نجيب المانع: فيلسوف النغم والأدب العميق

4894
عدد القراءات

2018-04-24

أربعة مبدعين عراقيين علموني الكثير عن الموسيقى: نجيب المانع، علي الشوك، أسعد محمد علي وفوزي كريم. صحيح إن الراحل أسعد محمد علي هو الموسيقي المحترف الوحيد بينهم، لكنه يصنف على الأدباء نقداً (كتابه النقدي بجزأين، وعنوان المبحث هذا مأخوذ منه) وكتابة رواية.
هم من طينة مختلفة من الأدباء، تلك التي فهمت الثقافة على أنّها منظمة معرفية متصلة، فلا أديب كبيراً دون أن يكون على اتصال حي ومؤثر مع أشكال الإبداع الفني الأخرى.

عملان للمانع (البصرة- 1926- لندن 1992) جرّاني من ياقتي وأنا في مقتبل حياتي الثقافية، ليدلاني على شهوة روحية من طراز رفيع، كتابه عن بيتهوفن، ومقالته الرفيعة عن فن السيدة أم كلثوم بعد أيام من رحيلها.

منذ خمسينيات القرن الماضي العراقية الفياضة بموجات من التحديث الفكري، وهو يدعو بعضاً من الأصدقاء المعنيين بقضايا الأدب والفكر، إلى سهرة بداره، للاستماع إلى بعض من أعمال بيتهوفن، ريمسكي كورساكوف، هاندل وغيرهم، إلى جانب إسطوانات بأصوات عمالقة الثقافة العالمية من أمثال إرنست همنغواي وألبيركامو، وإلى شيء من مسرحيات وليم شكسبير وجورج برناردشو(1).نجيب المانع
ابن الطبقة المتوسطة
هو نوع من الأنتلجنسيا التي أنتجتها الطبقة المتوسطة، فالرجل شغل منصب مدير "شركة نفط خانقين المحدودة"، ومنها خبر شتى المعارف العلمية والاقتصادية واللغوية الأجنبية (الإنجليزية)، ومن هنا جاءت ترجماته العميقة: رواية "غاتسبي العظيم" لسكوت فترجيرالد، وكتاب "ديستوفسكي" لرينيه ويليك وكتاب "بيتهوفن: دراسة في تطوره الروحي" للمؤلف جي دبليو سوليفان، وكتاب "مارسيل بروست والتخلص من الزمان" وكتاب "تولستوي" والكتاب البارز لستيفان زفايج "بناة العالم".
اللافت أنّ معرفة المانع بلغة شكسبير جاءت بعيداً عن مواضع الدراسة "تعلم الإنجليزية – عن طريق قراءته الكتب القديمة التي كان يبتاعها في سوق الكتب في الزبير والتي كان يعرضها الضباط والجنود الإنجليز بعد أن كانوا ينتهون من قراءتها في معسكراتهم في قاعدة الشعيبة، وقد كان في تلك الكتب كثير من كلاسيكيات الأدب الإنجليزي التي كان قد سمع بها نجيب في دراسته بثانوية البصرة كمسرحيات شكسبير وغيرها".(2)

وعلى الرغم من أنّ ترجماته زادت على العشرين كتاباً، إلا إنها "لم تضاعف رصيده كما يقول، فالعرب يرون في الترجمة مجرد مهنة متطفلة".
في مقدمته لكتاب "بيتهوفن: دراسة في تطوره الروحي" يؤكد المعنى الذي جذبني إليه بقوة "ترجمتي لهذا الكتاب ابنة شرعية للحب، حبّ مزدوج، وقد يتورد الحب والجذوة الداخلية في واحدة.. إنه حب مزدوج فهناك بيتهوفن موسيقي الأعماق وهنالك كتاب سوليفان أحد كاشفي الأعماق".
وليس بعيداً عن هذا المعنى كانت مقدمة سوليفان لكتابه الذي طبع أول مرة في 1927 ومنها نقرأ: إن "موسيقى بيتهوفن، أكثر من أي مؤلف موسيقي آخر، تثير حتماً نوع الانعكاسات التي ترد في هذا الكتاب. إنّها وكما يقول إرنست نيومان، خصوصية مخيلة بيتهوفن التي ترفعنا مراراً وتكراراً من الموقع الذي نحن فيه. إنّها إعادة تقييم ليس فقط لكل اللموسيقى ولكن لكل الحياة، كل العاطفة  وكل الأفكار ".
وهذا التأثير، قد تم الاعتراف بخصوصيته منذ فترة طويلة كوظيفة لأدب أعظم. مثلما هو أيضاً، وظيفة أعظم موسيقى، على الرغم كونه (بيتهوفن) ينفذ هذه الوظيفة بطريقة مختلفة للغاية، بل تكاد تكون موسيقى بيتهوفن، الموسيقى الوحيدة القوية بما فيه الكفاية لممارسة ذلك بشكل لا لبس فيه"(3).
هذه الصلة المعرفية بالموسيقى تدعمت عند نجيب المانع بعد تأسيس "الشركة العربية لإعادة التأمين" كشركة مشتركة بين الشركات العربية لإعادة التأمين ومنها الشركة العراقية، وكان مديرها الدكتور مصطفى رجب الذي عيّن المانع في شركته ثم رشحه للعمل بالشركة العربية لإعادة التأمين في مركزها ببيروت؛ حيث سافر المانع وأقام هناك مع عائلته مختلطاً بالأجواء الأدبية والثقافية التي كانت تعج بها بيروت في الستينيات وأول السبعينيات، سواء الأجواء الثقافية الشرقية العربية، أو مظاهر الثقافة الغربية؛ حيث بدأت المسارح تعرض المسرحيات الأوروبية واللبنانية والقطع الموسيقية والأغنيات الكلاسيكية، وحيث كانت محلات بيع الإسطوانات تتنافس في عرض أحدث تكنولوجيات التسجيلات الفاخرة وتكنولوجيا تسجيل الآلات المتنوعة، وقد زرته في بيروت فوجدته يسكن في شقة في محلة (الحمراء) ذات غرف ثلاث مليئة بالإسطوانات الكلاسيكية، بما يفوق عددها على الألوف، وبالكتب العربية والشرقية باللغات الإنجليزية والفرنسية والعربية، مما أدى إلى دخول المانع في مشاكل مالية مع الدائنين بأثمان الإسطوانات وغيرهم من الكفلاء والضامنين، مما كانت سبباً في إنهاء علاقة المانع بشركة التأمين العربية وقيام خصومة بينه وبين الشركة المذكورة ومديريها أدت إلى عودته إلى بغداد في السبعينيات"(4) ليعمل في حقل الترجمة.

انشغل المانع في مطلع الستينيات بالأدب السياسي إلى جانب الألوان الأدبية الأخرى

وذلك الشغف بالموسيقى بدأ مبكراً (وتحديداً أثناء دراسته الحقوق ببغداد وتخرجه أوائل خمسينيات القرن الماضي) فتكتبت عنه شقيقته الأديبة العراقية المعروفة سميرة المانع والتي لجأ إليها في مقر إقامتها بلندن "يريد من أهله، أن يستمعوا معه إلى الموسيقى الكلاسيكية، يشاركونه حبه وهواياته الجديدة. اسمعهم قطعتي "شهرزاد" و"الدانوب الأزرق"، بداية، في باحة بيت الزبير بالمساء، ثم تدرجت الأنغام حتى وصلت إلى سمفونيات بيتهوفن وغيره منسابة أو مرعدة في جو بيت الزبير الصافن الحائر. استمر، كعادته، يلم بالموضوع الإلمام الكافي بصبر دؤوب، حتى تكدست الأسطوانات والتسجيلات عنده ففاقت أعدادها الآلاف، أصبح البيت كتباً واسطوانات اينما سار المرء، كمستودع أو مكتبة عامة في سنوات عمره الأخيرة".(5)

هوية ثقافية عربية تتصل بالآخر المعاصر
والتوجه نحو الآخر عبر كل هذا الفيض من الترجمات الرفيعة لم يتعارض مع عمق عربيته؛ ثقافة ولغة، ففي بحثه "توثيق الارتباط بالتراث" المقدّم إلى مؤتمر الأدباء العرب السابع العام 1969 إشارة توكيدية لهذا المعنى "كرامتنا لا تبيح لنا أن نأخذ على الدوام من الحضارة الإنسانية ولا نعطيها، ونحن إذا حصرنا إنجازنا الحضاري فيما يتعلق بالأدب في الحدود التي لا يستطاع نقل مدركاتها والتي تفقد جمالها في الترجمة، فإن علينا ونحن نحتضن لغتنا الرائعة ونعالج بواسطتها إحساسنا بالوجود أن ينير لها سبيل الانتقال من إمكانات التعبير الموضعية إلى شمولية الوعي الإنساني، وذلك لا يتيسر لنا إلا إذا احترمنا كل ما هو حي وملهم بالحياة في التراث الإنساني واستوعبناه كملك خاص بنا مباحٍ لنا كل الإباحة".
هذا ينتقل إلى إنجازه في كتابة القصة القصيرة، فقد كان أسلوبه لا يخفي التأثر بالتيار الحديث الوافد من الغرب، وتحديداً بين نهايات خمسينيات القرن الماضي وبدايات ستينياته. ومن إنجازه القصصي:
*"الممثل يضحك الجمهور" في مجلة "الرسالة" اللبنانية 1957.
*"الأعمى والحذاء" في مجلة "الفنون" العراقية 1958.
*"فولكنر على نهر الغرّاف" في مجلة "المثقف" العراقية 1958.
*"شاعر يعترف" في مجلة "المثقف" العراقية 1958.
*"الدرس الأول" في مجلة "الأديب" العراقية 1961.
وانتقل هذا النسيج القائم على معاصرة لا تخجل من جذرها العربي معرفة وثقافة، إلى قراءة نقدية لاتجاهات الأدب العالمي الحديثة. ففي خمسينيات القرن الماضي ومع اندفاع الأفكار حد التلاطم في العراق، كتب نجيب المانع بحثه المفصّل المعمّق عن الروائي الأميركي ايرنست همنغواي في مجلة "الآداب" اللبنانية، وهو بحث جدي بإمكانه أن "ينهض وحده كتاباً جديراً بأخذ مكانه في المكتبة المعاصرة".
لا الأدب وحسب، بل انشغل المانع في مطلع الستينيات بالأدب السياسي إلى جانب الألوان الأدبية الأخرى؛ إذ نشر مقالات وتعقيبات عن الديمقراطية والحرية وما يتصل بهما وما يتفرع عنهما، مما أثار ردود أفعال هنا وهناك، وحرّكت أقلاماً للتصدي له، وتحديداً بين أوساط العقائديين؛ قوميين وماركسيين، على الرغم من كونه بدأ حياته الثقافية متأثراً بالتيار الماركسي فهو "عندما تخرج محامياً وأزمع العمل في محاكم البصرة بعد إنهائه الدراسة في كلية الحقوق أثناء ما كان عميدها المرحوم الأستاذ السيد منير القاضي وكان تخرجه عام 1947. وعند مجيئه إلى البصرة وتوطد علاقاته بجماعة نادي المحامين آنذاك حيث تكامل العنصر الثالث من عناصر تكوينه النفسي والأيديولوجي الثقافي؛ فالعنصر الأول هو ثقافته العربية وتولعه بعلوم القرآن وأدبيات العرب والشعر العربي، والعنصر الثاني هو الثقافة الغربية متمثلة في إجادته اللغة الإنجليزية والفرنسية واهتمامه بكلاسيكيات الغرب من شعر وموسيقى وغناء ورسم ونحت ورقص ومسرح، أما العنصر الثالث فيه فهو الإيمان والعمل على تحقيق شعارات الحركة الوطنية في الحرية والمساواة والديمقراطية والتحرر من نفوذ الاستعمار والانتصار لقضايا الفقراء والعمال والنساء والجنود والفلاحين".(6)

نشر مقالات وتعقيبات عن الديمقراطية والحرية وما يتصل بهما وما يتفرع عنهما مما أثار ردود أفعال هنا وهناك

وهذا التأثر بشعارات التحرر المأمول انعكس في موقفه حين "أُعلنت الجمهورية العراقية يوم 14 يوليو (تموز) 1958 في المذياع. كان نجيب غائباً في فيينا لأمر يتعلق بوظيفته. لكن هذا لم يمنع  المتابعين لنشاطه الأدبي من أن يجدوا مقالاً له في مجلة "الآداب" البيروتية عنوانه: "ثورة، موزارت وأمريكي". يكشف المقال جزءاً من عودة نجيب للتفاؤل والأمل. يبشر ويرجو من العهد الجديد أن يفتح للشعب العراقي صفحة جديدة بيضاء مشرقة يستحقها، تدعو للتسامح، العدل والمساواة بين العراقيين جميعاً، وبينهم وبين الانسانية كلها".(6)
لكن هذا لم يمنعه، كما تقدم، من توجيه النقد للحكم الجمهوري 1958 الذي يروج لها يساريو العراق على أنه ممثل لتلك الشعارات الوطنية، "استمر نجيب المانع مديراً لمصلحة توزيع المنتجات النفطية حوالي عام (1960-1961)، نقل بعدها إلى وزارة الخارجية العراقية بعد أن التقى بوزيرها الراحل هاشم جواد – الذي أعجب بمزايا نجيب وكفاءته الخلقية والثقافية وإجادته الإنجليزية والفرنسية وبقي يشغل إحدى مديريات وزارة الخارجية، وأظنّها (الدائرة القنصلية) مدة تناهز العام ثم بعدها فصله الراحل عبد الكريم قاسم أثناء سفر هاشم جواد لحضور اجتماعات هيئة الأمم المتحدة في صيف 1961 وكان عبد الكريم وكيلاً لوزير الخارجية آنذاك، وكان سبب الفصل فيما سمع في حينه، أنّ المانع كان قد كتب مقالاً في جريدة الأهالي (جريدة الحزب الوطني الديمقراطي – وكان نجيب عضواً فيه) يصف فيه إعدام ناظم الطبقجلي ورفعت الحاج سري (بأنه اغتيال وليس عقاباً عن جريمة لأن لم تكن هناك محاكمات قانونية)– مما أغاظ عبد الكريم قاسم فأصدر الأمر بفصل نجيب من وزارة الخارجية، وبقي عاطلاً طيلة أيام عبد الكريم قاسم"(7).
هذه التفاصيل الجوهرية لجهة بدء انفصال المانع عن "ثورة 14 تموز" والتحول إلى نقدها بعد تحولها إلى تصفيات وصراعات داخلية توثقه شقيقته سميرة المانع "عاد إلى بغداد بعد فترة قصيرة ليرى بأم عينه أحقاً ما نشد وما تصور؟ لم يكن حظه سعيداً بعد هذا الغياب، خاب فأله بما رأى. كانت البلاد متبلبلة متحيرة. الكثير من التمزقات يعانيها أخوة بالداخل وآخرون من خارج البلاد  يؤججون الوقود بالشعارات البراقة ليحترق الجميع بنار مستعرة. وجد محكمة منتظمة (محكمة الشعب) الكل يستمع لها يومياً، تعرض جلساتها بالتلفزيون تحاكم أفراداً من العهد الملكي وغيرهم، فيها من تناقضات العراق ما أخافه من نهاية مصيرها. فهي، باعتقاده، لا تعطي النموذج الجيد للعراقيين، ليروا كيف تصان هيبة العدل، وتظهر الرزانة والوقار والحكمة بأعلى صورها".
وحيال ذلك شرع المانع "بإبداء رأيه، كعادته دوماً، بصراحة وبصوت عال، سواء بجلساته الخاصة أم على صفحات المجلات والجرائد وبالأخص في جريدة  "الأهالي" للحزب الوطني الديمقراطي، التي شجع أن ينشر فيها تلك الأيام. كتب حوالي عام 1959 سلسلة مقالات حول معنى النظام الديمقراطي، أهمية فصل السلطات الثلاث وتداول الحكم، تحدث عن الحرية والعدالة، الرحمة والمساواة، كقيم جليلة لها شأنها. نشر هذه المقالات، بجرأة، وهو في وظيفة حكومية كبيرة، في فترة حكم عبد الكريم قاسم، كأول مدير عام للمنتجات النفطية المؤممة مؤخراً في العراق. لم يصمت للنجاة بجلده ولينال الحظوة من أجل المناصب الأعلى. كتب مقالاته بتجرد بعيد عن المصلحة الشخصية، وبشكل حيادي قل نظيره بين الكتاب، آنذاك. في وقت اشتداد الصراع السياسي بالبلد، والاهتمام بالأشخاص والزعامات بدلاً من الالتفات إلى القيم والمبادئ والثوابت التي يعتقد أن أية ثورة حقيقية لا تقوم إلا بوجودها"(8).
ولنلاحظ هنا المفارقة، ففي الوقت الذي اعتبر تيار المانع، الحكم الملكي "رجعياً وممثلاً لقوى الاستعمار" لكن ذلك الحكم "الرجعي" فتح الطريق أمام المانع لتطوير خبراته الإدارية والعملية في أبرز الوظائف، بينما أطاح به الحكم الذي وصف بأنه "الوطني الممثل لقضايا الفقراء والعمال والنساء والجنود والفلاحين".

تبعثر نتاجه وعومل بإهمال يفوق إهمال النقاد والمؤرخين له في العراق وغاب عنا شاهد من أكثر الشهود مصداقية

هذه المفارقة التي تحولت إلى حذر يقارب الكراهية من "الثورات التقدمية" اختبرها المؤلف شخصياً مع نجيب المانع "نذر الرعب كانت تطل على البلاد، والكارثة تكشف عن ساقيها، غير أن ما جعل تلك النذر تصبح نذيراً، قول للناقد والمترجم والمثقف الموسوعي نجيب المانع، فذات صباح وفيما كنت أضع مجموعة من الكتب والمجلات في مدخل "مكتبة النهضة" ببغداد (عملت فيها هرباً من ملاحقات السلطة لليساريين 1979)، حياني بابتسامةٍ مرسومةٍ بعناية كما نظراته النقدية العميقة حين يصوغ من نقد الموسيقى، نصوصاً في الأدب والمعرفة، لأسارع بدعوته إلى فنجان قهوة، بعد أن حملت له كرسياً ونسخة من العدد الجديد لمجلة "الهدف" الفلسطينية التي كانت تصلنا من بيروت، وفيه قصيدة لي عن الشاعر البحريني القتيل سعيد العويناتي،  واسأله: ما رأيك بالمفاجآت القادمة من طهران: "وصل الخميني والناس رفعت سيارته على الأكتاف"، وعلى النقيض من حماستي التي كانت، على نحوٍ ما،  تعويضاً عن خيبتي / خيبتنا المحلية، قال: "يا ابني إن ماتراه باعثاً على السرور، هو مدخل إلى موت أسود سيحصد بلادنا وأهلها"! ولولا محبتي الكبرى للرجل، وتقديري الذي يقارب التبجيل،  لكنت أسمعته مابقي مضمراً فيّ من شعارات الثورية الجوفاء: "هذه مخاوف البرجوازيين الصغار من حركة الجماهير"،  ولم تمض سنة أو أكثر حتى كان "الموت الأسود" يطل من شبابيك البيوت في  أرجاء العراق كلها.(9)
وهذا النقد الغاضب للسائد الثقافي عربياً وعراقياً، هو ما واصله لاحقاً حتى بعد وصوله إلى المنفى اللندني "نجيب المانع يهدر بما يشبه الأسئلة والأجوبة عن الثقافة والمثقفين العرب، وعن المعرفة الغربية والمعرفة العربية. كان يسأل ويجيب نفسه دون أن ينتظر تعليقاً أو استئنافاً، يكاد يتطاير الشرر والسخط من كلامه، فهو لا يعثر على الشتيمة المناسبة التي يوجهها إلى الشعراء والكتاب والمثقفين العرب الذين يجهلون العلوم   والأدب الغربي واللغات والموسيقى"(10).
وعن الشريحة المثقفة العراقية يتحدث عن بغداد وشارع الرشيد ومقاهي المثقفين فيه:"في ذلك الشارع الذي أتذكره الآن بكآبة، مقهيان متجاوران هما؛ السويسرية والبرازيلية، كنا نحشر فيها متأبطين كتباً لا نعيا من  ترديد ما فيها.  ولأنها كانت في اعتقادنا نهاية الحياة ظهرت كأنها تدلنا على بداية الخبرة في الحياة، وكنت أنا القادم من الزبير أبدوا لأولئك البغداديين إنساناً ريفياً أو بدوياً عليه أن يجلس "مجازياً" في حضرة إبداعهم عند باب البهو الذي مكانتهم في صدارته، ولست أنسى كيف كانوا يتخاطبون باعتزاز من وصل غاية  الرحلة، وبيننا شخصان أو ثلاثة بلغت بهم اختناقة الإنجاز الموعود حدود كبرياء صاعقة متسلطة". هنا تدرس الناقدة فاطمة المحسن هذه الصورة "لعل هذا الوصف فيه بعض مبالغة، ولكن الأكيد أنّ الطبيعة الحادة في تقسيم الولاءات الأبوية، كانت بارزة بين أدباء العراق، فالزعيم الأدبي ينبغي أن يملك سمات الحكيم السياسي الذي يفتي ويصادر ويسفّه ويبتز"(11).

"ذكريات عمر أكلته الحروف"  التي صدرت بعد وفاته

واتصالا مع هذا الغضب الهادر في نقد الثقافة العراقية والعربية حفلت يوميات نجيب المانع "ذكريات عمر أكلته الحروف"  التي صدرت بعد وفاته، و تكشّفت لي عبر هذه المذكرات شخصية تختلف كثيراً عما ألفت من الأشخاص، مع أنها تمثل النموذج المشاع لشخصية الأديب العراقي. إنه يحمل الكثير من صعلكة وعبثية الذين قيض لي معرفتهم من الكبار والصغار، ابتداء بالجواهري وسعدي يوسف حتى أصغر روائي أو شاعر كتب الأدب للتو. ولم أجد تفسيراً لهذه الظاهرة سوى عند نجيب المانع في ما يشبه مذكراته هذه.  قد يحرص الأديب المتصعلك على الحصول على عمل ورواتب وبدلة ومكتبة وطاولة، ولكنه يبقى طريد نفسه وطريد خوفه وطريد شعوره بالنكران والجحود، ينوء بثقل الكبرياء التي يسميها المانع الكبرياء الزائفة. في هذا الكتاب يجد القارئ مقاطع من النادر أن يدونها أديب عربي في سياق الحديث عن نفسه، فهو يقول:"في علاقتي مع المبدعين لم أقدم مفتاح مدينتي إلا لاثنين: المتنبي ودوستويفسكي؛ فالمتنبي أورثني عقدته ولم يورثني اقتداره في العلو عليها: وعقدة المتنبي في نظري هي كبرياء الوجود مع كبرياء الإنجاز، فأودع عندي كبرياء الوجود وحدها وتركني أحاول إنجاز ما يتماشى معها، فسهل على القاصي والداني أن يستشف الوهن والخديعة والتكلف في هذه الكبرياء  التي أرتديها بين الحين والحين مثل بدلة تصرخ طالبة أن تتحرر من كياني "(12).

في خريف عام 1992 أغمض المانع عينيه على كرسيه الهزاز في إغفاءة أزلية، وحيداً في داره بلندن

ويكاد المانع يختزل معظم خبراته الفكرية والحياتية عبر قصصه وروايته "تماس المدينة" (13)،  فهو "حاول أن يضع خبراته ويسخر ثقافته في عمل أدبي قصصي، فكانت له قصص قصيرة ذات طابع تصويري واقعي مأسوي هي ضرب من الكوميديا السوداء، يقف بعضها في ذروة الإنتاج القصصي العربي. وحين أراد أن يضع ثقل ثقافته في عمل إبداعي يتحدث فيه عن المدينة بوصفها الأرض التي تتعايش فيها الثقافات بتجانس وتوافق، أخرج روايته الوحيدة "تماس المدن" فجاءت مثقلة بعدد من المشاريع الروائية، ولم تحقق انتشارها أو تستقطب اهتمام النقاد، وقوبلت بالصمت والإهمال. ولم يكن ثمة ما ينوء به ظهره مثل إحساسه بالهيبة أمام الكتابة، وترهبه لها. فكلما أقدم على أعمال قلمه، يتمثل أمامه عظماء الأدب من المتنبي والمعري والجاحظ إلى دستويفسكي وبروست، فترتجف يداه أمام حجم التحدي".(14)
تبعثر نتاج المانع، عومل بإهمال يفوق إهمال النقاد ومؤرخي الأدب له في العراق، وغاب عنا شاهد من أكثر الشهود مصداقية لتدوين سنوات من عمر الثقافة العراقية مملوءة بالعطاء، ومملوءة بشخصيات أدبية تكاد تقترب من الأسطورة، ولكن غاب عنا نتاجهم لعلة فيهم أو في الظروف التي تحكمت بوجودهم، نساء ورجالاً. والنتيجة واحدة: ضياع خيوط كثيرة من نسيج ثقافي شديد التناغم برغم طبيعة عناصره المتضاربة، خيوط تبعثرت في رياح السنوات والأحداث الجارفة تبعثر مبدعيها.
في خريف عام 1992 أغمض المانع عينيه على كرسيه الهزاز في إغفاءة أزلية، وحيداً في داره في لندن، لا يؤنس وحدته سوى كتاب نام على صدره، عاجزاً عن نقل ما شهد من اضطراب في لحظات الصمت الأخير(15).
أبواب العراق الموصدة 
معظم أصدقائه فارقوه، لا يعرف عنهم شيئاً. أُبعدوا في عمليات تهجير وتخوين وما شاكل من تُهم. يرى نفسه محاطاً ويسمع  بأنواع التحزب والعشائرية والمحسوبية من أعلى إلى أدنى المستويات في وطنه. صار تغليب العنصر الذاتي على المصلحة العامة شيئاً عادياً مقبولاً بين الأفراد. المنافسة النفعية والنرجسية في ذروتها. بدت ثقافته وبالاً عليه. أبواب العراق موصدة  عليه إلا إذا أصبح عبداً مطيعاً. جهوده وعمره يضيعان.
"ابتدأ قلبه يتسارع نبضه، صار يشعر أنّ الحياة التي صارع وضحى بالغالي والنفيس من أجل أن تكون شيئاً جميلاً نقياً محترماً جديرة بالبقاء، ليست سوى حيلة وخدعة للبعض وبالنسبة له لا معنى لها. لم يبق عليه حين كنا نودعه في بابه بالزيارة الأخيرة، وأنا أحذّره بغباء من مغبة التدخين، بينما هو يبتسم ساخراً، لسان حاله يقول: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا/ وحسب المنايا أن يكن أمانيا"(16).
يقرأ المانع إرث أم كلثوم بطريقة مختلفة حين يجعلها استثنائية في تاريخ الفن

مقال في فلسفة الصوت
وعوداً إلى بدء هذه الاستعادة للمانع، لابد من التنويه بمقاله المقتدر عن "كوكب الشرق" بعيد رحيلها "أم كلثوم: الغياب المستحيل والمؤسسة الوجدانية"(17)، فهو مقال في فلسفة الصوت والغناء العربي وبخاصة غناء صاحبة "رق الحبيب" فهو يرى "مع أم كلثوم يكون الغناء بالدرجة الأولى فعلاً من أفعال الاكتراث. إنه توغل سعيد الاكتشاف في الطوايا  الخفية عن الوجدان وهي تتعامل مع فنها بجدية نابعة عن الشخصية القوية لكن المتعاطفة، وعن الهيمنة على كل شيء من كلمات ولحن وجمهور، هيمنة متزاوجة مع الحب الذي تتناول به كل شيء من كلمات ولحن وجمهور".
ويوجّه المانع نقداً حاداً لأعمال الموسيقار عبد الوهاب لصاحبة الصوت العبقري "لم يكن أداء أم كلثوم في غالبيته تكسرات الوجع في الخاصرة ولا تهويشات الصبية في الشوارع ولا رقصاً هيناً كهز البطن، ولو أن عبد الوهاب الذي ألّف لها أقل أغانيها جودة مثل "انت عمري" و"هذه ليلتي" استوحى مع الأسف جو هز البطن وزاد ذلك جناية أن وضع لها موسيقى كريهة سمجة ملأى بالتكلف والمراهقة الشائخة أخطر أنواع المراهقة".

وجّه نقداً حاداً لأعمال الموسيقار عبد الوهاب لصاحبة الصوت العبقري أم كلثوم

ويقرأ المانع إرث أم كلثوم بطريقة مختلفة حين يجعلها استثنائية في تاريخ الفن:"لنعد إلى أم كلثوم الأصيلة، أم كلثوم "ياللي كان يشجيك انيني" و "الآهات" و "الحلم" و "الإطلال" والأعاجيب الأخرى. إنها تبرهن هنا على الندرة والاستثناء في تاريخ الفن؛ حيث تكون عبقرية الأداء بحد ذاتها إنجازاً إبداعياً فالمعتاد أنّ الذين يقومون بأداء ألحان غيرهم كمغنين أو أقوال غيرهم كممثلين إنما ينالون مكانتهم الفريدة ممن هم أكبر منهم، فمن يكون جون كيلكد ولورانيس اوليفييه لولا شكسبير، ومن يكون كاروزو وجيلي لولا أوبرات فيردي وبوتشيني، والشيء نفسه يصدق على المغنين العظام الذين تخصصوا بأوبرات فاغنر مثل لورينز ميلكيور وكيرستين فلاكشتاد، ذلك أن كل هؤلاء ليسوا أكثر من أقمار تدور حول أفلاك كبيرة عاكسة نوراً لا ينبع منها بصورة مباشرة. غير أنّ أم كلثوم وهي مؤسسة موسيقية ومؤسسة وجدانية معاً، يدور حولها التأليف الموسيقي واهبة الذين لحنوا لها مسوغات وجودهم، ولا أستثني منهم حتى أفضلهم وأعظمهم في نظري وهو زكريا أحمد".
معجزة
توصف أشياء كثير بأنها معجزة، ويكون الوصف أحياناً من قبيل التزويق للكلام المنطلق على عواهنه أو على السياسة المبالغة المباحة أو جرياً على تضخيم الشيء ليسهل تصديقه على قائله قبل سامعه. و"لكننا إذا وصفنا صوت أم كلثوم بأنه معجزة، فلا أعتقد أننا نسير على غرار ذلك. إنه معجزة بسبب كونه أولاً يحوز على أشد المتطلبات الجمالية دقة كصفاء النبرة وعلو الطبقة والكفاية في الإيصال بدون ميكروفون، والنقاوة المطلقة في الذبذبات ابتداءً من مستوى الهمس حتى نهاية مدى حنجرتها وكذلك طول ضبط التنفس خصوصاً في أغاني الأربعينيات والخمسينيات؛ حيث وصلت معها أم كلثوم إلى غاية النضج في التعبير. ثم إن صوتها معجزة؛ لأنه لا يستطاع مجاراته أو تقليده فهو أداءٌ لا يقبل الإعادة، لا من قبل الآخرين فهذا أمر مستحيل، ولكنه لا يقبل الإعادة حتى من قبل أم كلثوم نفسها فهي تقدم الأغنية الواحدة عديداً من المرات ولكن بأداء مختلف الظلال ودقائق التشويه والتطريزات الصوتية، بحيث تبهر الجمهور الذي يستمع إليها فكأنه يستمع إلى انبعاث جديد للأغنية التي كان يألفها منها. ثم إن صوت أم كلثوم معجزة بسبب إيحائه بالجو الذي تريد أم كلثوم أن ترسمه بكل ما في طاقاتها العجيبة على التمثل والتقمص والانجذاب. فإذا قالت كلمة الليل فأنت في الليل، وإذا نطقت اسم النيل فكأنك تمد يدك لتحسس مياه ذلك النهر الخالد، وإذا قالت (هلت ليالي القمر) فقد انتشر لؤلؤ القمر على صفحة الخيال، إن يكن الخيال وثّاباً مشاركاً، وإذا تحدثت عن الشوق فأي معنى للشوق لا يوجد في مرسم حنجرتها المترامي الأطراف"؟

__________________________

المصادر:

(1)  وحيد الدين بهاء الدين "نجيب المانع .. ذلك الراهب في محراب الأدب والفن"، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011 
(2) عبد اللطيف الشواف (قانوني عراقي ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(3) ي. ث. ن. سوليفان، دار تشوبهام، 1927. ترجمة علي عبد الأمير بتصرف.
(4) و(6) عبد اللطيف الشواف  (قانوني ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(5) و(8): سميرة المانع، المصادر الثقافية لنجيب المانع، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011. 
(7)عبد اللطيف الشواف (قانوني ووزير راحل)، "هكذا عرفت نجيب المانع" كتابه "عبد الكريم قاسم وشخصيات أخرى"، "دار الحكمة- لندن 2009".
(9) علي عبد الأمير، "استفاق الشاعر فوجد نفسه.. صنديد البوابة الشرقية"، كتابه "حنين بغدادي" دار الأديب- عمّان 2012.
(10) و(11) و(12)، فاطمة المحسن، جريدة "الرياض" 2000. عن يوميات المانع "ذكريات عمر أكلته الحروف"، دار الانتشار العربي، بيروت 1999.
(13) مطبوعات وزارة الثقافة والاعلام بغداد، 1989.
(14) و(15) مي مظفر، "العراقي نجيب المانع في "ذكريات عمر أكلته الحروف" الكاتب المنسي صدمه انحطاط النثر العربي المعاصر"، صحيفة "الحياة" 25 ايار/مايو 2005.
(16) سميرة المانع، المصادر الثقافية لنجيب المانع، ملحق "عراقيون"، جريدة "المدى" البغدادية  19-10-2011 .
(17) نجيب المانع، "أم كلثوم: الغياب المستحيل والمؤسسة الوجدانية"، مجلة "الإذاعة والتلفزيون" البغدادية 1975.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب

2019-07-11

من الشائع عن الشيخ رشيد رضا؛ أنّه نفّذ انقلاباً فكرياً على تعاليم الإمام محمد عبده، أو على مدرسة الإصلاح التوفيقية (بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده) لصالح "التسلّف"؛ وأنّه كان حلقة الوصل (الإشكالية) بين مدرسة "الإصلاح" والإسلام الحركي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين (بقيادة تلميذه حسن البنا) نموذجه الأول والأبرز.

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
ومن أجل تأكيد صحة تلك الافتراضات؛ يتعين مناقشة طبيعة "الإصلاح"، وحدوده، وعلاقته بفكر رشيد رضا، وبحث ما إذا كان رضا منقلباً فعلاً على فكر الإصلاح؟ وما حيثيات هذا الانقلاب؟ وما علاقة الشيخ بسياقه الاجتماعي والتاريخي؟ وأخيراً مدى تكريسه للرؤية الأصولية للعالم، وهل كان رائدها في الأساس أم حلقة إشكالية من حلقاتها؟
الإمام محمد عبده

بدايات المصلح ومآزق الإصلاح
في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات الإصلاح من القاهرة، ظهرت نشاطات إصلاحية في الشام، كان من أبرز أعلامها حسين الجسر، الذي درس في الأزهر، ثم أسّس في طرابلس المدرسة "الوطنية الإسلامية"، التي درس فيها رشيد رضا.

كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها

كان رضا قد وُلد في القلمون، لعائلة من "الأشراف"، وتعلّم في كتّاب القرية، ثم دخل مدرسة حكومية، لم يلبث فيها سوى عام واحد، لسخطه على مناهج التدريس التي تهدف لتخريج موظفين؛ لينتقل إلى مدرسة حسين الجسر (الوطنية الإسلامية)، ويدرس فيها علوم الشريعة واللغة، وبعد إغلاق المدرسة، شرع في طلب العلم في المدارس الدينية في طرابلس.
سيطبع هذا التكوين (أحادي الثقافة) مسيرة رشيد رضا بأكملها؛ إذ ظلّ حتى رحيله يشعر بالاكتفاء الذاتي ثقافياً، ولم يسع لتعلّم لغة أجنبية (وإن كان اطّلع على بعض الكتب المترجمة)، أو لإقامة أيّة علاقات مع الأوروبيين، على عكس أستاذه، محمد عبده، الذي أتقن الفرنسية، وأقام علاقات وثيقة مع مفكّرين وساسة أجانب.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وبواسطة هذه العلاقات بالذات استطاع محمد عبده تأمين دعم مالي وإداري لرشيد رضا، حين قرّر تأسيس مجلة "المنار" 1898، ومن خلال خبرته السياسية، قدّم لرضا نصيحة تمثّل خلاصة تجربته، وهي الابتعاد عن الصراعات السياسية المباشرة، والانغماس في قضايا التربية والتعليم، وانتشال الأمة من التخلف والضعف، برسم المواجهة طويلة المدى مع الآخر الاستعماري، لا المواجهة العاجلة والمباشرة، كما أمِلَ الأفغاني.
تأسست "المنار" في الأساس لإحياء تعاليم "العروة الوثقى"، التي أطلقها الأفغاني وعبده عام 1884، والتي لم يصدر منها إلا 18 عدداً، بعد أن نزع رضا عن تلك التعاليم طابعها السياسي، حتى تتلاشى المتاعب المتوقعة من قبل الإنجليز والسلطة في مصر، وصارت "المنار" استئنافاً للخط التحريري الاجتماعي والفكري الذي صاغه الشيخان، خصوصاً فيما يخصّ الوحدة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
ورغم تخلّي الشيخ رضا عن أيّ طرح سياسي مباشر، إلا أنّ السياسة كانت حاضرة دائماً في اختياره لموضوعاته، وفي ردوده على مقالات جريدة "المقتطف" العلمانية؛ ومن ثم فقد كانت مجلة سياسية بالمعنى العميق.
فقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية (وهي فكرة سياسية)، هي الأساس الفكري للمجلة، وفي تحديده لها، يقول رضا: "لها [الجامعة] طرفان: أحدهما يضمّ المعتقدين بالدين الإسلامي، الذين يربطهم رابط الأخوّة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد انحلت هذه الرابطة، لكنّها لم تنتهِ، غير أنّ من الممكن توثيقها وشدّها بعدد من الإجراءات العامة والخاصة. أمّا الطرف الآخر؛ فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة، وهذه الرابطة طرأ عليها ما حلّ عقدتها في بعض الحكومات، وما أزالها كلياً في حكومات أخرى، فصار الحال يقضي على المسلمين في كلّ قُطر أن يسعوا بالاشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة إلى كلّ ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران، ويفجّر فيهم ينابيع الثورة من أجل مزيد من المنعة والقوة والاستعداد".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
واعتقد رضا أنّ بالإمكان تحقيق الجامعة الإسلامية عبر الترويج للوسائل التي تؤدي إليها، مثل الإصلاح الديني، ورغم تخليه عن العمل السياسي الصريح، إلا أنّه كان مدركاً أنّ إصلاحاً من هذا النوع لن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية "تجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وقانون شرعي واحد، ولغة واحدة (هي العربية)".
وبالنسبة إليه؛ فإنّ الإصلاح المأمول "يتوقف على تأليف جمعية إسلامية، تحت حماية الخليفة، يكون لها شُعب في كلّ قُطر إسلامي، وتكون أعظم شُعبها في مكة المكرمة، التي يؤمّها المسلمون من جميع الأقطار، ويتآخون في مواقعها ومعاهدها المقدسة، وأهم اجتماعات هذه الشعبة تكون في موسم الحج الشريف".
جمال الدين الأفغاني

وينيط رضا ثلاث مهمات بهذه الجمعية:
1- تلافي البدع والتعاليم الفاسدة قبل انتشارها.
2-  إصلاح الخطابة.
3-  الدعوة إلى الدين.
وهو يعلق آمالاً عريضة على هذه الجمعية، أهمها إحداث تقارب بين الحكومات الإسلامية، والاتحاد على صدّ هجمات أوروبا، وإيقاف مطامعها عند حدود معينة! ويرسم لها أفقاً صاغه على غرار التحالف البريطاني الفرنسي في السياسة الخارجية، والنموذج الأمريكي في الإصلاحات الداخلية المتعلقة بالتربية والتعليم.
ويدرك المصلح السوري محدودية الجانب التربوي والتعليمي في الإصلاح المأمول؛ لذا يضع شرطين لهذا الإصلاح: أولهما: أن يكون الحكم شورياً قائماً على العدل والمساواة بين الرعية، يتولاه موظفون أكفاء يكونون بمثابة "أُجراء للأمة"، ليسوا سادة لها، ولا مستبدين عليها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
والثاني، وهو مرتبط بالأول: تغيير أفكار الأمة وأخلاقها بنشر العلوم والآداب الاجتماعية والأخلاقية، حتى يولد لدى الأمة، ولدى الحكام في آن، الاستعداد للإصلاح.
وفي ملاحظة بالغة الخطورة، وهي مستوحاة من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، يرفض رضا أن تكون الشورى مجرد "ائتمار بأمر الدين وعمل بهدايته"؛ بل يجب أن تكون انعكاساً ميكانيكياً للارتقاء الاجتماعي، وإلا لن يطول العهد عليها، كما كان الحال مع حكومة الشورى عند المسلمين الأوائل؛ إذ لم تلبث أن عصفت بها العصبيات في مهدها. وعليه؛ يستنتج أنّ "التاريخ الطويل للاستبداد في مسيرة الأمة التاريخية كان ثمرةً لعدم استعداد المحكومين للسيطرة على حكامهم، بسبب قلة معارفهم الاجتماعية" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988).

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
في طبيعة الحال، تطلّب النوعان من المواجهة، السياسية والحضارية، اعترافاً بتخلّف المسلمين، مع تنزيه الإسلام عن التسبّب في ذلك، وكأثرٍ من آثار التلمذة الفكرية على عبده والأفغاني، أعطى رضا أولوية حاسمة للإسلام في تطوير حياة المسلمين المعاصرين وانتشالهم من التخلف؛ فـ "القرآن هو الحلّ" لكلّ المشكلات، وبالرجوع إليه تعود للأمة وحدتها، وتُقام فيها الشورى والعدل (كما يقول أحمد صلاح الملا، في كتابه "جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، رشيد رضا ومجلة المنار 1935- 1898".
حتى هنا كانت الأساسات الفكرية لمدرسة الإصلاح متفقاً عليها بين أعلامها الثلاثة؛ فأزمة المسلمين تكمن في انحرافهم عن الإسلام؛ فهم كانوا أعزاء وأقوياء حين كانوا متمسكين بتعاليم الله تعالى، وحين تخلوا عنها كان من الطبيعي أن يصابوا بالتخلف والانحطاط، وحتى يمكن رفع هذه العقوبة الإلهية، تجب العودة إلى الإسلام.
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة

حيثيات الانقلاب المنقوص
اتفق أعلام الإصلاح على تطهير الإسلام من شوائبه، وبدؤوا بالتصوف، إلّا أنّه ما كان يدينه الأفغاني، وينتهي منه سريعاً لينتقل إلى غيره، وما كان يقاربه محمد عبده بحذر وروية، اشتبك معه رشيد رضا بتصلب وعنف شديدَين؛ إذ تجاوز الشيخان معاً، ليستلهم ابن تيمية، ويستدعيه، كي يشارك في حملته الضارية على الصوفية التي شنتها "المنار".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وليس معقولاً أن يستدعي رضا ابن تيمية في البدع ويتجنّب رؤيته للإصلاح؛ فحين تعلق الأمر بـ "السلف الصالح"، الذي حاول محمد عبده، بعنادٍ حديدي، التخفف من سلطته، دافع رضا عن تلك السلطة المعيارية بحسّ تكفيري عالٍ تظهر عليه بصمة ابن تيمية بشكل لا تخطئه العين.

لم يكن انقلاب رضا على أستاذه محمد عبده كاملاً فقد جاراه في رؤيته السياسية وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار

وضمن هذه الروح؛ ألغى رضا وظيفة العقل، تقريباً، بحصر دوره في إقامة الدلائل على صحة العقائد، ومن ثّم تحدّد مسبقاً موقفه من الاجتهاد؛ فرغم رفضه "النظري جداً" لإغلاق باب الاجتهاد، إلا أنّه، بتعريفه للاجتهاد بأنّه "تقيّد محض بأحكام القرآن والسنّة وسيرة السلف الصالح"، يكون قد وضع حجراً إضافياً خلف باب الاجتهاد المُوصد.
وطبيعي في مسار كهذا أن يعيد رضا تثبيت مفهوم "الإجماع" كسلطة مقيدة للاجتهاد، حتى كاد أن يساويه مع سلطة القرآن والسنّة، وطبيعي أيضاً أن يكون موقفه في علم الكلام متناغماً مع موقفه في الفقه؛ إذ كان منذ بداياته الأولى رافضاً للمعتزلة ومنحاهم العقلاني، وظلّ مُحصناً طويلاً من تأثيرات أستاذه محمد عبده، الذي تميّز بحسّ اعتزالي رصين (لاحقاً سيحاول رضا تطهير محمد عبده من درائن الاعتزال؛ وسيحشد كلّ الأدلة الممكنة والمتخيلة حتى يُثبت أنّ الآراء الاعتزالية المنسوبة إلى الإمام مدسوسة عليه).

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية
كان الشيخ محمد عبده قد نفّذ انقلاباً فكرياً على جمال الدين الأفغاني، حوّل بموجبه "الإصلاح" من أيديولوجيا تجميع ومواجهة للمحتل الغربي، إلى خطة بعيدة المدى لإصلاح البناء الفكري للعالم الإسلامي، وبهذا المعنى يكون مشروع رشيد رضا بمثابة استئنافٍ، بوجهٍ ما، للأفغاني؛ أي نفّذ انقلاباً على الانقلاب.
تتمة الانقلاب
لم يكن انقلاب رشيد رضا على أستاذه كاملاً؛ فقد جاراه في رؤيته السياسية، وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار، منذ أن انطلقت مجلته "المنار"، حتى تباشير الحرب العالمية الأولى، التي تحوّل موقف رضا خلالها نحو الاحتلال الإنجليزي من الرضا إلى العداء؛ لتيقنه من خيانة بريطانيا للمسلمين.
كان هذا هو العنصر المفقود للانقلاب، وكان على رضا، من أجل إتمام انقلابه، العودة إلى الأفغاني ومواقفه المتصلبة من الاستعمار، وستحمل هذه الخلاصة صدمة، من نوعٍ ما، لمن رأوا في رشيد رضا منافحاً دائماً عن قضايا الأمة ومناضلاً لا يلين ضدّ الاستعمار.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
طوال الوقت أظهر رضا موقفاً مناهضاً للاستعمار، من خلال مقالاته "نصف النارية" التي، رغم لغتها العنيفة، لا يمكن بناء أيّ موقف سياسي عليها ضدّ الاستعمار، ولا يمكن لقارئها قطعاً أن يحتشد ويُثار وينخرط في حركة مقاومة سياسية أو عسكرية، في طبيعة الحال، ضدّ الإنجليز؛ إذ اختار رضا طريق المقاومة الحضارية بعيدة المدى.
كان موقف محمد عبده السياسي قائماً على استبعاد إمكانية الحصول على الاستقلال في ظلّ تخلّف الأمة وضعفها البادي، ولم يكن رضا بمنأى عن هذا الموقف، بل عبّر عنه، فقط، بلغة جمال الدين الأفغاني، وهنا كمُنَت الخدعة.
على أيّ أساس بنى رضا موقفه السياسي؟ لم يكن هناك بين أعلام مدرسة الإصلاح الثلاثة: الأفغاني، عبده، رضا، من هو منقوصُ الاستقلال أو التابع أو المقلد، وبالتالي ليس هناك مجال للقول إنّ رضا قد تبنى موقفاً مهادناً من الاستعمار سيراً على خطى عبده؛ فكثيراً ما خالفه علناً في قضايا عديدة؛ وبالتالي يجب البحث عن سبب آخر بُني عليه هذا الموقف الإشكالي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
وضع رضا معياراً يحدّد موقفه من الاستعمار، وهو معيار مجلوب رأساً من قلب الممارسة التاريخية للإسلام؛ إذ حدّد الفقهاء أوضاعاً بعينها تقتضي الخروج على الحاكم: تحديه للعقيدة الإسلامية، منعه أداء المسلمين لشعائرهم، إلغاؤه للتعليم الديني؛ فيضيع العلم الشرعي بموت العلماء؛ إذ ليس هناك طلاب يحملونه عنهم، وعليه؛ رأى رضا أنّ الاحتلال الإنجليزي مقبول ما لم يمسّ الثوابت التي وضعها الفقهاء في السابق (كان موقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر عدائياً بالكامل؛ نظراً لفرض فرنسا ثقافتها بالقوة على المجتمع الجزائري المسلم، وسعيها، الذي لم يهدأ، لطمس ثقافته المحلية). وفي تخطٍّ لموقف أستاذه محمد عبده المهادن، اعترف رضا بحقّ بريطانيا في السيادة على العالم الإسلامي بحكم تفوقها الأخلاقي والعلمي.

استيلاء إيطاليا على طرابلس عام 1911
سريعاً ما ستتلاشى أوهام رضا حول النوايا الطيبة للاستعمار؛ فبعد استيلاء إيطاليا على طرابلس، عام 1911، واندلاع الحرب بين دول البلقان والدولة العثمانية، عام 1912، بدأ رضا يدرك الطبيعة التدميرية للاستعمار وتعقيدات "المسألة الشرقية"، في ظلّ الأطماع المتنامية للدول الكبرى في اقتسام "إرث الخلافة"، وفي صدارتها بريطانيا "العاقلة"، كما كان يسميها.
بدأ رضا يفقد الأمل في بريطانيا، وقرّر معارضتها علناً، والتحريض على وجودها في المجتمعات الإسلامية، وعّززت الحرب العالمية الأولى نزعته العدائية تجاهها، حتى أصبحت بريطانيا في عُرفه هي "الشيطان الأكبر" حصراً؛ وتبرّع بإصدار ثاني فتوى "تكفير سياسي" في العالم الإسلامي الحديث (كانت الأولى من نصيبه أيضاً، حين كفّر الحاكم المستبد أثناء صراعه مع السلطان عبد الحميد)؛ إذ رأى أنّ الحياة تحت سلطان بريطانيا "كفر صريح ورِدّة عن الإسلام"، ورغم هذا الجنوح (المتوقع من أيّة أصولية: إصلاحية أو سلفية) نحو التكفير، لم يطوّر رضا أيّة نظرية للجهاد ضدّ الاستعمار.
في هذا الزمن، دخلت الخلافة العثمانية بخطى واسعة وسريعة مرحلة أفولها، وتنافست القوى العظمى على تركة الإمبراطورية، واحتلّ الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) أراضي تركيا نفسها، فيما حاول مصطفى كمال أتاتورك ردّ الثقة إلى الجيش والشعب، عبر النضال ضدّ المحتلين، في وقتٍ كانت فيه الحكومة العثمانية متورطة في مساومات مع الدول الأوروبية، انتهت بقبولها بمعاهدة "سيفر" 1910 المهينة؛ التي كرّست تمزيق الإمبراطورية، إلا أنّ أتاتورك حطم المعاهدة علمياً، باسترداده منطقة "أزمير"، الداخلة ضمن بنود المعاهدة.
آنذاك، كان كلّ نصر يحققه الكماليون يُخصم من رصيد السلطنة العاجزة، ويعزز إمكانية إطاحتها، حتى إذا جاء عام 1922 ألغى المجلس الوطني في أنقرة السلطنة، وأعلن تركيا دولة جمهورية، وهو قرار لاقى تأييداً جارفاً في مصر، التي ماهت بين حركتها الوطنية ونظريتها التركية، وتأييداً حذراً في بقية العالم الإسلامي، لكن بعد دفع القرار إلى نتيجته المنطقية بإلغاء الخلافة، عام 1924، ثارت ثائرة العالم الإسلامي.
كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة، والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها، وكان هذا ما اشتُهر به لاحقاً.

للمشاركة:

"الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

2019-07-03

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من النظريات الكبرى، التي حاولت أن تفسر الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً بردّه إلى المبدأ الواحد (اللوجوس). وقد ظهرت هذه النظريات في حقول معرفية عدة، كان منها الأحياء؛ حيث برزت فيها "نظرية التطور" التي أطلقها تشارلز داروين، وقد لاقت النظرية قبولاً كبيراً في أوساط الجماعة العلمية آنذاك، في حين لاقت معارضةً كبيرة من المؤسسات الدينية المسيحية.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة

وتقوم النظرية على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير على مدار الزمن، هذا التغير يأخذ شكلاً تدريجياً؛ حيث تحدث تطورات كمية ونوعية في البنية الأساسية للكائن الحي. ويستند التطور إلى قاعدة حتمية هي؛ أنّ البقاء للأصلح، وأنّ التكيف أساس البقاء، بمعنى أنّ أساس بقاء الكائن الحي مرهون بصلاحيته، وصلاحيته تعتمد بشكل كلي على قدرته على تكييف نفسه مع الواقع من حوله.
وكان المفكر المصري سلامة موسى من أوائل من استقبلوا بحفاوة النظرية الداروينية، فأنشأ يكتب عنها وفيها، متأثراً بميوله العلمية وتفكيره الاشتراكي المادي، ودعوته إلى أنّ محاكاة الغرب والتجربة الحضارية التي خاضها هي الكفيلة بارتقاء المجتمع المصري.
ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧ بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق، كما تقول كتب السيرة المتصلة به، بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣.
تشارلز داروين

الرحلة إلى الغرب
سافر عام ١٩٠٦ إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثراً كبيراً بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

داروين رفع الإنسان إلى العلياء، وأثبت أنّه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: "مقدمة السوبرمان"، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتاباً آخر بعنوان: "نشوء فكرة الله"، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديراً للشعوب وإغلالاً لأيديها. كما تَبَنَّى موسى كثيراً من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم، وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
المفكر المثير للجدل
توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨، تاركاً إرثاً مثيراً للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيراً للطبقات الكادحة، ومحررا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: "إن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً؛ هو أنه غير عربي". كما قال: "إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى". وقد هوجم سلامة موسى من "مجلة الرسالة" الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه "معادٍ للإسلام"، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى "دجال ومشعوذ".

اقرأ أيضاً: الإسلام والداروينية عند أمين خولي
ومن بين كتبه التي ألّبت عليه المحافظين من الكتاب والأدباء المصريين، كتابه "الإنسان قمة التطور" الذي نشره مسلسلاً، ثم جمعه في كتاب صدر عن دار المعارف بمصر، وهنا نورد منه ما يأتي:
كتابه "الإنسان قمة التطور"

مقتطفات من كتاب الانسان قمة التطور للكاتب سلامة موسى:
الشاب الذي درس التطور في الأحياء؛ نباتاً، وحيواناً، لا يتمالك أن يحس إحساساً دينياً نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضاً أن يحس المسؤولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءاً عاملاً في هذا التطور، ويمكن أن يعد التطور بهذا الفهم ديناً أو مذهباً بشرياً جديداً.
اللغة بدورها تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

اقرأ أيضاً: ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟
إنّ كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

ما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ لغيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة

الزراعة أنتجت الحضارة، والكتابة أنتجت الثقافة. وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت ممكنة، وصار الذكاء مدرباً على الفهم العام، ورويداً رويداً تحول البحث "النظري" الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.
إنّ التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت عليها الأديان التي تعلمها أنّ السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأنّ العقيدة الدينية أهم من البترول.
(لا تعتني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عاراً على نفسك وعلى عائلتك). هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها صحيحة، وأنّ هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيراً سرياً كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيّره أو يغيّر البصيرة البشرية فيه.
وبعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه، لم يعد داروين عاراً على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا التوبيخ الأبوي، تأمّل داروين حياته الماضية، وبلغ ما أتمّه من الخدمة في التوجيه. قال: "أظن أنّ أبي قد قسا عليّ بعض القسوة".
جاليليو وداروين
لقد قيل: إنّ جاليليو حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضاً نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة حيواناً كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحسّ أنه تاج التطور، وأنّ له الحق في تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية الجديدة؟

جاليليو
الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نُغفل الشخصية؛ وما دام كل فرد يولد مختلفاً عن الآخر في الحيوان والنبات، فإنّ هذا الاختلاف ينطوي بلا شك على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟
نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما نالوا من كفايات في حياتهم، فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأنّ طفل الحيوان يولد من الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به.
العادة والوراثة
وإذاً، مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ، ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد تحيله إلى مجرم أو وحش، فإنّ أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي عاشها.

اقرأ أيضاً: سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار
الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط منه كفايات أو يقتل فيه كفايات.
فإذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق والتعاون وتستنبط منا أجمل الفضائل، فإنّ ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون.
وما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة.

للمشاركة:

كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟

2019-06-26

ليست هناك مبالغة في القول بأنّ مدرسة "الإصلاح" الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي، ومنذ إرهاصاتها الأولى واجهت تلك المدرسة مأساة تخلّف العالم الإسلامي قياساً على الغرب؛ ولأنّ إنكار هذا التخلّف كان مستحيلاً اعترفت به، إلا أنّها رفضت بشكل قاطع ربطه بالإسلام، وإن كان هذا مفهوماً بحكم انطلاقها من أرضية إسلامية أصلاً، إلا أنّ رد الفعل بمجمله ترتب عليه نتائج إشكالية للغاية.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟

بُنيت الفكرة الإصلاحية برمّتها على فرضيّتين متلازمتين: الأولى أنّ هناك فارقاً جذرياً بين الإسلام (كمفهوم معياري) وبين الإسلام المعاصر (كواقع قائم)؛ وبالتالي كانت مهمتها الأساسية ردم هذه الفجوة بين الواقع والمثال، والثانية صلاحية الإسلام كصيغة حضارية للوجود في العصر الحديث (وهذا أيضاً يمكن تفهمه وإلا كان أعلام الإصلاح مطالبين بالتسليم باللاجدوى التاريخية لما اعتُبر أساس وجود الأمة).

الإسلام الصحيح والمعاصر

إذن، وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام من حيث هو جوهر متعالٍ، وبين المسلمين كورثة غير جديرين لحمل هذه الرسالة العظيمة، وبناءً على هذا الفصل تم تفسير وضع اللاجدارة الذي عليه المسلمون؛ فـ"بابتعادهم عن الله ابتعدت عنهم الأمجاد والانتصارات في الدنيا" (نص على ذلك محمد عبده في كتابه: الإسلام دين المدنية والعلم)؛ و"لم يكن الله هو من تخلى عن أمته وتخاذل عن تمكينها ونصرتها بل كانت الأمة هي من تخلت عن الوعد الإلهي وخذلته" (كما يقول جمال الدين الأفغاني في إحدى خاطراته).

مدرسة الإصلاح الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي

لكن بأي وسيلة يمكن فصل الإسلام الصحيح عن الإسلام المعاصر؟ سيتساوى في الإجابة عن هذا السؤال كلٌّ من الأصولية الوهابية وأصولية الإصلاح، فكلاهما رأتا في مفهوم "البدع" آلية حاسمة في الفصل بين الإسلامين؛ فالشوائب التي ألصقت بالإسلام ولم تكن فيه من الأصل عبر تراكم تاريخي طويل هي التي أفسدت نقاءه، بالنسبة إلى الوهابية، حتى أصبح هو والكفر سواء، وهي التي حرّفت مساره في تقدم المسلمين ورِفعتهم، بالنسبة إلى "الإصلاح"، وبالتالي هي السبب الحقيقي في تخلف المسلمين وهزيمتهم.
بالوصول إلى هنا يمكن فهم المعضلة الإصلاحية على النحو التالي: كانت سيادة الأمة الإسلامية على باقي الأمم قاطبة أحد الأسس المركزية للوعي المسلم منذ انطلاق أول جيش للفتح في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وحتى ظهور أعراض الضعف على الخلاقة العثمانية في القرن الثامن الميلادي؛ فلما تحدى "الغرب" هذه السيادة وسحقها وفرض على الجسد الجغرافي الإسلامي سيادته هو، لم يكن هناك مفر من التمييز بين إسلام واقعي ويومي وزائف ومهزوم وبين إسلام مفارق ونقي وأصلي وصحيح لم يُهزم ولم يُخضع بل لا يزال صالحاً، عند استدعائه بجدية، للنصر والتمكين.

 جمال الدين الأفغاني
هكذا زرعت مدرسة "الإصلاح" بذور أصولية من نوعٍ جديد؛ تفترض وجود إسلام "أصلي" و"صحيح" يجب استدعاؤه كي تعود للأمة سيادتها على واقعها وتمارس "أستاذيتها" على العالم، ويتم لها التقدم. أما مكونات هذا الإسلام المثالي فهي: القرآن الكريم، السنة النبوية، السلف الصالح (الذي جسد هذا الإسلام الحقيقي تجسيداً مثالياً دون شوائب، كما يعتقد المصلح الأصولي).

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
وعلى هذا النحو لا بد من تمييز الفارق بين الأصوليات السابقة (الوهابية) وأصولية "الإصلاح"، وهو فارق يتعلق بالأساس بالهدف من استدعاء "الإسلام الصحيح" إلى العالم، فبالنسبة إلى الأولى كان الاستدعاء قائماً على أسس عقائدية بحتة تتعلق بتطهير الدين من الأدران التي علقت به كي يتم للناس إيمانهم، أما الأخيرة فالمسألة مرتبطة بمهمة الإسلام في العصر الحديث: توحيد المسلمين في مواجهة الآخر الاستعماري، وتحقيق النهضة وهو ما يستوجب تطهيره.
تطهير الإسلام إذن كان مجرد وسيلة كي يتمكن من تنفيذ مهمته في العالم، لذا حُدّدت أهداف التطهير بدقة: استئصال الصوفية، بعد تحميلها مسؤولية القضاء على الفاعلية التاريخية للإسلام بتكريسها للإيمان السلبي والانسحاب من العالم والعزوف عن الدخول في معترك الحياة وخوض معارك التقدم والحضارة. سيكون هذا النوع من التطهير من العلامات المميزة للإسلام الحركي، لاحقاً، في سعيه الدؤوب نحو تفكيك بنية "التدين الشعبي" وفي هذا لا يمكن العثور على أي فارق يُذكر بين جمال الدين الأفغاني وبين حسن البنا، كما لا يمكن التفريق بين موقف محمد عبده الرائي في الصوفية خطراً على "الإسلام الصحيح" وموقف رشيد رضا تجاهها.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ومفهوم "الإسلام الصحيح" كما عبرت عنه مدرسة الإصلاح كان سابقة تاريخية في حد ذاته؛ فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها النظر إلى الإسلام كما لو كان كياناً واحداً يتجاوز اختلافات الفرق والمذاهب عن طريق العودة إلى ما اعتُبر أصلاً أولاً، كما كانت هذه أول صياغة فكرية للأصولية الإسلامية بشكلها المعروف حالياً، من حيث القفز على التاريخ المتشعب للإسلام وتعددية الحاضر نحو توحيد المسلمين في مواجهة الآخر والتأخر، كما استنتج شريف يونس في كتابه "البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر" 2014.
أما عن الكيفية التي تمكنت بها الأصولية (الإصلاح، الإسلام الحركي) من القفز على تاريخ الإسلام المتشعب، فقد كانت عبر الانتقائية حصراً: انتقت مدرسة الإصلاح مسيرة السلف الصالح من بين كل العصور والتفت حول ما نُسب إليهم من قول أو عمل، وانتقى الإسلام السياسي "الشريعة" من بين كل التراث الباذخ الثراء للحضارة الإسلامية.
"البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر"

أوجه متباينة للإصلاح
مع ذلك، يمكن القول إنّه على الرغم من أنّ أعلام مدرسة الإصلاح اتفقوا على الخطوط العريضة للرؤية الإصلاحية إلا أنّه كانت هناك فروق مهمة، بها تميز محمد عبده عن أستاذه جمال الدين الأفغاني وتلميذه رشيد رضا؛ فمثل الأفغاني وضع عبده التراث الإسلامي "بين قوسين" لينتقي منه ما يناسب خطته للإصلاح، ومثله وضع علامات استفهام كبرى حول الدور الذي بإمكان علماء الدين أن يلعبوه في معركة النهضة؛ في ظل تجاهلهم لمصادر الإسلام الأساسية واستعاضتهم عنها بالحواشي والشروح، إلا أنّه وبحكم تكوينه الأزهري واطلاعه على الثقافة الحديثة في آن، كان مدركاً للمشكلات البنيوية للفقه في ظل الأوضاع المعاصرة؛ وبالتالي كان أكثرهم تأهيلاً لتقديم رؤية تجديدية.

وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام والمسلمين كورثة غير جديرين لحمل رسالته العظيمة

مثل أستاذه وتلميذه لم يكف عبده عن التأكيد على مركزية الأسس الثلاثة للإصلاح الإسلامي: القرآن الكريم، السنّة النبوية، السلف الصالح، إلا أنه رفض مقتضيات هذا التأكيد؛ وأصر على عدم قبوله بأي مقيد للعقل والاجتهاد سوى القرآن الكريم والسنّة النبوية، وبالتالي أطاح عملياً بالأهمية الحاسمة لإجماع السلف الصالح (على عكس أي أصولي مسلم في العصر الحديث) ولم يكتف بذلك بل حاول حصر سلطة السنّة في الأحاديث القطعية الدلالة والثبوت مع التشكك في صحة الكثير من أحاديث الآحاد، بل وتمادى في توسيع نطاق الاجتهاد وحرية العقل حتى مع وجود نصوص قرآنية، ويمكن تفسير اتجاهاته التأويلية ذات الطابع العقلاني على ضوء مساعيه هذه.
في المقابل، لم يكن الاجتهاد عند الأفغاني يعني أكثر من "الاهتداء بهدي القرآن وصحيح الحديث" (كما يقول أحمد صلاح الملا في كتابه: جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة.. رشيد رضا ومجلة المنار 1898 - 1935).
على النقيض من الأفغاني ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة

انقلاب الإمام على الأستاذ
كيف يمكن تفسير هذا الاختلاف بين الأستاذ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده؟ للإجابة على هذا يمكن النظر على استراتيجية الأفغاني في الإصلاح والتي كانت بمثابة رد فعل سياسي مباشر وواضح على التهديد الغربي، على عكس استراتيجية عبده التي، وإن كانت بمثابة صدى للتهديد الغربي، تمحورت حول إعادة بناء المجتمع المسلم على أسس جديدة، وبالتالي كانت مواجهته للتهديد الغربي حضارية بالأساس وعلى المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
في مواجهة الاختراق الغربي للتشكيلة الاجتماعية الإسلامية شرع الأفغاني في الدعوة إلى "الانغلاق" و"التقوقع" و"الاكتفاء الذاتي"؛ إذ اعتقد أنّ فتح الأبواب أمام الثقافة الغربية من شأنه تقليد المتعلمين المسلمين للأوروبيين والاستكانة لحكمهم والرضا بسلطانهم؛ لذا هاجم بقسوة، غير مبررة، "الأفندية" الذين حصلوا على تعليم غربي، واعتبرهم طلائع الاختراق الغربي لـ "دار الإسلام" وبديلاً عن التعليم طرح الأفغاني حلاً بسيطاً: العودة إلى الأصول. على مضضٍ سمح باقتباس أدوات القوة العسكرية والتقنية من الغرب (وستكون هذه الرؤيا بمثابة المدماك الأول في مشروع حسن البنا لتأسيس جماعة دينية/سياسية تواجه التغريب).

سؤال فصل الإسلام الصحيح عن المعاصر يتساوى في الإجابة عنه كلّ من الأصولية الوهابية والإصلاحية

وعلى المستوى السياسي تبنّى الأفغاني فكرة الجامعة الإسلامية التي يمكن بواسطتها مقاومة الأطماع الأوروبية من خلال الانضواء تحت راية الخلافة العظمى، ومن هنا كانت السياسة هي المهماز الذي يحرِّك الأفغاني في جميع القضايا، و"لم يكن لوعيه أن يولد إلا في ظل أوضاع يبدو فيها المسلمون في حال من الذل والهوان بإزاء قوة أجنبية غالبة ومهيمنة" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988.
بعد مسيرة سياسية ذات طابع ثوري قصير النفس، كان فيها خاضعاً لتأثير الأفغاني، انقلب محمد عبده على أستاذه ورأى أنّ الصراع مع الغرب ليس له الأولوية العاجلة، وأنّ مشكلات مصر والعالم الإسلامي لا تكمن في الوجود الغربي، بل في البناء الفكري الإسلامي نفسه، وهو ما يتطلب وضع مشروعٍ للإصلاح التدريجي البطيء.

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وعلى النقيض من الأفغاني، ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة؛ لذا طالب المسلم بالكف عن الاستعلاء لمجرد كونه مسلماً، ودعاه إلى إثبات جدارته في الحياة بالاشتباك مع الواقع والمشاركة في الحضارة.
في المحصلة، انتهى الإصلاح الذي بدأ كشكل من أشكال المقاومة للوجود الاستعماري الغربي عبر توحيد المسلمين في مواجهته عند محمد عبده إلى موقف يائس كلياً وسلبي بالكامل، (كما يقول ألبرت حوراني في كتابه: الفكر العربي في عصر النهضة) 1961، بعد إقراره بأنّه ما دامت مصر عاجزة عن طرد الإنجليز فلتحاول الاستفادة من وجودهم، إلى درجة أنّ اللورد كرومر، عميد الإدارة الاستعمارية في مصر، رأى في محمد عبده "حليفاً موضوعياً"، فلم يكن من قبيل الصدفة أنّ القطيعة بين الأستاذ والإمام بدأت في هذه المرحلة بالذات.

للمشاركة:



ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:

تونس: الموت لا ينهي معاناة المهاجرين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

لم تنته معاناة المهاجرين المجهولين، الذين غرق مركبهم قبالة سواحل تونس قبل نحو أسبوعين، رغم وفاتهم؛ حيث رفضت السلطات المحلية ببعض مدن الجنوب التونسي دفن جثثهم، في مقابر التونسيين، أو تخصيص مقابر خاصة بهم، ما أثار جدلاً واسعاً في البلاد، واتهامات بسوء معاملة الذات البشرية.

بلديات تونسية ترفض دفن المهاجرين الذين غرق مركبهم قبل نحو أسبوعين

ورفضت بعض البلديات دفنهم، في المقابر التابعة لها، على غرار بلديتي قابس ودخيلة توجان، التابعتين لمحافظة قابس، وفق ما نقلت وكالات أنباء تونسية.

وردّاً على الجدل؛ أكّدت بلدية دخيلة توجان، على صفحتها في موقع فيسبوك؛ أنّه "بعد التشاور مع مجموعة من المواطنين والمجتمع المدني تبين اختلاف وجهات النظر حول دفن مجموعة من الغرقى في مقبرة دخيلة توجان، وتجنباً للاختلاف، رفضت البلدية دفنهم في مقابرها".

وأرجعت مصادر محلية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، السبب إلى كونهم "غير مسلمين".

وفي هذا السياق، رأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ أنّ ما وقع أثناء انتشال الجثث ونقلها نحو مستشفى قابس، ومن ثم البحث عن أماكن للدفن "مخجل من حيث التعامل مع الذات البشرية بعد الموت"، موضحاً أنّه "تمّ نقل كثير من الجثث في شاحنات معدة أساساً لنقل الفضلات، إضافة إلى محاولات عدد من البلديات التخلي عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية في إيجاد مكان لائق للدفن".

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يؤكّد أنّه تمّ نقل الموتى في شاحنات نقل الفضلات

وأضاف المنتدى: "بقدر ما نرحبّ بأخذ عينات من الحمض النووي للجثث، وحفظها، لتمكين عائلاتهم في مرحلة لاحقة من التعرّف إلى جثث أبنائها، فإننا نعبّر عن سخطنا مما قامت به بلدية جرجيس، من دفن جماعي في حفرة واحدة لجثث المهاجرين"، داعياً السلطات إلى تحمّل مسؤولياتها في إيجاد مقابر لجثث المهاجرين، بما يحفظ الكرامة بعد الموت، ويعطي أملاً لعائلاتهم في التعرف إلى جثث أبنائها، وإعادة دفنهم.

وانتشلت يوم السبت الماضي، آخر جثة لركاب المركب الغارق قبالة سواحل مدينة جرجيس التونسية، من قبل وحدات الحرس البحري والحماية المدنية ومتطوعي الهلال الأحمر التونسي، ليبلغ العدد الإجمالي للجثث التي تم انتشالها 82 جثماناً، من بين 86 مهاجراً غادروا ليبيا في اتجاه السواحل الإيطالية، وتم إنقاذ 4 منهم، قبل أن يتوفَّى أحدهم بمستشفى جرجيس، وتمّ إيواء الثلاثة الآخرين في أحد مراكز المهاجرين.

 

للمشاركة:



هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:

حزب الله يبحث عن المال في أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

تعيد أجهزة الاستخبارات الأوروبية تركيز جهودها لمكافحة انتشار حضور حزب الله داخل بلدان الاتحاد الأوروبي. يأتي ذلك على خلفية التصعيد بين إيران والولايات المتحدة من جهة وعلى خلفية الجدل الداخلي في أوروبا حول تباين مستويات التعامل مع حزب الله بين الدول الأعضاء من جهة أخرى.

وتقول مصادر أوروبية إن المزاج الأوروبي عامة تقوده رؤية ألمانيا التي ما زالت تدعو إلى التمييز بين الجناحين السياسي والعسكري في مقاربة العلاقة الأوروبية مع حزب الله. غير أن تقارير أمنية في ألمانيا نفسها بدأت تدق ناقوس الخطر محذرة من الأنشطة المقلقة التي يقوم بها حزب الله على الأراضي الألمانية.

ونقلت مصادر متخصصة عن وكالة الاستخبارات في مدينة هامبورغ في ألمانيا عن أن معلوماتها تفيد بأن لـ30 مسجدا ومركزا ثقافيا في ألمانيا صلات ما بتنظيم حزب الله.

تطرح هذه المعطيات أسئلة حول مسألة تعاطي الاتحاد الأوروبي وألمانيا خصوصا مع حزب الله. وفيما يضع الاتحاد الأوروبي منذ عام 2013 الجناح العسكري للحزب على قوائم الإرهاب، فإن بريطانيا وهولندا هما الدولتان الوحيدتان في الاتحاد اللتان تضعان حزب الله بجناحيه السياسي والعسكري على هذه القوائم.

وانضمت لندن في قرارها مؤخرا إلى واشنطن في عدم التفريق بين الجناحين السياسي والعسكري. وقال وزير الداخلية البريطانية، ساجد جاويد، في فبراير الماضي إن “حزب الله يواصل محاولاته لزعزعة استقرار الوضع الهش في الشرق الأوسط، وإننا لم نعد قادرين على التمييز بين جناحه العسكري المحظور بالفعل والحزب السياسي”. وأضاف “بسبب ذلك، اتخذت القرار بحظر الحزب بأكمله“.

والظاهر أن بريطانيا مارست صبرا طويلا قبل أن تتخذ قرارها الجديد حيال حزب الله لاسيما أن لندن كانت على علم بالأنشطة الخطيرة التي يمارسها الحزب في بريطانيا. وكانت صحيفة “الديلي تلغراف” كشفت في يونيو الماضي أن بريطانيا أحبطت محاولات حزب الله تخزين متفجرات في لندن عام 2015.

واستنادا على معلومات حصلت عليها من وكالة استخبارات أجنبية، داهمت قوات تابعة لجهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5) وشرطة العاصمة لندن أربعة عقارات في شمال غرب لندن، وعثرت على الآلاف من أكياس الثلج التي احتوت على مادة نترات الأمونيا التي تُستخدم في صنع القنابل، بحسب تقرير الصحيفة.

كان المخطط جزءا من خطة أوسع لحزب الله لوضع الأساس لهجمات، وأشار التقرير إلى عمليات تم إحباطها لحزب الله في تايلاند وقبرص ونيويورك. 

وأفاد التقرير أن الاعتقال جاء بعد أشهر من انضمام بريطانيا إلى الولايات المتحدة وبقية الدول الموقعة على الاتفاق النووي مع إيران، وقدّرت الصحيفة أن السبب في عدم الكشف عن المخطط الإيراني هو محاولة تجنب إفشال الاتفاق مع طهران.

وبالعودة إلى تقرير أمني ألماني كشف مؤخرا، فقد أعلنت وكالة الاستخبارات في هامبورغ عن رصدها لحوالي 30 مسجدا وجمعية ثقافية يجتمع داخلها أعضاء تابعون لحزب الله أو أنصار متأثرون بعقائد الحزب وأيديولوجياته في ألمانيا.

وتكشف وثيقة صادرة عن الوكالة مؤلفة من 282 صفحة، أن “جمع التبرعات هو إحدى أهم مهام الجمعيات” حيث يجتمع عملاء حزب الله. وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله اعترف بالضائقة المالية التي يعاني منها الحزب، مناشدا مناصريه للتبرع للحزب في لبنان والعالم.

وعلى الرغم من أن عمليات التبرع كانت ناشطة لصالح الحزب في العالم، إلا أن لاستمرارها في هذه الآونة التي يتعرض فيها الحزب لعقوبات أميركية مشددة وتتعرض فيها إيران لعقوبات تاريخية، وفق تعبير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يعتبر تورطا في المشاركة بالجهد الحربي المعتبر إرهابيا لدى الكثير من دول العالم.

ويعمل حزب الله في ألمانيا من خلال جمعيات لاحتضان الجاليات اللبنانية لاسيما تلك المناصرة للحزب لدى الطائفة الشيعية. وتشتغل هذه الجمعيات على تنظيم العلاقة ما بين “جمهور حزب الله” في الخارج وشبكاته الداخلية والأوروبية.

وتثير وثيقة الاستخبارات مسألة حجم المبالغ المالية التي يرسلها أنصار حزب الله في ألمانيا إلى لبنان. وتتحدث مصادر ألمانية عن أن أموالا مصدرها ألمانيا تشارك في تمويل أنشطة الحزب العسكرية وعملياته الأمنية في لبنان وسوريا ومناطق أخرى في العالم، ما يعزز القلق حول علاقة الاقتصاد الألماني بتوفير جانب من الوفورات المالية التي قلّصتها العقوبات الأميركية وحاصرت شبكاتها في العالم.

وكانت مصادر صحافية كشفت عن وجود مراكز ثقافية يسيطر عليها حزب الله في مدينتي بريمن ومونستر إلى جانب أماكن أخرى في ولاية ساكسونيا السفلى. ويُظهر تقرير الاستخبارات في هامبورغ حضورا أكبر وأوسع لحزب الله من ذلك الذي سبق للسلطات الألمانية أن رصدته.

ويكشف التقرير عن أنشطة لحوالي 30 مناصرا يعملون لصالح حزب الله في هامبورغ فيما يعمل 1050 مناصرا للحزب في جميع أنحاء ألمانيا. ويقول التقرير إن هذه الأرقام موثقة أيضا من قبل وكالات استخبارات أخرى في ألمانيا.

وأكد تقرير أصدرته وكالة الاستخبارات في ولاية ساكسونيا السفلى أن عدد أعضاء حزب الله وأنصاره ارتفع من 950 في عام 2017 إلى 1050 في عام 2018. وأشار تقرير الاستخبارات، المكون من 192 صفحة، والذي أعده عملاء المخابرات من جهاز أمن الدولة، إلى وجود 150 من عناصر حزب الله في ولاية سكسونيا السفلى وحدها.

وقال التقرير “في ألمانيا، يحافظ أتباع حزب الله على تنظيمهم وأيديولوجيتهم وتماسكهم في جمعيات مرتبطة بالمساجد المحلية التي يتم تمويلها بشكل أساسي من خلال التبرعات”، مشيرا إلى أن أنصار حزب الله ينشطون في عدد من المدن والبلدات في ولاية سكسونيا السفلى، من بينها هانوفر وأوسنابروك وأولزين.

وبحسب تقرير لوكالة الاستخبارات ولاية شمال الراين-وستفاليا، الأكثر اكتظاظا بالسكان، فإن عدد عناصر الحزب ارتفع في العام 2017 من 105 إلى 110 عناصر في 2018 في الولاية المذكورة. وجاء في التقرير الاستخباراتي الألماني، أن مركز الإمام المهدي في مدينة مونستر مثّل منصة ومكانا للتلاقي بالنسبة إلى مؤيدي الحزب في الولاية، إلى جانب مدن بوتروب ودورتموند وباد أوينهاوزن. ولفت إلى أن حزب الله يمتلك مراكز في هامبورغ وبرلين ومونستر.

وتتحدث مصادر أوروبية عن أن سوء التفاهم المتنامي بين إدارة ترامب في واشنطن والاتحاد الأوروبي ما زال عائقا لتوحيد معايير الطرفين في التعامل مع حزب الله. ففيما عدا بريطانيا وهولندا فإنه، ووفق ما ينقل عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، فإن تغيير الموقف من حزب الله يحتاج إلى إجماع أوروبي.

ولطالما تذرّع موقف أوروبا بأن مهادنة حزب الله تتعلق بسلامة الجنود الأوروبيين المشاركين بالقوات التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن الأمر يتجاوز ذلك إلى رغبة أوروبية في اختراق الأسواق الإيرانية لاسيما بعد إبرام الصفقة النووية، وبالتالي فمهادنة حزب الله هدفها مهادنة إيران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

معركة عام ونصف مع إيران

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

عبد الرحمن الراشد

خلال الأسابيع القليلة الماضية، نشطت الدبلوماسية الدولية تسعى لمنع قيام معركة على ضفتي الخليج. ورغم هذا الجهد، يتزايد عدد القطع البحرية العسكرية من الجانبين المستعدة للقتال.
وفي الوقت نفسه، تُستكمل تفاصيل تحالف بحري عسكري دولي يجري لتكوين قوة ترافق الناقلات النفطية في مياه الخليج، وتردع أي اعتداءات بحرية إيرانية. ومشروع أسطول الحماية هذا يسعى لتحقيق غاية أساسية؛ منع قيام حرب إيرانية خليجية أميركية، وفي الوقت نفسه الاستمرار في حرمانها من بيع نفطها، حتى يؤدي الاحتواء دوره، الذي يهدف إلى الضغط على نظام طهران للتفاوض، وقبولها بالشروط المعلنة.
لا نريدها أن تصدر النفط، وفي الوقت نفسه لا نريد حرباً؛ معادلة صعبة، والأصعب ضمان استمرارها عاماً ونصف العام، حتى يحين موعد الانتخابات الأميركية وحسم الرئاسة، باستمرار دونالد ترمب في البيت الأبيض، صاحب المشروع، أو حتى يتبيَّن الخلف، وما هي سياسته.
ولا يخفي الجانبان، الإيراني والأميركي، اعتبار هذا التاريخ موعداً حاسماً للأزمة. وحتى ذلك الحين، لن تقوم الحرب، ولن يسقط النظام الإيراني، وربما لن يكون هناك حل يتم التفاوض عليه؛ الأمر الذي يتطلب ضبط الأعصاب، والامتناع عن ردود فعل قد تتسبب في حرب لا أحد يرغب فيها.
خلال هذه الفترة الفاصلة إلى موعد الانتخابات، هناك مخاطر محتملة. فإيران ستستمر في التصعيد والعدوان في المناطق المحيطة بالخليج، واستهداف مصالح أميركية أو خليجية خارج حدودها، عبر وكلاء طهران من ميليشياتها في المنطقة. والتحدي القائم، والأخطر، هو رفعها نسبة التخصيب، وسيعطي الاعتراف الإيراني بذلك لإسرائيل حجة «مشروعة» لقصفها خلال الأشهر المقبلة. وفي حال وقوع الهجوم الإسرائيلي، ستكون ردود فعل إيران عسكرية، لكن في أي اتجاه؟ إيران تخشى من التورط في حرب غير محسوبة مع إسرائيل التي قد ترد بعنف، وبأسلحة غير تقليدية، في حال أمطرت إيران مدنها بهجمات صواريخ واسعة. ولهذا قد يكون الخليج الهدف الأقرب، والأرجح أنها ستدفع «حزب الله» في لبنان إلى مهاجمة إسرائيل، وتوسيع دائرة الأزمة.
لهذا، أمام السياسيين احتمالات سيئة كثيرة، وعليها يبنون اليوم تحالفات موجهة ضد إيران، هدفها إرسال رسالة تقول إن الحرب لن تكون مشروع ترمب وحده، ولا هي حرب أميركية فقط. كما أنها تكتب مرافعة قوية موجهة للرأي العام الداخلي والدولي، توضح أنها لا تريد حرباً إلا إذا كانت في حال دفاع عن النفس، مفروضة عليها، وهي الضحية.
ماذا عن الحصار الاقتصادي الذي تعتبره إيران بمثابة إعلان حرب عليها؟ الحكومة الأميركية، من الناحية النظرية، لم تمنع إيران من بيع نفطها، أي أنها لا تمنع ناقلات النفط من أن تملأ صهاريجها، وتغادر ميناء بندر عباس، وتبيعه لمن تشاء. ليس ممنوعاً أن تبيعه، بل الممنوع هو أن تشتريه دول وشركات لها مصالح مع الولايات المتحدة، وإن فعلت ستمتنع أميركا عن المتاجرة معها، عقاباً. هنا، يفترض أن تدرك إيران قوة خصومها ونفوذهم، وعليها أن تقبل وتتخلى عن سياستها العدوانية. فلا أحد ينوي شن حرب على إيران، لكن هل بمقدور إيران الصبر، وعدم شن حرب لوقف عملية الخنق التي تتعرض لها؟ لا يبدو أن قادة النظام في طهران قد حسموا أمرهم بعد بشكل نهائي؛ نراهم يختبرون جملة من الخطوات، من تلغيم ناقلات النفط في ظلام الليل، وشن حملات إعلامية تخويفية، وفتح باب التفاوض مع فرنسا على الاتفاق النووي.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية