نجيب المانع: فيلسوف النغم والأدب العميق

نجيب المانع: فيلسوف النغم والأدب العميق
6556
عدد القراءات

2018-04-24

أربعة مبدعين عراقيين علموني الكثير عن الموسيقى: نجيب المانع، علي الشوك، أسعد محمد علي وفوزي كريم. صحيح إن الراحل أسعد محمد علي هو الموسيقي المحترف الوحيد بينهم، لكنه يصنف على الأدباء نقداً (كتابه النقدي بجزأين، وعنوان المبحث هذا مأخوذ منه) وكتابة رواية.
هم من طينة مختلفة من الأدباء، تلك التي فهمت الثقافة على أنّها منظمة معرفية متصلة، فلا أديب كبيراً دون أن يكون على اتصال حي ومؤثر مع أشكال الإبداع الفني الأخرى.

عملان للمانع (البصرة- 1926- لندن 1992) جرّاني من ياقتي وأنا في مقتبل حياتي الثقافية، ليدلاني على شهوة روحية من طراز رفيع، كتابه عن بيتهوفن، ومقالته الرفيعة عن فن السيدة أم كلثوم بعد أيام من رحيلها.

منذ خمسينيات القرن الماضي العراقية الفياضة بموجات من التحديث الفكري، وهو يدعو بعضاً من الأصدقاء المعنيين بقضايا الأدب والفكر، إلى سهرة بداره، للاستماع إلى بعض من أعمال بيتهوفن، ريمسكي كورساكوف، هاندل وغيرهم، إلى جانب إسطوانات بأصوات عمالقة الثقافة العالمية من أمثال إرنست همنغواي وألبيركامو، وإلى شيء من مسرحيات وليم شكسبير وجورج برناردشو(1).نجيب المانع
ابن الطبقة المتوسطة
هو نوع من الأنتلجنسيا التي أنتجتها الطبقة المتوسطة، فالرجل شغل منصب مدير "شركة نفط خانقين المحدودة"، ومنها خبر شتى المعارف العلمية والاقتصادية واللغوية الأجنبية (الإنجليزية)، ومن هنا جاءت ترجماته العميقة: رواية "غاتسبي العظيم" لسكوت فترجيرالد، وكتاب "ديستوفسكي" لرينيه ويليك وكتاب "بيتهوفن: دراسة في تطوره الروحي" للمؤلف جي دبليو سوليفان، وكتاب "مارسيل بروست والتخلص من الزمان" وكتاب "تولستوي" والكتاب البارز لستيفان زفايج "بناة العالم".
اللافت أنّ معرفة المانع بلغة شكسبير جاءت بعيداً عن مواضع الدراسة "تعلم الإنجليزية – عن طريق قراءته الكتب القديمة التي كان يبتاعها في سوق الكتب في الزبير والتي كان يعرضها الضباط والجنود الإنجليز بعد أن كانوا ينتهون من قراءتها في معسكراتهم في قاعدة الشعيبة، وقد كان في تلك الكتب كثير من كلاسيكيات الأدب الإنجليزي التي كان قد سمع بها نجيب في دراسته بثانوية البصرة كمسرحيات شكسبير وغيرها".(2)

وعلى الرغم من أنّ ترجماته زادت على العشرين كتاباً، إلا إنها "لم تضاعف رصيده كما يقول، فالعرب يرون في الترجمة مجرد مهنة متطفلة".
في مقدمته لكتاب "بيتهوفن: دراسة في تطوره الروحي" يؤكد المعنى الذي جذبني إليه بقوة "ترجمتي لهذا الكتاب ابنة شرعية للحب، حبّ مزدوج، وقد يتورد الحب والجذوة الداخلية في واحدة.. إنه حب مزدوج فهناك بيتهوفن موسيقي الأعماق وهنالك كتاب سوليفان أحد كاشفي الأعماق".
وليس بعيداً عن هذا المعنى كانت مقدمة سوليفان لكتابه الذي طبع أول مرة في 1927 ومنها نقرأ: إن "موسيقى بيتهوفن، أكثر من أي مؤلف موسيقي آخر، تثير حتماً نوع الانعكاسات التي ترد في هذا الكتاب. إنّها وكما يقول إرنست نيومان، خصوصية مخيلة بيتهوفن التي ترفعنا مراراً وتكراراً من الموقع الذي نحن فيه. إنّها إعادة تقييم ليس فقط لكل اللموسيقى ولكن لكل الحياة، كل العاطفة  وكل الأفكار ".
وهذا التأثير، قد تم الاعتراف بخصوصيته منذ فترة طويلة كوظيفة لأدب أعظم. مثلما هو أيضاً، وظيفة أعظم موسيقى، على الرغم كونه (بيتهوفن) ينفذ هذه الوظيفة بطريقة مختلفة للغاية، بل تكاد تكون موسيقى بيتهوفن، الموسيقى الوحيدة القوية بما فيه الكفاية لممارسة ذلك بشكل لا لبس فيه"(3).
هذه الصلة المعرفية بالموسيقى تدعمت عند نجيب المانع بعد تأسيس "الشركة العربية لإعادة التأمين" كشركة مشتركة بين الشركات العربية لإعادة التأمين ومنها الشركة العراقية، وكان مديرها الدكتور مصطفى رجب الذي عيّن المانع في شركته ثم رشحه للعمل بالشركة العربية لإعادة التأمين في مركزها ببيروت؛ حيث سافر المانع وأقام هناك مع عائلته مختلطاً بالأجواء الأدبية والثقافية التي كانت تعج بها بيروت في الستينيات وأول السبعينيات، سواء الأجواء الثقافية الشرقية العربية، أو مظاهر الثقافة الغربية؛ حيث بدأت المسارح تعرض المسرحيات الأوروبية واللبنانية والقطع الموسيقية والأغنيات الكلاسيكية، وحيث كانت محلات بيع الإسطوانات تتنافس في عرض أحدث تكنولوجيات التسجيلات الفاخرة وتكنولوجيا تسجيل الآلات المتنوعة، وقد زرته في بيروت فوجدته يسكن في شقة في محلة (الحمراء) ذات غرف ثلاث مليئة بالإسطوانات الكلاسيكية، بما يفوق عددها على الألوف، وبالكتب العربية والشرقية باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية، مما أدى إلى دخول المانع في مشاكل مالية مع الدائنين بأثمان الإسطوانات وغيرهم من الكفلاء والضامنين، مما كانت سبباً في إنهاء علاقة المانع بشركة التأمين العربية وقيام خصومة بينه وبين الشركة المذكورة ومديريها أدت إلى عودته إلى بغداد في السبعينيات"(4) ليعمل في حقل الترجمة.

انشغل المانع في مطلع الستينيات بالأدب السياسي إلى جانب الألوان الأدبية الأخرى

وذلك الشغف بالموسيقى بدأ مبكراً (وتحديداً أثناء دراسته الحقوق ببغداد وتخرجه أوائل خمسينيات القرن الماضي) فتكتبت عنه شقيقته الأديبة العراقية المعروفة سميرة المانع والتي لجأ إليها في مقر إقامتها بلندن "يريد من أهله، أن يستمعوا معه إلى الموسيقى الكلاسيكية، يشاركونه حبه وهواياته الجديدة. اسمعهم قطعتي "شهرزاد" و"الدانوب الأزرق"، بداية، في باحة بيت الزبير بالمساء، ثم تدرجت الأنغام حتى وصلت إلى سمفونيات بيتهوفن وغيره منسابة أو مرعدة في جو بيت الزبير الصافن الحائر. استمر، كعادته، يلم بالموضوع الإلمام الكافي بصبر دؤوب، حتى تكدست الأسطوانات والتسجيلات عنده ففاقت أعدادها الآلاف، أصبح البيت كتباً واسطوانات اينما سار المرء، كمستودع أو مكتبة عامة في سنوات عمره الأخيرة".(5)

هوية ثقافية عربية تتصل بالآخر المعاصر
والتوجه نحو الآخر عبر كل هذا الفيض من الترجمات الرفيعة لم يتعارض مع عمق عربيته؛ ثقافة ولغة، ففي بحثه "توثيق الارتباط بالتراث" المقدّم إلى مؤتمر الأدباء العرب السابع العام 1969 إشارة توكيدية لهذا المعنى "كرامتنا لا تبيح لنا أن نأخذ على الدوام من الحضارة الإنسانية ولا نعطيها، ونحن إذا حصرنا إنجازنا الحضاري فيما يتعلق بالأدب في الحدود التي لا يستطاع نقل مدركاتها والتي تفقد جمالها في الترجمة، فإن علينا ونحن نحتضن لغتنا الرائعة ونعالج بواسطتها إحساسنا بالوجود أن ينير لها سبيل الانتقال من إمكانات التعبير الموضعية إلى شمولية الوعي الإنساني، وذلك لا يتيسر لنا إلا إذا احترمنا كل ما هو حي وملهم بالحياة في التراث الإنساني واستوعبناه كملك خاص بنا مباحٍ لنا كل الإباحة".
هذا ينتقل إلى إنجازه في كتابة القصة القصيرة، فقد كان أسلوبه لا يخفي التأثر بالتيار الحديث الوافد من الغرب، وتحديداً بين نهايات خمسينيات القرن الماضي وبدايات ستينياته. ومن إنجازه القصصي:
*"الممثل يضحك الجمهور" في مجلة "الرسالة" اللبنانية 1957.
*"الأعمى والحذاء" في مجلة "الفنون" العراقية 1958.
*"فولكنر على نهر الغرّاف" في مجلة "المثقف" العراقية 1958.
*"شاعر يعترف" في مجلة "المثقف" العراقية 1958.
*"الدرس الأول" في مجلة "الأديب" العراقية 1961.
وانتقل هذا النسيج القائم على معاصرة لا تخجل من جذرها العربي معرفة وثقافة، إلى قراءة نقدية لاتجاهات الأدب العالمي الحديثة. ففي خمسينيات القرن الماضي ومع اندفاع الأفكار حد التلاطم في العراق، كتب نجيب المانع بحثه المفصّل المعمّق عن الروائي الأميركي ايرنست همنغواي في مجلة "الآداب" اللبنانية، وهو بحث جدي بإمكانه أن "ينهض وحده كتاباً جديراً بأخذ مكانه في المكتبة المعاصرة".
لا الأدب وحسب، بل انشغل المانع في مطلع الستينيات بالأدب السياسي إلى جانب الألوان الأدبية الأخرى؛ إذ نشر مقالات وتعقيبات عن الديمقراطية والحرية وما يتصل بهما وما يتفرع عنهما، مما أثار ردود أفعال هنا وهناك، وحرّكت أقلاماً للتصدي له، وتحديداً بين أوساط العقائديين؛ قوميين وماركسيين، على الرغم من كونه بدأ حياته الثقافية متأثراً بالتيار الماركسي فهو "عندما تخرج محامياً وأزمع العمل في محاكم البصرة بعد إنهائه الدراسة في كلية الحقوق أثناء ما كان عميدها المرحوم الأستاذ السيد منير القاضي وكان تخرجه عام 1947. وعند مجيئه إلى البصرة وتوطد علاقاته بجماعة نادي المحامين آنذاك حيث تكامل العنصر الثالث من عناصر تكوينه النفسي والأيديولوجي الثقافي؛ فالعنصر الأول هو ثقافته العربية وتولعه بعلوم القرآن وأدبيات العرب والشعر العربي، والعنصر الثاني هو الثقافة الغربية متمثلة في إجادته اللغة الإنجليزية والفرنسية واهتمامه بكلاسيكيات الغرب من شعر وموسيقى وغناء ورسم ونحت ورقص ومسرح، أما العنصر الثالث فيه فهو الإيمان والعمل على تحقيق شعارات الحركة الوطنية في الحرية والمساواة والديمقراطية والتحرر من نفوذ الاستعمار والانتصار لقضايا الفقراء والعمال والنساء والجنود والفلاحين".(6)

نشر مقالات وتعقيبات عن الديمقراطية والحرية وما يتصل بهما وما يتفرع عنهما مما أثار ردود أفعال هنا وهناك

وهذا التأثر بشعارات التحرر المأمول انعكس في موقفه حين "أُعلنت الجمهورية العراقية يوم 14 يوليو (تموز) 1958 في المذياع. كان نجيب غائباً في فيينا لأمر يتعلق بوظيفته. لكن هذا لم يمنع  المتابعين لنشاطه الأدبي من أن يجدوا مقالاً له في مجلة "الآداب" البيروتية عنوانه: "ثورة، موزارت وأمريكي". يكشف المقال جزءاً من عودة نجيب للتفاؤل والأمل. يبشر ويرجو من العهد الجديد أن يفتح للشعب العراقي صفحة جديدة بيضاء مشرقة يستحقها، تدعو للتسامح، العدل والمساواة بين العراقيين جميعاً، وبينهم وبين الانسانية كلها".(6)
لكن هذا لم يمنعه، كما تقدم، من توجيه النقد للحكم الجمهوري 1958 الذي يروج لها يساريو العراق على أنه ممثل لتلك الشعارات الوطنية، "استمر نجيب المانع مديراً لمصلحة توزيع المنتجات النفطية حوالي عام (1960-1961)، نقل بعدها إلى وزارة الخارجية العراقية بعد أن التقى بوزيرها الراحل هاشم جواد – الذي أعجب بمزايا نجيب وكفاءته الخلقية والثقافية وإجادته الإنجليزية والفرنسية وبقي يشغل إحدى مديريات وزارة الخارجية، وأظنّها (الدائرة القنصلية) مدة تناهز العام ثم بعدها فصله الراحل عبد الكريم قاسم أثناء سفر هاشم جواد لحضور اجتماعات هيئة الأمم المتحدة في صيف 1961 وكان عبد الكريم وكيلاً لوزير الخارجية آنذاك، وكان سبب الفصل فيما سمع في حينه، أنّ المانع كان قد كتب مقالاً في جريدة الأهالي (جريدة الحزب الوطني الديمقراطي – وكان نجيب عضواً فيه) يصف فيه إعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري (بأنه اغتيال وليس عقاباً عن جريمة لأن لم تكن هناك محاكمات قانونية)– مما أغاظ عبد الكريم قاسم فأصدر الأمر بفصل نجيب من وزارة الخارجية، وبقي عاطلاً طيلة أيام عبد الكريم قاسم"(7).
هذه التفاصيل الجوهرية لجهة بدء انفصال المانع عن "ثورة 14 تموز" والتحول إلى نقدها بعد تحولها إلى تصفيات وصراعات داخلية توثقه شقيقته سميرة المانع "عاد إلى بغداد بعد فترة قصيرة ليرى بأم عينه أحقاً ما نشد وما تصور؟ لم يكن حظه سعيداً بعد هذا الغياب، خاب فأله بما رأى. كانت البلاد متبلبلة متحيرة. الكثير من التمزقات يعانيها أخوة بالداخل وآخرون من خارج البلاد  يؤججون الوقود بالشعارات البراقة ليحترق الجميع بنار مستعرة. وجد محكمة منتظمة (محكمة الشعب) الكل يستمع لها يومياً، تعرض جلساتها بالتلفزيون تحاكم أفراداً من العهد الملكي وغيرهم، فيها من تناقضات العراق ما أخافه من نهاية مصيرها. فهي، باعتقاده، لا تعطي النموذج الجيد للعراقيين، ليروا كيف تصان هيبة العدل، وتظهر الرزانة والوقار والحكمة بأعلى صورها".
وحيال ذلك شرع المانع "بإبداء رأيه، كعادته دوماً، بصراحة وبصوت عال، سواء بجلساته الخاصة أم على صفحات المجلات والجرائد وبالأخص في جريدة  "الأهالي" للحزب الوطني الديمقراطي، التي شجع أن ينشر فيها تلك الأيام. كتب حوالي عام 1959 سلسلة مقالات حول معنى النظام الديمقراطي، أهمية فصل السلطات الثلاث وتداول الحكم، تحدث عن الحرية والعدالة، الرحمة والمساواة، كقيم جليلة لها شأنها. نشر هذه المقالات، بجرأة، وهو في وظيفة حكومية كبيرة، في فترة حكم عبد الكريم قاسم، كأول مدير عام للمنتجات النفطية المؤممة مؤخراً في العراق. لم يصمت للنجاة بجلده ولينال الحظوة من أجل المناصب الأعلى. كتب مقالاته بتجرد بعيد عن المصلحة الشخصية، وبشكل حيادي قل نظيره بين الكتاب، آنذاك. في وقت اشتداد الصراع السياسي بالبلد، والاهتمام بالأشخاص والزعامات بدلاً من الالتفات إلى القيم والمبادئ والثوابت التي يعتقد أن أية ثورة حقيقية لا تقوم إلا بوجودها"(8).
ولنلاحظ هنا المفارقة، ففي الوقت الذي اعتبر تيار المانع، الحكم الملكي "رجعياً وممثلاً لقوى الاستعمار" لكن ذلك الحكم "الرجعي" فتح الطريق أمام المانع لتطوير خبراته الإدارية والعملية في أبرز الوظائف، بينما أطاح به الحكم الذي وصف بأنه "الوطني الممثل لقضايا الفقراء والعمال والنساء والجنود والفلاحين".

تبعثر نتاجه وعومل بإهمال يفوق إهمال النقاد والمؤرخين له في العراق وغاب عنا شاهد من أكثر الشهود مصداقية

هذه المفارقة التي تحولت إلى حذر يقارب الكراهية من "الثورات التقدمية" اختبرها المؤلف شخصياً مع نجيب المانع "نذر الرعب كانت تطل على البلاد، والكارثة تكشف عن ساقيها، غير أن ما جعل تلك النذر تصبح نذيراً، قول للناقد والمترجم والمثقف الموسوعي نجيب المانع، فذات صباح وفيما كنت أضع مجموعة من الكتب والمجلات في مدخل "مكتبة النهضة" ببغداد (عملت فيها هرباً من ملاحقات السلطة لليساريين 1979)، حياني بابتسامةٍ مرسومةٍ بعناية كما نظراته النقدية العميقة حين يصوغ من نقد الموسيقى، نصوصاً في الأدب والمعرفة، لأسارع بدعوته إلى فنجان قهوة، بعد أن حملت له كرسياً ونسخة من العدد الجديد لمجلة "الهدف" الفلسطينية التي كانت تصلنا من بيروت، وفيه قصيدة لي عن الشاعر البحريني القتيل سعيد العويناتي،  واسأله: ما رأيك بالمفاجآت القادمة من طهران: "وصل الخميني والناس رفعت سيارته على الأكتاف"، وعلى النقيض من حماستي التي كانت، على نحوٍ ما،  تعويضاً عن خيبتي / خيبتنا المحلية، قال: "يا ابني إن ماتراه باعثاً على السرور، هو مدخل إلى موت أسود سيحصد بلادنا وأهلها"! ولولا محبتي الكبرى للرجل، وتقديري الذي يقارب التبجيل،  لكنت أسمعته مابقي مضمراً فيّ من شعارات الثورية الجوفاء: "هذه مخاوف البرجوازيين الصغار من حركة الجماهير"،  ولم تمض سنة أو أكثر حتى كان "الموت الأسود" يطل من شبابيك البيوت في  أرجاء العراق كلها.(9)
وهذا النقد الغاضب للسائد الثقافي عربياً وعراقياً، هو ما واصله لاحقاً حتى بعد وصوله إلى المنفى اللندني "نجيب المانع يهدر بما يشبه الأسئلة والأجوبة عن الثقافة والمثقفين العرب، وعن المعرفة الغربية والمعرفة العربية. كان يسأل ويجيب نفسه دون أن ينتظر تعليقاً أو استئنافاً، يكاد يتطاير الشرر والسخط من كلامه، فهو لا يعثر على الشتيمة المناسبة التي يوجهها إلى الشعراء والكتاب والمثقفين العرب الذين يجهلون العلوم   والأدب الغربي واللغات والموسيقى"(10).
وعن الشريحة المثقفة العراقية يتحدث عن بغداد وشارع الرشيد ومقاهي المثقفين فيه:"في ذلك الشارع الذي أتذكره الآن بكآبة، مقهيان متجاوران هما؛ السويسرية والبرازيلية، كنا نحشر فيها متأبطين كتباً لا نعيا من  ترديد ما فيها.  ولأنها كانت في اعتقادنا نهاية الحياة ظهرت كأنها تدلنا على بداية الخبرة في الحياة، وكنت أنا القادم من الزبير أبدوا لأولئك البغداديين إنساناً ريفياً أو بدوياً عليه أن يجلس "مجازياً" في حضرة إبداعهم عند باب البهو الذي مكانتهم في صدارته، ولست أنسى كيف كانوا يتخاطبون باعتزاز من وصل غاية  الرحلة، وبيننا شخصان أو ثلاثة بلغت بهم اختناقة الإنجاز الموعود حدود كبرياء صاعقة متسلطة". هنا تدرس الناقدة فاطمة المحسن هذه الصورة "لعل هذا الوصف فيه بعض مبالغة، ولكن الأكيد أنّ الطبيعة الحادة في تقسيم الولاءات الأبوية، كانت بارزة بين أدباء العراق، فالزعيم الأدبي ينبغي أن يملك سمات الحكيم السياسي الذي يفتي ويصادر ويسفّه ويبتز"(11).

"ذكريات عمر أكلته الحروف"  التي صدرت بعد وفاته

واتصالا مع هذا الغضب الهادر في نقد الثقافة العراقية والعربية حفلت يوميات نجيب المانع "ذكريات عمر أكلته الحروف"  التي صدرت بعد وفاته، و تكشّفت لي عبر هذه المذكرات شخصية تختلف كثيراً عما ألفت من الأشخاص، مع أنها تمثل النموذج المشاع لشخصية الأديب العراقي. إنه يحمل الكثير من صعلكة وعبثية الذين قيض لي معرفتهم من الكبار والصغار، ابتداء بالجواهري وسعدي يوسف حتى أصغر روائي أو شاعر كتب الأدب للتو. ولم أجد تفسيراً لهذه الظاهرة سوى عند نجيب المانع في ما يشبه مذكراته هذه.  قد يحرص الأديب المتصعلك على الحصول على عمل ورواتب وبدلة ومكتبة وطاولة، ولكنه يبقى طريد نفسه وطريد خوفه وطريد شعوره بالنكران والجحود، ينوء بثقل الكبرياء التي يسميها المانع الكبرياء الزائفة. في هذا الكتاب يجد القارئ مقاطع من النادر أن يدونها أديب عربي في سياق الحديث عن نفسه، فهو يقول:"في علاقتي مع المبدعين لم أقدم مفتاح مدينتي إلا لاثنين: المتنبي ودوستويفسكي؛ فالمتنبي أورثني عقدته ولم يورثني اقتداره في العلو عليها: وعقدة المتنبي في نظري هي كبرياء الوجود مع كبرياء الإنجاز، فأودع عندي كبرياء الوجود وحدها وتركني أحاول إنجاز ما يتماشى معها، فسهل على القاصي والداني أن يستشف الوهن والخديعة والتكلف في هذه الكبرياء  التي أرتديها بين الحين والحين مثل بدلة تصرخ طالبة أن تتحرر من كياني "(12).

في خريف عام 1992 أغمض المانع عينيه على كرسيه الهزاز في إغفاءة أزلية، وحيداً في داره بلندن

ويكاد المانع يختزل معظم خبراته الفكرية والحياتية عبر قصصه وروايته "تماس المدينة" (13)،  فهو "حاول أن يضع خبراته ويسخر ثقافته في عمل أدبي قصصي، فكانت له قصص قصيرة ذات طابع تصويري واقعي مأسوي هي ضرب من الكوميديا السوداء، يقف بعضها في ذروة الإنتاج القصصي العربي. وحين أراد أن يضع ثقل ثقافته في عمل إبداعي يتحدث فيه عن المدينة بوصفها الأرض التي تتعايش فيها الثقافات بتجانس وتوافق، أخرج روايته الوحيدة "تماس المدن" فجاءت مثقلة بعدد من المشاريع الروائية، ولم تحقق انتشارها أو تستقطب اهتمام النقاد، وقوبلت بالصمت والإهمال. ولم يكن ثمة ما ينوء به ظهره مثل إحساسه بالهيبة أمام الكتابة، وترهبه لها. فكلما أقدم على أعمال قلمه، يتمثل أمامه عظماء الأدب من المتنبي والمعري والجاحظ إلى دستويفسكي وبروست، فترتجف يداه أمام حجم التحدي".(14)
تبعثر نتاج المانع، عومل بإهمال يفوق إهمال النقاد ومؤرخي الأدب له في العراق، وغاب عنا شاهد من أكثر الشهود مصداقية لتدوين سنوات من عمر الثقافة العراقية مملوءة بالعطاء، ومملوءة بشخصيات أدبية تكاد تقترب من الأسطورة، ولكن غاب عنا نتاجهم لعلة فيهم أو في الظروف التي تحكمت بوجودهم، نساء ورجالاً. والنتيجة واحدة: ضياع خيوط كثيرة من نسيج ثقافي شديد التناغم برغم طبيعة عناصره المتضاربة، خيوط تبعثرت في رياح السنوات والأحداث الجارفة تبعثر مبدعيها.
في خريف عام 1992 أغمض المانع عينيه على كرسيه الهزاز في إغفاءة أزلية، وحيداً في داره في لندن، لا يؤنس وحدته سوى كتاب نام على صدره، عاجزاً عن نقل ما شهد من اضطراب في لحظات الصمت الأخير(15).
أبواب العراق الموصدة 
معظم أصدقائه فارقوه، لا يعرف عنهم شيئاً. أُبعدوا في عمليات تهجير وتخوين وما شاكل من تُهم. يرى نفسه محاطاً ويسمع  بأنواع التحزب والعشائرية والمحسوبية من أعلى إلى أدنى المستويات في وطنه. صار تغليب العنصر الذاتي على المصلحة العامة شيئاً عادياً مقبولاً بين الأفراد. المنافسة النفعية والنرجسية في ذروتها. بدت ثقافته وبالاً عليه. أبواب العراق موصدة  عليه إلا إذا أصبح عبداً مطيعاً. جهوده وعمره يضيعان.
"ابتدأ قلبه يتسارع نبضه، صار يشعر أنّ الحياة التي صارع وضحى بالغالي والنفيس من أجل أن تكون شيئاً جميلاً نقياً محترماً جديرة بالبقاء، ليست سوى حيلة وخدعة للبعض وبالنسبة له لا معنى لها. لم يبق عليه حين كنا نودعه في بابه بالزيارة الأخيرة، وأنا أحذّره بغباء من مغبة التدخين، بينما هو يبتسم ساخراً، لسان حاله يقول: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا/ وحسب المنايا أن يكن أمانيا"(16).
يقرأ المانع إرث أم كلثوم بطريقة مختلفة حين يجعلها استثنائية في تاريخ الفن

مقال في فلسفة الصوت
وعوداً إلى بدء هذه الاستعادة للمانع، لابد من التنويه بمقاله المقتدر عن "كوكب الشرق" بعيد رحيلها "أم كلثوم: الغياب المستحيل والمؤسسة الوجدانية"(17)، فهو مقال في فلسفة الصوت والغناء العربي وبخاصة غناء صاحبة "رق الحبيب" فهو يرى "مع أم كلثوم يكون الغناء بالدرجة الأولى فعلاً من أفعال الاكتراث. إنه توغل سعيد الاكتشاف في الطوايا  الخفية عن الوجدان وهي تتعامل مع فنها بجدية نابعة عن الشخصية القوية لكن المتعاطفة، وعن الهيمنة على كل شيء من كلمات ولحن وجمهور، هيمنة متزاوجة مع الحب الذي تتناول به كل شيء من كلمات ولحن وجمهور".
ويوجّه المانع نقداً حاداً لأعمال الموسيقار عبد الوهاب لصاحبة الصوت العبقري "لم يكن أداء أم كلثوم في غالبيته تكسرات الوجع في الخاصرة ولا تهويشات الصبية في الشوارع ولا رقصاً هيناً كهز البطن، ولو أن عبد الوهاب الذي ألّف لها أقل أغانيها جودة مثل "انت عمري" و"هذه ليلتي" استوحى مع الأسف جو هز البطن وزاد ذلك جناية أن وضع لها موسيقى كريهة سمجة ملأى بالتكلف والمراهقة الشائخة أخطر أنواع المراهقة".

وجّه نقداً حاداً لأعمال الموسيقار عبد الوهاب لصاحبة الصوت العبقري أم كلثوم

ويقرأ المانع إرث أم كلثوم بطريقة مختلفة حين يجعلها استثنائية في تاريخ الفن:"لنعد إلى أم كلثوم الأصيلة، أم كلثوم "ياللي كان يشجيك انيني" و "الآهات" و "الحلم" و "الإطلال" والأعاجيب الأخرى. إنها تبرهن هنا على الندرة والاستثناء في تاريخ الفن؛ حيث تكون عبقرية الأداء بحد ذاتها إنجازاً إبداعياً فالمعتاد أنّ الذين يقومون بأداء ألحان غيرهم كمغنين أو أقوال غيرهم كممثلين إنما ينالون مكانتهم الفريدة ممن هم أكبر منهم، فمن يكون جون كيلكد ولورانيس اوليفييه لولا شكسبير، ومن يكون كاروزو وجيلي لولا أوبرات فيردي وبوتشيني، والشيء نفسه يصدق على المغنين العظام الذين تخصصوا بأوبرات فاغنر مثل لورينز ميلكيور وكيرستين فلاكشتاد، ذلك أن كل هؤلاء ليسوا أكثر من أقمار تدور حول أفلاك كبيرة عاكسة نوراً لا ينبع منها بصورة مباشرة. غير أنّ أم كلثوم وهي مؤسسة موسيقية ومؤسسة وجدانية معاً، يدور حولها التأليف الموسيقي واهبة الذين لحنوا لها مسوغات وجودهم، ولا أستثني منهم حتى أفضلهم وأعظمهم في نظري وهو زكريا أحمد".
معجزة
توصف أشياء كثير بأنها معجزة، ويكون الوصف أحياناً من قبيل التزويق للكلام المنطلق على عواهنه أو على السياسة المبالغة المباحة أو جرياً على تضخيم الشيء ليسهل تصديقه على قائله قبل سامعه. و"لكننا إذا وصفنا صوت أم كلثوم بأنه معجزة، فلا أعتقد أننا نسير على غرار ذلك. إنه معجزة بسبب كونه أولاً يحوز على أشد المتطلبات الجمالية دقة كصفاء النبرة وعلو الطبقة والكفاية في الإيصال بدون ميكروفون، والنقاوة المطلقة في الذبذبات ابتداءً من مستوى الهمس حتى نهاية مدى حنجرتها وكذلك طول ضبط التنفس خصوصاً في أغاني الأربعينيات والخمسينيات؛ حيث وصلت معها أم كلثوم إلى غاية النضج في التعبير. ثم إن صوتها معجزة؛ لأنه لا يستطاع مجاراته أو تقليده فهو أداءٌ لا يقبل الإعادة، لا من قبل الآخرين فهذا أمر مستحيل، ولكنه لا يقبل الإعادة حتى من قبل أم كلثوم نفسها فهي تقدم الأغنية الواحدة عديداً من المرات ولكن بأداء مختلف الظلال ودقائق التشويه والتطريزات الصوتية، بحيث تبهر الجمهور الذي يستمع إليها فكأنه يستمع إلى انبعاث جديد للأغنية التي كان يألفها منها. ثم إن صوت أم كلثوم معجزة بسبب إيحائه بالجو الذي تريد أم كلثوم أن ترسمه بكل ما في طاقاتها العجيبة على التمثل والتقمص والانجذاب. فإذا قالت كلمة الليل فأنت في الليل، وإذا نطقت اسم النيل فكأنك تمد يدك لتحسس مياه ذلك النهر الخالد، وإذا قالت (هلت ليالي القمر) فقد انتشر لؤلؤ القمر على صفحة الخيال، إن يكن الخيال وثّاباً مشاركاً، وإذا تحدثت عن الشوق فأي معنى للشوق لا يوجد في مرسم حنجرتها المترامي الأطراف"؟

__________________________

المصادر:

(1)  وحيد الدين بهاء الدين "نجيب المانع .. ذلك الراهب في محراب الأدب والفن"، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011 
(2) عبد اللطيف الشواف (قانوني عراقي ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(3) ي. ث. ن. سوليفان، دار تشوبهام، 1927. ترجمة علي عبد الأمير بتصرف.
(4) و(6) عبد اللطيف الشواف  (قانوني ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(5) و(8): سميرة المانع، المصادر الثقافية لنجيب المانع، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011. 
(7)عبد اللطيف الشواف (قانوني ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(9) علي عبد الأمير، "استفاق الشاعر فوجد نفسه.. صنديد البوابة الشرقية"، كتابه "حنين بغدادي" دار الأديب- عمّان 2012.
(10) و(11) و(12)، فاطمة المحسن، جريدة "الرياض" 2000. عن يوميات المانع "ذكريات عمر أكلته الحروف"، دار الانتشار العربي، بيروت 1999.
(13) مطبوعات وزارة الثقافة والاعلام بغداد، 1989.
(14) و(15) مي مظفر، "العراقي نجيب المانع في "ذكريات عمر أكلته الحروف" الكاتب المنسي صدمه انحطاط النثر العربي المعاصر"، صحيفة "الحياة" 25 ايار/مايو 2005.
(16) سميرة المانع، المصادر الثقافية لنجيب المانع، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011 .
(17) نجيب المانع، "أم كلثوم: الغياب المستحيل والمؤسسة الوجدانية"، مجلة "الإذاعة والتلفزيون" البغدادية 1975.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جريدة "الكرمل" إذ تكشف تواطؤ العثمانيين مع الصهيونية في فلسطين

2020-01-21

في استذكار رائد مناهضة الصهيونية والاحتلال العثماني، شيخ الصحافة الفلسطينية، نجيب نصار  (1865-1948)، تقفز إلى الأذهان جريدة "الكرمل" التي أسَّسَها نصار في حيفا عام 1908، واهتمت بالقضايا السياسية والاجتماعية، مع التشديد على قضايا حماية الأرض من السمامرة اليهود.
ورغم دعم نجيب نصّار السلطات العثمانية في البداية، لكنه سرعان ما ندد بهم وقارعهم بسبب قمعهم للقوميين العرب، وتواطؤهم مع الأنشطة الصهيونية. في إثر ذلك أغلقت السلطات العثمانية "الكرمل" في الأعوام 1913/1914، ثم جددت الجريدة نشاطها في فترة الانتداب البريطاني بين الأعوام 1920-1940.

فضح خيانة العثمانيين
حاول نجيب نصار لفت انتباه العثمانيين إلى خطورة الحركة الصهيونية على فلسطين، لذلك خصص 50 نسخة من كل عدد لجريدة الكرمل ليرسلها إلى السلطان والصدر الأعظم وولاة الشام ومتصرف القدس، وإلى جميع الجرائد التركية والعربية، حتى باتت جريدة الكرمل المصدر الأساسي لكل الصحف عن تطورات الأوضاع في فلسطين.

بسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى

حملت جريدة الكرمل على عاتقها مهمة فضح تخاذل العثمانيين عن مواجهة الأنشطة الصهيونية في فلسطين، كما يذكر موقع "عثمانلي" وامتازت الجريدة بجدية التصدي للصحف العميلة والأقلام المأجورة والولاة العثمانيين الذين فرطوا في أراضي فلسطين، حتى إنّ نجيب نصار جعل شعار صحيفته "أيها العرب بيعوا كل شيء باستثناء الأرض، ولا تشتروا من اليهود إلا الأرض".
وتحت عنوان "استعمار أم استدرار" كتب نجيب نصار مقالة هاجم فيها صمت العثمانيين عن النشاط الصهيوني في فلسطين، وحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على الهجرة اليهودية وعلى بيع الأراضي للمهاجرين، وأكد أنّ تخاذل العثمانيين سينتهي بكارثة تحل بعرب فلسطين، والتي ستكون مماثلة لما حل بالعرب في الأندلس.

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

وفي أيار (مايو)1911 شن نجيب نصار حملة صحفية شرسة على الصدر الأعظم الاتحادي، الذي أصدر قرارات صريحة إلى والي القدس يأمره بتسهيل بيع الأراضي إلى اليهود المهاجرين، كما نشرت الكرمل مقالات عن معنى الصهيونية وأهدافها السياسية، ولما غضت حكومة الاتحاد والترقي الطرف عن تحذيرات الكرمل، أطلقت الصحيفة مبادرة لتوحيد جهود الصحف القومية العربية لمواجهة الخطر الصهيوني، ونجحت المبادرة في توجيه الجرائد إلى فضح خيانة العثمانيين لفلسطين.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
ونظراً لإدراك نجيب نصار لجسامة الخطر الصهيوني، ورغبة منه في تعريف أبناء شعبه بهذا الخطر، ترجم مادة الصهيونية من دائرة المعارف اليهودية من العبرية إلى العربية، وخصص 16 عدداً من الكرمل لنشرها، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان "الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها"، والذي نشر في عام 1911.
وفي 7 تموز (يوليو) 1914 نشرت الكرمل بيان "المنظمة الوطنية في القدس"، والذي طالب بالضغط على الدولة العثمانية لحظر بيع الأراضي العربية لليهود، وتطوير الصناعة المحلية ومقاطعة الصناعات الصهيونية، ودعا الأهالي لمقاومة دعوات بيع الأراضي لليهود بكل وسيلة، وطالب بطرد السماسرة خارج البلاد".

سماسرة فلسطين
جريدة الكرمل تميزت بقدرتها على الاطلاع على كواليس صفقات بيع أراضي فلسطين لليهود، وفضحت كل الوزراء والولاة العثمانيين المتورطين في صفقات السمسرة، وحذرت الأهالي من رهن أراضيهم لدى الشركة الأنجلو – فلسطينية؛ لأنها الوكيل الرسمي للمنظمات الصهيونية.

اقرأ أيضاً: منطق الفرس والعثمانيين
وفي أيار (مايو) 1909 نشرت الكرمل خبراً عن مشاجرات وقعت بين المزارعين اليهود بمستوطنة "الشجرة" وأهالي قريتي كفركنا والرينة، بعد أن اعتدى المستوطنون بالضرب على 8 فلاحين عرب، واعتبر ذلك نتيجة التساهل مع الصهيونية، ولكن مندوب شركة الاستيطان اليهودي "ايكا" قدم احتجاجاً لدى حكومة الاتحاد والترقي، واعتبر هذا الخبر معادياً للدور الاقتصادي الذي يقوم به اليهود بفلسطين، ولذلك صدر أمر بإغلاق جريدة الكرمل لمدة شهرين.
ونتيجة للحملات الصحفية التي شنتها الكرمل ضد الصهيونية، فقد تقدم النواب العرب بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) بطلب إحاطة حول حقيقة الصفقات التي فضحتها جريدة الكرمل، واستطاع النواب أخذ تعهد على طلعت باشا وزير الداخلية بحكومة الاتحاد والترقي بأن "لا يسمح لليهود بامتلاك أراض في فلسطين، وعدم السماح بهجرات يهودية جديدة".

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب

وفي أواخر عام 1910 اهتمت جريدة الكرمل بالأراضي المدورة؛ أي الأراضي التي تنازل عنها أصحابها للسلطان عبد الحميد الثاني تخلصاً من الضرائب، والتي آلت ملكيتها للخزانة العثمانية بعد خلع عبد الحميد عام 1909، لكن الحركة الصهيونية استغلت نفوذ نجيب إبراهيم الأصفر مساعد والي بيروت وكلفته باستئجار هذه الأراضي لصالحها لمدة 99 عاماً، وقد شملت تلك الأراضي مساحات شاسعة من أراضي حيفا ويافا والقدس وطبريا وغزة والخليل، لكن جريدة الكرمل فضحت جريمة نجيب الأصفر، وأشارت إلى أنّ شركة بلجيكية صهيونية هي المستأجر الحقيقي في تلك الصفقة، وبفضل جريدة الكرمل فشل نجيب الأصفر في عقد الصفقة.
وجنّدت حكومة الاتحاد والترقي المناصرة للمشروع اليهودي عدة صحفيين للرد على جريدة الكرمل داخل فلسطين وخارجها، ومولت "متري الحلاج" لإصدار جريدة "جراب الكردي"، والتي اتهمت نجيب نصار بمعاداة العثمانيين، كما نفت أطماع اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأكدت أنّ المهاجرين اليهود يسعون من أجل تحصيل الأرزاق، بل ادعت أنّ المدن الفلسطينية ستشهد حالة الرواج الاقتصادي بعد إنشاء المستوطنات.

مؤامرة التطبيع
مهدي بك تولى حكم القدس في 15 حزيران (يونيو) 1912، والذي عرف بترحيبه بحركة الاستيطان اليهودي، وبعد أسبوع من توليه مهام منصبه زار مستوطنة "ريشون لتسيون"، وألقى خطبة في جموع المستوطنين اليهود جاء فيها: "لقد سمعتم بأنه يوجد أناس يشيعون أن لليهود مطامع سياسية في فلسطين، وهذا ليس بصحيح".
وأكد: "لأننا نحن الأتراك أكثر الناس معرفة بمقاصد اليهود في هذه البلاد، وهي ليست سياسية بل دينية؛ لأنّ هذه البلاد هي أرض آبائهم وأجدادهم". وتابع مهدي بك: "الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان، ولم تنفك عن الترحيب بهم في كل وقت اضطهدوا فيه".

العثماني مهدي بك تولى حكم القدس وأكد أنّ الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان

في ختام خطبته نصح مهدي بك المستوطنين اليهود بإنشاء بلدية وشرطة حراسة تكون على صلة بدوائر السلطة في يافا والقدس لتهب السلطة لنجدتهم عند كل خطر.
جريدة الكرمل انفردت بنشر أخبار زيارة مهدي بك حكم القدس إلى مستوطنة ريشون لتسيون، وعلقت على خطبة الوالي بقولها: "إنّ متصرف القدس يجهل أو يتجاهل المقاصد الاستعمارية للصهيونية"، ورأى نجيب نصار أنّ "بقاء مهدي بك في منصبه بعد خطابه المخزي إنما يدل على رضى حكومة إسطنبول عن أعمال الجمعية الصهيونية، والتي تسعى إلى تأليف قومية صهيونية في البلاد السورية".
جريدة "النصير" العثمانية التابعة لإسطنبول روجت لضرورة التفاهم بين العرب والصهاينة في شباط (فبراير) 1913، لكنّ جريدة الكرمل ردت بقولها: "على ماذا يتفقون؟ أعلى بيع البلاد؟ الصهيونيون يريدون تملك أراضي فلسطين العربية، ألا يكفي ما عندنا من الخونة الذين يدعون الزعامة وهم سماسرة أدنياء النفوس، يمدون أيديهم بكل ذلٍّ ليقبضوا ثمن وطنهم دريهمات معدودة".

الصهيونية: ملخص تاريخها
في كتابه "الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة ١٩٠٥"، كشف نجيب نصار مطامع الصهيونية وتحالفاتها مع العثمانيين. ولفت إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تنفذ مخططاتها في فلسطين والأراضي العربية بحرص وإصرار شديدين، كانت الحكومات العثمانية تغضُّ الطرف، وتقلل من أهمية التحركات اليهودية التي لم تفتر منذ أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟
وتؤكّد المؤرّخة الفلسطينيّة خيريّة قاسميّة، في دراسة عن نصّار، نُشرت في مجلّة "شؤون فلسطينيّة" عام 1973، أنّ الصحافة العربيّة الّتي واكبت ثورة 1908  احتلت دوراً مهمّاً في تنبيه الأذهان نحو الخطر الصهيونيّ. و"كانت الصهيونيّة الشاغل الأوّل للصحافة الفلسطينيّة، ولم تعمل فقط على التنبيه للخطر الصهيونيّ وطرق مواجهته، بل إلى نقل القضيّة إلى خارج حدود فلسطين".
وبسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى فاختفى بعض الوقت، ثم سلّم نفسه فسيق إلى سجن الديوان العرفي بدمشق عام 1918 وبقي فيه إلى أن حكم المجلس العرفي ببراءته فعاد إلى فلسطين، وإلى صحيفة الكرمل يناضل فيها وبها، كما تذكر "الموسوعة الفلسطينية"، حتى وفاته في 12/3/1948 في الناصرة التي نقل إليها إثر اشتداد المرض عليه.

للمشاركة:

30 ألف وثيقة تغطي تاريخ فلسطين والقدس خلال 400 عام

2020-01-14

أدرك الباحثون والعلماء أهمية التوثيق في خدمة القضايا العادلة، ومقاومة النسيان بالمعرفة العلمية القائمة على الحقائق، لا على الافتراضات والزعم. وقد كان هذا دأب المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة الذي وثق تاريخ مدينة القدس وآثارها وكل ما يتصل بها عبر العصور، وأودع ذلك في الكتاب الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية"؛ حيثُ تضمنت هذه الموسوعة أكثر من (٣٠) ألف وثيقة ورسم وصورة وطابع وختم وخريطة غير منشورة من قبل، تُغطي كامل تاريخ فلسطين والقُدس خلال (٤٠٠) عام.

غوشة: اجتهدتُّ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها بالإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم

وتضمنت الموسوعة مُجلدات ومعلومات ووثائق وخرائط تنشر لأول مرة، كون هذه الموسوعة التي تتألف من (٧٠٠٠) صفحة؛ تعدُّ أكبر عمل وثائقي مُصوّر عن فلسطين في العالم.
ويسعى غوشة، الذي دخل موسوعة غينيس كأصغر مؤرخ في العالم، إلى جعل القدس في الضمير الإنساني، حيث يقول في مقابلة صحفية مع جريدة "الخليج" أعمل على أن أدخل القدس "إلى قلب كل بيت عربي لكي لا ننسى مدينة كلما تذكرها العرب تذكروا ماضيهم، وكلما نسوها نسوا حاضرهم ومستقبلهم، وأحاول أيضاً أن أوثق لهذه المدينة العتيقة المظلومة الجريحة، كي تبقى حية لا تغيب عن البال لأنها أمست اليوم مدينة ذكريات ولم تأخذ حقها من الوعي والاهتمام والإعلام".

المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة
وفاز غوشة، مؤخراً، بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية للعام 2020 في السعودية، تقديراً لجهوده التي بذلها للمحافظة على تراث القدس، ولغزارة أعماله حول تاريخ القدس وآثارها عبر العصور، ومن أبرزها موسوعة فلسطين باللغة الإنجليزية، التي تشكل مادة القدس حيزاً كبيراً منها، وتنوع إنتاجه العلمي ليغطي موضوعات إسلامية مختلفة عن القدس.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة
وتضمّنت الموسوعة نحو ثلاثة آلاف وثيقة عثمانية لعائلات فلسطينية، و1200 حجة وقف لعائلات أخرى تثبت أنّ من يملك الأرض هم الفلسطينيون، في حين احتوت ثمانية مجلدات من الموسوعة على 12 ألف رسمة لمؤرخين أوروبيين خلال زيارتهم فلسطين.

كتاب بنحو نصف متر
وفي سبيل المحافظة على ميراث القدس، أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. ويعد الكتاب، كما قال غوشة، "أفخم وأضخم عمل مصور نشر عن قبة الصخرة، وقد كان مهماً جداً بالنسبة لي أن يرى النور على نحو يليق بهذا المكان المقدس، لأنها أجمل وأقدم الآثار الإسلامية التي خلدها التاريخ، حتى نذكر لأولادنا وللجميع أن لقبة الصخرة كتاباً يوثق تاريخها بشكل متكامل من ناحية معمارية وفوتوغرافية". وقال "قمت بتصوير المبنى بشكل كامل بطريقة علمية ومنهجية بحيث كانت الصور دقيقة جداً، وما يميز هذا الكتاب أنّ الصور التي أخذت لقبة الصخرة تغطي المبنى كاملاً دون أن أغفل أية جزئية من المبنى، كما تغطي الصور جميع الزخارف الإسلامية التي تزين المبنى".

أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. وبلغ الكتاب نحو نصف متر ويضم 850 صورة

ويبلغ الكتاب نحو نصف متر. وعن ذلك يقول المؤلف "رأيت أن يخرج الكتاب ويرى النور على نحو يليق بقبة الصخرة، والكتاب يحتوي على صور طولها متران، إضافة إلى صورة تعتبر الأولى من نوعها تجمع قبة الصخرة والمسجد الأقصى المسقوف مع بعضهما، فقد قمت بالتصوير من داخل الأقصى، كما أنّ حجم نصف صفحة يظهر الرسوم الزخرفية بشكل واضح ودقيق، والكتاب يضم 850 صورة وعشرات الرسوم المعمارية، بالإضافة إلى توثيق تاريخي كامل، ولا سمح الله إذا جرى أي تخريب أو حرق أو أي أضرار لقبة السخرة والمسجد الأقصى من الممكن أن يعاد ترميمها استناداً إلى هذا الكتاب ".
وبيّن الدكتور غوشة بأنّه انتقلَ لإنجازِ عمله الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية" بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، باحثاً في الوثائق والمعلومات بهدف إضافة شيء جديد عن القدس وفلسطين في الفترة العُثمانية بحيث ضمّنها كتباً ومصادر ووثائق تاريخية أصلية من أمهات المصادر التي جاءت من الأرشيف والسجلات العثمانية، حيث تم التحقق من تفاصيلها ومعلوماتها بشكل تفصيلي دقيق.

تتألف من 7000 صفحة
الموسوعة تبدأ بالمُجلد الأول الذي تضمن وثائق تاريخية تنشر لأول مرة حول تاريخ فلسطين بطريقة جديدة، لخدمة القدس في نقوش أثرية وخرائط، ووثائق للقدس وأرضها ووقفيات عائلاتها، كما تم الاطلاع على مصادر ضمت الغزاة والسلاطين والمشاهير، وثورة عائلة الجيوسي في القرن السابع عشر وصوراً لعائلة درويش المقدسية وخريطة لعكا قُبيل غزو نابليون لها وهزيمته على أسوارها، والسلطان مراد الرابع، وصوراً لأعضاء مجلس "المبعوثان" العثماني من المقدسيين ومدينتي نابلس وعكا، وزيارة الإمبراطور وليام الثاني للقدس، وصوراً لإنشاء السكة الحديدية الفلسطينية والتي كانت حدثاً متفرداً؛ إذ لم يكن هُنالكَ قطار في باريس، وصوراً للزلزال الذي ضرب القدس، وصُوراً لدقائق الحياة الاقتصادية وأوجُهها في فلسطين في العهد العثماني كأسعار البضائع والسلع المتنوعة.
أطلس فلسطين عام 1865
وركزت الموسوعة في مُجلدها الثاني على خريطة فلسطين والقدس خلال القرون الخامس عشر وحتى السابع عشر، مُحتوية وثائق من المَتاحف الأوروبية حول خريطة فلسطين والتغلغل الأوروبي ثم الحركة الصهيونية ثم توثيق فلسطين و(تشارلز ولسون) وأطلس فلسطين عام 1865، فيما احتوى مُجلدان آخران على الوقفيات في فلسطين وقضايا الطابو، لحوالي (500) عائلة فلسطينية تؤكد مُلكيتها لأراضي فلسطين خلال الفترة من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر في مُدن الرملة ويافا والخليل والقدس، وغيرها من مدن وقرى فلسطين.

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل
فلسطين، كما يؤكد غوشة، كيان موجود منذ الأزل ولهذا الشعب قضيتة المُثبتة عبر الوثائق مُنتقلاً إلى جزء تضمن ثمانية مجلدات عالجت دراسات المستشرقين في فلسطين منذ (1516- 1778) منذُ حملة نابليون، فالحكم المصري، والتنظيمات العُثمانية، ثم حقبة السلطان عبد الحميد الثاني، لافتاً إلى ضعف الإنتاج التوثيقي للعرب والمسلمين في هذه الحقبة الزمنية والتي سبقهم إليها الأوروبيون، منوهاً إلى صدور كتاب عن فلسطين في العام 1589، مقارناً بذات الوقت كيف تناول المستشرقون فلسطين وكيفَ درسوها ووثقوها أرضاً وشجراً وطيراً وإنساناً مما يدُل على قيمتها ومكانتها وثرائها، فيما كان الجهد العربي ضعيفاً وغير كافٍ، مُوضحاً أنّ تاريخ فلسطين تاريخٌ عريق تم توثيقه بشكل علني وعبر الكثير من الوثائق التي تناولت مُدن نابلس وحيفا والقدس وعكا و(أحمد باشا الجزار) وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
المكتبات والمخطوطات في القدس
مُجلّد آخر في الموسوعة يتحدث حول المكتبات والمخطوطات والمعارف بيّن من خلاله المؤلف أنّ الاهتمام بالعِلم والمِعرفة كان من أولى أولويات المقدسيين، استعرض فيه عدداً من الصور والمخطوطات وأرفف ووقفيات المكتبات الفلسطينية، لافتاً إلى أمثلة منها كوقفية عائلة الدويك ومخطوطات عائلة الحُسيني ووفقية الكُلية الصلاحية والمكتبة الخالدية لعائلة الخالدي المقدسية.
وضمت الموسوعة مُجلداً احتوى صوراً للمُدن والقرى والخِرَب الفلسطينية وتفاصيلها كمدُنِ يافا وعكا وغزه وطبريا والّلد وجنين، وبيت عور.

اقرأ أيضاً: هل توارت البرجوازية الفلسطينية عن المشهد الوطني بعد النكبة؟
وعن الإسلام في فلسطين ضمنت الموسوعة صوراً تاريخية للجامع الأبيض، والجامع العُمري، وجامع الجزار، والمسجد الأقصى المبارك، الذي يحظى بقدسية عالية من كافة زواياه وتفاصيله، ابتداء من باب السلسلة لشوارع القدس القديمة، والكنائس وانتقالاً إلى كنيسة القيامة ورحابها وكنيسة المهد وكنائس القدس كافة، وجبل الكرمل ودير الكرمليين.
  غوشة خصص في موسوعته مجلداً "لبوسطة فلسطين وبريدها ورسائلها" خلال الفترة 1834- 1918 احتوت صوراً للرسائل والأختام والتلغراف في مدن القدس وطبريا ونابلس، مما يُدللُ على أنّ أهل فلسطين كانوا متعلمين وليسوا أمُيّين، كما استعرضَ التراث الفلسطيني واللباس التقليدي الفلسطيني.

برية فلسطين
كما تناول غوشة في مُجلّدٍ آخر "برية فلسطين" من خلال ما رصده من رسومات وصور المستشرقين الذين درسوا نباتات وزهور وحيوانات فلسطين، وزواحفها وقوارضها وحشراتها وأشجارها وأسماك طبريا ويافا، وطيور القدس.
  وختم غوشه موسوعتة بمُجلد حزينٍ تناولَ فيه (فلسطين في الحرب العُظمى) مُنذُ 1914-1918 والتي هُزِمَ فيها الجيش العثماني ودارت رحاها في مُدن القُدس وغزة وغيرها من المُدن، حيثُ خاض الجنود والقادة العثمانيون معركة طاحنة واستقبلهم جمال باشا الشقيري الأنصاري، وجاءت المدفعية الهندية والبريطانية ثم سقطت القدس واستسلم العثمانيون إلى أن أعلن عزت باشا استسلامهم وسقوط القدس.

د. مهند مبيضين: غوشة مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، اعتكف بين الكتب والمراجع والمخطوطات ليثبت عروبة فلسطين

وحول الأرشفة الإلكترونية أكد غوشة: "لقد اجتهدتُ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها باللغة الإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم وليس العرب وحسب؛ لأنّ القدس موجودة في الوجدان العربي ولكننا بحاجة لتعريف الغرب بفلسطين سيّما بأنهم هم من حفروا اسمها بأقلامهم حين درسها المستشرقون، ودأبوا على دراسة كل شيء فيها عبر مُستكشفاتهم، للاستيلاء على الأرض، ولتوضيح نصوص توراتية، ونحن لم نتعاطَ مع العمل الأكاديمي بمهنية".
أما عن القدس وقيمتها التاريخية والإنسانية، فقال غوشة: "فلسطين دون القدس لا تكون، فالقدس مدينة روحانية عقائدية متُجذرة ليست ككل المدن، فالقدس منبع الجمال والإبداع وهي التي كُرِّمت في جميع الديانات وهي ثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي القبلة الأولى وهي من جمعت الأنبياء جميعاً".
الباحث د. مهند مبيضين وصف غوشة بأنّه "مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، يتمتع بالاخلاق والتواضع ويمنح من يأتيه ما يحتاج من وثائق موجودة عنده. اعتكف محمد هاشم غوشة بين الكتب والمراجع والمخطوطات سنوات مديدة ليرصد ويوثق تفاصيل تثبت عروبة فلسطين، سارداً إياها في أكبر موسوعة كتبت باللغة الإنجليزية، ليضعها بين يدي عالم لا يحترم إلا الوثائق والشواهد، وقد وصلت موسوعته إلى مختلف مكتبات العالم".

للمشاركة:

"سفر برلك": من صحراء مدينة مكة إلى محطة الحجاز في دمشق

2020-01-05

تشير عبارة "سفر برلك"، التي تعني النفير العام أو التأهب للحرب، إلى "الفرمان" الذي أصدره السلطان العثماني محمد رشاد، بتاريخ 3 آب (أغسطس)  1914، ودعا فيه الرجال الذين يبلغون من العمر بين 15 و45 عاماً، من العثمانيين/ الأتراك أو العرب، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان ذلك قبل ثلاثة أشهر تقريباً من قيام الحرب العالمية الأولى، في 28 تموز (يوليو) 1914، استعداداً من الدولة العثمانية للوقوف إلى جانب ألمانيا في الحرب، وشكّلت تلك المرحلة أيضاً بداية انهيار الدولة العثمانية، وسقوطها عام 1923.

في رواية "سفر برلك"، للروائي السعودي مقبول العلوي، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، عام 2019، والتي دخلت القائمة الطويلة لترشيحات جائزة "البوكر" العربية 2020 مؤخراً؛ لا يمكن أيضاً النظر إلى هذه المرحلة، التاريخية والمفصلية والحساسة، على أنّها مسرح مغرٍ لبناء عمل روائي، يمزج يين التاريخ والخيال، رغم أنّ هذا المزج هو أساس الرواية، لكنّه ليس الهدف، وهذا ما قد يستنتجه قارئ الرواية؛ إذ إنّ قصة بطل الرواية "ذيب"، هذا الفتى الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، الذي اختُطف من صحراء مدينة مكة من قبل عصابة قطاع طرق، وبيع في سوق العبيد في المدينة المنورة، هي محور الرواية، و"ذيب" هو راويها العليم.

"سفر برلك" رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق

ولعلَّ الروائي لو لِعبَ دور الراوي العليم، الذي يروي قصة "ذيب" بدلاً منه، لفقدت الرواية بعض ألقها.
"ذيب"، بوصفه صوتاً روائياً وراوياً لقصته، جعل الحكاية (البناء السردي المتخيل للرواية) تفرض الفترة الزمنية/ التاريخية نفسها، وأحداثها المؤرخة في كتب التاريخ، على الحكايات الشخصية لأبطالها.
صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ، وإذا كان الأخير يبدأ من سؤال: "ماذا حدث؟" فالأديب والعمل الروائي عموماً، يطرحان سؤالاً مختلفاً، وهو: "كيف حدث؟".

غلاف الرواية
سؤال "كيف حدث ذلك؟"، هو سؤال روائي بامتياز، يُتيح للتفاصيل الصغيرة أن تحرك الجمود والمخفي في الأحداث الكبيرة، وهذا ما يميز رواية "سفر برلك".
فلولا اختطاف "ذيب" من قبل قطاع طرق في صحراء مدينة مكة واقتياده للمدينة المنورة لبيعه في سوق العبيد، لما تقاطع مصيره الشخصي بمصير مدينة بأكملها؛ حين أطبق الأمير العثماني، فخري باشا، الحصار على المدينة المنورة، وارتكب المجازر بحقّ أهلها، وهجّرهم منها، عبر خطفهم من شوارع المدينة، وزجّهم بالقطار المتجه إلى دمشق.

صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ

كما أنّ رحلة "ذيب" من مكة إلى المدينة المنورة، ثم توقّفه في مدينة تبوك، ووصوله أخيراً إلى مدينة دمشق، لا تعكس فقط تقاطع الشخصي في العام، بل تطرح الرواية هنا وجهة نظر، أو ربما حكمة ما؛ هي أنّه ليس من الضروري أن يحدّد حدث تاريخي كبير مصير فرد ما، فالحوار الذي يجري بين "ذيب" والوجيه عبد الرحمن المدني، الرجل الذي اشتراه من قاطع الطريق الذي اختطفه، يعكس ذلك؛ إذ يقول الوجيه لذيب: "لا أريدُ عبداً في بيتي ولا جارية، فكلُّ مَن في هذا المنزل هُم بمكانة أبنائي، وأتعاملُ معهم بهذا المفهوم (...)، لقد دفعتُ فيكَ ذلك الثمن الباهظ من الجنيهات الذهبيَّة لأنَّني شعرتُ أنك لست من العبيد، عندما رأيتك للمرَّة الأولى في دكّة حوش العبيد معروضاً للبيع، شعرت أنّ وراءك حكاية ما، فلا سيماء وجهك، ولا هدوؤك، يدلّان على أنَّك عبد!" يقول هنا ذيب: "ثم وصفني بكلمة هي أقرب إلى الصواب، ولا أعرفُ كيف لم تخطر لي على بالٍ من قبل، فقد قال عنِّي: " أنتَ ضحية ظروفٍ ما صعبة"".
إذاً هذه "الظروف الصعبة" قد تحدّد مصيرنا، لا بل من الممكن أن تغيّرها بشكل جذري، ومن الممكن أن تُكتب لنا النجاة من هذه المصائر.

اقرأ أيضاً: سفر برلك.. كيف عبر الوجدان الشعبي العربي عن استبداد الأتراك؟
لا يمكن أيضاً تجاهل الأسلوب الذي كُتبت فيه الرواية، فالأسلوب لعب دوراً في عملية سرد مكثفة، بعيداً عن الإسهاب؛ إذ يبدو واضحاً إدراك الروائي، مقبول العلوي، لحساسية التعامل مع لغة السّرد داخل الرواية، فالراوي وبطل الرواية فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، وأحداثها تدور في مرحلة تاريخية مفصلية، تجاور ظرفه ورحلته والمحن التي تعرض لها، بمرحلة عمرية انتقالية أيضاً، من الطفولة إلى الرجولة، وهذا يشير إليه الروائي على لسان بطله، ذيب، عندما يمرُّ بأول علاقة جنسية مع مرجانة، الفتاة التي تخدم في بيت الوجيه عبد الرحمن المدني، إذ يقول: "لم يجمعني فراشٌ من قبل بأيّ امرأة، ليست لي دراية بالنساء، ولم ألمسْ امرأةً في سابق سنوات عمري، كنت سعيداً وخائفاً ومرتبكاً في الوقت نفسه، ولا أعرف ماذا سأفعل حيال هذا الأمر (...) فقد أحسستُ بجلدي القديم يتقشَّر من فوق جسدي (...)، وحينئذ أدركتُ أنَّني قدْ خرجتُ من إهاب الطفولة إلى الرجولة المكتملة، رغم أنَّ سنِّي لم تتجاوز السادسة عشر".

الروائي السعودي مقبول العلوي
يشعر القارئ بأنّ اللغة المستخدمة عبارة عن طبقات من الأصوات متداخلة في بعضها، صحيح أنّ الراوي فتى يافع في مقتبل العمر، لكن إذا عدنا لفكرة المصير الشخصي/ الفردي، فإنّ تفوّق ذيب في الكتابة والقراءة قد لعب دوراً في نجاته من مصير أسوأ؛ إذ يعود الفضل في تعلّمه إلى خاله، مانع، الذي أصرّ على أن يعلّم ذيب في طفولته القراءة والكتابة وتلاوة القرآن، إضافة إلى شغف الاطّلاع الذي يتمتع فيه ذيب، والذي كان السبب في وجوده وعمله مع الوجيه عبد الرحمن المدني، الشغوف بقراءة المخطوطات، ونسخها من المكتبة الكبيرة في المدينة؛ مكتبة "عارف حكمت".

اقرأ أيضاً: هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟
يقول ذيب أثناء وجوده في هذه المكتبة: "قضيتُ بعض الوقت في المكتبة؛ قرأت صفحات من بعض الكتب لزيادة معرفتي وتطوير ذاتي، فالمعرفة سلاحٌ يجعلك على استعدادٍ كافٍ لمجابهة الجهل، كما قال لي أحدُ شيوخي في حلقة من حلقات التعليم في الحرم المكيّ".
رواية "سفر برلك"؛ عن رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق، إنّها رحلة حياة ذيب، الذي كان شاهداً على العبودية والاستعباد والتهجير، وضحايا الظروف الصعبة.

للمشاركة:



ما حقيقة المظاهرات المؤيدة للنظام الايراني في الخارج؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تهجّم موالون للنظام الإيراني على متظاهرين إيرانيين نفذوا وقفة احتجاجية في العاصمة الفرنسية، باريس، للتنديد بالقمع الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية.

وتداول ناشطون إيرانيون مقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي تظهر قيام موالين لجماعة "حزب الله" بضرب متظاهرين إيرانيين تجمعوا، أمس، في باريس، وفق ما أوردت "العربية."

موالون لحزب الله يعتدون على متظاهرين إيرانيين خرجوا تنديداً بالقمع الذي يمارسه النظام الإيراني على المواطنين

وذكر ناشطون أنّ النظام الإيراني دعا مؤيديه في عواصم الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي إلى تنظيم مظاهرات لدعمه عن طريق بعض جماعات اليسار تحت ذريعة "مناهضة الحرب".

وأكدوا أنّ أحد مؤيدي ميليشيات "حزب الله" اللبنانية، الذي يدعى عبد القادر دهماني، قام بتنظيم تجمّع مؤيد للنظام الإيراني في باريس، وقام بنفسه بالتهجم والاعتداء بالضرب على متظاهرين إيرانيين بينهم نساء، تجمعوا للتنديد بسياسات نظام طهران.

وكتب الناشط والصحفي الإيراني، بابك تقوائي؛ أنّ عبد القادر دهماني "ينشر عبر حسابه على فيسبوك أنشطته الداعمة للنظام الإيراني، كما يزور دوماً سفارة النظام الإيراني في باريس، وله صور إلى جانب مقرّ سكن الخميني السابق في ضاحية نوفل لو شاتو".

كذلك كتب ناشط إيراني آخر، في تعليق على أحد المقاطع: "أعضاء من الحزب الشيوعي الفرنسي إلى جانب مؤيدين لحزب الله وحماس في باريس، يهاجمون الإيرانيين المعارضين لجمهورية خامنئي في إيران".

بدورها، كتبت ناشطة إيرانية في تغريدة: "مجموعة من اليساريين، بالتعاون مع جماعات ضغط تابعة للملالي (وهي النسخة الفرنسية للوبي الإيراني في أمريكا) أطلقت مظاهرات مناهضة للحرب ودفاعاً عن الملالي".

ناشطون: النظام الإيراني دعا مؤيديه في غربية إلى تنظيم مظاهرات لدعمه تحت غطاء جماعات اليسار

وأضافت: "ذهبنا إلى هناك لنقول "لا للحرب ولا للملالي" لكن مجموعة "لا للحرب مع إيران" قاموا بضربنا".

وكانت إيران قد شهدت مظاهرات قبل أسبوعين تخللتها هتافات منددة بالمرشد الإيراني، علي خامنئي، والسلطات، وطالب المحتجون المرشد بالرحيل، وهتفوا: "النظام يرتكب الجرائم وخامنئي يبرر"، و"الموت للولي الفقيه"، و"قاتل وحكمه باطل"، وفق مواقع إيرانية.

كما قام المحتجون بتمزيق صور لقاسم سليماني، رئيس فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، الذي قتل في غارة أمريكية بالعاصمة العراقية، بغداد، يوم 3 كانون الثاني (يناير) الجاري.

 

 

للمشاركة:

حكومة الوفاق تواصل خرق اتفاق برلين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

تواصل حكومة الوفاق الليبية خرق بنود اتفاق برلين الذي عقد برعاية دولية، بما يتعلق بتوافد المرتزقة السوريين إلى طرابلس، من قبل الحكومة التركية.

وفي السياق. قال المتحدث باسم "قوات سوريا الديمقراطية"، مصطفى بالي؛ إنّ "تركيا نقلت نحو 6 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان إلى الأراضي الليبية للقتال بجانب قوات الوفاق."

مصطفى بالي: تركيا نقلت نحو 6 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان إلى الأراضي الليبية

وأوضح بالي، في تصريح صحفي نقلته وكالة "بوابة افريقيا" الليبية، أنّ غالبية المسلحين المنتقلين إلى ليبيا ينتمون إلى فصائل مسلحة سورية موالية لأنقرة، بالإضافة لعناصر من تنظيم الإخوان، مؤكداً أنّ نعوش عدد من "المرتزقة" الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا بدأت في التدفق على سوريا؛ حيث وصل العشرات منها خلال الأيام الماضية إلى مدينتي إعزاز وجرابلس (شمال سوريا)".

وكان مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، قد أعلن أنّ عدد القتلى في صفوف مرتزقة أردوغان "بلغ 28 مقاتلاً من فصائل "لواء المعتصم"، و"فرقة السلطان مراد"، و"لواء صقور الشمال"، و"الحمزات"، و"سليمان شاه""، مضيفاً: "القتلى لقوا حتفهم خلال الاشتباكات على محاور حي صلاح الدين جنوب طرابلس، ومحور الرملة قرب مطار طرابلس، بالإضافة لمحور مشروع الهضبة، فيما يتم إسعاف الجرحى والقتلى إلى 3 نقاط طبية، هي: مصحة المشتل، ومصحة قدور، ومصحة غوط الشعال"

رامي عبد الرحمن يعلن أنّ عدد القتلى في صفوف مرتزقة أردوغان في ليبيا بلغ 28 مقاتلاً

هذا وقد أفاد المركز الإعلامي لغرفة عمليات الكرامة، أمس، بوصول 4 مرتزقة سوريين إلى مستشفى "غوط الشعال التخصصي".

وقال المركز، في منشور عبر صفحته الرسمية في فيسبوك: إنّ "السوريين أصيبوا إصابات خطرة بعد هجوم على تمركزات للجيش الليبي، ونُقلوا إلى المستشفى، وسط حراسة وتكتم شديدين".

 

للمشاركة:

تحرّك حزبي ونقابي.. هل يعيد الزخم إلى تظاهرات الجزائر؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

أعلنت أحزاب سياسية وتنظيمات مدنية ونقابية في الجزائر، أمس، التزامها بتوحيد صفوف حركة الاحتجاج الشعبي في البلاد، والتحدث بصوت واحد في مواجهة نظام تتهمه بـ "الاستبداد ".

وناقش تحالف المعارضة، المنضوي تحت مظلة "ميثاق البديل الديمقراطي والسيادة الشعبية"، في جلساته التي حضرها نحو 200 مشارك، وفق وكالة "فرنس برس"، الوضع السياسي في البلاد، بعد الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول(ديسمبر) الماضي، التي رفضها الحراك بشكل واسع، لكنها أفضت إلى فوز عبد المجيد تبون وتشكيل حكومة جديدة.

وتشكّل "ميثاق البديل الديمقراطي" بعد رحيل الرئيس، عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان(أبريل) الماضي، الذي أُجبر على الاستقالة تحت ضغط الحركة الاحتجاجية الشعبية. ويهدف إلى إيجاد إطار قانوني لتغيير "النظام" الحاكم منذ استقلال البلاد في عام 1962، لا سيما من خلال إنشاء المؤسسات الانتقالية.

أحزاب سياسية وتنظيمات مدنية ونقابية تعلن التزامها بتوحيد صفوف الاحتجاج في مواجهة النظام

ويضم أحزاب "جبهة القوى الاشتراكية"، و"التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، و"العمال"، إلى جانب الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمة "تجمع عمل شباب"، التي يقبع رئيسها حالياً في السجن.

وقال رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباي؛ إنّ الحراك الذي بدأ في 22 شباط (فبراير)، وضع أُسُساً صلبة لبناء دولة القانون ومجتمع تقدمي كي يطوي صفحة الدكتاتورية العسكرية بصفة نهائية". 

ورداً على موجة الاحتجاج، عرض الرئيس تبون (74 عاماً)، الذي كان من المقرّبين من بوتفليقة، الحوار على الحراك مباشرة بعد استلام مهامه، وتعهّد بتعديل الدستور وأُنشئت لجنة خبراء لهذا الغرض.

وبدأ الرئيس الجزائري، الذي يحاول إرضاء معارضيه، مشاورات مع شخصيات سياسية يعتبر بعضها قريباً من الحراك،  من أجل وضع "دستور توافقي" وعرضه لاستفتاء شعبي.

وقال تبون: "سيتم أخذ كلّ الآراء في الاعتبار فيما يتعلق بالمنهجية الواجب اتباعها، وأيضًاً المشكلات التي تعاني منها البلاد".

ومقابل هذا الاقتراح؛ دعا نائب رئيس رابطة حقوق الإنسان، سعيد صالحي، إلى "استرجاع زمام المبادرة السياسية بحيث نكسر أجندة السلطة التي تعمل في غير صالحنا".

وتابع: "بعد شهر سنحيي الذكرى الأولى للثورة، واليوم الشارع يمثل ميزان قوة (في مواجهة السلطة) لكن هذا غير كاف، علينا المبادرة".

وفي إجراء تهدئة تجاه الحراك، تمّ الإفراج عن 94 سجيناً خلال الأسابيع الماضية، بحسب اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين، التي ذكرت أيضاً؛ أنّ 124 معارضاً ما يزالون في السجن.

ومع اقتراب الذكرى الأولى للحراك، في 22 شباط (فبراير)، ما تزال التعبئة كبيرة، في يومَي الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع، في العاصمة ومدن أخرى، رغم تراجع زخمها مقارنةً بالمسيرات الحاشدة التي خرجت في ربيع 2019، أو حتى بالمقارنة مع الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية.

وحتى داخل الحراك، يتساءل كثيرون عن الاتجاه الذي يجب أن تتخذه هذه الحركة الاحتجاجية السلمية والتعددية، في ظلّ غياب أيّ تنظيم رسمي لها.

 

 

للمشاركة:



اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

مثل مقتل قاسم سليماني القائد السابق لفيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني اختبارا جديا للمفاهيم التي حملتها ثورة الخميني في 1979، وهي مفاهيم تقوم على عنصر رئيسي هو الحكم الذي يستمد مقاربته من مرجع أعلى يأخذ تعليماته من جهة خفية، ولذلك تراه يستند إلى النص الديني لإكساب هذا الدور قدسية لا ترقى إلى أيّ نقد أو تشكيك، لكن الهجوم الأميركي هز تلك الصورة وأظهر أن مصادر القوة لـ”الولي الفقيه” لا تستطيع حمايته، فضلا عن بناء دولة قادرة على مواجهة “الشيطان الأكبر” وهزمه.

بعد الضربة القاصمة التي هزت ثقة الناس في حكم رجال الدين، بادر المرشد الأعلى علي خامنئي إلى الاحتماء بالنص الديني لتبرير السكوت على الهجوم والعجز عن حماية ذراعه اليمنى قاسم سليماني، وقدم تفسيرا يحوّل الهزيمة إلى نصر مؤجل مستشهدا بآية من سورة إبراهيم “ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكّرهم بأيام الله”.

تلا المرشد الأعلى الإيراني هذه الآية على مسامع الآلاف من المصلين، الذين احتشدوا لأداء فريضة يوم الجمعة، للإيحاء بأن الضربة هي يوم من أيام الله، في تفسير قدري تبريري للفشل بالتصدي للهجوم، مذكرا الناس بما وصفها “نعما جلبها حدثان مختلفان في خمسة أيام”.

وأشار إلى النعمة الأولى بأنها “أكبر موكب جنازة في العالم”، حيث اجتمع الإيرانيون لتشييع قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، الذي قُتل في غارة شنتها الولايات المتحدة على موكبه في بغداد في الـ3 من يناير.

وتمثّلت الثانية في إطلاق طهران لصواريخ من أراضيها نحو قاعدتين عسكريتين أميركيتين في أربيل وعين الأسد غرب بغداد في الـ8 من يناير. وقال المرشد حينها إن الهجوم يعدّ “لطمة على وجه” الولايات المتحدة.

وبعثت اللغة التي وظفها القائد البارز برسالة واضحة للسياسيين الإيرانيين وإلى بقية العالم مفادها أن هامش المناورة محدود، وأن كل الاستعدادات الإيرانية لمواجهة الولايات المتحدة لا تتجاوز الشعارات والوعود.

ويعتقد المحللون أن هامش المناورة أمام المرشد بات محدودا في إقناع الإيرانيين بالأيديولوجيا المرتبطة بجهات خارجية خارقة يستمد منها العون والقوة والتحدي. لقد بات الأمر بمثابة نكتة سمجة، إذ اكتشف الأتباع أن سليماني مات، وهو يقاتل لوحده، ولم تنجده أيّ قوة خارقة بما في ذلك قوة المرشد، وهو ما سيدفع السلطات إلى المزيد من التطرف سواء في إسكات النقد بالداخل، أو في إطلاق أيدي الحرس الثوري والميليشيات الحليفة في الخارج.

معركة خلافة

شكّل مقتل سليماني ضربة كبيرة لإيران في الداخل والخارج، ووجهت العملية بأكملها “لطمة” لخطط المرشد الأعلى الذي كان يعوّل كثيرا على مساعده الأقرب في تدعيم أركان النظام الديني بعد موت خامنئي ذاته.

ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز عن محلل سياسي إيراني موال للتيار الإصلاحي قوله “نشهد ألعابا محلية وأجنبية معقدة جدا وترتكز جميعها على مسألة من يخلف خامنئي”، مضيفا أن “إعطاء المزيد من التمكين لعناصر الحرس الثوري، سياسة متعمدة لجعلهم القوة المهيمنة حتى يتمكنوا من لعب الدور الرئيسي في انتقال السلطة”.

وتزامن دعم خامنئي للحرس الثوري بعد مقتل سليماني، ورغم مسؤولية هذا الجهاز الأكثر قوة في إيران عن إسقاط الطائرة الأوكرانية بعد ساعات من الهجوم على القوات الأميركية، وذلك في ظل معركة غير معلنة على الخلافة على منصبه حيث ستحدد هوية الشخص الذي سيخلفه في التحكم بمصير إيران لعقود.

ويقول مهدي خلجي، الزميل في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن موت سليماني يجعل الوضع أكثر تعقيدا في مجلس الخبراء المكلف بموجب الدستور باختيار خليفة للمرشد في حال موته، إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريباً، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل – بما فيها “الحرس الثوري”- سلطة محورية ترسي عليها أساساً جديداً للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطراً وجودياً على النظام ككل.

ويوضح في السياق ذاته أن “آيات الله الثمانية والثمانون الذين يشكلون مجلس الخبراء يعتمدون على جهات فاعلة من الخارج، ولاسيما الحرس الثوري. فعادةً ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر الحرس الثوري، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية والأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس”.

ويعتمد النظام الديني الإيراني على “ولاية الفقيه” التي تخول للشخص تولي السلطة الشاملة لـ”الإسلام الشيعي”، وفقا للتفسير الذي يفرضه السياسيون المتشددون. ويختار رجال الدين في مجلس الخبراء الزعيم الديني ويجب أن يعامل كما لو كان الله من عيّنه في منصبه لحكم العالم الإسلامي، لكنّ السياسيين الإصلاحيين يرفضون هذا التفسير الديني ويطالبون بعملية أكثر ديمقراطية من خلال الانتخابات.

وكانت هذه التفسيرات المختلفة جوهرا للصراع السياسي الإيراني منذ سنة 1989 عندما تولى خامنئي منصب المرشد خلفا لروح الله الخميني الذي أصبح زعيم الثورة الإسلامية في 1979. ومنذ ذلك الحين يعتمد خامنئي، الذي لم يتمتع بكاريزما سلفه ورتبته الدينية العالمية، على الدستور مما مكنه من “سلطة مطلقة” على جميع شؤون الدولة.

وعمل خامنئي على توسيع نفوذ الحرس الثوري وحوّله إلى ذراعه اليمنى في ممارسة السلطة لقمع أيّ احتجاجات تطال النظام الديني في إيران.

ويتوقع محللون أن يسرّع خامنئي من جهوده لتقوية الحرس الثوري أكثر على خلفية الأحداث الأخيرة التي شهدتها إيران سواء في الداخل على مستوى الاحتجاجات أو في الخارج على مستوى قيادة ميليشياتها المختلفة.

ويقول أحد المطلعين على سياسات النظام الإيراني “عندما يموت خامنئي سيتولى الحرس الثوري السيطرة على البلاد بالكامل حتى يتمكن مجلس خبراء القيادة من اختيار قائد جديد”، مشيرا إلى أن الحرس الثوري سيكون القوة العليا القادرة على التأثير على عملية اختيار خليفة خامنئي وكبح أيّ أزمات محتملة والحفاظ على الأمن.

قوة الحرس الثوري
يشكل الحرس الثوري الإيراني، الذي يبلغ عدده 120 ألف عسكري، المؤسسة الإيرانية الأكثر تنظيما مما يمنحها النفوذ الأكبر في عملية اختيار الخليفة. كما يسيطر هذه الجهاز على قوة من المتطوعين الذين تصل أعدادهم إلى الملايين مما يزيد من قدرته على التأثير.

وينتشر السياسيون المقربون من الحرس الثوري في مؤسسات مختلفة في إيران مثل مكتب المرشد الأعلى والرئاسة والبرلمان والقضاء. وتتمتع هذه القوة بمصالح في الاتصالات والتجارة والبتروكيماويات وغيرها من القطاعات الأخرى، وهو نفوذ حاول الرئيس حسن روحاني كبحه في السابق عبر الاستغناء عن العقود في الشركات المملوكة للدولة.

كما يدير الحرس الثوري جهاز المخابرات المسؤول عن سجن المئات من الناشطين المؤيدين للديمقراطية، والمواطنين الحاملين لجنسية مزدوجة والمتهمين بالتجسس. وفي حين يحمل الحرس الثوري قدرة كافية على التأثير على خامنئي حيث يقول المحللون إنه يظل مواليا له ويحترم كلمته الأخيرة في جميع الشؤون. ومع ذلك، قد لا يتمتع المرشد الأعلى القادم بنفس القدر من السلطة.

ويقول مهدي خلجي إن “سليماني كان يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصاً قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية”، مضيفا أن “الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه – شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية- والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة إلى طهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكداً”.

وتبرز الأحداث الأخيرة في إيران، وفقا للعديد من المتشددين، الحاجة إلى وجود زعيم براغماتي آخر على استعداد للوقوف في وجه الولايات المتحدة ويرفض تكهنات الإصلاحيين الذين يرون أن الإيرانيين سيريدون أن تكون صلاحيات المرشد الأعلى المقبل مناسبة لمنصب صوري وليس لشخصية قوية أخرى.

ويقول أمير محببيان، وهو صحافي مقرب من المحافظين، إن “الحرس الثوري أصبح في موضع قويّ حيث لا يهدد أيّ زعيم مستقبلي مصالحه. نحن في حالة طوارئ دائمة مما يجعلنا بحاجة ماسة إلى الاستقرار في بلد مرّ بفترات انعدم فيها الأمن مما خلق خوفا مستمرا من زعزعة الاستقرار”.

ويؤكد الحرس الثوري الإيراني التزامه بواجبه الدستوري الذي يفرض عليه الحفاظ على البلاد كما يرى نفسه المسؤول عن “تحقيق المهمة الأيديولوجية الأساسية المتمثلة في الجهاد في سبيل الله”.

منْ المرشد بعد المرشد؟

تحوم تكهنات في الداخل الإيراني حول الشخص الذي ستفضله قيادة الحرس الثوري، ويتوقع محللون نظرا إلى الأحداث الأخيرة أن تميل المؤسسة العسكرية في إيران إلى نجل خامنئي الثاني، مجتبى، على الرغم من أنه لم يحقق الكثير في حياته الدينية والسياسية. ويدرّس مجتبى البالغ من العمر 51 عاما في مدينة قم، التي تعتبر مركز تعليم مهمّ للشيعة في إيران، مما يمنحه رتبة دينية رفيعة وضرورية لتولي دور المرشد الأعلى. وقال أحد أقاربه إنه “يتبنى أفكارا مماثلة لوالده ونظرة ثاقبة في القضايا السياسية والعسكرية. كما تجمعه علاقات جيّدة مع الحرس الثوري. ورغم أنه لا يتمتع بسلطة والده، إلا أنهم لن يستطيعوا مواجهة كلمته”.

ويرى المقرّب من النظام في مثل هذا الاختيار عاملا سيحوّل المنصب إلى عنصر يذكّر بالملكية الوراثية التي أطاحت بها الثورة الإسلامية قبل أكثر من 40 سنة.

كما يعدّ إبراهيم رئيسي المرشح المحتمل الآخر، وهو رئيس السلطة القضائية المتشدد والذي خسر الانتخابات الرئاسية في 2017 ليتحوّل إلى شنّ حملة ضد الفساد.ويقول أحد المحللين المحافظين “تحدد الفوائد السياسية والتكاليف اختيار القائد، حيث يجب أن تكون المنافع مشتركة وتخدم مجموعات من المصالح المختلفة. يجب أن تتأكد الجماعات السياسية والمجتمع من أن هذا الاختيار يتناسب مع مصلحتهم”.

ويقول أحد أقرباء المرشد إن “التطورات الأخيرة كانت بمثابة دعوة للاستيقاظ، لتذكرنا بأن الولايات المتحدة يمكنها خوض حرب مع إيران في أيّ وقت، ونحن بحاجة إلى زعيم شجاع آخر قادر على الحفاظ على استقرار البلد”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تركيا تُحوّل عفرين إلى ساحة للجريمة المُنظّمة والتطهير العرقي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

جنكيز أكتار

حلّت قبل أيام الذكرى الثانية لبدء احتلال عفرين. هذه المنطقة التي يعيش فيها شعب لم يُلحق أي ضرر بتركيا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سورية عام 2011، لكنّها تعرّضت للعدوان من قبل تركيا نفسها.
إن الأنباء التي استطاعت أن تتسرب من المنطقة الخاضعة لتعتيم إخباري أنباء مخزية؛ فوفقًا للمعلومات التي يجمعها باستمرار المرصد السوري لحقوق الإنسان، ومقره لندن، تحولت عفرين الخاضعة لسيطرة تركيا إلى ساحة للجريمة المنظمة.
وعلى حين كان تعداد السكان الأكراد في المنطقة التي يعيشون فيها منذ تاريخ طويل 92 في المئة قبل الاحتلال، فقد أصبح اليوم 18 في المائة. صارت جرائم الغصب والسلب والنهب وطلب الفدية والابتزاز والاغتصاب والدعارة والضرب والقتل والدمار البيئي جزءًا من الحياة اليومية.
التطهير العرقي وإعادة تشكيل الديموغرافية السكانية والإبادة الجماعية الثقافية كلها تتنامى معًا، وبأقصى سرعة. وقد نشر بيان حول هذه الأوضاع المخزية الراهنة من قبل مركز معلومات روجافا.
بالطريقة نفسها، دعونا نختار بعض المعلومات الواردة في دراسة بعنوان "عفرين تحت السيطرة التركية: التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية"، نشرها في يوليو الماضي الباحث العربي السوري خير الله الحلو من جامعة فلورنسا الأوروبية. الأقسام الأربعة الرئيسية في هذه الدراسة كما يلي: "إنشاء نظام عسكري وأمني جديد"، و"إنشاء مؤسسات حكومية محلية جديدة وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة"، و"التحول الديموغرافي"، و"تحول النظام الاقتصادي".
يصف الباحث الأعمال غير القانونية التي ذكرناها أعلاه بأنها "فوضى منضبطة". أي إن كل هذه الإجراءات، التي تُعتبر جريمة كاملة في أية دولة طبيعية، صارت شرعية في ظل عملية "غصن الزيتون" التركية، وأصبحت الوضع الطبيعي الجديد في عفرين.
دعونا ننظر إلى المؤسسات التي أرادت تركيا إقامتها بدلًا من الموجودة، وذلك من خلال تدميرها النظم العسكرية والأمنية القائمة: "قوة المهمات السورية"، وهي القوة التركية الأمنية الرئيسة التي تتكون من 12 وحدة في عفرين، وتُعرف محليًا باسم "القوات الخاصة التركية". غير أن هؤلاء الجنود مرتبطون بوحدات الأمن في أنقرة وأنطاكيا وعنتاب وكيليس وأضنة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك وحدة القوات الخاصة السورية، والمعروفة باسم "الكوماندوز السوري"، والتابعة للاستخبارات العامة التركية، وتتألف من السكان المحليين. المهمة الرئيسة لكل هؤلاء الكوماندوز هي ملاحقة الأكراد ومضايقتهم. وبالإضافة إلى وحدات الكوماندوز، هناك جهاديون من الجيش السوري الوطني، يفترض أن يكون عددهم 15000. وخلال الأسبوعين اللذين أعقبا 23 مارس 2018، حيث تم احتلال المنطقة، تمنح تركيا اللصوص الحقَّ في نهب عفرين. وإلى جانب هذا الوجود العسكري هناك قوة شرطية تم تدريبها في تركيا، إلا أنه من غير الواضح كم يبلغ عددها.
ويبين الباحث أن الوضع في عفرين، على عكس ما هو موجود في المناطق السورية الأخرى الخاضعة للاحتلال التركي؛ حيث أن جميع الوحدات العسكرية والأمنية تقريبا تتألف من أشخاص ليسوا من عفرين، ولذلك بات التحكم فيهم والسيطرة عليهم أسهل. بينما الانتماء المحلي في المناطق الأخرى يمنع هذا التحكم الكامل.
أما بالنسبة لإنشاء مؤسسات جديدة للحكم المحلي وتكوين نخبة سياسية محلية جديدة، فإن عفرين ترتبط مباشرة بولاية أنطاكيا (هطاي)، والمسؤولون الأتراك في المحافظة هم الرؤساء الأساسيون للمجالس المحلية التي أنشئت هناك بعد الاحتلال. وعلى الرغم من أن المجالس المحلية تابعة للحكومة السورية المؤقتة، إلا أن أنقرة منعت تمثيل هذه الحكومة في عفرين، وفقًا لتعليمات روسيا.
توجد في المجالس المحلية مجموعة من الشخصيات المحلية، لم يُسمَعَ بأسمائها قط سابقًا، تتلقى التعليمات والأوامر من ممثلي تركيا تمامًا. لكن الأغلبية الساحقة في حكومة عفرين تتمثل في المدنيين والجنود الذين جُلبوا من خارج عفرين.
إن المنطقة التي قُصقص جناحاها اقتصاديًا بسبب احتلالها ونهبها يتم إبقاؤها على قيد الحياة عن طريق الموارد المنقولة من تركيا. وتعتبر "جمعية إدارة الكوارث والطوارئ التركية "آفاد" و"وقف المساعدات الإنسانية، والهلال الأحمر التركي، وجمعية أطباء عبر القارات من أجل الحياة العناصر الرئيسية لنظام المساعدات. إضافة إلى ذلك، من الضروري الإشارة لعدد قليل من منظمات المجتمع المدني السورية مثل "الأمين" التابعة مباشرة للإخوان المسلمين. منظمات المجتمع المدني هذه، التي تنشط أكثر في مجال الصحة والتعليم، هي أعضاء في نظام الصحة والتعليم الموجود على أنطاكيا.
ومن الناحية الإدارية، توفر أنقرة هنا المناهج التركية وشبكة الكهرباء والبريد والبرق وبنك الزراعة وجميع الخدمات التي يمكن تصورها كما هو الحال في مناطق الاحتلال الأخرى.
أما ما يجب مراعاته بشأن الهندسة الديموغرافية هو أن عفرين أراض كردية منذ زمن طويل جدًا، على عكس كذبة أنقرة بأنها "محتلة من قبل الأكراد". الاسم الآخر لعفرين هو "جبل الكرد" منذ عصور قديمة.
بالإضافة إلى القبائل الكردية الخمس الرئيسة في المنطقة، كان يعيش فيها غالبية السكان اليزيدين، والأكراد العلويون، والأرمن والسريانيون. أما الأقلية العربية فتتكون من عشائر بوبان والحميرات. هذه العشائر الرحل، التي جاءت هذه المنطقة الخصبة في وقت من الأوقات واشتغلت بتربية الحيوانات، تتحدث لغتين، ومتوافقة تمامًا مع الأكراد.
إدارة الاحتلال، التي تقضي على الأكراد والعناصر السكانية الأخرى في عفرين بإجراءات متنوعة، توطن مكانهم العائلات التي فرت من الغوطة الشرقية والعائلات الفارة من غيرها من المناطق التي خرجت عن سيطرة الجهاديين، وكذلك التركمان الذين لم يعيشوا في عفرين قط. وقد كان عدد هؤلاء 88000 لغاية شهر مايو الماضي.
اليوم، يقدر عدد من اضطروا للهرب من عفرين بـِ 300000 شخص، وبقي هناك نحو 50.000 كردي فقط، ومعظمهم من كبار السن. كما قامت إدارة الاحتلال بحظر بطاقات الهوية الممنوحة لهؤلاء السوريين الذين جُلبوا من خارج المنطقة، وذلك من قبل المجالس المحلية حتى مايو 2019، والتي كانت تُسجل فيها الأماكن التي أتوا منها. الهدف واضح، إنه البقاء الدائم في عفرين!
وعلى حين كان خمسة وسبعون في المائة من سكان عفرين يشتغلون بزراعة الزيتون بشكل كبير من الناحية الاقتصادية منذ القدم، تراجع هذا النشاط بدرجة كبيرة نتيجة الاحتلال. وقد وردت أخبار في الصحف الدولية بأن شركات تركية باعت في الأسواق الأوروبية عام 2018، بحوالي 70 مليون يورو من زيت الزيتون المسروق من عفرين. ولا شك أن هذه البضاعة الرابحة لا تزال مستمرة هذا العام أيضًا.
لقد ظهر تجار ووسطاء جدد في صناعة زيت الزيتون؛ السمة المشتركة بينهم هي الانتهازية والتعاون مع قوات الاحتلال. والبنية التحتية الصناعية المحدودة لعفرين، والتي تضررت في الحرب، قد أغرقت بالمنتجات المتدفقة من تركيا، تماما كما هو الحال في شمال قبرص.
بالطبع، يجب أن يُضاف إلى هذه التبعية الاقتصادية قطاع الإنشاءات أيضًا، المجال الوحيد الذي تعرفه أنقرة جيدًا؛ فأعمال رئاسة إدارة الإسكان الاجتماعي التركية تتقدم بسرعة هناك كي يتم توطين عشرات الآلاف من العرب والتركمان الذين ينتقلون إلى المنطقة.
خلاصة القول، توجد في عفرين أيضًا نفس الممارسات الاستعمارية التي في مناطق الاحتلال الأخرى. تركيا تمارس سياسة المستعمرات عيانًا بيانًا على المناطق المحتلة، وتسير دون فتور ولا توانٍ في الطريق الذي تحفظه وسبق أن رسمته. وخلافًا للمستعمرات تجهز البنية التحتية في تلك المناطق ليتم ضمها إلى تركيا عبر تتريكها، وإقامة جدار بين عفرين وباقي سورية بقدر المستطاع. ويحظى هذا المخطط بدعم كامل من الخارج، أما من الداخل فلا أحد يهتم بذلك.

منذ أيام أيضا كانت الذكرى الثالثة عشرة لمقتل هرانت دينك. ولم تتحقق العدالة بعد، لقد تأخرت. كانت دعوة هذا العام هي "لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل".
دعونا نكرر الدعوة للخالق إزاء كل الوحشية والاضطهاد الذي تمارسه حكومة أنقرة في عفرين. ودعونا لا ننسى أنه إذا كانت دوامة العنف الدفين التي عصفت مع قتل هرانت تستطيع أن تلف البلاد وجيرانها اليوم بهذه السهولة؛ فذلك لأن جذورها تمتد إلى اقتلاع شعب هرانت من تلك الأرض. أجل، لم يفت الأوان بعد من أجل الخجل!

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية