هكذا امتزجت الثقافة المالاوية بالإسلام في ماليزيا

ماليزيا

هكذا امتزجت الثقافة المالاوية بالإسلام في ماليزيا

مشاهدة

18/07/2018

تعتبر ماليزيا اليوم أحد أكبر الدول المسلمة في جنوب شرق آسيا، وتتزايد أهميتها عند الدارسين باعتبارها تقدم تجربة للدولة المسلمة التي تمكنت من تحقيق تقدم ونهوض على مستويات عديدة، حتى أصبحت تلك التجربة مثالاً يدعو لاتباعها كثيرون من أنصار الحركات الإسلامية.
سيحاول هذا التقرير الاقتراب من التجربة الماليزية وتلمّس أبرز ملامحها.
البداية.. على سواحل طريق الحرير
منذ القرون الميلادية الأولى تميزت شبه جزيرة الملايو (ماليزيا اليوم) بموقعها المشرف على مضيق "مالاكا"، في المحيط الهادئ، والذي كان المرور به إلزامياً على السفن المنطلقة من سواحل الهند وغرب آسيا وشرق أفريقيا، باتجاه الصين، وبالعكس، باعتباره جزءاً من مسار طريق الحرير البحري. وقد تزايد نشاط البحّارة والتجار القادمين من بلاد العرب عبر هذا الطريق منذ القرن السابع الميلادي، ولم يكتفوا بالعبور والتجارة وإنما نزلوا في سواحل الجزر. وكانت أول جزيرة استقروا بها هي سومطرة في الأرخبيل الأندونيسي، وقد نقلوا معهم إلى تلك البقاع ثقافتهم من لغة وديانة، فكان ذلك أول وصول الإسلام إليها.

تُشرف "شبه جزيرة الملايو" على طريق الحرير البحري

ومن سومطرة وصل التأثير العربي الإسلامي إلى جاوة، وبورنيو (والجزر الثلاثة تقع في اندونيسيا اليوم)، ثم إلى سيام (تايلند اليوم)، أما شبه جزيرة الملايو فقد وصلها المسلمون في عهد سلطان "قدح" مظفر شاه الأول (1136-1179)، على أيدي تجار مسلمين هنود؛ حيث كان مظفر شاه هو آخر ملك هندوسي يحكم قدح؛ إذ اعتنق الإسلام وأسس سلطنة قدح الإسلامية، التي لا تزال قائمة، وتعتبر اليوم إحدى الولايات الثلاثة عشرة المكونة للاتحاد الماليزي (ماليزيا).

ولايات ماليزيا وموقع سلطنة قدح (باللون الأحمر)

الانتشار.. نشأة السلطنات الإسلامية
ورغم أنّ الإسلام بدأ بالانتشار في شبه الجزيرة الماليزية منذ القرن الثاني عشر الميلادي، إلا أنّه لم يتمكن وينتشر بشكل واسع كدين عام للسكان الملاويين إلا مع حلول القرن الرابع عشر، وذلك مع نشوء عدد من السلطنات، التي تبنت الإسلام كدين رسمي لها.

نقل البحّارة والتجار العرب الثقافة العربية والدين الإسلامي معهم في رحلاتهم إلى جنوب شرق آسيا

وكانت البداية مع تحول "برامسوارا" إلى الإسلام، وهو أحد أمراء مملكة "سريفيجايا" الهندوسية (في اندونيسيا)، استقر وحكم في جزيرة "تيماسك" (سنغافورة اليوم) بدايةً، قبل أن ينقلب عليه سكانها ويهرب شمالاً إلى شبه الجزيرة الملايوية؛ حيث استقر في مدينة "مالاكا" تحديداً وأسس فيها "سلطنة مالاكا" عام 1400، قبل أن يدخل في الإسلام بعد زواجه بأميرة من "سامودرا باساي" (مملكة إسلامية في شمال جزيرة سومطرة) لتتحول بذلك معه "مالاكا" إلى أول سلطنة ملاوية إسلامية، والتي أصبحت خلال عهد ازدهارها في القرن الخامس عشر مصدراً ومركزاً لانطلاق ونشر التعليم الإسلامي، قبل أن يغزوا البرتغاليون عاصمتها عام 1511.

وقد استمر الإسلام في الانتشار في أرجاء شبه الجزيرة المالاوية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، وذلك عبر نشأة سلطنات ومراكز علميّــة إسـلاميّـة على امتداد سواحل الملايو، وكان أبرزها: سلطنـة آشيه (1497-1867)، وسلطنة فطاني (1355-1786). وبذلك توالى اعتناق سكان الموانئ التجارية الساحلية في ماليزيا للإسلام، حتى أصبح الإسلام بحلول القرنين الخامس عشر والسادس عشر هو الدين الغالب على شعب الملايو.

متحف السلاطين في مالاكا

تماثيل من الشمع لتجار مالاويين من عهد سلطنة مالاكا

المذهب الأشعري والصوفية
كان للدعاة من أتباع الطرق الصوفية دور كبير في الدعوة للإسلام في عموم مناطق جنوب شرق آسيا، ومنها الملايو، وقد كان لذلك أثره في ترسيخ الصوفية في التديّن المالاوي، ونجد من أوائل الأسماء: الشيخ عبدالله الجاوي، الداعية العربي الذي قدم من شبه الجزيرة العربية واستقر في ولاية قدح الماليزية منذ تأسيسها عام 1136، وعمل على نشر الإسلام بين سكانها، والشيخ إسماعيل ظفي، الذي رحل إلى آتشيه بشمال سومطرة الإندونيسية، وعمل هناك على نشر الطريقة القادرية، قبل أن تنتقل الطريقة إلى شبه الجزيرة الملاوية، والشيخ حمزة الفنصوري، الذي كان له إسهام كبير في تعزيز الصوفية في شبه الجزيرة الملاوية، منذ استقر بها عام 1589، وقد وضع مؤلفات كثيرة لا تزال تدرس حتى اليوم.

تتبع الحكومة الماليزية اليوم نظاماً صارماً للحفاظ على الهوية الشافعية للبلاد

وفي نهاية القرن السابع عشر قدم إلى الملايو العالم الشهير داود بن عبد الله الفطاني (نسبة إلى سلطنة فطاني والتي تقع في جنوب تايلاند اليوم)، الذي تلقى العلم والتصوف في المدينة المنورة، ثم وصل إلى الملايو وأخذ ينشر الطريقة الشطارية، لتصبح الطريقة الأسرع والأوسع انتشاراً في جنوب شرق آسيا، خصوصاً أنه كان أول مفسر للقرآن باللغة الملاوية، وقد وضع 28 مؤلفاً في المواعظ والحديث والفقه.
أما على المستوى الفقهي والعقدي، فتتبع ماليزيا "الشافعية-الأشعرية" كمذهب رسمي لها، وتتبع الحكومة الماليزية اليوم نظاماً صارماً للحفاظ على الهوية الشافعية للبلاد، فلا تسمح بالدعوة لمذاهب ومدارس إسلامية أخرى في البلاد، وقد سنّت قانوناً في نهاية التسعينيات يحظر أنشطة تدريس المناهج والمذاهب القادمة من خارج البلاد. واليوم، لا توجد في ماليزيا إلا أعداد قليلة جداً من الشيعة، وحوالي 2000 فقط من أتباع الطائفة الأحمدية.
في مواجهة الاستعمار
كانت البرتغال أولى قوى الاستعمار الأوروبي وصولاً إلى شبه الجزيرة المالاوية؛ حيث سيطروا على "مالاكا" عام 1511، وتبعهم بعد ذلك الهولنديون في عام 1641، قبل أن تتبع المنطقة تدريجياً للحكم البريطاني والذي ترسّخ بعد توقيع المعاهدة الإنجليزية-الهولندية عام 1824، والتي تم بموجبها تقسيم مناطق النفوذ بين القوتين الاستعماريتين، فسيطرت هولندا على الأرخبيل الأندونيسي، وخضعت شبه الجزيرة الملايوية للحكم الإنجليزي.

اقرأ أيضاً: هل سيُحلّل مهاتير محمد "أخونة" ماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟
وقد واجه المستعمر الهولندي ثم البريطاني حركة انتشار الإسلام في المنطقة، من خلال الدفع بالإرساليات التبشيرية، وبذل الجهود لقطع الصلات بين الملايو والعرب؛ حيث تمت مراقبة وتقييد حركة المهاجرين القادمين الى الملايو من الهند أو جزيرة العرب.
ولكن هذه الممارسات والأفعال الاستعمارية لم تقابل بالاستسلام من قبل المسلمين الملايو، وإنما كان لها أثر عكسي؛ حيث دفعت بحركة بناء مدارس ومعاهد تحفيظ القرآن وتعليم أحكام الدين، وإنشاء المساجد والمصليات. وفي حين تمكن الاستعمار من نشر الديانة المسيحية في المناطق المجاورة في الفلبين وتايلند، إلا أنه بقي عاجزاً عن إحداث أي أثر هام في الشعب الملاوي.

مسجد "كامبونغ" في تومبات

الإسلام في الاتحاد الماليزي
عززت حركة مناهضة الاستعمار البريطاني من الارتباط بين الإسلام والهوية المالاوية، وأصبحت منذ مطلع القرن العشرين مرتبطة تماماً به، وبات الإسلام يعتبر المكون الأساسي للوحدة والهوية المالاوية. وقد تعزز ذلك بفعل السياسة البريطانية التي قامت باستقدام وتوطين الصينيين والهنود، ما أدى للإخلال في التركيبة العرقية والدينية لسكان شبه الجزيرة المالاوية وشمال جزيرة بورنيو، وعندما استقلت ماليزيا وتشكل "الاتحاد الماليزي" عام 1957، كان الملايو (المسلمون) يشكلون حوالي 50% فقط من مجموع سكان البلاد، وهو ما دفع الماليزيين إلى ضم ولايتي "صباح"، و"سرواك"، إلى الاتحاد الماليزي، وفصل جزيرة سنغافورة (التي كان يتركز فيها التواجد الصيني) من الاتحاد، لترتفع بذلك نسبة الملايو، والتي ازدادت مع الزمن بسبب ارتفاع نسبة التكاثر عندهم  بالمقارنة مع غيرهم.

يعتبر الإسلام المكون هو الأساسي والرئيس للوحدة والهوية المالاوية

وعند وضع الصيغة النهائية للدستور، نصّت المادة الثالثة من الدستور الماليزي على أنّ الإسلام هو "دين الاتحاد (الماليزي)"، وبحسب الفقرة 160 من الدستور فإنّ: "جميع أبناء العرقية المالاوية هم مسلمون". وهذا الوصف يتعلق بهوية الدولة ومكوناتها، أما القانون والتشريع الماليزيان فهما معتمدان بالأساس على القانون الإنجليزي، ولا تطبق الشريعة الإسلامية إلا على المسلمين، ويقتصر تطبيقها على مسائل الأحوال الشخصية؛ حيث يتم ذلك عن طريق المحاكم الشرعية المختصّة.
المدارس ومؤسسات التعليم الإسلامية
وتنتشر في ماليزيا اليوم مساجد ومراكز ومدارس إسلامية بكافة أرجاء البلاد، تعمل على تدريس التعاليم الإسلامية، وهي تحظى برعاية رسمية من قبل الحكومة؛ حيث يتم تمويلها عبر اقتطاع جزء من أموال الضرائب.

اقرأ أيضاً: هل تلقي ماليزيا طوق النجاة للإخوان؟
كما توجد في ماليزيا "الجامعة الإسلامية العالمية"، والتي تأسست عام 1983 والتي تتبناها منظمة المؤتمر الإسلامي، وتقوم بتدريس العلوم الإسلامية بالإضافة إلى العلوم التطبيقية والاجتماعية الأخرى.

الجامعة الإسلامية العالمية التي تتخذ من ماليزيا مقراً لها

المركز الإسلامي في مالاكا

العمارة الإسلامية
وتتميز ماليزيا بنمط خاص من العمارة الإسلامية، يَظهر في المساجد والمراكز الإسلامية، يجمع مزيجاً من طُرز عِدة، من العربي والصيني والهندي إلى الطراز الأوروبي الذي نقله المستعمرون الأوروبيون، وصولاً إلى استخدام الأنماط الحديثة.
ونجد الملامح المعمارية الصينية من خلال استخدام القرميد واعتماد مبدأ التماثل، كما نجد التأثر بالنمط الهندي في استخدام القباب البصلية والمآذن الشاهقة، أما العربي فنجده في الفناء المفتوح، والأقواس.

مسجد الكريستال: أكبر مسجد في ماليزيا

الجامع الوطني في كوالالمبور

جامع بوترا في مدينة بوتراجايا

مظاهر اجتماعية
ينتشر في ماليزيا ارتداء الحجاب بنسبة كبيرة بين النساء من الملايو، ويعرف باسم "التوندونج"، وتعني "الغطاء". وفي رمضان، يحتفل الماليزيون بالشهر، فتجتمع العائلات على الموائد، وتحضر مشروبات ومأكولات خاصة بالشهر، ومن الأكلات الرمضانية المعروفة في ماليزيا: "الغتري مندي"، التي تُصنع من الدقيق، وكذلك "التافال" المصنوع من الأرز بجانب التمر والأرز واللحوم.

اقرأ أيضاً: لهذا السبب منعت ماليزيا السيّاح من دخول مسجد
ويحتفل الماليزيون بعيدي الفطر والأضحى، كما تقام فعاليات واحتفالات خاصّة بعيد المولد النبوي. وبالرغم من الدوام يوم الجمعة، إلا أن المؤسسات تغلق لمدة ساعتين للصلاة. كما تقبل نسب كبيرة من الماليزيين على رحلات الحج والعمرة إلى مكة.

ألبسة ماليزية خاصة بالأعياد

ينتشر الحجاب بين النساء المسلمات في ماليزيا

فتاوى متشددة
ورغم مظاهر التعدد والانفتاح وحركة التقدم والنهوض التي تشهدها ماليزيا، إلا أن ذلك لم يمنع من ظهور بعض الفتاوى التي أثارت جدلاً خلال السنوات الأخيرة، وكان من أشهرها منع مسرح الدمى الماليزي التقليدي في ولاية "كيلانتان" عام 2005، في فترة حكم "الحزب الإسلامي الماليزي" في الولاية، بحجة تعارضه مع تعاليم الشريعة. وفي عام 2008 قام "مجلس الفتوى الماليزي" بإصدار فتوى تحرّم ممارسة اليوغا للمسلمين، بحجة أنها تحتوي على عناصر من ديانات أخرى قد تؤدي إلى إفساد ديانة المسلمين، كما كان هذا المجلس قد أصدر فتوى مثيرة عام 2015، تعتبر الحجاب فرضاً، بعدما كان مجموعة من العلماء الماليزيين قد اعتبروه مستحباً خلال الستينيات؛ حيث أنكر المجلس هذا الرأي واعتبره مخالفاً لأحكام الدين.

اقرأ أيضاً: لماذا احتضنت ماليزيا الداعية الهندي المتشدد زاكر نايك؟

مسرح الدمى الماليزي التقليدي تم حظره في ولاية "كيلانتان" في فترة حكم الحزب الإسلامي

وهكذا، فقد عملت الجغرافيا والتاريخ الخاص بالملايو على تشكيل هوية وتدين مالاوي خاصّ، جمع بين مختلف المشارب والتأثيرات، من الشرق؛ الآسيوية والهندية والعربية، واستطاع تجاوز المساعي الاستعمارية، ليرتبط الإسلام اليوم بهوية الشعب الملاوي ويشكّل عاملاً من أهم عوامل وحدته.

الصفحة الرئيسية