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الهاروني، رفض الحركة أيّ "مشروع يتنافى مع الدستور ومع النصوص القطعية للقرآن، وأشار إلى أنّ تونس دولة مدنيّة لشعب مسلم تلتزم بتعاليم الدستور وبتعاليم الإسلام، أنّ حركة النهضة مع الاجتهاد، ومع المبادرات لتحسين وضعية المرأة، وستشارك في تطوير الأحكام والالتزام بتعاليم الإسلام الثابتة، كما أكّدت محرزية العبيدي، القيادية في حركة النهضة، أنّ الحزب يرفض مقترح المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وأن النّهضة ستردّ على مشروع القانون الذي سيقدّمه الرئيس إلى البرلمان بطريقة بنّاءة وإيجابية، تتمثّل في اقتراح مشروع قانون على البرلمان، يتضمن السماح لمن يرغب في ذلك بالمساواة بين ورثته من الجنسين، شرط الإعراب عن ذلك صراحة، بموجب وصيّة قبل الوفاة.

وماذا عن المؤسسات الدينية؟

لم تلتزم المؤسسات الدينية الصمت؛ بل سارعت إلى التنديد بالتقرير، بدءاً بجامعة الزيتونة وعلمائها ومشايخها، الذين عبروا في بيان بيانين عن رفض التقرير، وعدّوه التفافاً مشيناً على قيم الإسلام وتعاليمه، وندّدوا في المقابل بعدم إشراكهم في صياغته، كما وقّع 23 شخصية، بينهم مفتي الجمهورية السابق حمدة سعيّد، ووزير الشؤون الدينية الأسبق نور الدين الخادمي، على عريضة، رفضوا فيها تغيير أحكام الإرث، وزواج التونسية بغير المسلم، كما تأسست "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة" ردّاً على التقرير، وعدته فتنة ومشروعاً انقلابياً على النمط المجتمعي التونسي، وأكّدوا أنّ اللجنة تجاوزت حدود تخصصاتها فيما تناولته، وعدّت جمعيتي "الأئمة من أجل الاعتدال ونبذ التطرف"، و"هيئة مشايخ تونس"، أنّ الدّين "يتعرّض لهجمة شرسة من مجموعة من الأشخاص، يريدون أن ينحرفوا بالبلاد إلى الهاوية، عبر قيم إحلال الحضارة الغربية المفلسة روحياً.

اقرأ أيضاً: طاهر حدّاد: أوّل منظّر لمسألة المرأة ورائد قانون الأحوال الشخصية في تونس

وما يزال كلّ دعاة التيار الإسلامي، بطوائفه الحزبية والمؤسساتية، وممّن يمثلونه فكراً وتوجهاً، يرفضون التقرير، ويجيشون ضدّه، وهو ما يؤكد أنّ سؤال مدنية الدولة "منتهي الصلاحية" لدى هذا التيار، مهما سعى دعاته في خطابهم إلى سبل الترقيع والتلفيق، والأهمّ من ذلك؛ أنّ سؤال المرأة عندهم "عابر" لكلّ رؤية إصلاحية، حتى ولو كانت من داخل الخطاب الدّيني ذاته، فلا مجال لأن تتشكّل صورتها خارج دائرة الإيمان، التي أقرّوها لها بداية ونهاية.

في رأيك، كيف تشكّلت الحالة التونسية التي سمحت بمناقشة وعرض مثل هذه الرؤى التقدمية مقارنة بسائر المجتمعات العربية؟

هي حالة فريدة وليدة، تعود في بداية تشكّلها إلى مجلة الأحوال الشخصية التونسية، والسياق الاجتماعي والسياسي الذي أوجدها؛ إذ تعدّ هذه المجلة بادرة تشريعية، أسست للمسار التحديثي الذي تبنته الدولة التونسية منذ استقلالها، ويتواصل نسق هذا الحراك مع أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما خرجت التونسيات لمزاولة تعليمهن في المدارس والمعاهد والجامعات، والمشاركة في النشاط الثقافي، والعمل النقابي الطلابي والعمالي، وهو ما ساعد على نموّ وعي التونسيات بحقوقهن، وتعاظم دورهن في النضال النقابي، وفي مواجهة الاستغلال الذي تتعرّض له العاملات والموظفات في القطاع العام والخاص.

اقرأ أيضاً: هل تونس أمام ثورة ثقافية وتشريعية؟

وفي مطلع الثمانينيات؛ نشطت بــنادي الطّاهر الحداد بالعاصمة التونسية، مجموعة من المثقفات من توجهات يسارية وعلمانية، أخذن على عاتقهن نقاش القضايا المتعلقة بالمرأة، والنظر في سبل التصدي لكلّ أشكال الارتداد إلى الماضي، التي دعا إليها البعض في تلك الفترة من تاريخ تونس، فأصدرن عام 1985 مجلة "نساء"، وطوّرن عملهنّ بعد ذلك من خلال تأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، التي حصلت على تأشيرة العمل القانوني في 1989، منافسة للمنظمة الرسمية التابعة للحزب الحاكم، وللاتحاد الوطني للمرأة التونسية، وفي الأثناء؛ تكوّنت لجان نسائية في عدة منظمات، أهلية ونقابية وحقوقية، وضعت قضية الدفاع عن حقوق المرأة في مركز اهتماماتها.

وكيف استغلّ الحراك النسوي هذه الحالة وعمل على تكريسها وتأكيد مكتسباتها؟

شرع هذا الحراك النسوي التونسي يراجع ما كان يعدّ أهمّ  "مكسب نسائي" في العالم العربي الإسلامي، وهو مجلّة الأحوال الشخصيّة، فكشف عن عجز حدود قوانينها في النهوض بالمرأة، داعياً إلى ضرورة إدخال إصلاحات تشريعية جوهرية عليها، حتّى ترتقي بأوضاع المرأة إلى طور الشراكة، بما يتناسب والتغيرات التي يعرفها المجتمع التونسي في بنيته، وكان لهذه الحركة، الممتدة إلى قرننا الحالي، تأثيرها في ما يضمّه الدستور التونسي الجديد المصادق عليه، في 27 كانون الثاني (يناير) 2014، من ضمانات قوية لحقوق المرأة، بما في ذلك الفصل (46)؛ الذي ينصّ على أنّ: "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها"، لضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة .

للقضاء على التمييز ضدّ النساء تصاعدت وتيرة الحراك المجتمعي في تونس

وتبعاً لما تقدّم؛ نتبين أنّ تونس بحراكها المجتمعي والمؤسساتي والحقوقي، أمضت أعواماً طويلة من النّضال الدؤوب، حتّى تبلغ الحالة التي هي عليها الآن من أريحية مجتمعية، يتقبّل فيها الشعب جملة من الإصلاحات، تجعلهم يعيشون ويتعايشون مع بعضهم سواسية في الحقوق والواجبات، بضمانات تشريعية تفرض احترام حرية الفكر والمعتقد والضمير، وتلغي كلّ أشكال التمييز بين الجنسين في الأسرة والمجتمع، فلا للمهر وربطه بالبناء، ولا للعدّة باعتبارها تقييداً غير دستوري لحرية زواج المرأة، ولا للتمييز في إسناد اللقب العائلي، وفي شروط منح الجنسية، ولا لسائر التشريعات القائمة على التراتبية والتمييز بين الجنسين.

ولكن، ماذا عن رفض بعض الأحزاب اليسارية والقومية لهذه القوانين؟ هل يمثل ذلك شوكة في ظهر الحركة المدنية؟

هناك أحزاب وقوى ترفض هذا الحراك التنويري لدواع سياسية واجتماعية، مثل حزب "حراك تونس الإرادة"، ذي التوجه الديمقراطي الاشتراكي، وهناك ثمانية أحزاب قومية التوجه، صرّحت برفض التعديلات، واندرجت هذه الأطراف في خطّ التصدي لهذه الرؤى التقدمية، ومن يمثلها، وهو ما يعبّر عن وضعية تفاعلية وجدلية بين جميع مكوّنات المجتمع المدني، وعن حالة من الديمقراطية المشروعة في الحراك السياسي والاجتماعي، تتيح لكلّ طرف أن يقدّم موقفه في كنف الاحترام المتبادل والتشاور، إلى أن يقرّ الرأي النهائي، وهو ما ينهض بالمجتمع التونسي، برجاله ونسائه، بعيداً عن المزايدات والمغالطات.

وما هي المستويات المتوقع للصراع أن يصل إليها في ضوء خطاب المقاومة الإسلاموي؟ وهل من الممكن أن يتطور العنف اللفظي في الخطاب الأصولي إلى عنف مادي؟

وردت على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل غاضبة، فيها اتهام بالفساد والعهر لكلّ أعضاء اللجنة، ناهيك عن حملات العنف والتكفير، وقد دعت رئيسة اللجنة، بشرى بلحاج حميدة، في برنامج ''هنا تونس'' جميع المعارضين للتقرير إلى فهمه قبل الانخراط في موجة السبّ والشتم، وفي مرحلة تالية؛ تحوّل العنف من مستوى اللفظ إلى الفعل، فبعد عمليات التجييش، وحملات التكفير ضدّ أصحاب هذا الحراك وممثليه، دعا البعض إلى إلقاء" مياه حارقة" على وجه رئيسة اللجنة، وبعض السيدات سجّلن "مقاطع فيديو" للتحريض على قتلها، كما خرج الجدل عن مجاله الوطني التونسي إلى المجال العربي، فتعالت أصوات من هنا وهناك؛ من الجزائر والمغرب ومصر، تعدّ ما قدّمته تونس من إصلاحات للوضع النسائي فيها "خروجاً عن الشّرع" في الإرث والقوامة الذكورية، ويستدلّ وكيل الأزهر، عباس شومان، على هذا الخروج، في تصريح أكّد فيه أنّ "المواريث مقسمة بآيات قطعية الدلالة لا تحتمل الاجتهاد، ولا تتغير بتغيّر الأحوال والزمان والمكان، ناهيك عمّا قد يحمله من استدعاء مشفّر لخلايا نائمة من الداخل، وحتى الخارج، لتتحول تونس من "دار دعوة " إلى  "دار جهاد"، من خلال حملات التجييش الممنهجة".

وما هو المطلوب من الهيئات الحقوقية، وما هو المدى الذي تستطيع الوصول إليه في هذا الصراع المفتوح على كافة الاحتمالات؟ وهل يمكن التعويل على ظهير شعبي قوى يساند القوانين التقدمية؟

لا ننكر أنّ هذا التقرير وجد من يناصره من أحزاب سياسية عديدة، مثل: حزب "نداء تونس"، وحركة "مشروع تونس"، و"الجبهة الشعبية"، وحزب "المسار"، وحزب "آفاق تونس"، وحزب "العمال"، ناهيك عن 93 منظمة وجمعية، إضافة إلى شخصيات جامعية وأكاديمية من اختصاصات علمية متنوعة، هذا الحراك الحزبي والجمعياتي له قاعدته الشعبية؛ التي اختبرت في الفترة ما بين 2012 /2013؛ عندما شنت أطراف متطرّفة من دعاة الإسلام السياسي، هجوماً شرساً على المكاسب التي حقّقتها المرأة، مطالبة بتطبيق الشريعة، وواصل الحراك التنويري الذي لمحنا ظهيره الشعبي تصديه لتلك الجماعات، في مسيرتين بشارع الحبيب بورقيبة، حينما خرجت حشود، نسائية ورجالية، تساند تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية.

شرع هذا الحراك النسوي التونسي يراجع ما كان يعدّ أهمّ  "مكسب نسائي" في العالم العربي الإسلامي، وهو مجلّة الأحوال الشخصيّة

وإن كنّا نعدّ هذا الظهير الشعبي مهمّاً بكتلته النسائيّة، إلا أنّنا لا نراه بالقوة التي ينبغي أن يكون عليها حتى يقدر على مواجهة الأطراف التي ترفض التنوير، وتعوّل في جانب مهمّ من خطابها على التأثير الانفعالي في الجماهير، وعلى استغلال رهاب الأغلبية من كلّ فعل تحديثي، لاسيما المتّصل منه بالخطاب الدّيني، وبكلّ قراءة تجديديّة له، ويبدو أنّ الجميع، رجالاً ونساء، مدعوّون في هذا الظّهير إلى أن يلتفوا أكثر خلف الحراك التنويري في تونس، وأن يمثّلوا قوة مجتمعية، تصدّ كلّ من يقف أمام نهضتها، الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية؛ فالتنوير يجب ألّا يكون خياراً نخبوياً أو حزبياً أو جمعياتياً؛ بل عليه أن يطال القاعدة الشعبية لتونس، ومن صلبها ينطلق كلّ حراك، حتّى ينال الجميع حقوقهم، ولا يحتاجون حينها إلى سلطة سياسية تفرض مكتسباتهم وتدعمها.

ما هو التأثير الذي يمكن أن تحدثه تلك القوانين في حال التصديق عليها، في المحيط العربي؟ وهل يمكن أن تقوم تونس بتصدير هذا الحراك مستقبلاً، مثلما قامت بتصدير الثورة قبل سبعة أعوام خلت؟

شهدت تونس في عيد نسائها، 13 آب )أغسطس) 2018؛ منحى مميّزاً لحراكها التنويري، لمّا تقدّمت لجنة المساواة والحريات الفردية بتقرير إلى الرئيس، وعرض الرئيس بدوره التقرير على البرلمان التونسي في انتظار التصديق عليه، واتّخذ هذا المنحى في الحراك التنويري التونسي صداه خارج حدوده المحلية، إلى البلدان العربية المجاورة، وتشكّلت بخصوصه أصداء تصل حدّ التناقض، بين من يشيد بالتقرير، معتبراً إيّاه علامة على ريادة تونس في مجال التجديد والتحديث، وبين من يندّد بالتقرير ويعدّه متضمّناً لــ "كفريّات"، على حدّ عبارة الداعية الإسلامي، وجدي غنيم، أو أنّه يضمّ جرأة فظيعة على "شرع الله"، فيما صرّح به وكيل الأزهر عباس شومان.

اقرأ أيضاً: أين وصلت تونس بعد 7 سنوات من "الثورة"؟

ولا يمكن، فيما أعتقد، أن تتجاوز هذه الأصداء في البلدان العربية التي بلغها، حدود الإشادة أو التنديد إلى التبنّي الفعلي للحراك التنويري، كما هو الحال مع الثورة التي صدّرتها تونس إلى بعض البلدان العربية المحيطة بها منذ سبعة أعوام، وذلك لأنّ تصدير الثورة "السياسية"، وجدت قاعدة شعبية أترعها الظلم والفقر والتهميش، فاستجابت لنداء الثورة، أمّا الثورة "الحقوقية" ضدّ ترسانة الذهنية التراثية الذكورية، التي تفرض هيمنتها على الخطاب الديني، فهماً وتأويلاً، فإنّها تتغلغل في المجتمعات الأبوية من قواعدها الشعبية إلى أعلى هرم في السلطة فيها، وهي بذلك أخطر من النوع الأوّل من الثورات، وتحتاج في تصديرها مدّة أطول، لأنّها تطال العقليات والبناءات الفكرية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مختار نوح: مرسي كان يرغب في إجراء مراجعات قبل وفاته والشاطر رفض

2019-07-15

أجرى الحوار: سامح فايز


قال المحامي والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، مختار نوح: إنّ الرئيس المعزول، الراحل محمد مرسي، كان يرغب في إجراء مراجعات للموقف السياسي للجماعة قبل وفاته، غير أنّ خيرت الشاطر رفض تلك المسألة، وطلبت الجماعة من مرسي عدم الخوض في مسألة المراجعات.

الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة لا علاقة لها بظروف إلهية وذلك يكون استثماراً فالجماعة قابلة للاستثمار

وأضاف نوح: "لا يوجد أمل لعودة الجماعة مرة أخرى للمشهد العام، بعد أن كشفت عن وجهها المتطرف، وسيطرة التنظيم الخاص، ومقاتلة الشعب"، لافتاً إلى أنّ الإخوان عادت في مرات سابقة للحياة بعد حظرها من الأنظمة الحاكمة؛ بسبب رغبة الحكام في استثمار الجماعة، إلا أنّ تلك المسألة غير قابلة للحدوث الآن.
وأشار نوح، في حوار مع "حـفريات"، إلى أنّ النظام الخاص يسيطر على الجماعة بالكامل، منذ عام 1995، بعد تولّي مصطفى مشهور مكتب الإرشاد، منوهاً إلى أنّ أوّل ما فعله النظام الخاص؛ إقصاء غير المنتمين له من الجماعة بالكامل.
هنا نصّ الحوار:

خيرت الشاطر
على مدار تاريخ جماعة الإخوان تمّ حلّها وحظرها أكثر من مرة، وكانت تعود في كلّ مرة أقوى من السابق، تلك المسألة تطرح سؤالاً عن هل هناك إمكانية لعودة الجماعة للمشهد من جديد؟

جماعة الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة، لا علاقة لها بظروف إلهية، وذلك يكون استثماراً، فالجماعة قابلة للاستثمار، أنا أذكر مرتين لرجوعها، الأولى، كانت أيام السادات، وكان المفترض عقلاً بعد أن قتل السادات، وانتماء خالد الإسلامبولي لجماعة الإخوان مسبقاً، أن يكون هناك حذر في الاستثمار؛ أي أن يكون استثماراً محسوباً، لكن حسني مبارك أجرى الصفقة بطريقة أخرى، طريقة خدعنا فيها جميعاً، حتى أنا خدعت فيها في بداية الأمر، فقد أعلن أنه لن يقابل عمر التلمساني، لكنه سار في أربع خطوات، الخطوة الأولى: ترك ملف التفاوض مع الإخوان للأمن، الخطوة الثانية: التفاوض بالطريق العملي، بمعنى، إذا تعدى الإخوان الحدود المتفق عليها يقاومهم بالقبض الرمزي؛ أي القبض المعلومة نهايته.

اقرأ أيضاً: تهديدات بالقتل لقيادي بحماس بعد قطع راتبه لانتقاده الإخوان
الخطوة الثالثة: أن يكون الحوار سياسياً في الدرجة الأولى، لا يشمل الدعوة، ولا سلامة غاية الإخوان، ولا غيرها، فقط سياسي بالدرجة الأولى.
الخطوة الرابعة: أن يقدم الإخوان له ما يريد.
وبالتالي؛ عادت جماعة الإخوان، مرة أخرى، بقبلة الحياة، لكن في تلك المرة، السلطة لا تستطيع إعطاء الإخوان قبلة الحياة، فالتنظيم السرّي كشف عن وجهه، وأنّه المسيطر على الجماعة، وقاتل، وقَتل، وأعلن الجهاد المسلح، وأصبحت المسألة مستحيلة على عودة الإخوان، ومستحيل على أيّ حاكم أن يتحمّل مسؤولية عودتهم.
استخدام العنف

 

في جميع المرات التي تمّ فيها حظر الجماعة كان التنظيم السرّي موجوداً، ورغم ذلك عادت الجماعة، فالتنظيم لم يكن غائباً في الحقبة الملكية، ولم يكن غائباً فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
استخدام العنف في مواجهة الشعب غير استخدامه في مواجهة اليهود، غير استخدامه في مواجهة أشخاص، مثلاً في حادثة قتل الخازندار نجد الكاتب الصحفي والروائي، إحسان عبد القدوس، في روايته "في بيتنا رجل"، يصوّر الإرهابي على أنّه بطل، فيمحي من ذاكرة الناس أنّ الإرهابي قام بفعل القتل، لكن يجعلهم يعيشون قصة حبّ خالدة مع زبيدة ثروت، فتنسيهم زبيدة قصة رئيس الوزراء الذي قُتل، وعمر الشريف له سحره، هنا نرى كيف تستخدم القصص والأدب والسينما، أنا أعتقد أنه خطأ كبير لإحسان عبد القدوس، وقد أبلغته برأيي هذا، وأبلغت محمد عبد القدوس.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
الآن أيضاً: هناك بعض الأعمال في السينما تناولت جماعة الإخوان باعتبارها فصيلاً سياسياً، وأننا جميعاً نعيش في مركب واحد، ونواجه عدوّاً واحداً؛ هل معنى ذلك أنّ خطأ فيلم "في بيتنا رجل" تكرّر؟
الأفكار المرتبطة بزمن سياسي وواضح، وفيها عنصر المجاملة، لا نعتبرها في الفنّ علامة، مثل: فيلم "الهجامة"، للفنانة ليلى علوي، وهشام سليم، وهو فيلم يظهر الثورة ضدّ السادات بصورة سلبية، فانتفاضة الخبز، عام 77، أظهروها بأنّها ثورة حرامية وغير شريفة، علماً بأنّها كانت ثورة حقيقية ومنظمة.
حوار الجماعة مع الغرب
جماعة الإخوان كانت تجري تفاهمات مع جهات أجنبية وسفارات أوروبية، وهي مسألة ساهمت كثيراً في عودتها للمشهد العام أكثر من مرة بدعم من تلك الجهات؛ ما تعقيبك على هذه المسألة؟

وأنا في السجن، عرّفني أحد الصحفيين، البارزين الآن، على سعد الدين إبراهيم، وكنت أنا بالذات محظوراً من الحديث مع أيّ شخص داخل السجن، وكنت أتعرّض للحبس الانفرادي إذا تحدّثت مع أيّ سجين، لكنّ سعد الدين إبراهيم تواصل معي رغم ذلك، وبعد قليل من الحوار طلب تحديد لقاءات مع الإخوان، وعندما علم الإخوان بذلك اكتفوا بأنني أوصلتهم به، ثم استبعدوني من جلسات الحوار، لكن بعد خروجنا من السجن علمت أنّ سعد الدين إبراهيم ينظّم حفلاً كبيراً للحوار بين الإخوان والسفراء الأوروبيين، وتمّت دعوتي للحوار، لكنّني رفضت المشاركة.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
المرة الثانية التي عرفت فيها بشكل مباشر أنّ الجماعة تجري لقاءات مع جهات أجنبية؛ كانت عندما قابلت زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد حسني مبارك، وأخبرني بأنّ الإخوان تخطّوا الحدود، ويجرون اتصالات بالخارج، وعندما أوصلت الرسالة لخيرت الشاطر استهتر بها، فقد كان لا يحب أن يتفاهم أحد غيره مع النظام، فرفض الرسالة تماماً، فتمّ القبض بعدها على 23 شخصاً من قيادات الإخوان.
لكن في عهد المرشد محمد حامد أبو النصر جاء في وثائق ويكليكس؛ أنّ السفارة الأمريكية حاولت مقابلته والحوار معه، لكنّه طلب منهم بشكل مباشر استئذان وزارة الداخلية المصرية والحصول على موافقتها لإجراء أيّ حوار؛ ما سبب تغيّر شكل الحوار في عهد أبو النصر عن عهد مشهور؟
في ظلّ غياب التنظيم الخاص أيام التلمساني وأبو النصر، كان من الممكن طلب استئذان الداخلية، لكن في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب، وذلك عن طريق حماس، وغياب التنظيم الخاص في تلك الفترة كان بسبب استبعاد المرشد عمر التلمساني لرجالات التنظيم، لذلك يكره أعضاء التنظيم الخاص عمر التلمساني جداً، حتى أنّهم لم يكتبوا عنه نهائياً ضمن أدبياتهم عن القيادات الإخوانية؛ فالتنظيم الخاص بدأ يتحكم في التنظيم بعد ولاية محمد حامد أبو النصر؛ بسبب صعود نفوذ مصطفى مشهور، الذي بدأ في الاستعانة برجال التنظيم الخاص، مثل: محمود عزت، وخيرت الشاطر، اللذين استبعدهما عمر التلمساني سابقاً من أي دور داخل الجماعة، خاصة بوجود قضية رقم 122 لسنة 1983 حينها، اسمها "قضية التنظيم الخاص"، وعندها اجتمع عمر التلمساني بمجموعة من القانونيين وكنت أحدهم، وعندما اجتمعنا طلب الاطلاع على أوراق القضية دون أن يعرف أحد، واستطعت عام 1990 الحصول على نسخة من القضية، واكتشفت أنه تمّ حفظها، رغم أنّ نيابة أمن الدولة لم تكن تحفظ أيّة قضايا للإخوان، وتلك القضية كان المتهم الأول فيها خيرت الشاطر، والثاني محمود عزت، ورغم ذلك لم يقبض عليهما!

سيطرة التنظيم الخاص

مختار نوح مع المرشد مصطفى مشهور
لماذا تغيرت سياسة الجماعة في إجراء حوارات مع جهات أجنبية، بعد سيطرة التنظيم الخاص على مجريات الجماعة؟

التنظيم السري يؤمن بالميكافيلية، أو الغاية تبرر الوسيلة، أما الإخوان العاديّون فيرفضون ذلك، هؤلاء الذين انضموا وقت عمر التلمساني، وشكلوا معه مكتب الإرشاد، وكانوا يرفضون التنظيم الخاص، والعمل المسلّح؛ فالصراع كان دائراً بين الجناحَين، حتى استقرت جماعة الإخوان على العنف المسلّح والتنظيم الخاص، عام 1995، التفاهمات قبل ذلك كانت ضدّ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكانت علنيّة؛ فنجد أنّ عمر التلمساني يتحدث مع السادات في العلن، وأنّ السادات يحذّره من التنظيم الخاص في العلن أيضاً، فيخبره التلمساني بأنّه لن يضمّ للجماعة أيّ فرد من التنظيم الخاص في العلن، فلا توجد سرّية؛ لذلك هو مكروه من رجال التنظيم الخاص، لكن مع تولّي مصطفى مشهور لمكتب الإرشاد، ظهرت على السطح من جديد مبادئ سيد قطب، ومبادئ سرية التنظيم وعلنية الدعوة، ومسألة أننا نعيش في مجتمع جاهلي تحوّلت لسلوك عملي، فلا نخرج المال لشخص جاهلي؛ بل نعطيها لشخص مسلم، ورغم ذلك، كانت تأتيني، وأنا في الجماعة، بعض القضايا للتحقيق فيها، وجدتها تتضمن سرقات وانحرافات كثيرة داخل الإخوان، وشكاوى أخلاقية كثيرة، لكن لا أستطيع نشر تلك التحقيقات الآن لأنني تكتّمت عليها، مسألة واحدة فقط نشرتها، كانت لها علاقة بالتحقيق مع محامٍ شابّ يعمل في مكتبي للمحاماة.

اقرأ أيضاً: لماذا تحاصر ألمانيا جماعة الإخوان؟!
كان حكم الجماعة في المطلق للتنظيم الخاص، وهم الذين ذهبوا بالجماعة إلى التسليح؛ إذا كانت توجد رغبة في تجميع السلميين حول محمود عزت؛ فهو نوع من الاختفاء مرة أخرى حول الشعارات المضللة، إنما يحيى موسى، المسؤول عن الخلية النوعية التي قتلت النائب العام هشام بركات، ما كان له أن يخرج عن طوع محمود عزت قيد أنملة.

 

سيطر التنظيم الخاص على مجريات الجماعة، عام 1995، مع تولّي مصطفى مشهور، وفي تلك الفترة تقريباً ظهرت على السطح الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكيين، التي أصبحت تنظيم القاعدة بعد ذلك؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة بين سيطرة النظام الخاص ونشأة تنظيم القاعدة؟
كان ملاحظاً أنّ الإخوان في مصر لم يتعاطفوا مع الإخوان الذين ضربوا في أفغانستان، لم يتعاطفوا معهم التعاطف المطلوب، ولم يكن هناك إمداد بالمال أو السلاح، وأعتقد أنّهم عندما وجدوا كفّة نظام القاعدة وأسامة بن لادن هي الراجحة، لم يرغبوا بمعاداتها، فالقضية لم تكن قضية سوفييت، أو دفاع عن الإسلام، لكنّها كانت قضية رجاء أمريكي ويجب تحقيقه، فكان السمع والطاعة الكاملان من مبارك لأمريكا، وبدء تسفير المجاهدين لأفغانستان بشكل منظم.
العمل تحت الأرض
أقصد؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة مباشرة بين صعود النظام الخاص وظهور القاعدة على سطح المشهد العام؟
طبعاً، فالأفكار هي هي، والكتب هي هي، على العكس؛ تنظيم القاعدة الآن أكثر اعتدالاً، على عكس داعش، أيمن الظواهري في الماضي أصدر كتاب "الحصاد المرّ"، هاجم من خلاله جماعة الإخوان لدخولهم البرلمان، لكن تفكيره في تلك الفترة كان قاصراً، فالعمل تحت الأرض يختلف تماماً عن العمل فوق الأرض، وذلك تمّ بالطبع بعد سيطرة التنظيم الخاص، الذي كان من ضمن أهدافه طرد غير المنتمين له داخل الجماعة، فتجد أنّه بعد سيطرة التنظيم الخاص خرج عبد المنعم أبو الفتوح، وعبد الستار المليجي، ومحمد عبد اللطيف، وأبو العلا ماضي، ومختار نوح، وأكثر من 80 قيادة، وكان أجرأ من خرج في تلك الفترة عبد الستار المليجي؛ الذي كتب كتاباً عن التنظيم الخاص، وقرأناه ونحن ما نزال أعضاء داخل الجماعة، ووصل الرقم لأكثر من 600 إخواني، ولا أتحدث هنا عن الآلاف الذين خرجوا من الجماعة بعد أحداث "الربيع العربي"، كانون الثاني (يناير) 2011.
هناك وثائق مسربة من مخابرات أوروبية تشير إلى وجود دعم غير مباشر لجماعة الإخوان في المنطقة العربية؛ ما تعليقك على ذلك؟
إذا دخلت إسرائيل على حماس الآن، ودكّتها تماماً؛ هل سيعقّب أحد على ذلك؟ لن يعقّب أحد، ولا حماس نفسها، ذلك يطرح سؤالاً مهماً؛ لماذا لا تدكّ إسرائيل حماس وتنهي تلك الأزمة نهائياً؟ تلك هي نظرية مبارك والإخوان، فأنا مستفيد منها، حماس هي التي قلبت نظام القوى في فلسطين، وأصبحت هناك دولتان، فيصل الأمر؛ أنني أموّل حماس حتى تعيش، وأضربها من الجانب الآخر عند اللزوم، وأدعم التعاطف مع قضية فلسطين، وذلك يثبتها أكثر على حدود مصر، ويسبب ذلك قلقاً شديداً لمصر، فحماس تبني أنفاقاً تسهّل دخول السلاح إلى مصر.

 

في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب وذلك عن طريق حركة حماس

ثالثاً: ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية.
رابعاً: تعلي من راية عدم النصر؛ فهي سلمية أكثر من السلطة الفلسطينية، وهي التي تقاوم تنظيمات السلفية الجهادية والمتطرفين في غزة، وهي التي توجه بنادقها ناحية مصر لا إسرائيل.
هكذا كانت خطة مبارك في تعامله مع الإخوان؛ فهو يدعم وجود الإخوان؛ لأنّهم مسألة مهمة جداً لتحقيق رغبة أمريكا، أو لمواجهة إيران عند اللزوم، أو مواجهة العراق عند اللزوم الآخر؛ لذلك تلاحظ أنّ إخوان الكويت انفصلوا عن إخوان مصر تماماً، بعد حرب العراق؛ لأنّ إخوان مصر لم ينبسوا ببنت شفة عن حرب الكويت، بينما مبارك تحدّث، فارتفعت أسهمه وانخفضت أسهم الإخوان.
لذلك؛ أريد التأكيد على مسألة الدعم غير المباشر لجماعة الإخوان من قبل بعض الجهات، التي تجد في وجود الإخوان وبقاء الجماعة مصلحة لها.
انتفاضة مرسي

 ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية
وفاة محمد مرسي ربما أعطت الأمل للبعض في أنّه ستكون هناك إمكانية للتفاهم مع النظام، على اعتبار أنّ الجماعة كانت ترفض التفاهم إلا إذا عاد مرسي للحكم؛ هل تتفق مع تلك الرؤية؟

على العكس؛ مرسي هو من أراد عمل مراجعات في الموقف السياسي قبل وفاته، لكنّ خيرت الشاطر رفض، مرسي في النهاية بدأ مراجعة نفسه بصوت عالٍ، على غير عادته، وبدأ بطرح السؤال حول أسباب الصدام، وقال: لماذا لم نقف عند حدّ معيّن بعد أن تمّ القبض عليّ؟ هنا نكون نحن الأبطال، ونحن المظلومين، ونحن من في السجون، وبدأ في قول إنّ المسألة السياسية لم تحسَب بشكل صحيح، وطلب الإخوان من مرسي أن يتوقف عن قول ذلك، وعرفت من مصادري داخل الجماعة تفاصيل تلك الأزمة، وكان واضحاً أنّ الخلاف في تلك المسألة وصل إلى قمته.

للمشاركة:

علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

2019-07-09

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، علاء النادي، إنّ الإرث التاريخي والشعور بأنّ الجماعة الأم للإخوان المسلمين في مصر تعني الجذر والأساس، لعبا دوراً مهماً في تغذية مسارات جمودها وتحجرها، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي، وأنّ تكوين الجماعة لن يسعفها في المراجعة، ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك.

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
ولفت النادي إلى أنّ ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة، نافياً بعض الفرضيات الغربية بأنّ وجود الإخوان يمتص التوجهات العنفية لداعش وأخواتها، بدليل أنّ "تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة".

وهنا نصّ الحوار:

جمود الجماعة الأم

رسم الإخوان بأدائهم صورة باهتة في الوعي الجمعي ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك
لماذا تبدو جماعة الإخوان الأم في مصر أكثر جموداً عند مقارنتها بأفرع الجماعة الأخرى في دول مثل تونس والمغرب؟

لعب الإرث التاريخي، والشعور بأنّ الجماعة في مصر تعني الجذر والأساس، دوراً مهماً في تغذية مسارات الجمود والتحجر في مصر.
لقد ظلّ الإخوان في مصر مسكونين بوعي دفين، مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية التي مرت بها الجماعة، رغم أنّ الجماعة لم تدرس موضوعياً؛ هل نجحت فعلاً في التعاطي الناجع مع تلك التحديات، أم أنّها تجاوزتها بتأثيرات سلبية عميقة في مسارات الوعي والأفكار؟

ظلّ إخوان مصر مسكونين بوعي دفين مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية

تملّك إخوان مصر شعور بأنّهم المسؤولون عن حماية الجماعة ونقاء صورتها، وإثبات صوابية وصدقية خياراتها، وأنّ أيّ اجتهاد يحمل في طياته احتمالية دفع تكلفة من صورة الجماعة الرمزية، قد ينسحب على كلّ الإخوان في مختلف أماكن تواجدهم، عكس التنظيمات القُطرية التي يمكن للإخوان دوماً نسب نجاحاتهم للحركة، إذا كانت إيجابية، والتهوين من تأثيراتها بداعي الخصوصية والنزعة القُطرية في الحالات السلبية.
بعض التنظيمات القُطرية للإخوان تمتعت برحابة في تناول الأفكار الأكثر مرونة، وتداولها داخل محاضن التربية والتكوين لديها، عكس إخوان مصر الذين ظلوا على تشبث بقوالب نمطية متحجرة في التثقيف والتنشئة.
هذا الأمر يكون مع الوقت حالة جمعية مواتية لإمكانية التطور والقدرة على المرونة أو حالة ارتدادية متصلبة تنحاز دوماً للحدية والتقليد والقوالب النمطية المألوفة.
ما سرّ عدم إدراك هذه الجماعة لأخطائها، ومن ثم عدم الاعتراف بها، ومحاولة مراجعاتها وتصحيحها؟
امتلك إخوان مصر قيادات، وصفت دائماً بالتاريخية، اتّسمت في الغالب بالتقدم في العمر، ورسم صورة ذهنية حولها أقرب إلى الصورة الأبوية، التي تعطي لمواقفها وقراراتها وأفكارها ما يشبه الحصانة، ضدّ النقد وعدم المسّ بها في إطار التقييم؛ تلك الحالة لم تكن موجودة في بعض حالات التكوينات الأخرى، مما جعل السياسات والمواقف والأفكار خاضعة بصورة أكبر لإمكانيات التعاطي والنقد والتجاوز، دونما شعور بالعبء في ذلك، وهو عبء أخلاقي ثقيل لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان واستهداف أجيال بالتعليم الموجّه
إنّ أساسيات الجماعة في الجذر التكويني ضمّت عناصر تكبح التطور والتهيئة لأجواء الانفتاح، وقد ظلّت تلك العناصر، وإلى الآن، المكون الأساس في التنشئة؛ عبر مراحل الجماعة المختلفة، من اللافت أن تجد ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة.
أخطاء جديدة قديمة

عوض تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم اجترّ الإخوان ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية
هل ترى أنّ الجماعة ضمن الظروف الحالية ماتزال قادرة على التجنيد والاستقطاب؟

جماعة الإخوان، بشكلها التاريخي، لا يمكن أن تعود، لقد أثبتت كل التجارب والمحكات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء، والسير عكس خطى التطور التاريخي، وافتقاد كلّ مقومات التطور والتجديد، والحديث عن كونها جماعة ربانية كلام بلاغي، وليس شرعياً بالمناسبة، فلا توجد هناك عصمة أو قدسية لجماعة أو تنظيم؛ فهي بالأخير اجتهاد بشري تجري عليه أحكام السنن الكونية.

اقرأ أيضاً: "قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
وبالمناسبة؛ إنّ رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات، فلم يفز الإخوان في الاستحقاقات بنسب كاسحة، كما أنّ قطاعات ممن أيدوهم انطلقوا من رهانات حياتية، وليس كما يتوهم الإخوان؛ قناعات قيمية ثابتة بهم، لقد رسم الإخوان، بأدائهم، صورة باهتة في الوعي الجمعي، ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك.
عدم الاعتراف بالفشل

رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات فلم يفوزوا يوماً باستحقاقات انتخابية بنسب كاسحة
بعد أحداث 30 يونيو؛ ظهر خطاب أشبه بالجماعات الجهادية داخل أجنحة إخوانية، هل تعتقد أنّ مثل هذه الخطابات كان مفاجئاً؟

الأكثر تأكيداً لفرضية أنّ جماعة الإخوان لا يمكنها العودة لمسارها التاريخي بلا قطيعة، أنّ الجماعة ما تزال تطرح أفكاراً حول صوابية مواقفها، وأنّها لم تفشل في مجال رسم الخطط والأفكار والقدرة على إثبات أنّها كيان سياسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فعوضاً عن أن تصدر عن الإخوان تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم، اجترّوا ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية، واتهام الواقع المحيط والتذرع بمقولات إطلاقية قدرية ليس مجالها الواقع الحياتي ودنيا الناس.

أثبتت كل التجارب والمحكّات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء والسير عكس خطى التطور التاريخي

هذا يعود بالأساس إلى أنّ تكوينات التأسيس المعرفي لم تكن تحسم بإطلاق حول نبذ العنف والتطرف، بغضّ النظر عن السياق التاريخي، وظرف الجماعة السياسي، والغريب أنّ الإخوان لطالما انتقدوا الجماعة الإسلامية في العقود السابقة حول أفكارهم عن العنف، والمعروف أنّ تلك الأفكار نشأت جراء صراع سياسي احتدم بين الجماعة والنظام في ذلك الوقت.
إنّ إدانة العنف والتطرف قيمياً لا يمكن أن يرتبط بالظرفية التاريخية، وبالمناسبة لقد كتبت دراسة، منذ أكثر من 15 عاماً، حول الإخوان والتعددية، وطالبت ساعتها الإخوان بأن يحسموا مواقفهم الفكرية حول القبول بالأبعاد القيمية بأفكار التعددية والديمقراطية، والتخلي عن الكلمة السالبة لكلّ ذلك؛ عندما كان يذيل الإخوان موقفهم من تلك القضايا بكلمة ولكن، والتي كانت تنسف عملياً كل ما كان يسبقها من كلام عام ظاهره الإيجابية والقبول.

 

 

هل ترى أنّه، مع الوقت، يمكن لجماعة الإخوان أن تراجع نفسها مراجعات تاريخية علنية أمام مجتمعها وأعضائها؟
تاريخياً؛ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي وتكوين الجماعة لن يسعفها في ذلك ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك، لا توجد داخل الجماعة قيادة أو كتلة تاريخية تمتلك تلك المؤهلات، ومن يتصدر المشهد في الجماعة قيادات تاريخية عتيقة لا تمتلك من الشرعية سوى ما يرسم حول صلابتها في المحن وثباتها، وما إلى ذلك من مقولات، دون أي رصيد من قدرات في مجال الأفكار وإدارة الشأن العام.

اقرأ أيضاً: منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان
أيّ تطور تاريخي يعني أنّ الإخوان سيكتبون في السطر الأول أنّ الجماعة، بشكلها التاريخي وأفكارها، قد انتهت وهذا ما لا يستطيع الإخوان قوله أو تصوره.
ما رأيك ببعض الطروحات الغربية عن أنّ الإخوان يمكنهم امتصاص الحالة العنفوية الإسلامية؛ وأنّ اختفاءهم من المشهد السياسي سيتبعه تغوّل "داعش" وأخواتها؟
هذه المقولة غير صحيحة؛ لأنّها من زاوية تربط أيّ انسداد سياسي محتمل بغياب الإخوان فقط، دون غيرهم، وهذا ليس صائباً، كما أنّ تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة، وفي بعض الأحيان؛ وهم في ظلّ تمتع بحالة من مشروعية التواجد، كما أنّ الكتل التصويتية التي حصل عليها الإخوان لا تؤشر إلى حصولهم على أغلبية كبيرة تهدّد تماسك الكيانية الاجتماعية، كما أنّ ربط العنف السياسي المحتمل بالحالة الإسلامية فقط غير صحيح، وهو ما يقلل عملياً من مقولة حصر العنف في الأفكار الإسلامية، وأهمية تواجد الإخوان ككابح يقلل من فرص ظهوره.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟
العنف والتطرف سياقان معقدان أكبر من حصرهما في تلك المقولات البسيطة، وتجاوزهما يحتاج إلى نظرة أكثر وعياً من هذا، كما أنّ ذلك يفترض ضمناً أنّ خطاب الإخوان متأسس بشكل مركزي حول قضايا الديمقراطية والتعددية والحريات، ومركزية تلك المقولات وحاكميتها للنسق الفكري للإخوان، وهذا غير موجود بالطبع.
كما أنّ التجارب أثبتت أنّ ما يحرك قناعات قطاعات عريضة ويحدد سلوكها واختياراتها وقناعاتها السياسية؛ هو ما يمسّ الشأن الحياتي ومعاش الناس، وليست مقولات قيمية، على أهميتها وجاذبيتها، وعدم الجدال حول شرعيتها الأخلاقية، حتى تلك المرتبطة بالشريعة الإسلامية وأحكامها.

للمشاركة:

إبراهيم عبدالمجيد: حتى نشعر بوجودنا يجب أن نكون مختلفين

2019-06-30

أجرى الحوار: سامح فايز


قال الكاتب والروائي المصري، إبراهيم عبدالمجيد، إنّه ليس صاحب مشروع معين، وإنّه يكتب ما يخطر على باله من حكايات، مشيراً في حواره مع "حفريات" إلى أنّ مَن ألهموه أناس سعداء بالخيال لا الحقيقة، "فالحقيقة أنهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن لم يمتلكوا المكان إلا روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً".

عبدالمجيد: لستُ صاحب مشروع فما أتذكره أكتبه سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله

وأضاف عبدالمجيد أنّ معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، "فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية".
وأوضح صاحب رواية "البلدة الأخرى" أنّ ثيمة الاغتراب أساسية في معظم أعماله أو في أحد شخصياته، على الأقل، وقد تلبستها تلك الحالة، "نحن زائلون والمكان الذي نعيش فيه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا".
وهنا نصّ الحوار:
الخروج من عالم الواقع

"ما وراء الكتابة"

أغلب أبطالك يعيشون حالة من الاغتراب النفسي.. لماذا تعدّ هذه الفكرة محورية في أعمالك؟

في السبعينيات؛ كنت مع الماركسيين، وكنت مجنداً في أحد الأحزاب الشيوعية، إلى جانب أنّ دراستي للفلسفة حبّبت إليّ الفلسفة الوجودية، وذلك الحبّ لم يأتِ لمجرد أنني قرأت في الفلسفة، ولكن لأنني بالفعل كنت أعيش تلك الحياة، في حيّ كرموز.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ورغم أنّ ذلك الحي هو أصل الإسكندرية، لكنه كان يضمّ غرباء كثيرين، والعديد من الشركات، والتي أغلق أغلبها في عصر الانفتاح، مثل: النسيج، والزيت الصابون، والملح والصودا، وكانت هناك ترعة المحمودية أيضاً، وكانت تسير في تلك الترعة سفن من أسوان والإسكندرية، تحمل بضائع إلى البلاد التي تمرّ بها، وكانت آخر تلك البلاد الإسكندرية، ثم يتم شحن السفن مرة أخرى في عودتها إلى أسوان، كما جاء في فيلمَي: "صراع في النيل"، و"دماء على النيل".

عبدالمجيد: المكان هو البطل في جميع رواياتي ربما في رواية أو روايتين كان الزمان هو الأساس

كنا نلعب بـ "الكرة الشراب" أمام ترعة المحمودية في المساء، وأحياناً نجالس المراكبية، ونستمع إلى حكاياتهم، التي في أغلبها أساطير، جميعها عن عروسة البحر، والثأر، عن ذلك الشخص الذي قتل ثم ظهر مرة أخرى في الصعيد، جميعها حكايات أسطورية.
عندما كبرت بعض الشيء، أدركت أنّها حكايات تهوّن عليهم طريق السفر الطويل، فأدخلوني إلى عالم الغرابة باكراً.
أيضاً، كانت هناك قطارات السكة الحديد، التي تروح وتغدو وجميعها حكايات، وكانت هناك الاحتفالات بالموالد التي يشارك فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وكان داخل تلك الاحتفالات جو أسطوري وخرافي.
ذلك الجو دفعني للحياة في عالم غير الواقع الذي أعيشه، وأصبح هو الواقع، ووضعني في منطقة بين السماء والأرض، إلى جانب دراستي للوجودية، وأدركت كيف أنّ هؤلاء الناس، رغم سعادتهم، فإنهم سعداء بالخيال، وليس الحقيقة، فالحقيقة أنّهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن امتلكوا المكان، فهم يمتلكون المكان روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
أضع إلى جانب ذلك قراءتي المبكرة للأساطير اليونانية، والتي جاءت نتيجة دخول السينمات، فكنا ونحن أطفال عندما نشاهد تلك الأفلام نخرج للبحث عن الإلياذة والأوديسة لقراءتها، إضافة إلى التطورات السياسية التي حدثت في مصر والتي كانت عكس ما هو منتظر.
ماذا تقصد بالتطورات السياسية التي حدثت وفي أيّ العقود تحديداً؟
جيلنا التحق بالتعليم الأساسي بعد ثورة يوليو 1952، مدارسنا كانت تعيش على النظام الملكي؛ لأنّ المدرسين تعلموا أيضاً في هذا النظام، وكانت مدارسنا تنظّم رحلة كل يوم جمعة للسينما، وكانت هناك جماعة للرحلات، وجماعة للشعر، وأخرى للموسيقى، وجماعة للتمثيل، وكان عدد الطلاب في الفصل لا يتجاوز 20 طالباً، وهناك حصص قراءة حرة كل أسبوع، وتلك كانت بداية محبتي للأدب، فالمدارس كانت جميلة جداً، وكنا سعداء، وفي الوقت نفسه كنّا نسمع عن مشروعات عبدالناصر، الذي يبني مدرسة كل ستة أيام، ثم جاءت النكسة، عام 1967، عكس كل الخيال، فأحبطت، وزادت من الاغتراب، وكانت ليلة كئيبة جداً.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
في ليلة أخرى عندما كنا في منظمة الشباب في الجمرك، اجتمعنا للاستماع لخطاب تنحي عبدالناصر، وبمجرد أن انتهى طلب منا أمين منظمة حي الجمرك ألّا نغضب من هذا القرار، فسببناه وهرولنا إلى الشارع، فوجدنا الشوارع قد امتلأت جنباتها بالناس، يطالبون بعدم تنحي ناصر.
وكنت أسير بينهم أبكي، وقررت أن أعود إلى عملي في الترسانة البحرية، وقابلني الناس جماعات، وأنا ذاهب وحدي إلى العمل، وهناك لم أجد أحداً، فالجميع كان في المنشية، فجلست وحدي حتى الصباح، والدنيا ظلام، وكان أسود ظلام رأيته في حياتي، كأنّه لم يكن هناك قبله أرض ولا بشر، برزخ من الظلام، وأحسست أنه غُرِّر بنا، وجاء الاغتراب من هنا.

سطوة الاغتراب

"طيور العنبر"
الاغتراب حضر بقوة في عملك "البلدة الأخرى" العام 1991، و"هنا القاهرة" المنشور العام 2014، لماذا يستمر معك هذا الشعور طوال تلك الأعوام؟

المسألة أصبحت في روحي، حتى لو لم تجد عالم الرواية بالكامل وقد امتلأ بذلك، فسوف تجد شخصية من الشخصيات وقد تلبستها تلك الحالة، مثل رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، هناك ذلك الشخص في القطار الذي كان يحمل أمانات الناس ويقوم بتوصيلها بين المحطات، وكان يطلق عليه (أبونيه)، ثم وجدوه يوماً ما جالساً في القطار الذاهب للصحراء، فسألوه: هل هناك من يرسل أمانات إلى الصحراء، فيقول لهم: لا، فيكرّرون السؤال: فهل يرسل أحدهم شيئاً من الصحراء، فقال: لا، فسألوه: إذاً، لماذا تجلس في القطار؟ فقال لهم: وأين أذهب؟!

عبدالمجيد: معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين فنحن غير موجودين في الأصل

هذا هو الاغتراب، فالعادة أهلكت الروح واستولت على الشخص، أيضاً ذلك الشخص في الرواية نفسها، الجالس في مكتب بريد العلمين، لإرسال واستقبال "التليغرافات"، فعندما وجد أنّه ما من أحد يرسل شيئاً، بدأ في إرسال التليغرافات لنفسه، فالاغتراب هنا، وإن لم يكن موجوداً في الرواية كعمل متكامل، لكنه ظهر في بعض شخصيات العمل، لأنني أدركت أنّ الإنسان زائل، وأنّ ذلك المكتب الذي نجلس عليه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا، إلى جانب أن معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية.
وعندما سافرت إلى السعودية ظهرت حالة الاغتراب تلك بشكل أكبر، فالمكان متّسع جداً، والأفراد قليلون جداً، والجميع يفكر في النقود، لكن الروح غائبة!
المكان في رواية إبراهيم عبدالمجيد له دور حيوي وكأنه أحد أبطال العمل، لماذا؟
المكان هو البطل في جميع رواياتي، ربما في رواية أو في روايتين كان الزمان هو الأساس، مثل "أداجيو"، والسبب في ذلك أنني عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت قد أدركت أنني أهوى الكتابة، وكنت كلما قرأت رواية قلّدتها في عوالمها.
حتى حدث أن حضرت ندوة للأستاذ محمد مندور في الإسكندرية، وكانت عن المذاهب الأدبية، وظلّ يتحدث عن الكلاسيكية، والسريالية، والرومانسية، والمذاهب الفنية والأدبية، والتي لم أكن أعرفها، فقلت لنفسي: "ما الذي أفعله؟!"، مجرد تقليد لروايات موجودة بالفعل!
وحدث أن توقفت عن الكتابة نتيجة لذلك لثلاثة أعوام، وبدأت القراءة في تاريخ الفنون، والنقد الأدبي، وتاريخ الأداب، وتاريخ المذاهب الأدبية، وهي المسألة التي فادتني جداً؛ فوجدت أنّ مسألة المكان موضوع رئيس في النقاش.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
فمثلاً: في الرواية الواقعية المكان مستقل، فنجد نجيب محفوظ في الثلاثية كمثال يصف المكان بدقة حتى نراه، لكن بعيداً عن مشاعر الناس، أما في الرواية الرومانتيكية؛ المكان بحسب مشاعر الناس، فإذا كانوا مبتهجين فالمكان حلو، وإذا كانوا تعيسين فالمكان تبعاً لذلك سيئ، أما الواقعية الجديدة في أوروبا، في الستينيات، قالت: إنّ المكان مستقل، الإنسان ثانوي فيه، فالرواية كلها تجدها عن الأشياء، وعندما فكرت في تلك المسألة ارتأيت أنّ المكان في منطقة بين بين؛ بمعنى أنّ المكان صانع الشخصية.
"قطط العام الفائت"

كيف جاءتك تلك الفكرة؟
جاءني ذلك التفكير من هؤلاء الذين قابلتهم وذكرتهم في حديثي معك؛ فالذي يغني في الصحراء يدفعه إلى ذلك اتساع المكان، أما إذا كان في مكان ضيّق فلن يغني، ولكن سيحتاج إلى كسر الأبواب والنوافذ التي تقيده، وعامل القطار الذي تدور حكاياته حول الجنيات، دفعه لذلك المكان، فالمكان هنا أصبح صانع الشخصيات.
من يقرأ أعمالك الأدبية يشعر كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً، ويتخيل المشهد ويتفاعل معه، كأنّ السينما تنافس الأدب داخلك؟
حدث ذلك بالتربية، ولم تكن إرادة؛ ففي بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس، أما القراءة فقد عرفتها وأنا في الصف الرابع الابتدائي، لكن قبل ذلك كانت السينما، مثلاً: عندما كنت في الرابعة من عمري وجدت باب الحضانة التي ألحقتني بها العائلة مفتوحاً، وكانت تسمى قديماً الروضة، فخرجت من المكان ومشيت، فوجدت أمامي سينما، اسمها "سينما النيل"، فدخل الناس فدخلت معهم، وشاهدت أول أفلامي، وأحببت السينما بشدة.

عبدالمجيد: في بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس أما القراءة فقد عرفتها وأنا في مرحلة لاحقة

كانت أمي تصحبني إلى الروضة في الصباح الباكر، وتأتي لاصطحابي في الواحدة ظهراً، وعندما تتركني وترحل أخرج متجهاً إلى السينما، حتى حدث في يوم أن حضرت أمي لاصطحابي مبكراً عن موعدها فلم تجدني، فذهبوا إلى قسم شرطة كرموز لتحرير محضر بفقداني، وكان القسم بجوار سينما النيل، وعندموا خرجوا من القسم شاهدوني أمام السينما، وعندما قصصت عليهم الحكاية قال أبي إنّه سوف يجعلني أشاهد السينما مرة كل أسبوع، شريطة ألا أترك الروضة مرة أخرى.
في مراحل عمرية أكبر كنت عندما أشاهد الفيلم أبحث عن اسم الرواية المقتبس عنها؛ ثم أقتنيها لأقرأها، هنا كنت أقرأ الروايات التي أشاهد فيلمها، فأصبحت السينما شيئاً ملتحماً بجسدي، وأدركت أنّ الصورة أهم مسألة في الأدب، وأنك ككاتب بدلاً من الإكثار من الكتابة لوصف صورة معينة فمن الأفضل أن تكتبها في جملة واحدة، فالمهم الصورة، لا الحكي.
إلهامات الإسكندرية

 "الإسكندرية في غيمة"

هل ثلاثيتك عن الإسكندرية رغبة في إعادة رسم ملامح إسكندرية الكوزموبوليتان (متعددة الثقافات) بعد مسخها؟
كان هدفاً، لكنه جاء متأخراً؛ فأنا لا أكتب مذكرات يومية كمثال، لكن أعتمد على النسيان، كما كتبت في البلدة الأخرى عن ذلك قائلاً: "ما يضيع منك، ليس لديك رغبة فيه"، فإن نسيت لا أهتم بها، وإذا ألحّت أكتبها في رواية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إلى جانب ذلك؛ أنا لست صاحب مشروع، فما أتذكره أكتبه، سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله؛ الحرب العالمية الثانية عاشها أبي وأمي، وكانت حكاياتهما دائماً عنها، أذكر مرة أنّ أبي أحضر شيئاً حادّاً قطع به شيئاً في إصبعه ليخرجه من تحت الجلد، وعندما سألته قال إنها شظايا حرب، ثم وضعها في كوب كذكرى، ثم قال إنّ جرح إصبعه سوف يلتئم، ثم أخذ يحكي كيف أنّ لغماً انفجر بجواره، وأنّ العرب عالجوه من الإصابة، ثم استمر الحكي عن تفاصيل معركة العلمين التي عاشها، وبدأت أمي هي الأخرى في الحكي، هنا تمّ شحني بالحرب العالمية الثانية، ورغبت في الكتابة عنها.
ومتى بدأت في سرد ثلاثيتك على صفحات كتاب؟
في العام 1990؛ كنت مسافراً للإسكندرية، أنا وأبنائي، وفي طريق العلمين وقفنا، وبدأت في سرد ما قصّه عليّ أبي على أبنائي، وهنا بدأت فكرة الرواية تراودني عن نفسي، ثم حدث بعد أن كتبتها، ومن قراءتي للصحف في تلك الفترة، أن اكتشفت أننا كنا نعيش في عالم آخر غير الذي نعيشه الآن.

عبدالمجيد: العادة أهلكت الروح واستولت على الشخص حتى أصبح يعيش حالة اغتراب مستمرة

كنت تجد خبراً عن مسابقة ملكة جمال البلاد، أو عن اجتماع ملاك اتحادات العمارات لانتخاب رئيس الحي، فهو ليس معيناً كما الآن، لذلك لم تكن لتجد قديماً بناءً مخالفاً، تجد مثلاً تنازل مواطن إسكندري عن قضية رفعها على المحافظ الذي صدمته سيارته، وعندما تتمّ إقالة المسؤول من منصبه يتنازل المواطن عن القضية، لأنّه رفعها على المحافظ لصفته، وليس لشخصه؛ وتجد الخبر الذي يخصّ ذلك المواطن العادي في الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام"، وبدأت أسأل نفسي: أين ذلك المجتمع؟ هنا قررت أن أسجله مكتوباً.
وبعد أن أنهيت رواية "لا أحد ينام"، قررت أن أكتب رواية أخرى، عن أول مرحلة تخلصت فيها مصر من ذلك المعنى العالمي الذي كانت تتسم به، فمصر دائماً كانت ملجأ لكلّ الناس من كلّ العالم.
أول مرحلة كانت في الخمسينيات، خصوصاً مع العدوان الثلاثي، وخروج اليهود من مصر بشكل كبير، والفرنسيين والإنجليز، هنا كتبت رواية "طيور العنبر"، ثم حدث التحوّل في السبعينيات صوب الوهابية، فأصبحت لا عالمية ولا مصرية، فكتبت رواية "الإسكندرية في غيمة".

للمشاركة:



التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:

"دير شبيغل": الخليفي يواجه اتهامات جديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ؛ أنّ المالك القطري لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، ناصر الخليفي، "ضلّل المحققين، وانتهك قواعد انتقال اللاعبين".

ووفق الوثائق التي نشرتها المجلة؛ فإنّ الخليفي "أرسل خطاباً لمسؤول قطري كبير، يطلب فيه دفع ٢ مليون يورو لوكيل اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري، الذي انتقل للنادي الفرنسي في صفقة قيمتها ٤٠ مليون يورو، عام ٢٠١١".

وطلب الخليفي أيضاً، بحسب المصدر ذاته، ٢٠٠ ألف دولار تحت بند "نفقات" لشركة قطرية خاصة "Oryx QSI" يديرها شقيق الخليفي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف بالوثائق انتهاك ناصر الخليفي قواعد انتقال اللاعبين

وتحظر قواعد انتقال اللاعبين دفع رؤساء الأندية أيّة مبالغ مالية لوكلاء اللاعبين، وتنصّ هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، على أن يدفع مستحقات الوسيط، اللاعب الذي وكّله، أو النادي الذي وكّله فقط.

وأكّد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ "دير شبيغل"؛ أنّ ما يتضمّنه خطاب الخليفي للمسؤول القطري، يعدّ مخالفة واضحة لقوانينه وقوانين الاتحاد الدولي".

الخطاب المكتوب باللغة العربية يكشف أيضاً؛ أنّ الخليفي ضلل المحققين الفرنسيين حينما قال، في تحقيق خضع له مؤخراً: إنّه لا يملك سلطة التوقيع على أيّة أوراق رسمية تخص شركة "Oryx QSI"  القطرية، وإنه لم يكن يستطيع طلب، أو صرف، أيّة أموال من الشركة عام ٢٠١١.

وعلقت "دير شبيغل" قائلة: "هذه الاتهامات تعزز الاتهامات التي تطول الخليفي".

ولفتت إلى أنّ "الاتهامات الموجهة للخليفي سيكون لها جانب سياسي؛ لأنها ستقوض المشروع السياسي الذي تستثمر فيه قطر منذ أعوام طويلة، ويهدف لتحسين صورتها دولياً عبر الاستثمار في كرة القدم".

ويواجه الخليفي اتهامات كثيرة بالرشوة، تتعلق باستضافة الدوحة لبطولات رياضية دولية، كأولمبياد 2016 و2020، وكأس العالم لألعاب القوى.

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يدكّ معاقل الحوثيين في صعدة وحجة.. آخر انتصاراته‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

أحرزت قوات الجيش اليمني انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية، بمحافظتي صعدة وحجة.

ففي محافظة صعدة؛ تمكّنت قوات الجيش الوطني، وبإسناد التحالف العربي، من إحراز تقدم ميداني جديد في جبهة "الصفراء"، وفق ما نقلت وكالات أنباء يمنية.

قوات الجيش اليمني تحرز انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية بصعدة وحجة

وقالت مصادر عسكرية: إنّ "قوات المهام الخاصة في "لواء حرب" نفذت عملية مباغتة ضدّ مواقع عناصر الميليشيا الانقلابية بالصفراء، سيطرت خلالها على سلسلة تباب "مكحلات"، وتبة "راكان"، وجبل "نواف" الإستراتيجي، في اتجاه وادي "الأشر"".

وتكبّدت الميليشيا الحوثية خسائر فادحة في العتاد والأرواح، فيما تمّ اغتنام عدد من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي خلّفها الانقلابيون قبل فرارهم.

 وفي محافظة حجة؛ حققت قوات الجيش الوطني اليمني تقدماً بمحور حرض، وذلك بعد هجوم مباغت على مواقع تمركز ميليشيا الحوثي الانقلابية.

وأسفرت المعارك التي تمت مساندتها بعدد من الغارات الجوية عن مقتل وإصابة عدد من الحوثيين، بينهم قيادات ميدانية.

من ناحية أخرى، نجحت الدفاعات الجوية لقوات الجيش اليمني في إسقاط طائرة مسيَّرة لميليشيا الحوثي الانقلابية في مدينة مأرب، عاصمة المحافظة، الواقعة شرق البلاد.

الدفاعات الجوية اليمنية تسقط طائرة مسيرة لميليشيا الحوثي في مأرب كانت محملة بالمتفجرات

وقالت مصادر عسكرية؛ إنّ الطائرة التي تحمل متفجرات كانت تستهدف مواقع الجيش الوطني اليمني.

إلى ذلك، تصدّر تثبيت وقف إطلاق النار وتصحيح المرحلة الأولى من إعادة الانتشار، اجتماعات اليوم الأول للجنة الحديدة اليمنية، برئاسة الجنرال الدنماركي، مايكل لوليسجارد، وفق ما أورد موقع "العين" الإخبارية.

وفي الاجتماع الذي بدأ أمس، تحدث الفريق الحكومي في لجنة إعادة الانتشار الخروقات الحوثية المتصاعدة منذ سريان وقف إطلاق النار، وأكّد ضرورة إيجاد آلية فاعلة لذلك.

الاجتماع الثلاثي، الذي عُقد بعد تخلف أعضاء مليشيا الحوثي في لجنة الحديدة لأكثر من 4 ساعات عن توقيته، ناقش آلية تثبيت وقف إطلاق النار.

واستعرض فريق الحكومة خلال الاجتماع الأعمال العسكرية الحوثية، وعملية إطلاق الصواريخ والمقذوفات على البلدات المحررة وضدّ سكانها الأبرياء، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مستنداً إلى الأدلة والشهادات.

فريق الحكومة في اجتماع لجنة الحديدة يستعرض جرائم الحوثيين الإرهابيين واستهدافهم  للأبرياء

وشدّد فريق الحكومة على ضرورة فتح معابر الحديدة أمام المساعدات الإغاثية، ولعقد اللقاءات المشتركة داخل مدينة الحديدة، وفق النصوص التي تمّ الاتفاق عليها في السويد.

كما ناقش الاجتماع خطوات تنفيذ المرحلة الثانية والانسحاب من مدينة الحديدة، وإنهاء المظاهر المسلحة، وتطرق إلى هوية القوات المحلية، التي ستتولى مهام التأمين في المدينة والموانئ الثلاثة.

ومن المقرر أن يستمر 48 ساعة قبالة ميناء الحديدة، في سفينة يستأجرها برنامج الغذاء العالمي، ترسو على بعد 30 كيلومتراً من المياه الإقليمية اليمنية.

 

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية