هل الصوفية في إفريقيا مهيأة لمواجهة الإسلام السياسي والتطرف الديني؟

4358
عدد القراءات

2019-05-30

بسقوط النظام الإخواني في السودان، برز أكثر من سؤال عن قدرة الطرق الصوفية في الحفاظ على الموروث الإسلامي في هذا البلد وإفريقيا عموماً، في ظل تنامي الحركات الإرهابية المتشددة، مثل؛ جماعة بوكو حرام في نيجيريا، أو مجموعة الشباب الصومالي في شرق القارة السمراء، وبروز تنظيمي؛ داعش والقاعدة في صحراء مالي والنيجر.

مع صعود الإسلام السياسي في القارة السمراء وبروز التيارات الإرهابية ازداد تعقيد المشهد هناك

يعتبر التصوف الإسلامي مظهراً من مظاهر الزهد، الذي بدأ في العصر الأول للإسلام وخاصة في حقبة الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين، وعرفت إفريقيا الغربية هذا الاتجاه منذ عهد المرابطين الذين أدخلوا الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان يغلب على المتصوفة حياة الزهد والتقشف، ومجاهدة النفس، وشهدت المرحلة الصوفية الأولى في غرب إفريقيا تطوراً وازدهاراً، عندما وفدت إليها الطرق الصوفية من الشمال، مثل؛ الطريقة القادرية، والتيجانية، والشاذلية وغيرها.
ومع صعود الإسلام السياسي في القارة السمراء، وبروز التيارات الإرهابية في الواجهة الإفريقية، ازداد تعقيد المشهد الإفريقي بما يضم من تنوع وتعدد في الأديان والمعتقدات، ما انعكس على دراسة الظاهرة الدينية، وارتباطها بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة، وفق ما يذكر الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والباحث في الشأن الإفريقي، في كتابه "تحولات الخطاب الإسلامي في إفريقيا: من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام".

"تحولات الخطاب الإسلامي في إفريقيا: من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام"
ويضيف عبد الرحمن، أنّ الملاحظة الأساسية المرتبطة بحقيقة الأديان التقليدية في إفريقيا أنّها "محلية الطابع؛ فهي أشبه بالجزر المعزولة؛ أي إنّها لا تملك أي فعالية خارج نطاق الجماعة الدينية المؤمنة بها، وهي لا تطرح رؤي تجديدية، وليس من أهدافها تجاوز جماعتها العرقية والانتشار على المستوي الوطني أو القارّي"، فضلاً عن أنّها مشدودة إلى الماضي والأسلاف أكثر من استشرافها للمستقبل، فكل الذي تقوم به هو الإبقاء على الوضع القائم ومقاومة التغيير، وعليه لم تشهد القارة قبل قدوم المسيحية أو الإسلام ما يمكن أن نسمّيه بظاهرة الحروب الدينية أو حركات الإحياء الديني.

الصوفية بحاجة الآن للإجابة فقهياً عن أسئلة أفرزتها الثورة السودانية ومن قبلها الربيع العربي

ويري الباحث، أنّ انتشار الإسلام في إفريقيا من خلال التوجه الصوفي المالكي والشافعي، كان أحد الأسباب التي أدت إلى تأخر وصول الدعوة السلفية إلى إفريقيا؛ حيث ظهرت السلفية في نيجيريا العام 1978 مع تأسيس جماعة "إزالة البدع وإقامة السنة"، التي كانت ترفض التصوف والطقوس المرتبطة بها، مثل؛ زيارة الأضرحة والموالد، كما أنّها قاومت ما اعتبرته النفوذ الشيعي المتزايد.
وكانت إفريقيا شهدت خطاب التيار الثوري الذي يهدف إلى إحداث تغيرات جذرية في كل من الدولة والمجتمع، ويهدف إلى إقامة النظام الإسلامي، ويرى عبدالرحمن، أنّ الظروف التي صاحبت نشأة جماعة بوكو حرام وخروجها على الدولة والمجتمع، يعود إلى فقر البيئة التي انطلقت منها، وانتهاجها للعنف يعود لاغتيال زعيمها محمد يوسف، مشيراً إلى تحول فارق حدث في خطاب "بوكو حرام" منذ أواخر 2013؛ حيث انتقلت من العداء للدولة الكافرة إلى العداء لكل من الدولة والمجتمع، باعتبارهما لا يطبقان شرع الله.

اقرأ أيضاً: توظيف العمل الصوفي في مواجهة الظاهرة الإسلاموية
وفي المقابل نجد أنّ منطقة دول شرق إفريقيا، شهدت خطاباً إسلامياً إصلاحياً، منذ نهاية القرن التاسع عشر مرتكزاً على تقاليد الطرق الصوفية، وكان القدح فيهما للطريقة القادرية والعلوية، ولكن سرعان ما سقطت الصومال تحت براثن جماعة الشباب الصومالية، التي نهضت ضد الممارسة الديمقراطية، ونادت بتطبيق الشريعة الإسلامية، وانتهجت العنف والترهيب والاغتيالات.

انتشار التوجه الصوفي في إفريقيا كان من أسباب تأخر وصول الدعوة السلفية إلى القارة السمراء

تمثل العلاقة بين الطرق الصوفية والنظم السياسية في إفريقيا، محل شد وجذب في شكل العلاقة بينهما، ويرى الباحث صبحي ولد ودادي، في دراسة له عن "الطرق الصوفية في غرب إفريقيا" منشورة على موقع "السراج" الإخباري، أنّ النظم السياسية المختلفة سعت لإدارة العلاقات مع الطرق الصوفية بما يضمن مصالحها، ومع صعود ما يعرف بــحركات الإسلام السياسي، دخلت الصوفية في المخططات الدولية، وبدأ الاهتمام بها وتشجيع منهجها الفكري والتربوي، باعتباره قادراً على الوقوف أمام مد حركات العنف، وحركات الإسلام الاجتماعي السياسي.
ويشير ولد ودادي، إلى أنّ علاقة الطرق الصوفية ببلدانها من جهة، وبالإسلام السياسي من جهة أخرى، تطرح العديد من الأسئلة، من قبيل: هل هناك ثوابت سياسية لهذ الطرق؟ وهل لها موقف موحد من الأنظمة الحاكمة؟ وهل هذه الطرق موحدة في مواقفها ورؤيتها السياسية؟ وهل يمكن أن تشكل هذه الطرق مرجعية للنظم السياسية؟ وما طبيعة العلاقة بين الطرق الصوفية والحركات الإسلامية السياسية؟

شهدت الساحة الفكرية والدعوية في السودان منذ عقود تراشقات مستمرة بين السلفيين وشيوخ التصوف ومريديهم

يري ولد ودادي، أنّ العلاقة بين المريدين والشيخ هي علاقة تنظيمية، تمثل في جوهرها بعداً سياسياً، والطرق الصوفية بقيامها على الاستقطاب والطاعة تؤكد هذا البعد السياسي القوي القائم على التسليم بأوامر الشيخ وآرائه، ويشير ولد ودادي، إلى أدوار تاريخية قامت بها الطرق الصوفية في إفريقيا، سواء تعلق الأمر بالجهاد لطرد المحتل، أو لنشر الإسلام وحماية الأقليات المسلمة من جور الجماعات الوثنية.
وعن تجربة سقوط نظام الإسلام السياسي في السودان يقول وليد قاسم، عضو مجلس الشباب الصوفي في السودان، لــ"حفريات": إنّ هذه التجربة الفاشلة قد أورثت بعض الفئات وخاصة الشباب، مفهوماً خاطئاً عن الدين الإسلامي، فاعتقد البعض منهم أنّ الحل لا يكون فقط بتنحية النظام الفاشل عن السلطة، بل يطالب بعضهم بإبعاد الدين نفسه، في ظل غياب طرح إسلامي مغاير يمثل إسلاماً بخلاف "الإسلام السياسي" المتعارف عليه في حكم الجبهة الإسلامية في السودان.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الصراع بين الفقهاء والصوفية؟
ويرى قاسم أنّ تجربة الإخوان المسلمين في السودان تعتبر "تجربة بائسة انتهت إلى استباحة الدماء، وأكل أموال الناس بالباطل"، مضيفاً أنّ هنالك آثاراً عميقة على فئة الشباب تتطلب إجابات عن إشكالات عقدية وفقهية ليست جاهزة  -حسب تقديره- في منهج الصوفية، ولا بد من البحث والاجتهاد بشأنها، قبل أن يتم تجاوزهم من الشباب الذين يمثلون وقود الحراك الفكري المعاصر.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
ويشير قاسم إلى أنّ في مجال العقيدة "ظهرت بعض حالات الإلحاد، وجاءت بأسئلة غير مألوفة عن الإنسان والكون والخالق، ونظرية التطور وعلاقة الدين بالعلوم، فتغيرت الأسئلة التي أجاب عنها الأقدمون في مؤلفاتهم، والحاجة الآن للإجابة عن أسئلة أفرزتها الثورة السودانية، ومن قبلها الربيع العربي، وهي أسئلة فقهية ينبغي أن نكون جاهزين للرد عليها تفصيلاً، كحكم الخروج على الحاكم، والأحكام السلطانية والشورى والديمقراطية، وعلاقة الدولة المسلمة مع بعضها "في غياب الخلافة" وعلاقتها مع الدول غير المسلمة، والعلاقة بين الراعي والرعية".
ويلفت قاسم، إلى أنّه سأل أحد العلماء مثل هذا السؤال قال له "لو صبرت على قراءة "الذخيرة" للإمام القرافي بمجلداته الثمانية لوجدت ذلك فيه"، وأضاف بأنّ "الحاجة باتت ضرورية لإعادة ترتيب تلك الأسئلة وتبويبها للإجابة عن أسئلة العصر وتقديم منهج متكامل".

