هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟

هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟

مشاهدة

20/01/2020

لماذا ترتفع الدعوات لأهمية تطوير وتجديد العلوم الإسلامية في وقتنا الراهن؟ وما هي الضرورات التي يفرضها العقل والمصلحة والواقع لتجديد النظر في العلوم الإسلامية؟ وما الحاجة إلى تجديد هذه العلوم؟

الواقع أنّنا لا يمكن أن نسأل مثل هذه الأسئلة إزاء وضعية العلوم الدنيوية الحديثة؛ لأنها في حالة ديمومة مستمرة؛ فالمعرفة في العلوم الإنسانية والطبيعية معرفة تراكمية تطورية، خلافاً للعلوم الدينية؛ حيث تُقدّم الأخيرة شروحات مختلفة في مجالات التفسير، والعقيدة، والتشريع، وفقاً لطبيعة كل علم، ولن تخضع العلوم الإسلامية لمسار التطور إلا إذا قرر الخلف أن يُقدّم رؤية في هذه العلوم، قد تخالف ما أرسى السلف دعائمه فيها، وإلّا فإنّ الخلف يُقرر إقالة عقله عن التفكير والاجتهاد ويمنح السلف الحق في تسيير شؤونهم الدينية.

تفرض مصالح الشعوب المسلمة وواقعهم، في الألفية الثالثة، ضرورة تجديد الفقه الإسلامي وفقاً لطبيعة مشكلات الواقع التاريخية

ويعج واقعنا المعاصر بالأحداث والوقائع والمستجدات التي تطرح نفسها على المجتمعات المسلمة، والتي لم يعشها القدماء، وهو ما يفرض ضرورة تجديد العلوم الدينية بما يوافق طبيعة تطور المجتمع الذي يعيشون فيه؛ لأنّ هذه العلوم هي التي تصوغ مجموع الفكر الحاكم لحركة الاجتماع في الشأن الديني.
واعتمد علم التفسير، في الماضي، على بيان معاني الألفاظ اللغوية في تفسير القرآن الكريم، أو التفسير الصوفي الإشاري لمعاني القرآن الكريم؛ وهو تفسير كان يناسب عصوراً ماضية، ولكنّ حركة الاجتماع تطورت، وأصبحنا بحاجة إلى ربط الدين بهذا التطور، وتوظيف فاعلية الدين ووجوده في حركة تطور الاجتماع، ومن هنا كان لزاماً علينا أن نُطور ونُجدد تفسير القرآن الكريم بمداخل جديدة ومختلفة تراعي حركة تطوّر المجتمع؛ مثل أهمية التفسير الاجتماعي للدين، أو التفسير الأدبي للقرآن الكريم، كما فعل المجددون من أمثال؛ محمد عبده وأمين الخولي، ولكن ليس لنا أن نتكلم عن الإعجاز أو التفسير العلمي للقرآن الكريم؛ لأنّ القرآن الكريم ليس بكتاب علم ولكنه كتاب هداية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد والأشاعرة الجدد
ولا يصح لنا أن ندرس قضايا علم العقائد أو الكلام الأساسية بناءً على ما خطه العلماء في عصور سابقة، سواء في أعمال التفتازاني أو الإيجي أو الغزالي أو البيجوري.. أو غيرهم من قدامى العلماء؛ لأنّ مدونات هذا العلم منها ما خلق في أتون الصراع السياسي بين الفرق الإسلامية، وهو ما كان له تأثير واضح على الطبيعة الإقصائية لهذا العلم، كما ارتبطت معالجة بعض منها بظروف الشبه والزيغ والبدع القائمة في كل عصر ورد مدونات كل عصر عليها، فضلاً عن تلك التي ارتبطت بمرحلة التدهور التاريخي والاجتماعي والسياسي للعصور المتأخرة، والتي جاءت في معظمها مجرد شروح على الأعمال المهمة في مرحلة ازدهار الحضارة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: علم الكلام الجديد وإشكالية التسمية
وقد تجدّدت الشبهات في مطلع العصر الحديث، ممّا دعا إلى تجدد الحاجة إلى الرد عليها؛ فكتب الأفغاني "الرد على الطبيعيين"، وكتب النورسي "رسالة الطبيعة"، وكتب محمد فريد وجدي "على أطلال المذاهب المادية"، وبعد مرور أكثر من قرن ونحن في مطلع الألفية الثالثة نجد ظاهرة الإلحاد تنتشر من جديد، وشبهات الملحدين تتجدد باسم العلم أحياناً، وباسم تردي الخطاب الديني وباسم التمرد على الأوضاع الاجتماعية أحياناً أخرى، وهنا تجددت مواقف الماديين وتنوعت ما بين موقف فلسفي، وبين حالة تمرد اجتماعي، وبين نزعة ارتيابية تقول لك لا أدري. هنا وجب تجديد علم الكلام؛ لأنّ علم الكلام القديم لم يعد قادراً على الرد، لا من حيث اللغة التقليدية القديمة، ولا من حيث الحجاج الجدلي، كطريقة قديمة للرد على شبهات الملاحدة في مطلع القرن الثالث الميلادي؛ إذ يفرض علينا الواقع الراهن، بكل إشكالاته وشبهاته وزيغه، تجديد بنية العلم من حيث اللغة والطريقة والمحتوى، وعلى الاجتهادات الجديدة في العلوم الدينية أن تستفيد من كل ما وصلت إليه المعرفة في مجالات العلوم الإنسانية والطبيعية والفلسفية.

اقرأ أيضاً: شبلي النعماني لم يؤسس علم الكلام الجديد
فهل يجوز ونحن في مطلع الألفية الثالثة أن نترك للقدماء حق التحكم فينا؟ وأن نترك لفقه القرن السادس والسابع أن يحكم واقع القرن الواحد والعشرين؟ حيث يشترط فقه القرن السادس والسابع واقع المجتمع المسلم وظروفه في تلك الفترة، أما وقد تغيرت ظروف الخلف وواقعهم عن واقع السلف، فثمة حاجة لدى الخلف أن يجددوا الفقه وأحكامه بما يوافق ظروفهم ومعاشهم الجديد، فلا يجوز لفقهاء العصر أن يعيدوا إنتاج فتاوى نكاح الميتة والبهيمة، ولا إرضاع الكبير، ولا فقه الإماء والجواري، ولا فقه السبي، ولا يجوز في القرن الواحد والعشرين أن تحكمني فتاوى بعض القدماء في علاقتي بالآخر الكتابي، أو الشيعي أو الخارجي؛ لأنّ الفقه الإسلامي فقه تاريخي مشروط بواقعه الاجتماعي، وقد تغيّر الواقع الاجتماعي للمسلمين الآن، وبتنا بحاجة ملحّة إلى فقه جديد.

جمود العلوم الإسلامية على القديم سيجعلها علوماً ذات قيمة تاريخية؛ لابتعادها عن حاجات الناس ولغتهم الحديثة ومشاكلهم الراهنة

وتفرض مصالح الشعوب المسلمة وواقعهم، في مطلع الألفية الثالثة، ضرورة تجديد الفقه الإسلامي وفقاً لطبيعة مشكلات الواقع التاريخية، وطبيعة العلاقة المعقدة بين المسلمين والأمم الأخرى، وما يفرضه الواقع المعاصر من أهمية التعاون مع الآخر المغاير في الدين والثقافة، وما يفرضه هذا الواقع من أهمية التعايش مع الآخر والتسامح معه، كما أنّ تشابك العلاقات الاقتصادية بين المسلمين ومختلف الأجناس في العالم، يفرض علينا تشريعات وقوانين تبدو معها الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في مسألة البنوك والبورصة وغيرها من الأدوات الاقتصادية الحديثة، وكذلك ما يفرضه تقدم العلوم الحديثة من مكتشفات وتقنيات جديدة تطرح إشكالات عديدة على منظومة الدين والأخلاق الإنسانية.
إنّ حكم العقل والمصلحة وطبيعة تطور واقع الاجتماع في العالم الإسلامي، يفرض علينا إعادة النظر في ضرورة تطوير العلوم الإسلامية؛ لأنّ عدم تطوير هذه العلوم سوف يؤدي بالاجتماع إلى خلق قوانين تطوره من ناحية، وآليات إشباعه الروحية، وهو ما يترتب عليه أيضاً أن تصبح قيمة هذه العلوم تاريخية ويضعف تأثيرها في حركة المجتمع؛ لأنّ جمودها على القديم سوف يجعلها علوماً ذات قيمة تاريخية؛ لابتعادها عن حاجات الناس، ولغتهم الحديثة، ومشاكلهم الراهنة، فهل يعي المتخصصون طبيعة اللحظة التاريخية ومدى تعقد وأهمية الحاجة لتطوير هذه العلوم.

الصفحة الرئيسية