هكذا عمقت إيران جراحات الشعب الفلسطيني تحت شعارات برّاقة

5482
عدد القراءات

2019-03-14

نجح النظام الإيراني على مدار أعوام عديدة في استقطاب حركات المقاومة الفلسطينية الإسلامية واليسارية تحت إدارته، والسيطرة على بعض التنظيمات المسلّحة، لزعزعة أمن واستقرار عدة دول عربية في المنطقة، كدعم الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان، وحركة حماس في قطاع غزة، ولواء أبو الفضل العباس في سوريا، ودعم فصائل وتنظيمات مسلّحة عديدة.

اقرأ أيضاً: إيران تريد العراق لبناناً آخر!

واستطاعت إيران الإمساك بالحركات المسلّحة في غزة، وحرصت دوماً على عرقلة أيّ اتفاق يهدف إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني، الحاصل منذ العام 2006، وتمكّنت من تعميق فجوته من خلال دعم بعض الفصائل بالأموال كي تبقى العلاقة بين حركتي حماس وفتح دون أيّة حلول جذرية لها، وذلك لتمرير أهدافها الرامية لاستخدام حماس ورقة ضغط أمام الكيان الصهيوني لدفع الولايات المتحدة إلى إنهاء حصارها الاقتصادي عن إيران.

إحراج الدول العربية

الكاتب والمحلل السياسي، يوسف إبراهيم، يقول لـ "حفريات": إنّ "الدعم الإيراني لحركة حماس يهدف إلى إضعاف دور السلطة الفلسطينية، وما تقدمه إيران من دعم لحركة حماس هو دعم مشروط يهدف إلى إحراج الدول العربية، التي تهدف إلى دعم القضية الفلسطينية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، وتقزيم دورها في تقديم الدعم المالي والسياسي لها؛ لإبقاء حماس كمنازع أساسي للسلطة الفلسطينية، وهو ما يعرقل أيّة مفاوضات مستقبلية إسرائيلية فلسطينية، مع النظرة الإسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية بأنّها لا تمتلك القرار الكامل لإجراء مفاوضات شاملة معها، في ظلّ عدم بسط الأخيرة لسيطرتها على بعض التنظيمات المسلحة ومن بينها حماس".

اقرأ أيضاً: المعارضة الإيرانية تتظاهر في واشنطن.. هذه مطالبها

ويشير إلى أنّ "قيام قيادة الحركات الإسلامية واليسارية بزيارة إيران والوقوف معها، كما فعلت حماس في السادس من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي؛ عندما نددت بتوقيع العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن على طهران، استغل النظام الإيراني ذلك الأمر لتشويه الدور العربي الداعم للقضية الفلسطينية، وأظهرت طهران نفسها بأنّها الداعم الوحيد لفلسطين وحركاتها المسلحة".

ويتابع إبراهيم "رغم الدعم الإيراني المالي والعسكري والسياسي لحركة حماس، إلا أنّه لا يمكن اعتبار هذه العلاقة بالإستراتيجية، وقد تلجأ طهران للتخلّي عن دعم حركات المقاومة الفلسطينية بشكل كامل، ومن بينها حركة حماس، مقابل إنهاء الولايات المتحدة الحصار الاقتصادي والتجاري المفروض عليها، وحصولها على بعض الامتيازات الدولية والأمريكية التي تتماشي مع أهدافها في المنطقة، وما يدلل على ذلك الفتور الكبير الذي شهدته العلاقة بين حركة حماس وإيران، بعد توقيع طهران الاتفاق النووي مع الدول الأوروبية، في العام 2015، وتوقف الدعم المالي الإيراني للحركة في ذلك الحين لعدة أعوام قبل أن يعود مرة أخرى".

اقرأ أيضاً: هكذا أججت إيران التطرف في نيجيريا

واستدرك أنّ "إيران تسعى إلى التواجد بداخل المشهد السياسي الفلسطيني والإقليمي بشكل متواصل؛ من خلال ضمان تشبثها بعلاقة دائمة مع حركة حماس وبسط سيطرتها على ما يجري من أحداث في المنطقة؛ حيث دأبت إيران للطلب من حركة حماس بفتح مكتب تمثيلي لها في طهران، وقامت الحركة بتعيين القيادي عماد العلمي، الذي قتل في غزة بظروف غامضة، ممثلاً لها هناك، ليفتح الباب على مصراعيه عن هدف دعوة إيران لحماس لوجود تمثيل سياسي للحركة بطهران، ويبدو أنّ ذلك هو منهج السياسة الإيرانية في التعامل مع كافة الدول المعارضة لها؛ لدعم أيّة تنظيمات أو حركات سياسية تعمل بعيداً عن نظام الحكم، لزعزعة أمنها ونشر الفوضى بين تياراتها السياسية وحركاتها المسلحة".

المتاجرة بالقضية الفلسطينية

ولفت إبراهيم إلى "أنّ إيران تمدّ يدها وتعزز النزعة التمددية على الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية، باستخدام حماس كأداة للمتاجرة بالقضية الفلسطينية على حساب مصالحها ومكاسبها الشخصية، وهي على استعداد تام للتضحية بالقضية الفلسطينية مقابل مكاسب شخصية؛ من خلال مساعدة الولايات المتحدة في إقناع حماس بالمشاركة في المباحثات المتعلقة بصفقة القرن مقابل قيام الولايات المتحدة بإنهاء الحصار الأمريكي عنها، مع التوافق الذي تشهده العلاقة بين إيران وقطر وحماس، وتأكيد السفير العمادي بوجود مباحثات سرية بين حماس وإسرائيل حول تفاهمات كثيرة".

اقرأ أيضاً: الجبير يتحدث عن دور إيران في المنطقة.. هذا ما قاله

ويكمل إبراهيم حديثه: "العلاقات الإيرانية الحمساوية شهدت ظروفاً صعبة في أوقات عديدة، من أبرزها؛ ما صرّح به موسى أبو مرزوق، الرئيس الأسبق للمكتب السياسي لحركة حماس، دعمه للمعارضة السورية، الأمر الذي أثار غضب طهران، وأوقفت الأخيرة دعمها للحركة إثر ذلك؛ حتى لجأت إيران إلى دعوة رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، لحضور مؤتمر الوحدة الإسلامية، الذي جرى عقده بطهران، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وألقى هنية كلمة للحاضرين عبر خدمة "سكايب" بيّن فيها حاجة حماس إلى الدعم الإيراني، وبعد عدة زيارات ولقاءات متواصلة بين هنية والحرس الثوري، تم استئناف الدعم المالي الإيراني لحركة حماس وجهازها العسكري".

تنفيذ الأجندة الإيرانية

أستاذ العلوم السياسية والدراسات الشرق أوسطية، ماجد وادي، يذهب إلى بدايات العلاقة بين إيران وحماس ظهرت في مطلع العام 1990 "عندما دعت إيران قيادة حماس آنذاك للمشاركة في مؤتمر أقامته طهران لدعم الانتفاضة الفلسطينية، وهي فرصة سانحة وجدتها إيران لبسط نفوذها والسيطرة على الحركات المسلحة في فلسطين، لتحقيق أهداف وأجندات تخدم المصالح الإيرانية في المنطقة".

ماجد وادي: أشكك في أهداف التمويل الإيراني باعتباره محاولة يائسة لتعطيل الجهود المصرية الداعية لإنهاء الانقسام الفلسطيني

ويشير وادي في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّه "قبل أن تشرع إيران باستئناف الدعم المالي لحركة حماس؛ قام مستشار الشؤون الدولية للمرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي أكبر ولايتي، باستقبال قادة حماس البارزين في غزة، ومن بينهم؛ يحيى السنوار وصالح العاروري، بعد زيارة وفد الحركة لطهران لحضور مراسم تعيين الرئيس حسن روحاني، رئيساً للبلاد، وقد طالب وفد حماس حينها، بعد مقابلة عدد من المسؤولين الإيرانيين، بضرورة استمرار إيران بتقديم الدعم المالي للحركة، مقابل مناصرة الأخيرة لطهران، ودعمها ضدّ العقوبات والهجمة الأمريكية عليها".

منطق إيران الحالي هو إظهار علاقات قوية مع أيّة فصائل ذات أيديولوجيات إسلامية في البلاد العربية، وفق وادي، ومن بينها حركة حماس، دون منحها الثقة المطلقة، خاصة إن كانت تلك الحركات تنتمي إلى المذاهب السنية؛ لأنّ إيران تهدف لتوسعة مظلّة المذهب الشيعي، وهو ما دأبت عليه بإنشاء حركات شيعية لها في غزة كحركة الصابرين، والسماح لها بموافقة حركة حماس بغزة على إقامة حسينيات تتبع لها في عدة مناطق بالقطاع، كما تجنّبت طهران إقامة علاقات واضحة مع السلطة الفلسطينية، الممثل الشرعي والمعترف به دولياً".

اقرأ أيضاً: دول أوروبية تطلب من إيران هذه الأمور لاستمرار الحوار

وشكّك وادي في أهداف التمويل الإيراني، باعتباره "محاولة يائسة لتعطيل الجهود المصرية الداعية لإنهاء الانقسام الفلسطيني، والوصول إلى هدنة بين حركة حماس وإسرائيل بوساطة مصرية؛ فتحقيق مصر لأيّة مصالحة داخلية؛ لا شك لا يروق لطهران على الإطلاق"، مؤكداً أنّ إيران "قد تدفع حركة حماس والتنظيمات الأخرى لتعطيل أيّ اتفاق مستقبلي من خلال تصعيد الأوضاع في غزة، والدخول في مواجهة مفتوحة مع الجانب الإسرائيلي".

ويرى وادي أنّ "السلطة الفلسطينية باتت ترى أنّ الدعم المالي من قبل طهران لحركة حماس، بالدور السلبي الذي يعرقل فرص إنهاء الانقسام الفلسطيني، في ظلّ استخدامها عدالة القضية الفلسطينية لتحقيق أهدافها في المنطقة، ولاستغلال قطاع غزة في صراعاتها ومشاكلها الدولية".

تغذية الحروب الأهلية في العالم العربي

وهاجمت الرئاسة الفلسطينية، في أيار (مايو) 2017، إيران بشدة، واتهمتها بتشجيع استمرار الانقسام الفلسطيني الداخلي الأمر، الذي أدى إلى زيادة معاناة قطاع غزة، ورأى الناطق الرسمي باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، آنذاك، أنّه "لا يجوز لإيران التي ساهمت بتغذية الحروب الأهلية في العالم العربي التحدث بلغة لا تخدم سوى إسرائيل وأعداء الأمة العربية".

ودعا أبو ردينة إيران إلى الكفّ عن التدخل في الشؤون الفلسطينية الداخلية، وجاء بيان الرئاسة إثر تصريحات لمساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون الدولية، حسين شيخ الإسلام، انتقد فيها إجراءات السلطة الفلسطينية ضدّ قطاع غزة، الذي تسيطر عليه حركة حماس.

اقرأ أيضاً: خامنئي ومعاناة الشعب الإيراني

ورأى شيخ الإسلام، في تصريحات لموقع "الرسالة نت" الإلكتروني، المحسوب على حركة حماس في غزة، أنّ ما ترتكبه السلطة الفلسطينية ورئيسها عباس بحق قطاع غزة "إجرام بإيعاز أمريكي وإسرائيلي لتطويعه، ورأى أنّ السلطة تشنّ حرباً بالوكالة ضدّ غزة، في خطوات غير مبررة ولا يمكن القبول بها".

وعقب أبو ردينة بقوله: إنّ "تصريحات المسؤول الإيراني تطاول على الرئيس الفلسطيني ونضال الشعب الفلسطيني، وهي مرفوضة وغير مسؤولة"، مؤكداً أنّه "لا يحق لمن ساهمت دولته في خلق واستمرار الانقسام التحدث عن فلسطين وشعبها، وطالب حكومة طهران بعدم السماح لمثل هذه التصريحات المسيئة للشعب الفلسطيني ونضاله وكفاحه لتحرير القدس والمقدسات".

وختم أبو ردينة قائلاً: "بدل أن تقوم طهران بتعزيز الموقف الفلسطيني في نضاله من أجل الاستقلال، فإنّها تعمل على المسّ بإمكانية مواجهة التحديات الكبيرة التي تهدد مستقبل وشعب فلسطين والقدس ومقدساتها".

إفشال حوار موسكو

كما اتهم مسؤولون في حركة فتح إيران ودولاً إقليمية بدعم مواقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي، بهدف استمرار الانقسام الفلسطيني، وأعاد عضو اللجنتين؛ التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح، عزام الأحمد، في تصريحات، في 17 شباط (فبراير) الماضي، اتهام الحركتين بإفشال حوار موسكو بين الفصائل.

عزام الأحمد: كنت أتمنى لو أنّ إيران صادقة، فتتبنى كل شهداء الثورة، فهي لم تتبنَّ أيّ شهيد في القدس

واتهم الأحمد إيران بـ"تمويل الانقسام الفلسطيني"، وقال إنّها "أكبر ممول له"، ونقل عن صائب عريقات كذلك، وهو عضو اللجنتين التنفيذية والمركزية، طلبه من الفصائل الفلسطينية وقف الارتهان لإيران، قائلاً "إنّ السلطة الآن تتصدى للتدخلات الإيرانية وتدخلات تركيا والإخوان المسلمين في فلسطين".

وكان الأحمد، شنّ هجوماً على إيران، في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، بعد إعلان الأخيرة تبنّيها لشهداء وجرحى مسيرات العودة في غزة، في بيانها الختامي لمؤتمر الوحدة الإسلامية الذي عقد بطهران، وقال: "كنت أتمنى لو إيران صادقة، أن تتبنى كل شهداء الثورة الفلسطينية"، لافتاً إلى أنها "لم تتبنَّ أيّ شهيد في القدس؛ كي تضمن استمرار الانقسام حتى تستخدمه كورقة للمناورة".

وذكر أنّ "إسرائيل تستخدم الانقسام الفلسطيني بشكل إستراتيجي، أما إيران فتستخدمه بشكل تكتيكي؛ لتحسين وضعها مع أمريكا وأوروبا".

وتابع الأحمد أنّ "هؤلاء شهداء فلسطين أكرم منا جميعاً"، موضحاً أنّ "حركة فتح لها شهداء في مسيرات العودة أكثر من حركة حماس".

اقرأ المزيد...

الوسوم: