هل أخفق فيلم "حرب كرموز" في إظهار فظائع الاستعمار البريطاني؟

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
1896
عدد القراءات

2019-04-18

أن يعكف القائمون على فيلم عربي على فكرة متفرّدة تعود لزمن الانتداب، فإنّ هذا أمر جيد؛ إذ بالوسع من خلال الفيلم فهم، ولو جانب، مما آلت إليه الأمور لاحقاً في العالم العربي، على المستويات كلها؛ السياسية والثقافية والفكرية وغيرها، لكن شريطة أن تكون أدوات التناول على سوية جيدة.

حكاية الفيلم وقعت في فخّ الإخراج الذي كان طفولياً؛ إذ كانت مؤثرات الفيديو أشبه بفيلم كارتون

يعود "حرب كرموز"، للمخرج بيتر ميمي، لفترة زمنية خلَت إبان الانتداب البريطاني على مصر، وما حملته تلك المرحلة من نزاع داخلي بين السلطات المصرية تحت الاستعمار، وممثلي هذا الاستعمار على الأرض المصرية، النزاع على السُلطات وعلى المبادئ الإنسانية، مثل: عدم السماح بالاعتداء على النساء، وعلى المبادئ السياسية، التي لا تبيح للطرف الأقوى قهر الآخر على أرضه بصورة فجّة، كما يسرد الفيلم.

المدخل الذي اختاره ميمي للحكاية؛ كان اعتداء جنود بريطانيين على فتاة مصرية، ليجيرها شبّان مصريون، ولتنتقل الحادثة لأيدي الأمن المصري، الذي يرفض مسؤول فيه (يؤدي دوره بطل العمل، أمير كرارة) الانصياع لتوجيهات الاستعمار بتسليم الضالعين في مقتل الجنود، فيكون الثمن حرب كرموز، وهو حيّ قديم من أحياء الإسكندرية.

فخ الإخراج الطفولي
الحكاية، على أهميتها، وقعت في فخّ الإخراج الذي كان طفولياً؛ إذ كانت مؤثرات الفيديو واضحة، وأشبه ما تكون بفيلم كارتون، ما عصف بسويّة العمل وقلّل من جديّة الفكرة المطروحة، رغم زخم الأسماء الحاضرة في العمل، مثل: محمود حميدة، وغادة عبد الرازق، وبيومي فؤاد.

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم فيلم "الآباء والأبناء" بالانحياز إلى النظام السوري؟

السينوغرافيا كانت على درجة من المراهقة الفنية؛ إذ ظنّ القائمون على العمل أنّ اختيار درجة إضاءة بعينها للمَشاهِد من شأنه إخفاء الإخفاق في جوانب السينوغرافيا الأخرى، ولعلّ هذا الاستسهال هو ما جعل العمل لا يحظى بدرجة شهرة جيدة أو رواج في الصالات السينمائية.

كان يُنتظر من "حرب كرموز" أن يفتح باباً واسعاً للنقاش حول فظائع الانتداب الغربي للبلاد العربية، وما خلّفه هذا الاستعمار من مآسٍ سياسية ما تزال ماثلة حتى اللحظة، ولعلّ أهمّها الانقسام بين عناصر الوطن العربي الواحد، وليس انتهاءً بالطبع بمآسٍ أخرى؛ من قبيل ترويع المواطنين آنذاك، ومصادرة ممتلكاتهم ودخلهم، وتسهيل احتلال بلادهم؛ بل تسليمها للمحتلّ بضمير مرتاح، كما حدث في احتلال فلسطين، عام 1948.

الفيلم خرج عن السكة
اختلطت تصنيفات سينمائية عدة في متن الفيلم، فكان الدراما والحركة والتشويق، ما أخرج العمل عن السكّة التي كانت تُرتجى منه، سيما أنّ هنالك مبالغة في الأداء الجسدي لدى الأبطال، فظهَر البطل المصري الذي لا يُقهر جسدياً، وإن حدث وكُسِرت شوكته جسدياً، فسرعان ما تنقلب الظروف من حوله لصالحه، فيقوم للقتال باستماتة من جديد ومن ثم الانتصار.

اقرأ أيضاً: فيلم "واجب": الفلسطيني خارج إطار الأسطورة

تمّت الاستعانة بوجه عالمي في الفيلم، وهو الممثل والمؤدي، سكوت آدكنز؛ لجعله الـ "أنتوغينيست"؛ أي البطل الشرير، لكنّ أداءه هو الآخر جاء مفتعلاً، وقد تُركت له بعض المساحة ليستعرض مهاراته الجسدية على البطل المصري (ولا نعلم حتى اللحظة كم تقاضى على هذا الظهور الخجول المتواضع، الذي كان بالوسع اختصار تكاليفه لصالح تغذية الفيلم بمزيد من التفاصيل والإمكانات التي ترفده)، لكن سرعان ما تغلّب المصري عليه، وانقلبت الآية سريعاً.

وجود ضيوف شرف في الفيلم كان فكرة رائعة بحد ذاتها؛ وقد ظَهَرَ في الفيلم الممثل أحمد السقا، لكن هذا الظهور الشرفي يعود لفتح الباب من جديد لنقاش من نوع آخر مفاده: هل يعلم القائمون على السينما العربية ما معنى ظهور بطل شرفي؟ الأمر يتعدّى كونه حضور اسم ما؛ لمغازلة شبّاك التذاكر، الأمر يتعلّق بأهمية هذا الدور ومحوريّته وقدرة صاحبه على الإقناع، لم يكن المشهد مقنعاً البتة، ولم نفهم كيف استطاع أحمد السقا شطب بيانات رجل مطلوب للانتداب، والتظاهر بوجود جثته، وفي الوقت نفسه إعادته لعائلته! لقد كان ظهور السقا مبهماً إلى هذا الحدّ، ولم يكن مقنعاً، رغم أنّ وجوده كان يمكن أن يُستغلّ لرفع العمل عالياً.

يُنتظَر من القائمين على الفيلم  والمؤمنين بفكرته الجيدة، أن يقدّموا جديداً يتلافى عيوب السابق

إعادة نبش الدفاتر القديمة للانتداب
لو كان القائمون على "حرب كرموز" قد تكبّدوا مزيداً من العناء في البحث وإيلاء التفاصيل الأهمية، سواء كان هذا على صعيد الحبكة، أو الأداء، أو السينوغرافيا، لفتحوا الباب لهذه الثيمة في الأفلام، وهي إعادة نبش الدفاتر القديمة للانتداب، وما فعله بالأوطان العربية وما ألحقه بالبلاد والشعوب من خسائر ما يزال يُسدّد ثمنها الباهظ حتى اليوم.

كان يُنتظر من "حرب كرموز" أن يناقش فظائع الانتداب الغربي للبلاد العربية، وما خلّفه من مآسٍ سياسية

يُذكّر الإخفاق الآنف في "حرب كرموز" بإخفاق مماثل لمسلسل "فرقة ناجي عطا الله"، للفنان عادل إمام، حيث جرى استسهال الأمر وطرح فكرة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بقالب غير مدروس، ودون عناية بالتفاصيل، سواء كان هذا على صعيد الفكرة أو الإخراج، ما أدّى بدوره للاستياء من العمل أكثر من الاحتفاء به، رغم كون مناقشة ثيمات من هذا القبيل، أي الانتداب والاحتلال للأوطان العربية، من شأنه إعادة مصر للطليعة سينمائياً، واسترداد البريق السابق الذي أفلحت في انتزاعه على مدار عقود، على مستوى السينما العربية، قبل طغيان موجة أفلام المقاولات، ومن ثم منتجعات شرم الشيخ.

يُنتظَر من القائمين على فيلم "حرب كرموز"، والمؤمنين بفكرته الجيدة، أن يقدّموا جديداً يتلافى عيوب السابق، ويقدّم شيئاً متميزاً هذه المرة على صعيد الفكرة المطروحة والسينوغرافيا والعناية بالتفاصيل كلها، وإظهار الواقع على علّاته؛ إذ البطل العربي صاحب حقّ، حتى لو لم ينتصر في الشجارات مع أبطال العمل المنتمين لفترة الانتداب والاحتلال، ويكفي نبش الدفاتر التاريخية، مثل الحادثة الآنفة، التي تتضارب المراجع بشأن كونها جرت حقيقة أم لا (حادثة الاعتداء على الفتاة، التي أفضت إلى مواجهة بين المصريين وسلطات الانتداب البريطاني)، للخروج بعمل فني متميز دون مبالغات أو هنّات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: