هابرماس والمجتمع ما بعد العلماني.. ما هي أزمة المجتمعات الحديثة؟

7194
عدد القراءات

2019-04-09

ترجع أهمية هابرماس في تشخيصه للمجتمع الحديث؛ في كون الفيلسوف الألماني أحد نواطير الحداثة والواقفين على أبوابها والحامين لحدودها، لذا؛ فإنّ تشخيصه يكون بمثابة فحص دقيق لما آل إليه المجتمع الحديث، إضافةً إلى وفاء هابرماس لتعريفه الذي وضعه منذ هجمات تقليد كامل من الفلاسفة على الحداثة؛ حيث عرّف الحداثة حينها بأنّها مشروع لم يكتمل؛ أي مشروع مفتوح وعى بذاته منذ لحظة هيغل1 ، وما تزال صلاحيته النظرية متاحة، فيأتي نقد هابرماس وفاءً لتعريفه؛ فالحداثة مستأنفة وليست أيديولوجية، إنّما هي أفق عصر دخلت فيه الأزمنة الحديثة وتأخذ هذه الحداثة مناحيَ عدّة وتتطور داخلياً.

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
في حواره مع تشارلز تايلور؛ أشار هابرماس2  إلى أنّ الحداثة قد أفرغت مفهوم "السياسي" من أبعاده الميتافيزيقية أو الأسطورية، كما في القديم؛ حيث صار السياسي يمتلك حقّه من أجندات اجتماعية، وليس من إملاء غيبي.
إنّ مفهوم "السياسي" صار مفهوماً اجتماعياً، وليس مفهوماً يستمدّ سلطانه من أيّة قوى ما بعد اجتماعية؛ فـ "تحت الظروف المتغيرة تماماً في الحقبة الحديثة، فقدتْ المفاهيم الغربية عن (السياسي)، التي وجدت التعبير الجلي عنها في الفلسفة الإغريقية واللاهوت السياسي، (حيزها في الحياة)" 3، ويرى هابرماس أنّ هذا أكبر مكسب لمشروع الحداثة؛ حيث أفلت مشروع الدولة من صيغته الميتافيزيقية كما في العصر الوسيط، ليغدو مشروعاً اجتماعياً للجميع.

يرى هابرماس أنّ فكرة خروج الفرد من بيته للفضاء العام بدون تصوّراته عن العالم لهو وهم عظيم وغير حقيقي

ليس مهمّاً بالنسبة إلى هابرماس، وذلك كما في حوار سابق مع البابا بندكتس، عام 2004، أن تكون الأسس ما قبل السياسية أو الرؤية الأنطولوجية للدولة متجاوزة أو دينية 4، ما يهمّه بالأساس هو قدرة الفضاء العام، وهو المصطلح الذي عمل عليه منذ أعماله الجامعية، على توفير نقاش عقلي وحجاجي للجميع؛ أي قدرة المواطنين على النقاش فيما يهمّ المشترك والقضايا المهمة للمواطنين جميعاً، وأيضاً قدرة الديمقراطية على صناعة "السيادة" بتصورات مجتمعية، لا بتصورات ما بعد اجتماعية، ميتافيزيقية.
تبدو هذه الصورة حيادية وأكثر نقاءً مما كانت عليه الأمور، فإنّ الدولة لم تقف عند كونها مجرّد آلة لتسيير الأوضاع، بقدر ما فرضت أيديولوجية علمانية على الفضاء العمومي؛ أي حوّلت المكسب الأساس للحداثة إلى أيديولوجية تنافح عنها؛ بل وتقصي وتهمّش وتصنع لاجئيها5 . يعي ذلك هابرماس؛ كون الدولة الحداثية قد وعدت وبشّرت بخلاص ما دنيوي وعلماني، ووظفت حياديتها، كما يحب أن يطلق عليها هابرماس، كونه علمانيّاً بالأساس6 ، عن رؤية العالم لتصدّره إلى الفضاء العمومي وتفرضه كأفق للنقاش، ولا يكون النقاش خارج هذه الرؤية الدنيوية أو المحايدة. إلّا أنّ ثمّة افتناناً لدى هابرماس بحيادية الدولة وسلطتها، حتى أنّه في دعوته لعودة الدين بوصفه "تصوّراً عقائدياً عن العالم" مرّة أخرى للمجال العام، كما سيأتي في ثنايا المقال، يُطالب الدين بأن يتخلّى عن سلطته لأجل حيادية سلطة الدولة؛ فـ "على الدين أن يستغني عن هذا الحقّ، والحق في احتكار التأويل وتنظيم الحياة الشامل؛ نظراً إلى شروط علمانية العلم ومحايدة سلطة الدولة والحرية الدينية الشاملة" 7. 

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
ما هي أزمة المجتمعات الحديثة إذاً في تشخيص هابرماس؟ ينبغي أن نتعامل مع هابرماس بريبة نوعاً ما، فهو لا ينتمي إلى تقليد النقد الجذري للدولة الحديثة كما مع ليو ستراوس، كارل شميت، أرندت، أغامبين، ...إلخ؛ بل هو يعمل ضمن أفق الحداثة المؤمن بالدولة كنموذج حديث ومكتسب لا يمكن التفريط فيه، إلّا أنّه يضع يده على مأزق الحداثة، وما فعلته بمجتمعاتها؛ تحويل الحيادية لأيديولوجية، وإفراغ المجال العام من المتدينين، الذين يمتلكون رؤى معيارية ودينية، وغلْق قنوات التواصل في المجتمع المدني بين الأفراد، العلمانيين والمتدينين، بحقّهم في الوجود والتواصل والحوار.

المجتمعات ما بعد العلمانية هي القادرة على التخلص من الأزمة الحداثية بفتح المجال العام لكلّ الأفراد والاعتراف بالمتدينين كنسيج بالمجتمع

وأهمّ ما يلفت قارئ هابرماس، إشارة هذا الفيلسوف ووعيه الحادّ بأكذوبة العلمانية التي رسّختها، والمتمثلة في نقاء الشخص سياسياً من أفكاره الدينية والميتافيزيقية؛ فهابرماس يرى أنّ فكرة خروج الفرد من بيته إلى الفضاء العام بدون تصوّراته عن العالم، لهو وهم عظيم وغير حقيقي.
إنّ الفرد هو كلٌّ متكامل ولا يقدر على تجزيء ذاته إلى "مواطن" و"حامل لرؤى دينية"؛ فهو عندما يخرج من البيت للفضاء العام يخرج بتصوره الأنطولوجي ورؤاه الميتافيزيقية للعالم، وما تقوله العلمانية عن الفرد وممارسته السياسية على أنّها "حياد"، غير صحيح؛ لأنّ الذاكرة علائقية تربط الجزء بالكل والكل بالجزء، وليست مشتتة ومنفصلة لأنْ تمارس فعلاً سياسياً أو اجتماعياً دون علائق ووشائج تصورية عن الله والإنسان والطبيعة.
وإذا كان الدياني8  يمتلك رؤى معيارية عن الشأن السياسي عامة، نظراً إلى الحمولة الدينية التي يحملها، وللتصورات اللاهوتية التي تشكّل مخياله، فإنّه كان منبوذاً ومطارداً في فضاءات المجتمع العلماني الحديث؛ نظراً إلى أسطورة "محايدة السياسي" وعلمانيته.
ماذا يعمل الدياني، إذاً، في فضاء "مُفرغ" من أيّة معيارية في حواره مع أفراد لا ينتمون إلى تصوراته؟ يقترح هابرماس حلاً طريفاً، وينتمي بالأساس لفلسفته التواصلية، وهو ترجمة الأفكار الدينية من قبل الدياني إلى لغة "طبيعية" قابلة لأنْ تتداول مع الجميع، وأن يفهمها الجميع؛ أي إعادة "تلسين المقدّس".

اقرأ أيضاً: العلمانية كحلّ؟.. الإسلاموية وعلاقة الدولة بالدين
إنّ الرؤى الدينية التي يحملها الدياني، بحسب هابرماس، ينبغي أن يُعاد "تكلُّمها" وترجمتها دلالياً في المجال العام، ضمن لغة طبيعية (هل هناك لغة طبيعية؟)، علمانيّة يمكن لكلّ فردٍ أن يفهمها عقلانياً، فإذا كان المجال العام فضاءً تواصليّاً بالأساس، فيجب توحيد اللغة المستخدَمة من أجل عدم وقوع لبس اجتماعي تجاه فهم لغة القضايا العامة والمشتركة، ويمكننا صياغة أكثر بعداً لحلّ هابرماس، هي: علمنة الأفكار داخل الفضاء العام دلالياً، وهنا نلاحظ وعي هابرماس، ولو كان متخفياً، بأنّ اللغة هي تصورات عن العالم وليست مجرد حروف وأصوات، بل إنّ نقل الدلالة من اللاهوتي إلى المعلمن الطبيعي ليس ترجمة، وإنما انتقال تصوري ورؤيوي. وبذلك، يغدو الديانيون والعلمانيون على قدم واحدة في نقاش مفتوح بلا أيّ إملاء معياري عليه. يتضح، إذاً، قلق وريبة هابرماس من عودة الديني، رغم اعترافه بأزمة الحداثة تجاهه، لكنّ هذا القلق مفهوم؛ لأن هابرماس، في النهاية، هو فيلسوف حداثي ينتمي إلى تقاليد العقل وحقوق الإنسان، إلى غيرها من قيم الحداثة.

المجتمع ما بعد العلماني متغير ودائم الحوار، وليس ذا صبغة أيديولوجية واحدة؛ بل من خلال التواصل تتجدّد مضامينه القيمية

وباستعراضه لأزمة المجتمع الحديث، ثم تقديمه للنموذج التواصلي في الفضاء العام، يكون هابرماس على طريق تدشين ما سمّاه "المجتمعات ما بعد العلمانيّة"، فماذا تكون هذه المجتمعات ما بعد العلمانية، أو هل تخلّص هابرماس من التقليد الحداثي؟
في الحقيقة؛ إنّ هابرماس يضع رؤيته للمجتمعات ما بعد العلمانية في ضوء الحداثة نفسها، كما بيّنّا، إلّا أنه يبتكر صيغة جديدة لمجتمعات أكثر مرونة في التعاطي مع الديني، وذلك بعد أفول وهم الحداثة المبشّر باختفاء الديني، بجوار انقراض التصور القائل بلاعقلانيّة الدين وعقلانية العلمانية، إنّ المجتمعات ما بعد العلمانية؛ هي المجتمعات القادرة على التخلص من الأزمة الحداثية بفتح المجال العام لكلّ الأفراد، للدخول في نقاش يخصّ الجميع، ولا يتوقف الأمر بمجرد فتح المجال العام، بل والاعتراف بالأفراد المتدينين كنسيج موجود في المجتمع ولا يمكن هدره؛ فالمجتمع ما بعد العلماني مجتمع متغير ودائم الحوار، وليس ذا صبغة أيديولوجية واحدة؛ بل من خلال التواصل تتجدّد مضامينه القيمية.
المجتمع ما بعد العلماني هو مجتمع الحجّة الأكثر صحة؛ أي مَن يقدّم حجة أقوى على نقاش عمومي مُثار يكون صاحب المزية المعيارية سياسياً.
إنّ الفضاء العمومي هو فضاء حُجج، ويأتي الجميع إليه حاملين حججهم، مع الاتفاق الضمني والمسبق على أنّ هناك مسائل لا يمكن أن نتفق عليها جميعاً 9. 

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟
لكن علينا التأكيد على أمر مهمّ: إنّ المجتمعات ما بعد العلمانية، التي يدعو إليها هابرماس، ليست هي المجتمعات غير العلمانية؛ بل إنّ هابرماس يحافظ على التقليد العلماني، لكنّه يبتغي من المجتمعات ما بعد العلمانية القيام بفتح المجال العام وانسحاب الدولة لثكناتها التي تُعنى بحفظ الحقوق والحرية. إنّ المجال العام هو ملك للمجتمع، وليس ملكاً للدولة، فالدياني والعلماني يجلسان في هذا المجال متناقشين دون أيّ تدخّل من الدولة، رمزي أو سلطوي. وأيضاً، علينا التأكيد على أنّ هابرماس يرى علمانية هذا المجال العام المسبقة، ولهذا اقترح الترجمة الدلالية للمضامين الدينية بداخله.
بيد أنّ هذا الموقف الهابرماسي من الدين، واقتراحه لتلسين المقدس، يمكن فهمه في ضوء تفريق هابرماس بين الدين والمعرفة، فالدين عند خروجه للمجال العام عليه أن يصير معرفة عقلانية وذلك من خلال المضامين والأدلّة العقلانية التي يصدرها أتباعه، الديانيون، إلّا أنه "رغم كونه مفكّراً رئيساً في حقل التمييز بين الدين/ العقل المعرفي، فإنّه، بكل تأكيد، لا يشارك في الشكّ السياسي في الدين الذي غالباً ما يلازم هذ الموقف"10 .
كان ذلك تحولاً كبيراً في نظرة هابرماس؛ فقد كان إلى وقت قريب منافحاً علمانياً، لكنه فاجأ متلقيه وقرّاءه بنظرته للمجتمعات ما بعد العلمانية، وانتقاده للمجتمعات الحديثة التي أدلجت العلمانية لقمع أفراد ينتمون إلى تصورات غيبية.


هوامش:

1- راجع: القول الفلسفي للحداثة، هابرماس، الترجمة العربية، وزارة الثقافة السورية.
2- راجع: قوة الدين في المجال العام، حوار بين هابرماس وتايلور وجوديث بتلر وكورونيل ويست، ترجمة: فالح رحيم، دار التنوير، 2014، ص 46.
3- المصدر السابق، الصفحة نفسها.
4- را: جدلية العلمنة والدين، حوار بين هابرماس والباب بندكتس، ترجمة: حميد لشهب، دار جداول 2013م.
5- لا بدّ من الرجوع هاهنا إلى الفيلسوفة الألمانيّة حنّة أرندت بخصوص الدولة الحديثة و"اللاجئين"، حيث ترى أنّ الدولة القومية الحديثة، لأسباب بنيويّة، تنتج أعداداً كبيرة من اللاجئين ويجب أن تنتجهم من أجل إدامة تجانس الأمّة التي تريد تمثيلها. بكلماتٍ أخرى، من أجل دعم النزعة القومية للدولة القومية. را: نقل جوديث بتلر في مداخلتها الممتازة بالكتاب المذكور آنفاً عن أرندت في كتابها: أسس التوتاليتارية، ص 125.
6- الدولة لا يمكن أن تكون محايدة، لأنّها نظام عاقل، أي يقوم عليه مجموعة من البشر تتنازعهم تحيزات دينيّة وثقافية، ولديهم رؤية عن العالم، وليسوا مجرّد مُسيّرين لشؤون البشر.
7- جدلية العلمنة، مصدر سابق، ص 60.
8- نستعير هذا المفهوم الجميل من معجم الفيلسوف المغربي: طه عبد الرحمن، الذي وضعه في مقابل العلماني. راجع: روح الدين؛ من ضيق العلمانية إلى سَعة الائتمانيّة، المركز الثقافي العربي، الطبعة الثانية.
9- العبارة الأخيرة للفيلسوف بول ريكور في حواراته التي ترجمت مؤخراً تحت عنوان: الانتقاد والاعتقاد، دار توبقال، 2012.

10- تشارلز تايلور، قوة الدين في المجال العام، مصدر سابق.

اقرأ المزيد...

الوسوم: