هل الحب فطرة أم اكتساب؟

5400
عدد القراءات

2019-06-11

استنفرت مشاعر "بيسان"، طفلة الثماني سنوات، حين سمعت حديثاً يتعلق بالصيد، تحديداً صيد العصافير، فسألت: هل تستمتعون بأكل هذا الكائن الصغير الذي يشبه الأطفال، ولا يؤذي أحداً، أم أنّكم لا تحبون العصافير؟
إذا تعمّقنا في حديث هذه الطفلة، نجد أنّها ربطت الصيد بعدم الحب؛ بالبغض والكراهية، وهي تعي تماماً أنّ الصيد يعني القتل، وأنّ الإنسان الذي يحب لا يمكنه أن يقتل، ومن ثم لا يمكنه أن يصطاد عصفوراً حراً مكانه الفضاء الرحب، وقد جعله الشعراء والمغنون رمزاً للحرية ورسولاً للحب والشوق.

اقرأ أيضاً: خرافة الحب العذري!
قد ينقلنا هذا الحديث؛ أي حديث الطفلة، إلى فرضية مفادها أنّ الحب فطرة، قبل أن يكون معرفة ووعياً؛ بخلاف رؤية "باراسيليوس" للحب حين قال: "من لا يعرف شيئاً لا يحب أحداً، ومن لا يستطيع أن يفعل شيئاً لا يفهم أحداً، ومن لا يفهم شيئاً لا قيمة له، لكن من يفهم فإنّه أيضاً يحب ويلاحظ ويرى، وكلما ازدادت المعرفة بشيء عظُم الحب".

التربية والتعليم وبنية المجتمع وثقافته إما أن تنمّي ملكة الحب لدى الأطفال وإما تقمعها

على هذا النحو، تكون معرفة الطفلة ووعيها غير كافيين لكي تحب أو لا تحب، وتكون المعرفة والوعي خارجيين تماماً، لا مؤسسين على الملكات أو الاستعدادات الطبيعية أو الفطرية. في حين أنّ الحب يتوقف على أمرين أساسيين، من بين عدة أمور، أولهما المقدرة على الحب، أو ملكة الحب، وهذه تتعلق بالبنية النفسية ومدى النمو العاطفي واتزان الشخصية، والثاني هو التمكن من الحب؛ أي القدرة على جعله سلوكاً، وهذا يتوقف على التربية والتعليم وعلى بنية المجتمع وثقافته.
فالتربية والتعليم وبنية المجتمع وثقافته إما أن تنمي ملكة الحب لدى الأطفال، وإما أن تقمعها، وذلك بمقدار ما تنمي لدى الأطفال ملكة التفكير الحر أو تقمعها بالأوامر والنواهي والتلقين والامتحان. وبالتالي لا يرتبط الحب بالمعرفة والوعي، كيف ما اتفق، بل يبطئ بتنمية التفكير الحر والمعرفة المستقلة.

اقرأ أيضاً: الحداثة والحب: كيف تغيرت الهندسة الاجتماعية؟
فقد لاحظ أريك فروم في كتابه "فن الحب" أنّ "جميع محاولات الحب مقضي عليها بالفشل من دون محاولة أكثر فعالية لتطوير الشخصية الكلية. فذلك الإشباع للحب الفردي لا يمكن الحصول عليه بدون مقدرة على محبة الجار، وبدون التواضع الحق والشجاعة والإيمان والنظام. وعندما تكون هذه الصفات في حضارة ما نادرة، فإن تحقق القدرة على الحب تظل نادرة".
اللافت في رؤية فروم اعتبار الحب ملكة، مثل غيرها من الملكات التي امتاز بها الإنسان عن سائر الكائنات الحية؛ كالعقل والذوق والقدرة على التحسن الذاتي .. وبالتالي فإن هذه الملكة، ملكة الحب، تحتاج إلى تنمية ورعاية وحماية، وتنميتها ورعايتها وحمايتها غير ممكنة إلا في بيئة اجتماعية مناسبة، وشروط إنسانية مناسبة. فالمجتمع الذي لا ينمِّي قدرة أفراده على محبة الجار والتواضع الحق والشجاعة والإيمان والنظام، يحرم أفراده من تنمية ملكاتهم وتطوير شخصياتهم الكلية، ومحبة ذواتهم بمحبة الآخرين، والثقة بأنفسهم والإيمان بقدراتهم على تحقيق ذواتهم وبلوغ غاياتهم. فإن ملكات الإنسان متعاضدة ومتآزرة ومتكاملة إذا لم تنمُ كلها، وفق إيقاع متناغم يختل توازن الشخصية، وتتدنى قدرتها على الإنتاج والإبداع والابتكار والتمتع بجماليات الحياة، والتمتع بجمال الحب، على وجه الخصوص.

اقرأ أيضاً: الحبّ في التاريخ الإسلامي شاهد ضد التشدد والكراهية
تخاف المجتمعات المتخلفة من الحب؛ لأنه في ذهنها الجمعي؛ ونظامها الاجتماعي الموروث مرتبط بالجنس فقط، فتلك المجتمعات تفتقر إلى الحب بمفهومه العام (المحبة)، فكلما قلّ الحب ازداد العنف والتعصب والفساد، وكلما ازداد الحب ازدادت الحرية والإنسانية وارتقت المجتمعات وازدهرت. فروم لا ينفي الشعور بمتعة التواصل والحب، ورعشة الحياة وسكرة الموت، لكن الشعور أعمى؛ لأنه وليد حاجة طبيعية أو غريزية، يحتاج إلى الاستنارة بالمعرفة، ليصير إنسانياً. لذلك رأى أن الحب فن، هو "فن الحب" قوامه المعرفة والممارسة، والسيطرة على المعرفة والسيطرة على الممارسة، في وقت واحد، وتهذيب الشعور أو أنسنته، ليندغم الحب الغريزي بحب الحياة وحب الجمال وحب الإنسان والإنسانية وتعشق الحرية؛ فالقدرة على الحب والارتقاء به إلى مستوى الفن، بصفته تجديداً للمعرفة والثقافة، وإبداعاً وابتكاراً؛ هو القدرة على تحرر الذات من الغريزة، والقدرة على إنتاج الحياة وابتكار الإنسانية.

اللافت في رؤية فروم اعتبار الحب ملكة، مثل غيرها من الملكات التي امتاز بها الإنسان عن سائر الكائنات الحية

الحب الجنسي، لا ينفصل عن أشكال الحب الأخرى، فلا يرتقي إلى مستوى حب الحياة وحب الجمال وتعشق الحرية وتقدير الروابط الاجتماعية، باعتبارها روابط إنسانية، إلا في مجتمع معافى، أو "مجتمع جيد التنظيم"، وقد لاحظ "قسطنطين فيرجل جورجيو" أيضاً أن الحب يلزمه بيئة نظيفة خالية من العنف كي ينمو، قال في روايته "الساعة الخامسة والعشرون": "إنّ الحب، تلك العاطفة البليغة، لا يمكن أن يكون إلّا مع مجتمع يؤمن أنّ الكائن البشري فريد لا يمكن استبداله والمجتمع الذي ننتمي إليه، يؤمن بشدة أن كل إنسان يمكن استبداله بسهولة".
"بيسان"، الطفلة، التي ولدت في بداية الأزمة السورية، لم تجنبها الحرب الخوف على ذاتها من القتل المُستخدم ضد العصافير، فالدفاع عن العصافير، ليس إلّا دفاعاً غريزياً عن الذات من أجل البقاء، ولم يكن حبها للعصافير حباً فطرياً كما افترضنا في بداية المقال؛ بل لأنها محاطة بالحب والحماية من الأسرة التي تعيش فيها، فإذا واظبت تلك الأسرة وجميع الأسر في مجتمعاتنا على إتقان فن الحب، سوف تنمو ملكة الحب لدى الأجيال القادمة بمقدار نمو ملكة التفكير الحر، وقد يقف الحب في وجه الحرب التي أفقدتنا معنى الحب والأمان والسلام.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



هل الحب فطرة أم اكتساب؟

عدد القراءات

2019-06-11

استنفرت مشاعر "بيسان"، طفلة الثماني سنوات، حين سمعت حديثاً يتعلق بالصيد، تحديداً صيد العصافير، فسألت: هل تستمتعون بأكل هذا الكائن الصغير الذي يشبه الأطفال، ولا يؤذي أحداً، أم أنّكم لا تحبون العصافير؟
إذا تعمّقنا في حديث هذه الطفلة، نجد أنّها ربطت الصيد بعدم الحب؛ بالبغض والكراهية، وهي تعي تماماً أنّ الصيد يعني القتل، وأنّ الإنسان الذي يحب لا يمكنه أن يقتل، ومن ثم لا يمكنه أن يصطاد عصفوراً حراً مكانه الفضاء الرحب، وقد جعله الشعراء والمغنون رمزاً للحرية ورسولاً للحب والشوق.

اقرأ أيضاً: خرافة الحب العذري!
قد ينقلنا هذا الحديث؛ أي حديث الطفلة، إلى فرضية مفادها أنّ الحب فطرة، قبل أن يكون معرفة ووعياً؛ بخلاف رؤية "باراسيليوس" للحب حين قال: "من لا يعرف شيئاً لا يحب أحداً، ومن لا يستطيع أن يفعل شيئاً لا يفهم أحداً، ومن لا يفهم شيئاً لا قيمة له، لكن من يفهم فإنّه أيضاً يحب ويلاحظ ويرى، وكلما ازدادت المعرفة بشيء عظُم الحب".

التربية والتعليم وبنية المجتمع وثقافته إما أن تنمّي ملكة الحب لدى الأطفال وإما تقمعها

على هذا النحو، تكون معرفة الطفلة ووعيها غير كافيين لكي تحب أو لا تحب، وتكون المعرفة والوعي خارجيين تماماً، لا مؤسسين على الملكات أو الاستعدادات الطبيعية أو الفطرية. في حين أنّ الحب يتوقف على أمرين أساسيين، من بين عدة أمور، أولهما المقدرة على الحب، أو ملكة الحب، وهذه تتعلق بالبنية النفسية ومدى النمو العاطفي واتزان الشخصية، والثاني هو التمكن من الحب؛ أي القدرة على جعله سلوكاً، وهذا يتوقف على التربية والتعليم وعلى بنية المجتمع وثقافته.
فالتربية والتعليم وبنية المجتمع وثقافته إما أن تنمي ملكة الحب لدى الأطفال، وإما أن تقمعها، وذلك بمقدار ما تنمي لدى الأطفال ملكة التفكير الحر أو تقمعها بالأوامر والنواهي والتلقين والامتحان. وبالتالي لا يرتبط الحب بالمعرفة والوعي، كيف ما اتفق، بل يبطئ بتنمية التفكير الحر والمعرفة المستقلة.

اقرأ أيضاً: الحداثة والحب: كيف تغيرت الهندسة الاجتماعية؟
فقد لاحظ أريك فروم في كتابه "فن الحب" أنّ "جميع محاولات الحب مقضي عليها بالفشل من دون محاولة أكثر فعالية لتطوير الشخصية الكلية. فذلك الإشباع للحب الفردي لا يمكن الحصول عليه بدون مقدرة على محبة الجار، وبدون التواضع الحق والشجاعة والإيمان والنظام. وعندما تكون هذه الصفات في حضارة ما نادرة، فإن تحقق القدرة على الحب تظل نادرة".
اللافت في رؤية فروم اعتبار الحب ملكة، مثل غيرها من الملكات التي امتاز بها الإنسان عن سائر الكائنات الحية؛ كالعقل والذوق والقدرة على التحسن الذاتي .. وبالتالي فإن هذه الملكة، ملكة الحب، تحتاج إلى تنمية ورعاية وحماية، وتنميتها ورعايتها وحمايتها غير ممكنة إلا في بيئة اجتماعية مناسبة، وشروط إنسانية مناسبة. فالمجتمع الذي لا ينمِّي قدرة أفراده على محبة الجار والتواضع الحق والشجاعة والإيمان والنظام، يحرم أفراده من تنمية ملكاتهم وتطوير شخصياتهم الكلية، ومحبة ذواتهم بمحبة الآخرين، والثقة بأنفسهم والإيمان بقدراتهم على تحقيق ذواتهم وبلوغ غاياتهم. فإن ملكات الإنسان متعاضدة ومتآزرة ومتكاملة إذا لم تنمُ كلها، وفق إيقاع متناغم يختل توازن الشخصية، وتتدنى قدرتها على الإنتاج والإبداع والابتكار والتمتع بجماليات الحياة، والتمتع بجمال الحب، على وجه الخصوص.

اقرأ أيضاً: الحبّ في التاريخ الإسلامي شاهد ضد التشدد والكراهية
تخاف المجتمعات المتخلفة من الحب؛ لأنه في ذهنها الجمعي؛ ونظامها الاجتماعي الموروث مرتبط بالجنس فقط، فتلك المجتمعات تفتقر إلى الحب بمفهومه العام (المحبة)، فكلما قلّ الحب ازداد العنف والتعصب والفساد، وكلما ازداد الحب ازدادت الحرية والإنسانية وارتقت المجتمعات وازدهرت. فروم لا ينفي الشعور بمتعة التواصل والحب، ورعشة الحياة وسكرة الموت، لكن الشعور أعمى؛ لأنه وليد حاجة طبيعية أو غريزية، يحتاج إلى الاستنارة بالمعرفة، ليصير إنسانياً. لذلك رأى أن الحب فن، هو "فن الحب" قوامه المعرفة والممارسة، والسيطرة على المعرفة والسيطرة على الممارسة، في وقت واحد، وتهذيب الشعور أو أنسنته، ليندغم الحب الغريزي بحب الحياة وحب الجمال وحب الإنسان والإنسانية وتعشق الحرية؛ فالقدرة على الحب والارتقاء به إلى مستوى الفن، بصفته تجديداً للمعرفة والثقافة، وإبداعاً وابتكاراً؛ هو القدرة على تحرر الذات من الغريزة، والقدرة على إنتاج الحياة وابتكار الإنسانية.

اللافت في رؤية فروم اعتبار الحب ملكة، مثل غيرها من الملكات التي امتاز بها الإنسان عن سائر الكائنات الحية

الحب الجنسي، لا ينفصل عن أشكال الحب الأخرى، فلا يرتقي إلى مستوى حب الحياة وحب الجمال وتعشق الحرية وتقدير الروابط الاجتماعية، باعتبارها روابط إنسانية، إلا في مجتمع معافى، أو "مجتمع جيد التنظيم"، وقد لاحظ "قسطنطين فيرجل جورجيو" أيضاً أن الحب يلزمه بيئة نظيفة خالية من العنف كي ينمو، قال في روايته "الساعة الخامسة والعشرون": "إنّ الحب، تلك العاطفة البليغة، لا يمكن أن يكون إلّا مع مجتمع يؤمن أنّ الكائن البشري فريد لا يمكن استبداله والمجتمع الذي ننتمي إليه، يؤمن بشدة أن كل إنسان يمكن استبداله بسهولة".
"بيسان"، الطفلة، التي ولدت في بداية الأزمة السورية، لم تجنبها الحرب الخوف على ذاتها من القتل المُستخدم ضد العصافير، فالدفاع عن العصافير، ليس إلّا دفاعاً غريزياً عن الذات من أجل البقاء، ولم يكن حبها للعصافير حباً فطرياً كما افترضنا في بداية المقال؛ بل لأنها محاطة بالحب والحماية من الأسرة التي تعيش فيها، فإذا واظبت تلك الأسرة وجميع الأسر في مجتمعاتنا على إتقان فن الحب، سوف تنمو ملكة الحب لدى الأجيال القادمة بمقدار نمو ملكة التفكير الحر، وقد يقف الحب في وجه الحرب التي أفقدتنا معنى الحب والأمان والسلام.