شرق إفريقيا شهد خطاباً إسلامياً إصلاحياً منذ نهاية القرن التاسع عشر مرتكزاً على تقاليد الطرق الصوفية
وشهدت الساحة الفكرية والدعوية في السودان منذ عقود، تراشقات مستمرة بين الإسلاميين السلفيين وشيوخ التصوف ومريديهم؛ حيث يُتهم أهل الطرق الصوفية بنشر "البدع والخرافات"، وتصل الأمور أحياناً إلى اتهام الصوفية بـ"الخروج عن الملة والإيمان بوحدة الوجود"، وتلك من أدبيات كتب الوهابية، واليوم تتمتع الصوفية في السودان بقدر كبير من الاهتمام، وكان لها حضورها الفاعل في ساحة الاعتصام بمقر القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم، وتوافدت مشايخ الصوفية وهي تحمل أعلامها المميزة وأزياءها المبهرجة، بجانب الدفوف وأناشيد المدائح النبوية.

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
يؤكد باحثون ومختصون أنّ الصوفية بدأت في التحول بشكل جديد في إفريقيا، خاصة في دول غرب القارة (السنغال، مالي، النيجر، نيجيريا، ودول المغرب العربي)، وتراهن الأحزاب السياسية في تلك الدول على تأييد زعماء الطرق الصوفية بالنظر إلى دورهم في المشهد السياسي، خصوصاً في دولة السنغال، التي ينتمي 85% من شعبها إلى الطوائف الصوفية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روحانية القلب عند الصوفيين؟
في هذا السياق، يرى الباحث الإسلامي، سيد ولد شيخنا، في مقال له بعنوان "هل ينجح المتصوفون في مواجهة التطرف؟"، منشور على موقع رصيف 22، أنّ الطرق الصوفية أدت أدواراً جيدة في دول إفريقية عدة، خصوصاً في موريتانيا، وقد نجحت في تلك المهام نظراً "لحيازتها عاملين أساسيين هما: رسالية الدور بأبعاده الروحية والعلمية والإصلاحية، وثانياً خلق الأداة التنظيمية العابرة للقبائل والمناطق، وكان ذلك إنجازاً مهماً في مجتمع انقسامي لم يعرف الدولة خلال قرون طويلة".

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟
تاريخياً تدين إفريقيا للطرق الصوفية بأدوار مهمة؛ إذ كان لها تأثير بارز في الحياة المجتمعية، وبناء دول إسلامية، مثل الدولة السنوسية في ليبيا، والدول التي أقامت بها الطريقة القادرية مثل السوكتية في نيجيريا على يد الشيخ عثمان دان فوديو 1803، ودولة مسانا في شرق مالي، ودولة التيجانية في غرب مالي، بجانب أدوارها المتعاظمة في مناهضة المستعمر، فهل تستطيع الصوفية اليوم أن تعيد الكرّة في مواجهة الاختلالات التي أحدثها التطرف الأصولي والإسلام السياسي في القارة؟

اقرأ المزيد...

الوسوم:



هل الصوفية في إفريقيا مهيأة لمواجهة الإسلام السياسي والتطرف الديني؟

عدد القراءات

2019-05-30

بسقوط النظام الإخواني في السودان، برز أكثر من سؤال عن قدرة الطرق الصوفية في الحفاظ على الموروث الإسلامي في هذا البلد وإفريقيا عموماً، في ظل تنامي الحركات الإرهابية المتشددة، مثل؛ جماعة بوكو حرام في نيجيريا، أو مجموعة الشباب الصومالي في شرق القارة السمراء، وبروز تنظيمي؛ داعش والقاعدة في صحراء مالي والنيجر.

مع صعود الإسلام السياسي في القارة السمراء وبروز التيارات الإرهابية ازداد تعقيد المشهد هناك

يعتبر التصوف الإسلامي مظهراً من مظاهر الزهد، الذي بدأ في العصر الأول للإسلام وخاصة في حقبة الصحابة، رضي الله عنهم، والتابعين، وعرفت إفريقيا الغربية هذا الاتجاه منذ عهد المرابطين الذين أدخلوا الإسلام إلى هذه المنطقة في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان يغلب على المتصوفة حياة الزهد والتقشف، ومجاهدة النفس، وشهدت المرحلة الصوفية الأولى في غرب إفريقيا تطوراً وازدهاراً، عندما وفدت إليها الطرق الصوفية من الشمال، مثل؛ الطريقة القادرية، والتيجانية، والشاذلية وغيرها.
ومع صعود الإسلام السياسي في القارة السمراء، وبروز التيارات الإرهابية في الواجهة الإفريقية، ازداد تعقيد المشهد الإفريقي بما يضم من تنوع وتعدد في الأديان والمعتقدات، ما انعكس على دراسة الظاهرة الدينية، وارتباطها بالتحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها القارة، وفق ما يذكر الدكتور حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والباحث في الشأن الإفريقي، في كتابه "تحولات الخطاب الإسلامي في إفريقيا: من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام".

"تحولات الخطاب الإسلامي في إفريقيا: من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام"
ويضيف عبد الرحمن، أنّ الملاحظة الأساسية المرتبطة بحقيقة الأديان التقليدية في إفريقيا أنّها "محلية الطابع؛ فهي أشبه بالجزر المعزولة؛ أي إنّها لا تملك أي فعالية خارج نطاق الجماعة الدينية المؤمنة بها، وهي لا تطرح رؤي تجديدية، وليس من أهدافها تجاوز جماعتها العرقية والانتشار على المستوي الوطني أو القارّي"، فضلاً عن أنّها مشدودة إلى الماضي والأسلاف أكثر من استشرافها للمستقبل، فكل الذي تقوم به هو الإبقاء على الوضع القائم ومقاومة التغيير، وعليه لم تشهد القارة قبل قدوم المسيحية أو الإسلام ما يمكن أن نسمّيه بظاهرة الحروب الدينية أو حركات الإحياء الديني.

الصوفية بحاجة الآن للإجابة فقهياً عن أسئلة أفرزتها الثورة السودانية ومن قبلها الربيع العربي

ويري الباحث، أنّ انتشار الإسلام في إفريقيا من خلال التوجه الصوفي المالكي والشافعي، كان أحد الأسباب التي أدت إلى تأخر وصول الدعوة السلفية إلى إفريقيا؛ حيث ظهرت السلفية في نيجيريا العام 1978 مع تأسيس جماعة "إزالة البدع وإقامة السنة"، التي كانت ترفض التصوف والطقوس المرتبطة بها، مثل؛ زيارة الأضرحة والموالد، كما أنّها قاومت ما اعتبرته النفوذ الشيعي المتزايد.
وكانت إفريقيا شهدت خطاب التيار الثوري الذي يهدف إلى إحداث تغيرات جذرية في كل من الدولة والمجتمع، ويهدف إلى إقامة النظام الإسلامي، ويرى عبدالرحمن، أنّ الظروف التي صاحبت نشأة جماعة بوكو حرام وخروجها على الدولة والمجتمع، يعود إلى فقر البيئة التي انطلقت منها، وانتهاجها للعنف يعود لاغتيال زعيمها محمد يوسف، مشيراً إلى تحول فارق حدث في خطاب "بوكو حرام" منذ أواخر 2013؛ حيث انتقلت من العداء للدولة الكافرة إلى العداء لكل من الدولة والمجتمع، باعتبارهما لا يطبقان شرع الله.

اقرأ أيضاً: توظيف العمل الصوفي في مواجهة الظاهرة الإسلاموية
وفي المقابل نجد أنّ منطقة دول شرق إفريقيا، شهدت خطاباً إسلامياً إصلاحياً، منذ نهاية القرن التاسع عشر مرتكزاً على تقاليد الطرق الصوفية، وكان القدح فيهما للطريقة القادرية والعلوية، ولكن سرعان ما سقطت الصومال تحت براثن جماعة الشباب الصومالية، التي نهضت ضد الممارسة الديمقراطية، ونادت بتطبيق الشريعة الإسلامية، وانتهجت العنف والترهيب والاغتيالات.

انتشار التوجه الصوفي في إفريقيا كان من أسباب تأخر وصول الدعوة السلفية إلى القارة السمراء

تمثل العلاقة بين الطرق الصوفية والنظم السياسية في إفريقيا، محل شد وجذب في شكل العلاقة بينهما، ويرى الباحث صبحي ولد ودادي، في دراسة له عن "الطرق الصوفية في غرب إفريقيا" منشورة على موقع "السراج" الإخباري، أنّ النظم السياسية المختلفة سعت لإدارة العلاقات مع الطرق الصوفية بما يضمن مصالحها، ومع صعود ما يعرف بــحركات الإسلام السياسي، دخلت الصوفية في المخططات الدولية، وبدأ الاهتمام بها وتشجيع منهجها الفكري والتربوي، باعتباره قادراً على الوقوف أمام مد حركات العنف، وحركات الإسلام الاجتماعي السياسي.
ويشير ولد ودادي، إلى أنّ علاقة الطرق الصوفية ببلدانها من جهة، وبالإسلام السياسي من جهة أخرى، تطرح العديد من الأسئلة، من قبيل: هل هناك ثوابت سياسية لهذ الطرق؟ وهل لها موقف موحد من الأنظمة الحاكمة؟ وهل هذه الطرق موحدة في مواقفها ورؤيتها السياسية؟ وهل يمكن أن تشكل هذه الطرق مرجعية للنظم السياسية؟ وما طبيعة العلاقة بين الطرق الصوفية والحركات الإسلامية السياسية؟

شهدت الساحة الفكرية والدعوية في السودان منذ عقود تراشقات مستمرة بين السلفيين وشيوخ التصوف ومريديهم

يري ولد ودادي، أنّ العلاقة بين المريدين والشيخ هي علاقة تنظيمية، تمثل في جوهرها بعداً سياسياً، والطرق الصوفية بقيامها على الاستقطاب والطاعة تؤكد هذا البعد السياسي القوي القائم على التسليم بأوامر الشيخ وآرائه، ويشير ولد ودادي، إلى أدوار تاريخية قامت بها الطرق الصوفية في إفريقيا، سواء تعلق الأمر بالجهاد لطرد المحتل، أو لنشر الإسلام وحماية الأقليات المسلمة من جور الجماعات الوثنية.
وعن تجربة سقوط نظام الإسلام السياسي في السودان يقول وليد قاسم، عضو مجلس الشباب الصوفي في السودان، لــ"حفريات": إنّ هذه التجربة الفاشلة قد أورثت بعض الفئات وخاصة الشباب، مفهوماً خاطئاً عن الدين الإسلامي، فاعتقد البعض منهم أنّ الحل لا يكون فقط بتنحية النظام الفاشل عن السلطة، بل يطالب بعضهم بإبعاد الدين نفسه، في ظل غياب طرح إسلامي مغاير يمثل إسلاماً بخلاف "الإسلام السياسي" المتعارف عليه في حكم الجبهة الإسلامية في السودان.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة الصراع بين الفقهاء والصوفية؟
ويرى قاسم أنّ تجربة الإخوان المسلمين في السودان تعتبر "تجربة بائسة انتهت إلى استباحة الدماء، وأكل أموال الناس بالباطل"، مضيفاً أنّ هنالك آثاراً عميقة على فئة الشباب تتطلب إجابات عن إشكالات عقدية وفقهية ليست جاهزة  -حسب تقديره- في منهج الصوفية، ولا بد من البحث والاجتهاد بشأنها، قبل أن يتم تجاوزهم من الشباب الذين يمثلون وقود الحراك الفكري المعاصر.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
ويشير قاسم إلى أنّ في مجال العقيدة "ظهرت بعض حالات الإلحاد، وجاءت بأسئلة غير مألوفة عن الإنسان والكون والخالق، ونظرية التطور وعلاقة الدين بالعلوم، فتغيرت الأسئلة التي أجاب عنها الأقدمون في مؤلفاتهم، والحاجة الآن للإجابة عن أسئلة أفرزتها الثورة السودانية، ومن قبلها الربيع العربي، وهي أسئلة فقهية ينبغي أن نكون جاهزين للرد عليها تفصيلاً، كحكم الخروج على الحاكم، والأحكام السلطانية والشورى والديمقراطية، وعلاقة الدولة المسلمة مع بعضها "في غياب الخلافة" وعلاقتها مع الدول غير المسلمة، والعلاقة بين الراعي والرعية".
ويلفت قاسم، إلى أنّه سأل أحد العلماء مثل هذا السؤال قال له "لو صبرت على قراءة "الذخيرة" للإمام القرافي بمجلداته الثمانية لوجدت ذلك فيه"، وأضاف بأنّ "الحاجة باتت ضرورية لإعادة ترتيب تلك الأسئلة وتبويبها للإجابة عن أسئلة العصر وتقديم منهج متكامل".

شرق إفريقيا شهد خطاباً إسلامياً إصلاحياً منذ نهاية القرن التاسع عشر مرتكزاً على تقاليد الطرق الصوفية
وشهدت الساحة الفكرية والدعوية في السودان منذ عقود، تراشقات مستمرة بين الإسلاميين السلفيين وشيوخ التصوف ومريديهم؛ حيث يُتهم أهل الطرق الصوفية بنشر "البدع والخرافات"، وتصل الأمور أحياناً إلى اتهام الصوفية بـ"الخروج عن الملة والإيمان بوحدة الوجود"، وتلك من أدبيات كتب الوهابية، واليوم تتمتع الصوفية في السودان بقدر كبير من الاهتمام، وكان لها حضورها الفاعل في ساحة الاعتصام بمقر القيادة العامة للجيش السوداني بالخرطوم، وتوافدت مشايخ الصوفية وهي تحمل أعلامها المميزة وأزياءها المبهرجة، بجانب الدفوف وأناشيد المدائح النبوية.

اقرأ أيضاً: لماذا لن تصلح الصوفية بديلاً للجماعات الإسلاموية؟
يؤكد باحثون ومختصون أنّ الصوفية بدأت في التحول بشكل جديد في إفريقيا، خاصة في دول غرب القارة (السنغال، مالي، النيجر، نيجيريا، ودول المغرب العربي)، وتراهن الأحزاب السياسية في تلك الدول على تأييد زعماء الطرق الصوفية بالنظر إلى دورهم في المشهد السياسي، خصوصاً في دولة السنغال، التي ينتمي 85% من شعبها إلى الطوائف الصوفية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن روحانية القلب عند الصوفيين؟
في هذا السياق، يرى الباحث الإسلامي، سيد ولد شيخنا، في مقال له بعنوان "هل ينجح المتصوفون في مواجهة التطرف؟"، منشور على موقع رصيف 22، أنّ الطرق الصوفية أدت أدواراً جيدة في دول إفريقية عدة، خصوصاً في موريتانيا، وقد نجحت في تلك المهام نظراً "لحيازتها عاملين أساسيين هما: رسالية الدور بأبعاده الروحية والعلمية والإصلاحية، وثانياً خلق الأداة التنظيمية العابرة للقبائل والمناطق، وكان ذلك إنجازاً مهماً في مجتمع انقسامي لم يعرف الدولة خلال قرون طويلة".

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟
تاريخياً تدين إفريقيا للطرق الصوفية بأدوار مهمة؛ إذ كان لها تأثير بارز في الحياة المجتمعية، وبناء دول إسلامية، مثل الدولة السنوسية في ليبيا، والدول التي أقامت بها الطريقة القادرية مثل السوكتية في نيجيريا على يد الشيخ عثمان دان فوديو 1803، ودولة مسانا في شرق مالي، ودولة التيجانية في غرب مالي، بجانب أدوارها المتعاظمة في مناهضة المستعمر، فهل تستطيع الصوفية اليوم أن تعيد الكرّة في مواجهة الاختلالات التي أحدثها التطرف الأصولي والإسلام السياسي في القارة؟