هكذا تخدم حركة مجتمع السلم الجزائرية الأجندة الإقليمية التركية

هكذا تخدم حركة مجتمع السلم الجزائرية الأجندة الإقليمية التركية


27/02/2021

يعود ظهور جماعة الإخوان المسلمين في الجزائر إلى حقبة الاستعمار الفرنسي، وبالتحديد في خمسينيات القرن الماضي، وذلك كجمعية دينية، وضعت الحركة القومية حدوداً لتحركاتها في الداخل، إلى أن تمكنت في التسعينيات من تدشين حزب سياسي تابع لها، هو حركة مجتع السلم، والذي قدم نفسه كذراع سياسي، يعمل داخل الساحة السياسية، على مبادئ ومنهاج الإخوان، ومنحت فترة العشرية السوداء غطاء للحركة، التي حاولت تقديم نفسها كبديل إسلامي وسطي؛ حيث عمل مؤسس الحزب، محفوظ نحناح، على استغلال انفتاح النظام على التعددية الحزبية، ليقوم بتحويل الجمعية الخيرية للإرشاد والإصلاح إلى حزب سياسي، تحت مسمى حركة المجتمع الإسلامي، ومع حظر الأحزاب القائمة على أساس ديني، تحول اسمه إلى حركة مجتمع السلم (حمس).

منذ اللحظة الأولى، سعى الحزب تجاه التمدد في مفاصل البينة السياسية للدولة، مع توظيف الخطاب الإسلامي، ومرتكزاته الأيديولوجية في خدمة الأجندة الحزبية، ليظهر كأحد اللاعبين على الساحة، ويخطو بفضل رئيسه الحالي، عبد الرزاق مقري، خطوات انتهازية، ترتبط بالمخطط الإخواني، وطموحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان.

سامح إسماعيل: مشاركة مقري في قمة كوالالمبور الإسلامية، جاءت تحت غطاء تركي، وفق استرتيجية مراوغة، حاول من خلالها أردوغان تشكيل تكتل جديد، يوظف من خلاله الإسلام الآسيوي

تبعية مشبوهة للنظام التركي

تنطلق استراتيجية عبد الرزاق مقري، من فكرة مركزية، تقوم على اعتبار تركيا هي الملاذ الآمن للتنظيم، في حال انقلب النظام السياسي على الإخوان، باعتباره؛ أي النظام التركي، يمثل مظلّة حامية وداعمة للأذراع السياسية للإخوان في المنطقة، وعليه تداخل المشروع السياسي المحلي للحزب، بالمشروع الإقليمي التوسعي التركي، باعتبار أردوغان، هو الوكيل الحصري للخلافة البائدة.

ولم يخف مقري دعمه المباشر للنظام التركي ومشروعه الاستعماري، حيث قال صراحة في واحدة من تصريحاته: "لا يجب أن نشعر بالحرج في الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، وزعيمه أردوغان.. نحن لا نخفي صداقتنا مع حزب العدالة والتنمية التركي، ولا يوجد سبب لإخفاء ذلك، وإن أردنا إخفاء هذا، وقلنا إنّه لا توجد خصوصية فكرية بيننا وبين حزب العدالة والتنمية التركي، لا نكون صادقين، ولا يصدقنا أحد، فالعلاقة الفكرية قائمة".

وكان الرئيس التركي قد أثار أزمة، حين تدخل في الشأن الجزائري، في أعقاب تصريحاته المثيرة للجدل، والتي قال فيها: "طلبت من الرئيس الجزائري إرسال وثائق؛ بشأن مجازر الاحتلال الفرنسي في بلاده، علينا أن ننشر الوثائق ليتذكر الرئيس الفرنسي، ماكرون، أنّ بلاده قتلت 5 ملايين جزائري"، وهو الأمر الذي دفع الخارجية الجزائرية إلى الإعراب عن غضبها، جراء التدخل التركي، وردّ رئيس الوزراء الجزائري آنذاك، أحمد أويحيى، قائلاً: "نقول لأصدقائنا الأتراك، لا تتاجروا بنا، سنحصل على الاعتذار الرسمي من فرنسا عن الاستعمار بفضل قوتنا".

من جهته، يقول الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور سامح إسماعيل، أنّ ارتباط حركة مجتمع السلم بالأجندة الإخوانية واضح، فالحزب يمثل ذراعاً إقليمياً يعمل على تكريس الأهداف التركية، منذ شارك رئيسه عبد الرزاق مقري، في القافلة التركية، لفك الحصار عن غزة، والأسلوب الدعائي الذي اتبعه، في أعقاب حادثة السفينة، مرمرة، مع التوظيف الدائم للقضية الفلسطينية، بشكل انتهازي، على الطريقة الأردوغانية، لتحق تمدد جماهيري، بواسطة خطاب شعبوي بامتياز، وهو الأمر الذي تجلى مؤخراً، في الهجوم الحاد الذي شنه عبد الرزاق مقري، وحزبه، على حزب العدالة والتنمية (المصباح) المغربي، إبان تصديق أمينه العام، سعد الدين العثماني، على الاتفاق الثلاثي، بوصفه رئيساً للوزراء، حيث أخذ الخلاف المبدئي نهجاً دعائياً، ربما كان سيختلف بصورة جذرية، لو كانت حمس في السلطة.

الباحث المصري في العلوم السياسية، الدكتور سامح إسماعيل

ولفت إسماعيل، في تصريحات خصّ بها "حفريات"، إلى أنّ مشاركة مقري في قمة كوالالمبور الإسلامية، جاءت تحت غطاء تركي، وفق استرتيجية مراوغة، حاول من خلالها أردوغان تشكيل تكتل جديد، يوظف من خلاله الإسلام الآسيوي، بكل ما يتملك من قاعدة شعبية ضخمة، يطرح عليها تصوراته الإسلاموية، محققاً جملة من الفوائد الاقتصادية والسياسية، مع توفير مسارات جديدة آمنة لأموال الإخوان، عبر شركات آسيوية تتخصص في غسيل الأموال، ودعم الحركات الجهادية، حيث انخرطت حركة مجتمع السلم، ضمن المخطط التركي- الإخواني، بلا مواربة، وبشكل ينم عن وحدة الأهداف، وتعكس تصريحات مقري، وبيانات حمس، إبان تصاعد الأزمة الليبية، عن تبني الحركة للرؤية التركية، وترحيبها بالانخراط التركي الخشن في الساحة الليبية؛ حيث أكّد مقري في أكثر من مرة، دعمه المطلق لحكومة الوفاق، وللاتفاقيات التي وقعتها مع أنقرة، كما سبق وأعلن أنّ طرابلس والغرب الليبي خط أحمر، في إشارة للخط الأحمر الذي وضعته مصر أمام التوسع التركي.

الجزائر قاعدة إقليمية للتنظيم الدولي

من أبرز المهام التي أخذتها حركة مجتمع السلم على عاتقها، هي تكوين قاعدة إقليمية للتنظيم الدولي للإخوان، منذ سقوط الجماعة في مصر، وتراجع أسهمها في عدة دول عربية، في أعقاب الصعود المباغت، إبان أحداث "الربيع العربي".

أحمد أنور: حركة مجتمع السلم، تقوم بالتحالف مع قائمة موحدة بالتعاون مع بعض الأحزاب، لأنّها لا تستطيع الحصول على عدد كبير من المقاعد بمفردها

ويبدو رئيس حركة مجتمع السلم شديد الارتباط بمسارات التنظيم، من خلال جهوده الدائمة للتشاور مع قيادات التنظيم وفلوله، في الجزائر، فما إن خرج بيان هيئة كبار العلماء السعودية، والذي كشف الغطاء الديني عن الإخوان، باعتبارها جماعة إرهابية، حتى شنت حركة مجتمع السلم هجوماً حاداً على الهيئة، لتحذو حذو الأذرع السياسية للإخوان حول العالم، حيث اعتبرت البيان مجرد تعبير عن موقف سياسي، "لا علاقة له بالعلم الشرعي، ويتنافى مع الواقع، الذي يشهد به العلماء والساسة من مختلف التيارات في العالم، وأنّ موقفها يثير الفتنة بين المسلمين".

ومؤخراً، أثار مقري عاصفة من الغضب، في الأوساط الجزائرية، في أعقاب ظهوره في مؤتمر افتراضي، جاء تحت عنوان: الثورة المصرية وتجربتها الوطنيّة، مع ثلة من فلول الإخوان، وعدد من الهاربين من أعضاء التنظيم الدولي، حيث دافع مقري، عن حكم الإخوان، وهاجم النظام المصري، كاشفاً عن وجهه ودوره في خدمة التنظيم الدولي.

الدكتور أحمد فؤاد أنور، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية

من جانبه، يرى الدكتور أحمد فؤاد أنور، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أنّ حركة مجتمع السلم، هي امتداد إقليمي لحركة الإخوان العالمية، حيث تعمل في سياق أجندتها، وتتجاهل في المقابل أزمات الجزائر، وهي مثل جماعة الإخوان في مصر، تقوم بالتحالف مع قائمة موحدة بالتعاون مع بعض الأحزاب؛ لأنّها لا تستطيع الحصول على عدد كبير من المقاعد بمفردها، وبالتالي فهي تنشط الآن لتدشين مثل هذه التحالفات، تحسباً للانتخابات القادمة، لكن لا يمكنها تجاوز نسبة الــ 7% من الأصوات في أحسن الأحوال.

 ولفت أستاذ اللغة العبرية بجامعة الإسكندرية، إلى وجود نوع من التماهي بين التنظيم الدولي للإخوان، وتحركات حمس، وأنّ هناك اتصالات دائمة بين عبد الرزاق مقري، وقيادات الجماعة، حيث ينزوي لديها الحس الوطني، في مقابل مصلحة التنظيم، مع التخويف الدائم مما يطلق عليه مقري، التبشير اليساري، مع إثارة النعرة الإثنيّة والدينية، وشق الصف الوطني، واستقطاب الشعب تجاه التيار الإخواني بدعايته السوداء، وهو ما أصاب الشارع الجزائري بالسخط على الجماعة.

اقرأ أيضاً: إخوان الجزائر يفجّرون سجالاً سياسياً محظوراً ضد القبائل

الصفحة الرئيسية