هل العقوبات على إيران فرصة لتحوُّلٍ جذريّ في العراق؟

4774
عدد القراءات

2019-05-16

ثمة سؤالان مطروحان بقوة في ظل التوتر الإيراني- الأمريكي مفادهما: هل تُمثّل العقوبات الأمريكية على إيران فرصة للعراق من شأنها أن تصبّ في مصالحه بعيدة المدى؟ وهل بمقدور العراق أنْ يبقى يجمع بين إيران وأمريكا كحلفاء وشركاء أساسيين له، أم أنه مضطر، عاجلاً أم آجلاً، للاختيار بينهما؟

اقرأ أيضاً: ثلاث مهمات إيرانية عاجلة في العراق: النفط والجيش وحزب الدعوة
هذه الأسئلة كانت حاضرة في زيارة وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، المفاجئة هذا الشهر لبغداد.

نشر الجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران للصواريخ يهدف على الأرجح لتشكيل تهديد رمزي للولايات المتحدة

ومع إعلان ألمانيا، أمس، تعليق عمليات التدريب العسكري بالعراق بسبب التوتر في المنطقة، وتعليق هولندا عمل بعثتها في العراق (التي تقدم المساعدة للسلطات المحلية) بسبب تهديد أمني لم تحدد طبيعته، نكون أمام مؤشرات متصاعدة للتوتر بين طهران وواشنطن، وهي حالة تجد فيها بغداد نفسها محاصرة ومرتبكة في قدرتها على الجمع بين علاقاتها بكلّ من إيران والولايات المتحدة.
وقال مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية أمس إنّ إجراءات سحب موظفين أمريكيين من العراق سببها وجود "تهديدات مباشرة" من قبل مجموعات عراقية موالية لإيران. وأوضح المسؤولون، وفق قناة "الحرة"، أن التهديدات جاءت من مجموعات "مثل عصائب أهل الحق وحزب الله العراقي والحرس الثوري الإيراني". وأكد المسؤولون عدم وجود "رغبة لدى الإدارة (الأمريكية) ولا اهتمام بأي حرب مع إيران".

الحشد الشعبي
وبحسب تقرير لوكالة "رويترز" للأنباء، فإنّ العراق قد يواجه صعوبات في تحجيم الجماعات الشيعية العراقية المسلحة المدعومة من إيران، والمنضوية غالباً تحت مظلة "الحشد الشعبي"؛ إذْ أصبحت هذه الجماعات رسمياً جزءاً من قوات الأمن العراقية، لكنها تعمل بشكل شبه مستقل مدعومة من ساسة متحالفين مع إيران، كما توسّع نفوذها الاقتصادي.

اقرأ أيضاً: دموية ولاية الفقيه في العراق
وتقول الولايات المتحدة إنّ إيران تمثل أكبر تهديد للسلام في المنطقة. وتسعى لإضعاف الجماعات الشيعية المسلحة التي بسطت نفوذها على أراض تمتد إلى سوريا ولبنان، وتريد واشنطن من العراق أن يقلل اعتماده على صادرات الغاز الإيراني، وفقاً لـ"رويترز"، التي أوضحت أنّ إيران تعتبر العراق حلقة وصل مهمة مع العالم في مواجهة العقوبات الأمريكية. ويقول المحللون إنّ نشر صواريخ وقوات موالية لإيران يشير إلى أن طهران تستعد على الأقل لتهديد الولايات المتحدة بالعنف.
ونقلت "رويترز" عن مصدر أمني عراقي قوله إن المسؤولين الأمريكيين بحثوا في الأيام الماضية مع نظرائهم العراقيين انتشار فصائل مسلحة مدعومة من إيران على الحدود السورية؛ حيث ساعدت القوات الأمريكية في قتال تنظيم "داعش".
وقال بومبيو الأسبوع الماضي "طلبنا من الحكومة العراقية... إخضاع هذه القوات للسلطة المركزية العراقية".

اقرأ أيضاً: الكشف عن ثروة خامنئي يستفز أحزاباً شيعية في العراق
ويبلغ قوام قوات الحشد الشعبي، المظلة التي تضم جماعات مسلحة أغلبها شيعية، نحو 150 ألف رجل.  وهناك حالياً 5200 جندي أمريكي تقريباً في العراق بعد أن كان عددهم قد بلغ ذروته عند 170 ألفاً في السنوات التي أعقبت الغزو في العام 2003.
ويقول المحللون، بحسب "رويترز"، إن نشر الجماعات الشيعية المسلحة المدعومة من إيران للصواريخ يهدف على الأرجح لتشكيل تهديد رمزي للولايات المتحدة، ولا توجد خطة حقيقية لاستخدامها. وقال الأستاذ بكلية لندن للاقتصاد، توبي دودج، إن طهران كانت تحرّك في الماضي مثل هذه الأسلحة لزيادة الضغوط ببطء على الولايات المتحدة في العراق "عندما تشعر أن أمريكا تسعى لتهديد المصالح الإيرانية".
تقول الولايات المتحدة إنّ إيران تمثل أكبر تهديد للسلام في المنطقة

النفوذ الاقتصادي الأمريكي في العراق
وتنقل "رويترز" عن  بعض المراقبين تأكيدهم أنّ الضغط الاقتصادي على إيران سيكون له أثر أكبر من العمل العسكري.
وقال بومبيو إنه بحث خلال زيارته لبغداد "النفط والغاز الطبيعي... (و) السبل التي تمكننا... من تسريع وتيرة هذه المشروعات"؛ في إشارة إلى جهود إبعاد العراق عن واردات الطاقة الإيرانية الحيوية.

اقرأ أيضاً: السعودية والعراق .. قطع يد النفوذ الإيراني
وذكر مسؤولان من قطاع الطاقة أنّ بومبيو حثّ العراق على إبرام اتفاقات نفط وكهرباء يُجرى التفاوض عليها مع شركات أمريكية، وفقاً لـ"رويترز"، التي تابعت بأن شركة "جنرال إلكتريك" الأمريكية العملاقة في مجال الطاقة تسعى للحصول على حصة في خطة تبلغ تكلفتها 14 مليار دولار؛ لتطوير البنية التحتية للكهرباء، والعراق يوشك على توقيع عقد بقيمة 53 مليار دولار للبنية الأساسية النفطية، يشمل شركة "إكسون موبيل" الأمريكية.

نوايا عراقية جادّة
ويبدو أنّ العراق يدرك أنّ مصالحه تستدعي التجاوب مع المساعي الأمريكية؛ فالعراق يسعى إلى تعزيز 5 قطاعات رئيسية، هي: القطاع المصرفي، الطاقة، البنى التحتية، التنمية الاجتماعية، والأمن. ونقلت صحيفة "الاتحاد" عن المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأمريكية،  كاثرين باور، قولها إن العراق لطالما سعى في الحقيقة إلى تطوير تلك القطاعات، إلا أن عدم قدرة الحكومات العراقية المتعاقبة على تطمين المستثمرين هو ما جعل مساعيها الحثيثة لاستقطابهم تُقابل ببرود وتخوف من هؤلاء.
وقالت باور إنّ العراق اليوم ليس العراق في 2006، وإنّ هناك وعياً عالياً جداً من قبل الحكومة العراقية والشعب العراقي بضرورة إيجاد مخرج من الارتباط بإيران؛ الذي تحول إلى صخرة ثقيلة تجرّ العراق إلى القاع.

مسؤولان أمريكيان من قطاع الطاقة: بومبيو حثّ العراق على إبرام اتفاقات نفط وكهرباء يُجرى التفاوض عليها مع شركات أمريكية

وتلمس باور، وفق "الاتحاد"، نيات جادّة للعمل في العراق مع شركاء دائمين، مضيفة: "يبدو الجهد العراقي واضحاً لإثبات تلك النيات، على الرغم من الجو المشحون الذي تحاول إيران خلقه عبر وكلائها الرافضين لأي تعاون مع جهات لا تستسيغها إيران؛ فقد أسهم البنك المركزي العراقي عام 2015 في فضح الجهات الفاعلة السيئة من شركات الواجهة الإيرانية التابعة للحرس الثوري في العراق، وأسهم أيضاً في تحديد وحظر مكاتب الصرافة التي تسعى إلى الوصول إلى الدولار نيابة عن إيران؛ عن طريق مزادات العملة العراقية.
كما أدرج البنك في القائمة السوداء أكثر من 200 مكتب صرافة يشتبه في ضلوعها في أنشطة مالية غير مشروعة، وتم إدراج بعضها بصورة مشتركة مع الولايات المتحدة". وأضافت: "على الرغم من أن الولايات المتحدة تسعى لتحقيق مصالحها الخاصة من خلال حملة الضغط على إيران، فإنّ كل جانب من جوانب سياستها بشأن العقوبات على إيران يصبّ في مصلحة العراق"، مشددة: "إن على قادة العراق استغلال هذه الفرصة التي من شأنها أن تحدث تحولاً جذرياً في العراق، بدلاً من شراء واردات إيران العالية التكاليف. كما يجب أن يكونوا راغبين في الحصول على مجموعة أكثر تنوعاً من مزودي الكهرباء لكي يحصل الشعب على قيمة، وصدقية، واستقلالية أفضل في مجال الطاقة. وينبغي أن يكونوا راغبين أيضاً في تحسين الضوابط المالية وتعزيز الشفافية في الاقتصاد، وصون نزاهته وحماية صلة العراق الحيوية بالنظام المالي الدولي".

اقرأ أيضاً: سؤال في واشنطن: هل ستطلق طهران النار على الأمريكيين في العراق؟
ونقلت "رويترز" عن الباحث ريناد منصور، الزميل لدى مؤسسة تشاثام هاوس، قوله إن هذه طريقة أخرى تسعى من خلالها الولايات المتحدة للضغط على إيران، المورّد الرئيسي للكهرباء للعراق، ولإجبار بغداد على الاختيار بين واشنطن وطهران كحليف رئيسي لها.  وأضاف منصور "الولايات المتحدة... ذهبت للقادة العراقيين لتقول أنتم إما معنا أو معهم". وأضاف "العراقيون كانوا يقولون لماذا لا نكون حلفاء للطرفين؟ لكنّ الأمريكيين لا يعنيهم ذلك وأعتقد أنّ الإيرانيين كذلك لا يعنيهم".

اقرأ المزيد...

الوسوم: