هل الأصولية الإسلامية هي الوحيدة التي تُهدّد الغرب؟‎

هل الأصولية الإسلامية هي الوحيدة التي تُهدّد الغرب؟‎


01/03/2020

هل يتقاسم أصوليو الأديان الإبراهيمية الثلاثة نظرة واحدة متشابهة إلى العالم، ورؤية واحدة للحياة في المجتمع؟
هل يخوض هؤلاء الأصوليّون حرباً ضد بعضهم البعض؟ أم أنّهم يعملون معاً لإتلاف العلمانية والديمقراطية وإفسادهما، وغايتهم تحقيق هدف مشترك، مع احتمال تعزيزهم وتقويتهم لبعض؟ وهل يمثل خط الصدع الذي أحدثته أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 صراع حضارات، أم صدام أفكار بين الثيوقراطية والديمقراطية؟

تعتمد الباحثتان منهج التحليل المقارن لدراسة الموضوعات السياسية التي تثير مواقف حدّية لدى الأصوليات الدينية الثلاث

وهل يشي التحول الجيوبوليتيكي للعالم، منذ سبعينيات القرن المنصرم، بأننا أمام حرب أصوليات دينية، أم أننا أمام انتشاء الأصوليات الدينية مجتمعة في الانقضاض على قيم الحداثة والديمقراطية والعقلانية وفلسفات عصور النهضة الغربية والشرقية على السواء؟
في كتابهما المشترك؛ "العلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية"، الصادر عن رابطة العقلانيين العرب عام 2006، بترجمة غازي أبو عقل ومراجعة مروان الداية، تُعبّر الباحثتان الفرنسيتان؛ كارولين فورست وفياميتّا فينّر، عن التخوف الحقيقي لدى قوى اليسار والناشطين في مجال حقوق الإنسان والنسوية الأوروبية، من تراجع القيم العلمانية أمام المدّ الأصولي منذ سبعينيات القرن المنصرم، وتحاولان الإجابة عن سؤال بحثهما المحوري السابق الذكر، وما يتفرع عنه؛ بتبيان مدى الترابط والتلاقي بين جماعات أصولية، قد تبدو في غاية الاختلاف والتعارض الظاهري فيما بينها، بينما يوحدها هدف واحد وغاية مشتركة وعدو مشترك في المطاف الأخير.


وتعتمد الباحثتان منهج التحليل المقارن، لدراسة جملة من الموضوعات السياسية التي تثير مواقف حدّية لدى الأصوليات الدينية الثلاث، بتنظيماتها المختلفة؛ كموضوع حقوق النساء، وحق الإنجاب أو الإجهاض، والمسألة الجنسية، وموضوع التسامح الثقافي، والنفوذ السياسي أو "اللوبي" الضاغط على الدولة، وموضوع النشاط العنيف والإرهابي، والتي يشير موقف الأصوليين منها في الأديان الثلاثة، إلى تطرف سياسي في أوقات متقاربة بشكل مدهش؛ فالصدمة الناتجة عن أحداث 11 أيلول، والتي نبهت إلى الخطر الذي تمثله الإسلاموية، وفسرها البعض بسرور على أنّها "صراع حضارات"، على اعتبار أنّ الخطر الإسلامي هو الخطر الوحيد الذي يهدد حضارة الغرب، لا يمكن فهمها دون إلقاء النظر على عودة الغزوة الدينية، التي باشرها الأصوليون اليهود والمسيحيون والمسلمون في آن، منذ نهاية السبعينيات، باعتبارها "ثأر الله"، بحسب تعبير المفكر الفرنسي؛ جيل كيبل.

يميل الكثير من المراقبين والمحللين إلى عدم الانتباه لظاهرة تدخّل الحركات الدينية المتطرفة إلا إذا عبّرت عن نفسها في المجال السياسي

وقد لا يكون من محض المصادفة، أن تُحدِثَ الأحزاب الدينية في إسرائيل خرقاً انتخابياً، صبّ في مصلحة حزب الليكود المتشدّد، وأدى إلى منع حزب العمل من تشكيل الحكومة في أيار (مايو) عام 1977، وفي السنة التالية، أصبح الكاردينال المعروف بتصلبه؛ كارول فوتيلا يوحنا بولص الثاني، بابا الفاتيكان، ليبدأ معه زمن تطرّف الكنيسة الكاثوليكية وعودة الكاثوليكيين التقليديين إليها، بعدما وصلوا حدّ الانشقاق عنها احتجاجاً على المجمع المسكوني، المعروف باسم " فاتيكان الثاني"، ومن ثم إعلان الخميني عن جمهورية إيران الإسلامية، في شباط (فبراير) 1979؛ والتي تُعدّ الظاهرة الأولى لغزو الإسلاميين مواقع السلطة، وهي أيضاً سنة ولادة اليمين الديني الأمريكي رسمياً وبداية استيلاء السلفيين البروتستانتيين، على الحياة الداخلية والسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية.


ويميلُ الكثير من المراقبين والمحللين إلى عدم الانتباه لظاهرة تدخّل الحركات الدينية المتطرفة، إلا إذا عبّرت عن نفسها في المجال السياسي المصنف كذلك رسمياً؛ كالمشاركة في الانتخابات أو القيام بنشاطات إرهابية أو أعمال عنف لافتة، أو التفريق بين الجماعات الأصولية من حيث قدرتها على التأثير أو الاعتراف العام بها، أو التمييز بين تلك الحركات والجماعات بالنظر إلى طريقة وأسلوب التأثير الذي تتبعه، "كالتغيير من فوق" أو "الفتح من الأعلى"، بحسب جيل كيبل؛ أي عندما يحاول الأصوليون الدينيون الاستيلاء على مواقع سلطة في قمة التراتبية السياسية والسيطرة على الدولة، أو التغيير من تحت من خلال النشاط الدعوي والتبشيري والتربوي ميدانياً، فيما ترى المؤلفتان؛ فوريست وفينّر، أنّه لا ينبغي الركون إلى الإغراء القائل إنّ أحد الأسلوبين أقل أهمية أو خطراً من الآخر، وتشيران إلى أنّ تأثير هذا التدخل على الحريات الفردية؛ كحقوق النساء أو حقوق الأقليات، لا يقل أهمية عن التدخل في المجال السياسي المباشر أبداً، وأنّ الفرق بين قوة تأثير جماعة أصولية، وأخرى قد يكون فرقاً مؤقتاً وظاهرياً، ولا ينبغي التقليل من أهمية الدور الذي تلعبه الجماعات التي تبدو هامشية، كون هذه الشبكات قادرة على تغذية حركة يمكن أن تستفيد منها تنظيمات أخرى أعمق تأصلاً في أرض الواقع، فلا تحتاج بعض الأقليات الفاعلة وبعض الشبكات إلى تمثيل حركة شعبية لتصبح في طليعة مسار قادر على تغيير مجرى التاريخ.

تهدف الأصوليات الدينية إلى غاية واحدة وتتلاقى في منتصف الطريق وتشدّ أزر بعضها في حربها على العلمانية وقيم الديمقراطية

وقبل أحداث الحادي عشر من أيلول، لم يكن هناك من يأخذ مقدرة أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة على الأذى على محمل الجد، ولم تجد الولايات المتحدة الأمريكية، تحت قيادة المسيحيين الجدد، ضيراً في التعاون مع الأصوليين المسلمين واعتبارهم قوى تحديثية قادرة على تفكيك أنظمة ما قبل الطوفان، وقيادة عملية التغيير في العالم العربي، ومغازلتهم ودعمهم وتوظيفهم في حربها "الصليبية" ضد الشيوعية، قبل الحادي عشر من أيلول، ولم تجد بعض النظم العربية ضيراً في تقديم تنازلات اجتماعية وقانونية للإسلامويين، في كل مرة يشتد الضغط الغربي على كواهلهم، أو في مواجهة القوى المعارضة الداخلية الأخرى، واللعب على التوازنات التي تديم هيمنة تلك السلطات، ولم يتساءل، كلاهما، عمّا ستؤول إليه حال المجتمعات التي يهيمن عليها الأصوليون من التفكك والنكوص، إلى التوحش والبدائية، والتراجع عن مكتسبات الحداثة "الهشة" في مجال حقوق النساء أو الأقليات الدينية والإثنية.

هل ينفرد الإسلاميون بالتعصّب واضطهاد النساء؟
تتوقف الباحثتان؛ فوريست وفينّر، طويلاً على مدار فصول الكتاب الخمسة، عند اعتقاد الكثير من الغربيين بأنّ التعصب والجور على حقوق الأفراد والنساء بشكل خاص، صفة تميّز الدين الإسلامي وحده دون سائر الأديان السماوية"، وهو، كما ترى المؤلفتان، اعتقاد إما قصير النظر لدى البعض، أو غير بريء لدى البعض الآخر، أملته، في غالب الأحيان، مواقف وسلوكيات الأصوليين وأفكارهم المتزمتة، من جهة، وطابع العلاقة المتوترة بين الغرب والدول الإسلامية، من جهة أخرى؛ كالموقف من حجاب المرأة، الذي أصبح في عيون الغربيين رمزاً للتمييز الجنسي، بعدما عاد ارتداؤه إلى الظهور منذ النصف الثاني من القرن العشرين، بشكل ظاهر وهجومي، كعلامة على تحدّي الغرب المستعمر وقيمه، وتعبير عن اعتزازٍ بالهوية والانتماء السياسي، أكثر من كونه ظاهرة دينية، فيما تكشف دراسة التاريخ أنّه عُرفٌ أبوي مدون قبل الإسلام، أدامته الأديان السماوية الثلاثة، ويُعدّ تفسيره الحالي من قبل المتطرفين دينياً، تلاعباً بشعاً بالنصوص على حساب مصالح النساء.

لا تحتاج بعض الأقليات الفاعلة وبعض الشبكات إلى تمثيل حركة شعبية لتصبح في طليعة مسار قادر على تغيير مجرى التاريخ

وقد صرّح الخميني، عندما كان يهدف للوصول إلى السلطة وليس إلى تحدي الغرب، بعدم وجود اختلاف بين المرأة والرجل في الإسلام، وأنّ المرأة غير مُلزمة بارتداء النقاب، بل أي رداء تريده للحجاب، ووعد النساء بالحق في التعليم والسفر ومزاولة النشاطات التجارية والاجتماعية والسياسية، وبعد أقل من شهر من وصوله إلى السلطة، رفع شعار "الحجاب أو العقاب"، وجعل من "التشادور" زياً وطنياً للنساء الإيرانيات، ولا يختلف موقف حسن البنا وجماعة الإخوان المسلمين عن موقف الخميني، في توظيف النساء "الأخوات المسلمات"، في الجهاد واستغلال حماسهن لقبول ارتداء الحجاب كرمز سياسي، مع أنه يقول؛ "يمنع الإسلام المرأة من كشف جسدها، ومن الخلوة واللقاء الخاص والتردد على الآخرين، وهي ملزمة بالصلاة في بيتها، وإنّ النظرة مثل سهم إبليس، ولا ينبغي للمرأة أن تحمل قوساً، لأنه يجعلها تشبه الرجال".


ولعلّ أهم ما تشير إليه الباحثتان في هذا الصدد، هو أنّ الأصوليين، من كافة الأديان، هم مناضلون سياسيون أولاً، سواء كانوا رجالاً أم نساء، ويعملون على لي التفاسير والنصوص وفق ما تقتضيه مصالحهم السياسية،  وأنّ موقف الأصوليين الإسلاميين من حقوق المرأة لا يختلف عن موقف السلفيين البروتستانت الأمريكيين منها؛ فكلاهما "يتقن اختيار ما يوافقهم من النصوص، ويُقدّمون أنفسهم على أنهم أبطال الروح الأصيلة، التي صدرت عنها الوصايا الدينية، بهدف توظيفها كأدوات في خدمة غاياتهم، فيرفضون قراءتها قراءة تحديثية عندما يتعلق الأمر بدعم التقدم الاجتماعي، ولكنهم على استعداد لفتلها وليها في كل اتجاه إذا كان هذا يخدم طموحاتهم الرجعية".

موقف الأصوليين الإسلاميين من حقوق المرأة لا يختلف عن موقف السلفيين البروتستانت الأمريكيين منها

وتخلص كارولين فوريست وفاميتّا فينّر، بعد قراءة وتحليل مجموعة كبيرة من المواقف والأحداث الدالة على هذا الصعيد، إلى أنّ انتشاء الأصوليات الدينية في وقت متقارب منذ سبعينيات القرن الماضي، وجنوح منظماتها وجماعاتها المختلفة نحو التعصب والعنف، ورفض ثقافة الآخر المختلف، وسعيها نحو تشكيل جماعات ضغط على حكومات بلدانها؛ للدفع بها نحو التراجع عن منجزات التنوير والحداثة، التي أرست منظومات الحقوق الوضعية، وعملت على علمنة الدولة وفصل الدين عن السياسة، كلما تيسر لها ذلك وبمختلف الطرق والوسائل المتاحة، لا يقتصر على الدول العربية والإسلامية وحدها، بل هو هدف جميع الأصوليات الدينية؛ اليهودية والمسيحية "الكاثوليكية والبروتستانتية"، والإسلامية، سواء في الولايات المتحدة الأمريكية أو فرنسا أو إسرائيل أو إيران، وغيرها من الدول الإسلامية، وأنّ النظر لبعض القوانين الخاصة بالمرأة، لا ينحصر في الدين الإسلامي، كما فسرّه الفقهاء خلافاً لغيره من الأديان الإبراهيمية، التي خضعت هي الأخرى لاجتهادات مفسرين وكهنة لا يقلون تشدداً عنهم، ولا يختلف هذا التمييز بين هذه الأصولية أو تلك، إلا بالدرجة، وحسب البيئة الاجتماعية والسياسية والقانونية في الدولة، التي تنشط فيها إحدى هذه الأصوليات، وحسب السوية الحضارية للمجتمع الذي تعيش فيه، ودرجة الشفافية الإعلامية، وتيسير الحصول على المعلومات، أو حسب ارتباط مشروعها السياسي بقضية وطنية أو مصيرية في بلدانها؛ كحال الإسلامويين في موقفهم من يهود إسرائيل أو العكس، أو الحملات الصليبية التي يشنها اليمين الأمريكي المتطرف، والإنجيليين الجدد على الدول العربية والإسلامية؛ تحت شعار "الحرب على الإرهاب"، التي يسعون من خلالها إلى تفكيك المجتمعات وإضعاف اقتصاد الدول وربطها بالاقتصاد الأمريكي، وزرع بذور الإرهاب الذي يُعدّ بأكثر من الحادي عشر من أيلول.

اقرأ أيضاً: لماذا يُروّج الأصوليون لنظرية قصور العقل البشري في التشريع؟
وتعمل الأصوليات الدينية اليوم نحو غاية واحدة، وتُناضل من أجل هدف مشترك، وتتلاقى في منتصف الطريق، وتشدّ أزر بعضها البعض في حربها على العلمانية وقيم الديمقراطية والإنسانية، مهما بدا بينها في الظاهر من خلافات وصراعات، توهم أنّنا أمام "صراع حضارات"، حسب وصف هنتنغتون، الذي سار خلفه الكثير من منظري الغرب، "ومع أنّ الأصوليين يستطيعون إعطاء الانطباع، بمحاربة بعضهم، لكنهم يعرفون أنهم يدافعون عن رؤية واحدة مشتركة للعالم، ويعرفون أنّ عدوّهم بالأولوية واحد، وأنهم ينتمون سلفاً للمعسكر نفسه"، لذلك ترى الباحثتان أنّ الحاجة قد أصبحت ماسة الآن لبناء عالم أكثر عقلانية؛ لأنّ العقل وحده يتيح دفع القوانين نحو مزيد من العدالة والمساواة والحرية، وإلى بناء حركة علمانية عابرة للثقافات وقادرة على تفكيك الحلف "غير المقدس" الذي جمع الناشطين في العقود الأخيرة، تحت لواء المقدس، في عدائهم المشترك للعلمانية والعلمانيين.

الصفحة الرئيسية