نتائج عكسية للأسلمة: الإلحاد يتعاظم في تركيا

4794
عدد القراءات

2019-02-12

ترجمة: محمد الدخاخني


وفقاً لاستطلاعٍ حديث أجرته مؤسّسة "كوندا" لاستطلاعات الرّأي، فإنّ عدداً متزايداً من الأتراك يعتبرون أنفسهم ملحدين. وتشير "كوندا" إلى أنّ عدد غير المؤمنين قد تضاعف ثلاث مرّات في الأعوام العشرة الماضية. كما تجدّ أنّ حصّة الأتراك الّذين يقولون إنّهم ينتمون إلى الإسلام قد انخفضت من 55 في المائة إلى 51 في المائة.

استطلاع رأي: عدد متزايد من الأتراك يعتبرون أنفسهم ملحدين، فعدد غير المؤمنين تضاعف 3 مرّات في الأعوام العشرة الماضية

ويقول أحمد باليمز (36 عاماً)، وهو عالم كمبيوتر يُعرِّف نفسه كملحدٍ منذ أكثر من عشرة أعوام: "إنّ ثمّة قسراً دينيّاً في تركيا. والنّاس يسألون أنفسهم: هل هذا هو الإسلام الحقيقيّ؟ وعندما ننظُر إلى سياسات صنّاع القرار، يُمكننا أن نرى أنّهم يحاولون محاكاة الحقبة الأولى للإسلام..".
ويقول باليمز إنّه نشأ في أسرةٍ متديّنة جدّاً. ويضيف: "أنّ الصّيام والصّلاة كانا أكثر الأشياء اعتياديّة بالنّسبة إليّ". ولكن بعد ذلك، وفي مرحلة ما، قرّر أن يُصبح ملحداً.
وكانت "ديانت"، مديريّة الشّؤون الدّينيّة الرّسميّة في تركيا، قد أعلنت في عام 2014 أنّ أكثر من 99 في المائة من السّكان يُعتبرون مسلمين. وعندما نُشِر الاستطلاع الأخير لـ "كوندا"، والّذي ضمّ أدلّة مضادّة، نشأ نقاش عام ساخن.

قال باليميز إن الإلحاد يوفر بديلاً جذاباً للإكراه الديني

الصلاة في تركيا: طقس سياسي
يعتقد عالم الّلاهوت، جميل كيليك، أنّ كلا الرّقمين صحيح. فالبرّغم من أنّ 99 في المائة من الأتراك مسلمون، فإنّ عدداً معتبراً منهم، كما يقول، لا يُمارِس الإيمان إلّا بالمعنى الثّقافيّ والسّوسيولوجيّ. وبالتّالي يكون هؤلاء في عداد المسلمين بالمعنى الثّقافيّ وليس الرّوحيّ.

مؤسسة كوندا: إنّ حصّة الأتراك الّذين يقولون إنّهم ينتمون إلى الإسلام انخفضت من 55 % إلى 51 %

ويقول كيليك إنّ المسلمين الّذين يصلّون بانتظام أو يذهبون إلى الحجّ، أو المسلمات الّلواتي يرتدين الحجاب، يمكن اعتبارهم أتقياء بصفة عامّة، ومع ذلك، فالصّدق الإيمانيّ يعني أكثر بكثير من مجرّد أداء الطّقوس أو اختيار ملابس خارجيّة معيّنة. وفي رأيه، "ينبغي أن يَستند الحكم بشأن ما إذا كان الشّخص متديّناً على ما إذا كان - هو أو هي - مؤيّداً لبعض القِيَم الأخلاقيّة والإنسانيّة". ويقول إنّه إذا أُخِذ في الاعتبار فقط الأشخاص الّذين يُمارسون الإسلام، "فإنّه يمكن اعتبار 60 في المائة فقط من الأتراك مسلمين".
ويقول كيليك: "إنّ غالبية المسلمين في تركيا مثل الأمويّين، الّذين حكموا في القرن السّابع. فالصّلوات الواردة في القرآن الكريم ترفض الظّلم. لكن الأمويّين نظروا إلى الصّلاة اليوميّة باعتبارها شكلاً من أشكال الإذعان للسّلطان والدّولة والسّلطات".

اقرأ أيضاً: هل بدأ أردوغان التخلي عن الورقة الإخوانية تقرباً للقاهرة؟
وفي تركيا، يقول كيليك، ما زالت هذه العلاقة بين الدّين المنظَّم والدّولة قائمة. "لقد أصبحت الصّلوات العاديّة وسيلةً لإظهار الطّاعة تجاه القيادة السّياسيّة. والصّلاة في المساجد تعكس بصورةٍ متزايدةٍ النّظرة السّياسيّة العامّة لِمَن هُم في السّلطة".
ويضيف كيليك أنّ الافتقار إلى الاعتقاد لا يعني بالطّبع الافتقار إلى البوصلة الأخلاقيّة. ويقول: "بعض الملحدين أكثر أخلاقيّة ومراعاة للضّمير من كثيرٍ من المسلمين".

اقرأ أيضاً: أحد مرشحي حزب أردوغان في ورطة.. هذه التهم الموجهة إليه
ولنحو 16 عاماً في ظلّ حُكم رجب طيّب أردوغان، كرئيس للوزراء أوّلاً وكرئيس للبلاد منذ عام 2014، استخدم المسؤولون الأتراك الإسلام بشكل متزايد لتبرير سياساتهم - وهو الأمر الّذي قد يزيد من الشّكّ المحيط بالإيمان في الحكومة. وكما يشير كيليك، "فإنّ النّاس يرفضون التّفسير السّائد للإسلام والطّوائف والتّجمّعات الدّينيّة ومديريّة الشّؤون الدّينيّة وأولئك الّذين في السّلطة. لا يريد النّاس هذا النّوع من الدّين وهذا الشّكل الرّسميّ من التّدين". وهذا، كما يقول، يمكن أن يساعد في تفسير السّبب الّذي يجعل العديد من الأتراك يعتبِرون أنفسهم ملحدين الآن.

قال كيليتش إن أخلاق الملحدين كانت في الغالب أكثر ثباتاً من تلك التي عبر عنها المتدينون

"مُساءلة إيمانهم"

تقول سيلين أوزكوهين الّتي ترأس "أتايزم درنيجي"، الجمعيّة التّركيّة الرّئيسة للملحدين، إنّ رغبة أردوغان في إنتاج جيل من المسلمين الأتقياء قد عادت بنتائج عكسيّة. وتضيف: "الطّوائف والتّجمّعات الدّينيّة فقدت مصداقيّتها. وقد قلنا دائماً إنّ الدّولة لا ينبغي أن تحكمها التّجمّعات الدّينيّة، لأنّ هذا يؤدّي إلى قيام النّاس بمُساءلة قناعاتهم الدّينيّة وإلى أن يُصبحوا ملحدين إنسانيّين".

كيليك: في ظلّ حُكم رجب طيّب أردوغان استخدم المسؤولون الأتراك الإسلام بشكل متزايد لتبرير سياساتهم

وتشير أوزكوهين إلى الانقلاب الفاشل الّذي وقع عام 2016، حيث اتُّهم أتباع الدّاعية والباحث الدّينيّ فتح الله غولن بالتّمرّد على حُكم أردوغان، الحليف السّابق لعالم الّلاهوت. وتضيف أنّ الانقلاب مثّل صِدَاماً بين جماعات دينيّة مُتعارِضة - أعقبته حملة قمع كبيرة من جانب أردوغان. وتتابع: "لقد لاحظ النّاس ذلك ونأوا بأنفسهم. وأولئك الّذين يتأمّلون ما جرى بعقلانيّة يتحوّلون إلى الإلحاد".
ونتيجة لذلك، تقول أوزكوهين، "نجد النّاس اليوم أكثر شجاعة ورغبة في الإعلان عن إلحادهم". ولكن الحكومة تواصل إجبار النّاس على الامتثال للمعايير الدّينيّة المتصوَّرة. وتضيف: "الضّغوط تُمَارس في الأحياء والمساجد. وأبرز علامة على ذلك هو أنّه، في عام 2019، ما يزال إلزاميّاً على تلاميذ المدارس دراسة الدّين".


المصدر: تونجا أوجريتان، دويتشه فيله

اقرأ المزيد...

الوسوم: