هل أطاح توقيع الوثيقة الدستورية في السودان بالدولة الإخوانية؟

عن بكرة أبيها، وبقضّها وقضيضها؛ خرجت العاصمة السودانية، الخرطوم، وجميع المدن السودانية؛ احتفاءً بتوقيع كلٍّ من قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري السوداني للوثيقة الدستورية، الأحد 4 آب (أغسطس) الجاري، بعد مدٍّ وجزر من المفاوضات التي استغرقت زهاء أربعة أشهر.

اقرأ أيضاً: توقيع الإعلان الدستوري السوداني.. هذه بنوده
وعبّرتْ الجماهير الغفيرة عن فرحتها، بأساليب مبتكرة؛ كحمل الوسيط الإفريقي، محمد الحسن ولد لبات، على الأعناق؛ تعبيراً عن امتنان السودانيين للدور الذي لعبه الاتحاد الأفريقي ممثلاً في شخصه، في تقريب وجهات النظر بين المدنيين والعسكر، والضغط البنّاء على الطرفين لتقديم المزيد من التنازلات للوصول إلى هذا الاتفاق، والانتقال بالبلاد إلى حكم مدني ديمقراطي، عِوضاً عن العسكري/ الإخواني، الذي حكم السودان لثلاثين عاماً.
حميدتي وأحمد ربيع يوقعان على الوثيقة الدستورية

الشرارة الأولى
وكانت الاحتجاجات قد اندلعت في بعض المدن السودانية، ابتداءً من 19 كانون الأول (ديسمبر) 2018، قبل أن تنتقل في غضون يومين إلى العاصمة الخرطوم، وشهدت هذه الاحتجاجات السلميّة ردّ فعل عنيفاً من حكومة الرئيس المعزول، عمر البشير، فسقط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين، إلا أنّ المحتجين تمكنوا من إجبار قيادة الجيش السوداني على خلع البشير، وإطاحة نظامه، في 11 نيسان (أبريل) 2019، ليتولى مجلس عسكري، مكون من قادة الجيش وقائد قوات الدعم السريع، إدارة البلاد مؤقتاً.

تدخّل رئيس الوزراء الأثيوبي ومفوضية الاتحاد الإفريقي أعاد الطرفين إلى طاولة التفاوض والتوصل للاتفاق على الوثيقة الدستورية

ومنذ تولّي المجلس العسكري السوداني إدارة البلاد، وحتى لحظة التوقيع على الوثيقة الدستورية ومن قبلها الاتفاق السياسي، لم تتوقف الاحتجاجات لحظة واحدة، وكادت المفاوضات تنهار مرات عديدة، خاصة بعد حادثة فضّ اعتصام القيادة العامة التي شهدت مذبحة لا مثيل لها في تاريخ السودان السياسي؛ حيث راح ضحيتها عشرات القتلى ومئات الجرحى، إلّا أنّ تدخّل رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد علي، ومفوضية الاتحاد الإفريقي، تمكّن من إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض إلى أن توصّلا إلى الاتفاق الأخير، بالتوقيع بالأحرف الأولى على الوثيقة الدستورية، التي تنظم الفترة الانتقالية لثلاثة أعوام وثلاثة أشهر، على أن يتمّ التوقيع النهائي في الـ 17 من الشهر الجاري، في احتفالية رسمية، بحضور رئيس الوزراء الإثيوبي، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، ورؤساء أفارقة وعرب.
الوسيطان الإفريقي والإثيوبي يعلنان عن الاتفاق

من الثيوقراطية إلى المدنية
وفي هذا السياق؛ رأت الباحثة السياسية والاجتماعية، سامية الجاك، في حديثها إلى "حفريات"، أنّ التوقيع على الوثيقة الدستورية هو الخطوة المركزِية لانتقال السودان  عملياً من حقبة الحكم العسكري/ الثيوقراطي، إبان حكم تنظيم الإخوان المسلمين، الذي تراجع بالبلاد إلى مستويات متدنية في كلّ مناحي الحياة؛ بفصله جنوب السودان عن الوطن الأم، وإشعاله للحروب في كلّ أنحاء البلاد، واستقدامه للعناصر الإرهابية من كلّ أرجاء العالم؛ من أسامة بن لادن، إلى كارلوس، وغيرهما، إضافة إلى تدبيره محاولة لاغتيال الرئيس المصري السابق، حسني مبارك، وموقفه السلبي من احتلال دولة الكويت على يد صدام حسين، وعلاقاته المشبوهة مع نظام الملالي في إيران.

اقرأ أيضاً: اتفاق المجلس العسكري السوداني وائتلاف المعارضة
وتعتقد الجاك أنّ كلّ هذا الإرث الثقيل دفع السودانيون ثمنه باهظاً، بوضع السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض عقوبات اقتصادية قاسية عليه، ومطالبة المحكمة الجنائية الدولية برئيس الدولة بتهمة ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، وتطهير عرقي في إقليم دافور غرب السودان، حيث أصبحت البلاد كلّها رهينة للبشير، الذي تشبث بالسلطة من أجل حماية نفسه من ملاحقة المحكمة.

اقرأ أيضاً: المجلس العسكري في السودان يكشف المتورطين في أحداث الأبيض
وتستطرد الجاك: "الآن، وبالتوقيع على الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، انتقل السودان إلى مرحلة جديدة، عبر حكومة انتقالية مدنية بمجلس سيادة نصفه من العسكريين، تقود البلاد خلال ثلاثة أعوام إلى انتخابات حرة ونزيهة، بجانب مهامها الأخرى في تحقيق السلام الداخلي، والعمل على تخفيف أعباء المعيشة على المواطنين، والتحقيق في قتل المتظاهرين، وتحريك إجراءات قانونية بحقّ رموز نظام الإخوان المسلمين، وفتح ملفات الفساد".   
وثيقة دستورية لمرحلة انتقالية
من جهته، كشف المحلل السياسي محمود التوم لـ "حفريات"، عن أهمّ بنود الوثيقة الدستورية التي تمّ التوقيع عليها بالأحرف الأولى، الأحد 4 آب (أغسطس)، وتتمثّل في التأسيس لنظام حكم انتقالي، يتكوّن من جهاز تشريعي (برلمان)، تحصل قوى إعلان الحرية والتغيير 67% من مقاعده، ومجلس وزراء من تكنوقراط، يعينهم رئيس الوزراء الذي تختاره الحرية والتغيير، ويجيزهم المجلس السيادي، ذو الصلاحيات التشريفية والسلطات التنفيذية المحدودة، على أن يخضع جهاز الاستخبارات العامة للسلطتين السيادية والتنفيذية، وأن تكون قوات "الدعم السريع" تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة، الخاضعة للمجلس السيادي.

اتسمت حقبة حكم جماعة الإخوان المسلمين بتقسيم السودان وإشعال الحروب الأهلية وجلب العناصر الإرهابية من كلّ أرجاء العالم

وأشار محمود إلى أنّ الوثيقة منحت مجلس السيادة، المكوَّن من عسكريين ومدنيين، حقّ ترشيح وزيرَي الداخلية والدفاع، لكنّهما سيتبعان لمجلس الوزراء، هو من يتولى مراقبة أدائهما، ويمضي مفصلاً: أقرّت الوثيقة الدستورية تشكيل 11 مفوضية مستقلة؛ أربع منها يشرف عليها مجلسا السيادة والوزراء، وهي: مفوضيات الدستور والانتخابات والسلام والحدود، علاوة على أخرى ذات استقلالية كاملة؛ كمفوضيات المرأة، العدالة الاجتماعية، مكافحة الفساد، الأراضي، حقوق الإنسان، إصلاح الخدمة المدنية.
يضيف محمود أنّ الوثيقة الدستورية أعطت الحكومة المدنية (التنفيذية) حقّ تقسيم البلاد إدارياً إلى أقاليم أو ولايات، بعد القيام بالمشاورات اللازمة مع الخبراء في هذا المجال، معتبراً الخطوة المنصة الرئيسة للانطلاق نحو نظام حكم ديمقراطي ودولة مدنية كاملة، لافتاً إلى أنّ الجانبَين اتفقا على تشكيل مجلس السيادة، في 18 آب (أغسطس) الجاري، يعقبه تعيين رئيس الوزراء في العشرين منه، والذي سيعلن في 28 آب (أغسطس) الجاري تشكيل حكومته، لتنطلق المرحلة الانتقالية في 1 أيلول (سبتمبر) القادم، ما يشي بأنّ اتفاقاً ما تمّ بين الطرفين على الأسماء كافة في المجلسَين، وينتظران فقط الإعلان عنها، وفق الجدول الزمني المحدَّد.
السودانيون يحتفلون بالتوقيع

خشية من العسكر
إلى ذلك، أبدى الناشط السياسي، عبد العزيز السنوسي، خشيته من إمكانية تراجع المجلس العسكري الانتقالي عن الاتفاق إذا لم تحتفظ قوى الحرية والتغيير بالشارع كوسيلة ضغط عليه، تستخدمها كلّ ما حاول التنصل عن الاتفاق، وأثنى السنوسي على موقف الحزب الشيوعي، ورأى أنّه معبر عن روح الثورة، وإن جاء متأخراً نسبياً، بحسب رأيه، فيما أكّد أنّ أهمية الاتفاق تكمن في إزاحة الإخوان المسلمين عن المشهد السياسي، ولو إلى حين، وطالب بضرورة تقديمهم إلى محاكمة عادلة بتهمة انقلابهم على النظام الديمقراطي، عام 1989، وبما ترتب على ذلك من انفصال لجنوب السودان وحروب إبادة جماعية في دافور، وتهم الفساد المالي والإداري خلال حكمهم.

الأقسام: