نظرة الدودة ونظرية البيضة في بناء دولة الإخوان

نظرة الدودة ونظرية البيضة في بناء دولة الإخوان

مشاهدة

06/07/2020

كان الفنان العظيم يوسف وهبي ينتشي بتكرار العبارات الفخمة والجزلة في مسرحياته، مستخدماً صوته الأجش ليصرخ بلهجة ميلودرامية، قائلاً: "اذهب عليك اللعنة"، أو "اغرب عن وجهي يا محطم قلوب العذارى وزير النساء"، أو: "يا للهول.. يا للصاعقة"،  لكن أشهر عباراته على الإطلاق، والتي جرت بعد ذلك مجرى الأمثال والحكم المأثورة، كانت: "وما الدنيا إلا مسرح كبير"، والتي هي في الأصل عبارة لشكسبير.

الإخوان تربّوا أن ينظروا إلى الدولة باعتبارها ليست أكثر من تنظيم سري كبير

ورغم أنّ العبارة تحوّلت إلى كوميديا لكثرة تكرارها، إلا أنّها كانت تكثّف وقتها بالفعل نظرة الفنان المسرحي؛ فهو الذي يبكي الجمهور ويضحكه، ويتقمص شخصياته ليجعلها تبدو حقيقية؛ فمن عاش معظم حياته على خشبة المسرح ووراء كواليسها لا بد من أن يراه عالماً كاملاً، بل ويرى الدنيا صورة مكبرة مما يعرفه؛ أي المسرح.

يسمي الدكتور زكي نجيب محمود هذه النظرة، التي تسقط تصورها الضيق على عالم أكثر اتساعاً، اسم: "نظرة الدودة"، فيحاول تفسير تطور مفهوم الدولة المثلى بالاتساع التدريجي لآفاق الفلاسفة في رؤيتهم للعالم.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: الاستقواء بالخارج والابتزاز وتبديل المواقف نهج دائم

يقول محمود في كتابه "الكوميديا الأرضية: "إنّ الفلاسفة الذين كتبوا في الدولة المثلى، تفاوت في أعينهم الحجم بتفاوت أزمانهم؛ فأفلاطون يرى الدولة المثلى في "مدينة" واحدة؛ لأنّه لم يكن يتصور أن التماسك الاجتماعي ممكن إذا اتسعت رقعة البلاد اتساعاً يجاوز بها حدود المدينة، وهذا بغير شك صادر عن تفكير عصره السياسي والأخلاقي معاً، فكأنّما الإنسان عنده قد ضاق به الخيال حتى ليعجز عن مؤاخاة إنسان آخر في مدينة أخرى.

وجاء "توماس مور" في عصر النهضة الأوروبية فكتب في الدولة المثلى، وجعلها جزيرة لا مدينة؛ لأنّ الأفق الإنساني قد اتسع بعض الشيء، ثم جاء بعد ذلك من الكتّاب الأوروبيين- مثل أوجست كونت وصموئيل بتلر- ممن جعل الدولة المثلى هي أوروبا جميعاً بعد أن تتحد دولها كلها في دولة واحدة.

أسّس حسن البنا لهذه النظرة أو لفلسفة الدولة الإخوانية منذ بداية التنظيم

 وأخيراً جاء "ولز" وكتب كتاباً في الدولة المثلى تجعل حدودها الكرة الأرضية بأسرها. وهكذا ترى الطائر يزداد ارتفاعاً على مر الزمن، فيزداد أفقه اتساعاً. ويختم محمود حديثه قائلاً: "أعتقد أننا نصيب إذا قلنا إنّ نظرة الطائر علامة من علامات التقدم والرقي، ونظرة الدودة دليل على التأخر والبدائية"1 

ومن ناحيتنا نرى، تطبيقاً للرؤية السالفة، عند الإخوان المسلمين في نظرتهم للدولة، سواء المثلى أو الواقعية، إذ لم يخرجوا من الجحر الضيق للدودة؛ فهم ينطلقون من هذا الجيتو الذي يولدون ويكبرون فيه، التنظيم أو الجماعة، لينظروا إلى الدولة باعتبارها ليست أكثر من تنظيم سري كبير.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: عودة أسطوانة المراجعات ومحاولات توريط وغياب الأولويات

أسّس حسن البنا لهذه النظرة، أو لفلسفة الدولة الإخوانية، منذ بداية التنظيم، فحرص على صنع التنظيم كصورة مصغرة لجهاز الدولة، من أقسام داخلية، يتولى كل منها مهام محددة: قسم للطلاب، وقسم للعمال، وقسم للفلاحين، وقسم للمهنيين...، إلى بعض الأقسام التي أوكل لها مهام الأجهزة السيادية؛ فكان لديه جهاز للاستخبارات داخل جماعة الإخوان، حيث تولى هذا الجهاز جمع المعلومات عن المرشحين للانضمام للجماعة، وعن أعداء الجماعة، بل تولى أحياناً القيام بعمليات تخريب للأحزاب المنافسة لجماعة الإخوان؛ عندما دسَّ البنا بعض رجاله داخل المستويات القيادية لحزب أحمد حسين لتخريبه من الداخل، باعتباره أحد منافسي الجماعة على جماهير البرجوازية الصغيرة ذات التطلعات الفاشية.

علاوة على ذلك أنشأ البنا الجهاز السري ليقوم بمهام اليد الباطشة التنفيذية للجماعة، كما أنشأ قسماً للعمل داخل الجيش، وبالطبع وضع أساس التنظيم الدولي كجهاز للتنسيق الخارجي للجماعة.

البنا جمع بين نظرة الدودة للدولة ونظرية البيضة في استيلاد دولة من التنظيم

الحقيقة أنّ حسن البنا جمع بين نظرة الدودة للدولة، ونظرية البيضة في استيلاد دولة من التنظيم، وهي نظرية لم يخترعها الفلاسفة والمنظرون لكنها شديدة الانتشار في مزارع الدواجن، وتقول: بقدر ما تخلص الدجاجة في رقادها على البيض، لا بد وأن يخرج الصوص مطابقاً لملامح أبويه ومخلصاً لهما، وهو ما سيندهش له العالم حين ستفقس هذه البيضة دولة من طراز خاص.

بيد أنّ الحديث عن المفهوم الإخواني للدولة، وما تحقق من هذا المفهوم على أرض الواقع عند صعودهم للسلطة في مصر العام 2013، يستلزم الاسترسال والتدقيق في المفاصل الرئيسة للتكوين السياسي والأيديولوجي والنفسي للشخصية الإخوانية، وهذا ما سنفعله لاحقاً.

الصفحة الرئيسية