هذا ما تخبرنا به زيارة البابا التاريخية للإمارات

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
6398
عدد القراءات

2019-02-06

تستبطن زيارة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، إلى دولة الإمارات العربية مؤخراً، العديد من المعاني والدلالات، خاصة أنّها تأتي في ظلّ سياقات عامة ترسل رسالة خاطئة بتضاؤل المساحة الرمادية في المشهد الدولي والحضاري الإنساني، بعد صعود الخطاب المغامر وقاموسه التطرف والإرهاب، وكلّ ما ينضح بالكراهية، ورفض الآخر في المشرق، مقابل خطابات غربية بمفردات الإسلاموفوبيا والشعبوية، ورفض الآخر المختلف، تلك المساحة التي كانت دوماً هدفاً لكلّ الثقافات والحضارات لتوسيع رقعتها، والبناء عليها بكونها قاسماً مشتركاً بين شعوب وأمم الأرض.

إذا كان شيخ الأزهر يقول إنّ دعاة التطرف لا يمثلون الإسلام، فإنّ البابا يعلن رفض المرجعية المسيحية لمزاعم الشعبويين بأوروبا

إعادة التوازن للعلاقات بين الشعوب والأمم، خاصة باستثمار المشترك الأكبر بين أتباع الديانات التوحيدية، في نبذ التطرف وخطاب الكراهية، وإشاعة مفاهيم التسامح وفتح آفاق جديدة للآمال العريضة، وفق القيم الإنسانية، ربما ما كان يحتاج إليه إنسان الشرق، في ظلّ الخلافات السياسية وما أفضت إليه من حروب وصراعات تشهدها المنطقة بين أتباع الدين الواحد والديانات الأخرى، التي تستند في بعضها لخطابات مقدسة، تقوم على التأويل المتعسف، واجتزاء النصوص عن سياقاتها ومعانيها، تتوافق مع مآلات عنوانها الفشل في تحقيق التنمية والإصلاح الشامل.

اقرأ أيضاً: البابا فرنسيس وشيخ الأزهر بالإمارات

الزيارة تعني الكثير بالنسبة إلى البابا؛ كونه أول مرجعية دينية مسيحية كاثولوكية بهذا المستوى تطأ قدماه أراضي شبه الجزيرة العربية، فيما تعني الكثير لدولة الإمارات التي تترجم الأقوال بالأفعال، في تبنّيها وريادتها لمشروع عربي إسلامي عنوانه التسامح ومكافحة التطرف والتشدد، بإقامة قداس ديني حضره عشرات الآلاف، في مشهد غير مسبوق بدولة عربية إسلامية، لا يشكل المسيحيون أغلبية من سكانها ومواطنيها، رغم احتضانها لأكثر من مئتَي جنسية من دول العالم، ومن المؤكد أنّ أصوات ابتهالات المؤمنين بالله تعالى قد تجاوزت حدود الإمارات لجيرانها، وهي ترسل رسالة بأنّ المؤمنين بالله، عز وجل، وخليفته الإنسان أكبر بكثير من أصوات القلة، الذين ينادون بالدم والقتل، وأنّ الذين يقولون "نحن أو هم" قلة، لا مناص لهم من اللحاق بالموحدين.

اقرأ أيضاً: بهذه الطريقة تخلد الإمارات ذكرى زيارة البابا وشيخ الأزهر

لقد تجلّت حكمة قادة الإمارات؛ بأن يكون شيخ الأزهر، الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، إلى جانب البابا في هذه الزيارة، واللقاء معه للمرة الرابعة، ومن المؤكد أنّها كانت تتطلع، لو أنّ الظروف مواتية، ليكون خطيب الحرم المكي مع شيخ الأزهر، خاصة أنّ السعودية تخوض مخاضات تحوّل جذري، بمشروع تنويري عميق، تغادر معه مربعات وخنادق أثقلت كاهلها، إضافة إلى مرجعيات المذهب الشيعي في النجف وكربلاء، لو لم تكن مختطفة من قبل القيادة الإيرانية، التي وظفت المذهب لخدمة السياسة، وأذكت روح الفرقة والتطاحن والصراع، على أسس عنوانها الفتن في ملاحم تاريخية، تجاوزتها الشعوب التي تتوق لتاريخ جديد عنوانه العدالة والتسامح، إلا أنّ شيخ الأزهر ناب عن تلك المراجع في إرسال رسالة جامعة بموقف مراجع المسلمين بمذاهبهم وطوائفهم عنوانها رفض التطرف والإرهاب، وأنّ التسامح أول قيم الإسلام التي أطلقها نبي الإسلام، صلّى الله عليه وسلّم، حينما قال: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

اقرأ أيضاً: الإعلام القطري وزيارة البابا ‎

يدرك البابا، ومعه شيخ الأزهر، أنهما بوقوفهما جنباً إلى جنب، وخطابات التسامح وتعظيم الحوار بين الأديان، إنما يرسلان رسالة مشتركة لدعاة الإصلاح في العالمَين؛ الإسلامي والمسيحي، لإعادة النظر في تأويل النصوص الدينية، استناداً لمقاصدها الكلية؛ فالأنبياء لم يرسَلوا إلا رحمة بالناس، والمرجعيات الإسلامية والمسيحية متوافقة على تعظيم قيم السلام والاستقرار والتسامح ومكافحة جذور التطرف.

الزيارة تعني الكثير للإمارات التي تترجم الأقوال بالأفعال، في تبنّيها وريادتها لمشروع عربي إسلامي عنوانه التسامح ومكافحة التطرف

وإذا كان شيخ الأزهر يقول بالفم الملآن: إنّ دعاة التطرف من خوارج العصر لا يمثلون الإسلام، فإنّ البابا يعلن رفض المرجعية المسيحية لمزاعم ومقولات الشعبويين في أوروبا، واتجاهات اليمين المتطرف في الغرب، الذي ينادي برفض قبول من ضاقت عليهم الأرض بما رحبت في الشرق، المغادرين رغماً عنهم ديارهم طلباً للأمن والسلام والعدالة، ومن يبنون الجدران، في أبشع عناوين فصل عنصري عرفه التاريخ في فلسطين، تمارسه حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، وبين أمريكا والمكسيك، تمارسه حكومة حليفة لحكومة إسرائيل، وهذا ما يعطي للزيارة أبعاداً سياسية، تخرجها من كونها فقط زيارة  تاريخية لأعلى مرجعية مسيحية إلى الجزيرة العربية.

اقرأ أيضاً: البابا في الإمارات... عقل مفتوح وقلب مؤمن

إنّ المؤمنين بالسلام والعدالة، من أتباع الديانات التوحيدية، وهم كثر، ويشكلون أغلبية في منطقتنا، ينظرون بآمال عريضة لزيارة البابا، ويدركون أنّ نتائج هذه الزيارة ستؤسس لما بعدها، بمزيد من إشاعة مفردات السلام والتسامح، ونبذ خطاب الكراهية، وأنّها مدعاة للمراجعة من قبل دعاة الإصلاح الديني، والبناء عليها بما يفضي لمزيد من محاصرة خطاب التطرف والكراهية، والقائمين عليه من تنظيمات ومؤسسات ودول وقادة سياسيين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: