ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"

ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"

مشاهدة

10/05/2018

تحدث في الندوة مدير "مركز دال"، عصام فوزي، وأدار معه الحوار الباحث محمد عزت

انتظر راموس أكثر من نصف قرن بعد انتحاره في عام 1969 لتصل النكات والدعابات الساخرة التي كتبها إلى المتلقي العربي عموماً والمصري خصوصاً، وللمفارقة، حين وصلت كانت تتمتع بالسحر والقدرة نفسيهِما على إثارة الضحك والشجن في نفس متلقيها، بالرغم من اختلاف الأزمنة والأمزجة وبالرغم مما طرأ على حس الفكاهة العام نفسه من تغير وتبدل. وكأنّ النكات كُتبت اليوم، وكأنّ رام لم يلبث يوماً أو بعض يوم.

راموس - أو رام - هو بطل رواية وجيه غالي "بيرة في نادي البلياردو"؛ الشيوعي في شعاراتِه، والنتشوي في مزاجِه، والطفيلي في حياته، والبرجوازي في نسبه، والقبطي في أصوله، والمصري المتعاطف مع إسرائيل.

تلك الرواية التي صدرت في عام 1964 عن دار بنغوين الإنجليزية - وبذلك يكون غالي أول عربي ينشر في هذه الدار العالمية - هي الرواية الوحيدة لمؤلفها، وهي تعد درباً مختلطاً من فن الرواية والسيرة الذاتية، وبعبارة أخرى، فرام هو وجيه في عيون الكثير من النقاد. وتحكي الرواية قصة شاب مصري شيوعي مع عائلته البرجوازية بعد قيام ثورة 1952.

ولحسن الحظ، حين تُرجمت الرواية أخيراً إلى العربية بعد نصف قرن من صدورها - بنسختين واحدة لكل من إيمان مرسال وريم الريس، وأخرى وزعت توزيعاً محدوداً لهناء نصير -، لاقت استحسان النقاد، بحيث قُدمت الرواية إلى القارئ العربي في إطار دقيق يحافظ على الشحنة العاطفية التي كُتبت بها الرواية في نسختها الإنجليزية.

الرواية صدرت في عام 1964 عن دار بنغوين الإنجليزية

وسرعان ما حقق نص الأديب صاحب الرواية الواحدة، نجاحاً واسعاً بين القراء في مصر، وصارت علامة من علامات الأدب. وربما يعود ذلك إلى حبك الشخصيات الرئيسة في الرواية بطريقة استثنائية، والتعمق نفسياً في وعيهم ولا وعيهم بجرأة منقطعة النظير، وربما يعود إلى الطريقة التي كتبت بها الرواية بأسلوب واقعي في أغلبه بعيداً عن الصياغات الإنشائية والديباجات المملة، وربما أيضاً لأن الكاتب يطرح رؤية مغايرة عن الروايات السائدة حول فترة حاسمة في تاريخ مصر المعاصر؛ خمسينيات القرن العشرين، وربما كذلك لأن كاتبها قد سبر أغوار نفسه إلى الحد الذي جعله يتقاطع مع نفسية قارئ الرواية في كل زمان ومكان لاحق.

هذا وغيرُه يجعل رواية "بيرة في نادي البلياردو"، ذات النجاح الكبير، والتي وصفتها الأديبة أهداف سويف بأنّها "واحدة من أفضل الروايات التي كتبت عن مصر على الإطلاق"، جديرة بالنقاش والدراسة.

قُدمت الرواية إلى القارئ العربي في إطار دقيق يحافظ على الشحنة العاطفية التي كُتبت بها الرواية في نسختها الإنجليزية

ومن هنا، عقد "مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي" بالقاهرة ندوة عن الرواية، الأحد 29 نيسان (إبريل) 2018، تحدث فيها مدير مركز دال، عصام فوزي، وأدار معه الحوار الباحث محمد عزت.

وتأتي تلك الندوة في إطار سلسلة ندوات يعقدها مركز دال تحت عنوان "الشيوعي في الرواية المصرية"، وهي السلسلة التي ستعقبها أخريات تتناول تعاطي الأدب مع الأنماط الشخصية الأكثر تأثيراً في الوعي الجمعي للمصريين في القرن الماضي، وذلك في محاولة لإعادة قراءة التاريخ من زوايا جديدة، غير سائدة لكنها كاشفة في الوقت نفسه.وجيه غالي

إلى هذا، انقسمت الندوة إلى أربعة محاور رئيسة: فكان النقاش في محورها الأول حول رصد طبيعة تلك المرحلة السياسية والاقتصادية الحاسمة في تاريخ مصر والتي تتناولها الرواية، وذلك لفهم طبيعة السياق الذي تتحدث فيه الرواية وتنقده، ومن ثم استفاض الباحث عصام فوزي في شرح طبيعة الحلم الناصري متمثلًا في نموذج "رأسمالية الدولة" الذي أرساه عبد الناصر في حكمه، وسلبيات وإيجابيات تلك المرحلة. ومن ثم حاولت المناقشة التأكيد على محاولة الخروج في النقاش من حالة الافتتان العام بالرواية، إلى محاولة فهمها ونقدها.

وفي المحور الثاني من الحوار، تركز الحديث على الطريقة التي حبكَ بها غالي شخصيات الشيوعيين في روايته، ممثلين في رام وإدنا اليهودية وفونت والدكتور حمزة الذي يدير المشهد الحركي السياسي من خلف الستار. وفي هذا السياق، أكد الباحث عصام فوزي أنّ حبك الشخصيات والحوار بين الشيوعيين في الرواية كان ينقصه الحديث عما كان يشغل الساحة بالفعل فيما يتعلق بالحركة الشيوعية المصرية في تلك الفترة، وبعد التحليل خلص الباحث عصام فوزي إلى نتيجة مفادها أنّ الرواية لم تعرض شخصيات شيوعية بالفعل، وإنما هي شخصيات شيوعية، اسماً فقط، بعيداً عن المضمون.

وتناول المحور الثالث من النقاش طبيعة النقد الذي قدمه غالي للحقبة الناصرية، خاصة لأنه نقد غير شائع، فهو ينتقد عبد الناصر كونه لم يأخذ بجدية برامج تحديد النسل، كما انتقد اعتقال المصريين المتعاطفين مع إسرائيل في الحركة الشيوعية وتعذيبهم، وانتقد أيضًا تعامل النظام الناصري برقة مع طبقة النظام الملكي المخلوع، وأن عباد الناصر أبقى على امتيازاتها، وفي هذا الصدد أكد فوزي أنه ما من مصريين كانوا يعذبون في سجون عبد الناصر بسبب تعاطفهم مع إسرائيل، وأن غالي كان متأثرًا بالنقد الـ"مالتوسي" الخاص بتحديد النسل في هذا الزمن، لكن نقده بعيد عن الواقع، مع ذكر فوزي لأكبر المشاكل والثغرات في نظام عبد الناصر، والتي كانت في رأيه بعيدة عن النقد الذي وجهه غالي.  

تأتي تلك الندوة في إطار سلسلة ندوات يعقدها مركز دال تحت عنوان "الشيوعي في الرواية المصرية"

وفي المحور الخامس والأخير، جرى النقاش حول النقطة الأكثر حساسية في الأمر، وهي طبيعة التعاطف مع "إسرائيل" التي تظهر طوال الرواية، ومسألة أن ذلك يعطي صورة للقارئ كما لو أن الحركة الشيوعية المصرية كانت متعاطفة مع "إسرائيل". وفي هذا الصدد، أكد المشاركان في الندوة أنّ الحركة الشيوعية قد افتتنت بالفعل في فترة من الزمن بالنموذج الإسرائيلي.

وشرح فوزي طبيعة العلاقة بين الماركسية والصهيونية، واستشهد بما كتبه ماركس حول المسألة اليهودية، مؤكدًا أن جوهر الماركسية هو العداء للفكرة الصهيونية، كما شرح فوزي التضحيات التي قدمها الشيوعيون اليهود العرب أنفسهم في مواجهة إسرائيل.

وتناول القسم الأخير من الندوة، طبيعة اللغة التي استخدمها غالي في روايته، وهنا كان الحديث عن جزء أساسي من جاذبية الرواية يقع في لغتها الخالية من التراكيب الإنشائية، وإن كانت وقعت في فخ الاستشراق في نظرتها للريف المصري والفلاح المصري. كما سادت الرواية فكرة مسيطرة عن أن جوهر الفقراء دائمًا هو القلب الطيب، وهنا وقعت الرواية أيضًا في فخ الجوهرانية.

وفي نهاية الندوة فُتح باب الأسئلة للحضور، الذين اهتموا بالتعليق على الطبيعة السياسية للحقبة التي ناقشتها الرواية.

وجدير بالذكر أنّه سيتم عرض الندوة مسجلة قريباً، ولمتابعة صفحة مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) اضغط هنا.

الصفحة الرئيسية