هكذا حرّض سيد قطب على إعدام العاملَين المصريين خميس والبقري

16469
عدد القراءات

2018-08-09

عمدت جماعة الإخوان المسلمين، منذ تأسيسها وطوال تاريخها السياسي، إلى تبني الموقف والموقف المضاد، واستخدام الحيل كافة، للتعمية على أهدافها وانحيازاتها الحقيقية، وماهية الأدوار التي تقوم بها، حتى تكاد لا تملك أمام مناوراتها العديدة، ومراوغاتها المتكررة، أن تحدد موقعها بدقة في الأحداث؛ فقد دأبت على محو آثارها، وخلق أكثر من سيرة لها، وتقديم سرديات متعددة، وروايات تلفيقية عن نفسها والتاريخ.

كان سيد قطب أبرز من حرضوا على إعدام "خميس والبقري"، وغيرها من الممارسات القمعية مثل إنهاء الحياة الحزبية

وفي الذكرى الـ62، لإعدام العاملين المصريين "خميس والبقري"، قبل نحو أربعة أعوام، الذي تصادف مروره، تلك المرة، بعد عام واحد، إبان عزل الإخوان عن السلطة في مصر، قامت الجماعة، بإصدار بيان، من خلال تحالف ما يسمى بـ "دعم الشرعية"، والذي جرى تدشينه، عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحكم، تُحرض فيه على التظاهر.
ووصف البيان، تلك الحادثة، التي جرت وقائعها في آب (أغسطس) 1952، بأنها "ذكرى مريرة"، وأن العاملين لم يرتكبا ذنباً، غير أنهما رفعا صوت التيار العمالي، المناضل، بكلمة حق، في وجه الحكم القمعي (يقصد دولة يوليو 1952)، فوضعا على منصات الإعدام، ظلماً وعدواناً، بحسب تعبير البيان.

صادف أن رافقت الذكرى 62 لإعدامهما عزل الإخوان عن السلطة في مصر

خميس والبقري.. من هنا بدأت قصتهما

تعود تفاصيل أحداث ما جرى للعاملين المصريين، واللذين كان ينتميان، إلى إحدى المنظمات الشيوعية، إبان ثورة 23 تموز (يوليو 1952)، عندما أعلنا الإضراب عن العمل، ونظما وقفة احتجاجية، بغية طرح مجموعة من المطالب الحقوقية، المتصلة بالشأن العمالي؛ حيث تدني الأجور، وسوء الأحوال الاجتماعية للعمال، فضلاً عن تعرضهم للنقل التعسفي، ومن ثم، المطالبة بإعادة النظر، في تلك الوضعية، وتعديلها، وحث الثورة على الاستجابة والالتفات لهم.

اقرأ أيضاً: سيد قطب.. بشّر بنجيب محفوظ ثم أمر بقتله!

بيد أنّ الأمور تطورت إلى مواجهات، مع قوات الأمن، التي سقط منها جنديان، بالإضافة إلى ثلاثة من العمال، وإصابة 28 آخرين، فحوصر المصنع، على إثر هذه الحوادث وقبض على العاملين "خميس والبقري".

ولئن كان سيد قطب، أحد أقطاب جماعة الإخوان، طرفاً رئيسياً، في تلك المعركة، التي استخدم فيها، كل براعته الصحفية والأيدولوجية، لفرض رؤيته وتمريرها، على مجلس قيادة الثورة، باتجاه التعامل بقوة وبطش، ضد العاملين المصريين، وترجيح فكرة إعدامهما عن سواها، حيث تسجل الوقائع التاريخية، أن يوسف صديق وجمال عبد الناصر، كانا ضد إعدامهما، فإنّ الجماعة والمنتمين لها، اليوم، يتجاهلون كل ذلك، ويتحايلون على أية فرصة، للاصطفاف معها، بهدف رفع مستوى معارضتهم للنظام، وكسب دوائر أخرى معهم.
كيف حرض سيد قطب ضد العاملين المصريين؟
ومن بين ما كتبه سيد قطب ضد "خميس والبقري": "كنت أحترم الضمير البشري، عن أن يكون من الدنس إلى حد أن يحارب عهداً كالعهد الذي أشرق فجره منذ أيام، وكنت أحسب أنّ طهارة الحركة القومية الجديدة ونقاءها، إلى هذا الحد النادر في تاريخ البشر، كفيل بأن يجعل المجرمين أنفسهم، يتحرجون من الوقوف في طريقه، ولكن كم يخطئ الإنسان في تقدير مدى الدنس الكامن في قلوب  الناس".
كان قطب، أبرز من حرضوا على إعدام "خميس والبقري"، وغيرها من الممارسات القمعية، التي سعى لها، مثل إنهاء الحياة الحزبية، وقد مهد لذلك بكل الحيل الممكنة، لغاية مستترة، وهي أن ينفرد تنظيم الإخوان، بالحكم دون معارضة، قد تهدد وجودهم أو تنافسهم في الواقع، فشرعوا في تصفية أية حركة مجتمعية، تخلق حراكاً سياسياً، يهز الأرض من تحت أقدامهم.

ودان قطب، في عدة مقالات حركة العمال، وشنع عليهم، فيما طالب بمواجهتهم، بصرامة وقوة. وفي أيلول (سبتمبر) 1952، كتب في مجلة روز اليوسف، ضد "خميس والبقري" بعد سجنهما: "أن نظلم عشرة أو عشرين من المتهمين خير من أن ندع الثورة كلها تذبل وتموت".
وفي جريدة الأخبار المصرية، كتب مقالاً آخر بعنوان: "حركات لا تخيفنا"، حيث وصف حادث كفر الدوار بقوله: "لقد أطلع الشيطان قرنيه فلنضرب.. لنضرب بقوة.. ولنضرب بسرعة، أما الشعب فعليه أن يحفر القبور وأن يهيل التراب".
وتكشف العديد من الشهادات التاريخية، مثل التي أدلى بها شقيق العامل المصري، مصطفى خميس، عام 2012 بجريدة القاهرة المصرية: أن "الرئيس السابق محمد نجيب هو من صدق على حكم الإعدام لخميس، في ظل اعتراض ثلاثة من مجلس قيادة الثورة؛ هم جمال عبد الناصر وخالد محي الدين ويوسف صديق، وبالتالي، تم تشكيل المحكمة العسكرية، برئاسة البكباشى الإخوانى، عبد المنعم أمين، وعضوية كلاً من عبد العظيم شحاتة وحسن ابراهيم".

تعود تفاصيل أحداث ما جرى لخميس والبقري، المنتميين إلى إحدى المنظمات الشيوعية، إلى دعوتهما لوقفة احتجاجية للدفاع عن العمال

تكشف كتابات صاحب "معالم في الطريق"، التي توثق مواقفه وتوجهاته، خلال تلك الفترة، عن نزعة عنف متشددة تستبد بمواقفه، ورغبة محمومة، في تطويع تجربة الثورة، بغية ابتلاعها، داخل تنظيم الإخوان، لتمرير مشروعهم الخاص، وفرض رؤيتهم وأهدافهم، وتنظيمها في سياسات وقوانين يقومون وحدهم بإعدادها.
لقد تصدى قطب للأحزاب ومنع إعادتها للحياة السياسية، وساهم في تهميشها ونبذها، لأنه اعتبر "هذه الاحزاب ليست صالحة للبقاء، وأنها ستتفتت وتنهار سواء طلب الجيش ذلك، أم لم يطلبها، لقد استوفت أيامها وعاشت بعد أوانها". كما كتب في مجلة روز اليوسف، في أيلول (سبتمبر) 1952.

اقرأ أيضاً: سيد قطب: معالم في طريق مضطرب
وهو الموقف ذاته الذي اتخذه من الدستور، دستور عام 1923، الذي طالب بتجميد العمل به، ووصف كل من يطالب بالحياة الدستورية، والانتخابات البرلمانية، بأنهم "خفافيش خرجت من القبور"، فيما يعري ذلك عداءه الحقيقي، لقيم الحرية وأسس الديمقراطية، طالما وجدوا أنفسهم، على تخوم السلطة والحكم، أو اعتبارهم الرديف السياسي للسلطة.
وقد كان رأي سيد قطب الذي عبر عنه في آب (أغسطس) 1952 بجريدة الأخبار: "إن الرجعية اليوم تتستر بالدستور، وهذا الدستور لا يستطيع حمايتنا من الفساد إن لم تمضوا أنتم (يقصد الضباط الأحرار)، فى التطهير الشامل الذى يحرم الملوثين من كل نشاط دستورى ولا يبيح الحرية إلا للشرفاء".

جماعة الإخوان والمواقف الزئبقية

وإلى ذلك، فإن ثمة مفارقة، تكشفها المسافة الفاصلة، بين التاريخين، في أحدهما كانت الجماعة قريبة من نظام يوليو، وفي الأخرى وضعت خارج السلطة، وتباين مواقفها، تبعاً لموقعها الذي تتمترس خلفه، في كل مرة، وهو ما يفضح حجم الانتهازية، التي درجت عليها، من ناحية، وسهولة تبرؤها من تاريخها، من ناحية أخرى، برعونة وانسلاخ شديدين، في سبيل توظيف الوقائع والأحداث، لدعم نفوذها السياسي والبراغماتي وتعزيز مكانتها.
فالجماعة التي تحاول توظيف حادث قديم؛ مثل، إعدام العاملين المصريين، للتماهي مع مظلوميته، واستثماره، بصورة راهنة، بغية توسيع وتكثيف مشهدية "المظلومية" التاريخية وخطابها، التي تتكئ عليها، دوماً، لتشكيل حاضنة تحتمي في قاعدتها؛ كانت، هي نفسها، قبل ستة عقود، صانعة لأحداثه، ومدبرة لوقائعه، ومشاركة في تفاصيله، وليست مجرد جزء ضئيل وهامشي، من ذلك المشهد الدموي، الذي تدافع عنه في الحاضر، وتتضامن معه، فضلاً عن تقديمها كل الغطاء والمبرر الشرعي لمجرياته وفصوله، كما نفذت.

اقرأ أيضاً: حكم جديد بإعدام طه حسين!
ومثلما أطلقت مسمى "الحركة المباركة" وبعدها مصطلح "الثورة"، على أحداث 23 تموز (يوليو) 1952، عدلت عن ذلك، بأوصاف أخرى، لا تبدأ عند نعت الحكم بـ"الطاغوت" وحياة "الجاهلية"، ولا تنتهي عند تكفيرهم وشرعنة قتالهم، حتى وصف القيادي بالجماعة، عبد القادر عودة، أثناء محاكمته الوضع القائم بعبارة: "الإسلام سجين".
ولم يكف الإخوان، للحظة، عن ترويج كل الدعاية المضادة، حول فترة الستينات، التي شهدت تصدعاً عنيفاً، في بنية تنظيمهم، وتحولهم من حليف إلى خصم، بسبب رغبتهم في "التمكين" وفرض أيدولوجيتهم ورؤيتهم، وتطبيقها على المجتمع ، وهو ما أدى إلى صدام سريع مع النظام، في حينها؛ وهو الحال نفسه، الذي تعرضت له الجماعة، في كل فترات التاريخ السياسي، والذي تطابقت فصوله، مع تواريخ سابقة ولاحقة، خلال ثمانية عقود، لم تختلف فيها البدايات أو المآلات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: