هل انتقلت روسيا وإيران من التعاون في سوريا إلى مرحلة الصراع؟

هل انتقلت روسيا وإيران من التعاون في سوريا إلى مرحلة الصراع؟
6974
عدد القراءات

2019-07-07

ترجمة: علي نوار


تتميّز منطقة الشرق الأوسط بأنّها إقليم العلاقات بين الأطراف الفاعلة فيه أعقد بكثير مما تبدو عليه. ففي سوريا، على سبيل المثال، يتردّد على نحو متكرّر أنّ روسيا وإيران لديهما الكثير من المصالح المشتركة، وهو أمر صحيح، لكن هناك أيضاً نقاط خلاف عديدة بين الدولتين أخذت في التزايد بشكل بدأت معه أوجه التنافس بينهما تتجاوز نقاط التعاون الثنائي.

اقرأ أيضاً: النظام السوري يمنح روسيا إقامة مفتوحة على ساحل البحر المتوسط

كان هناك نوع من توزيع العمل أثناء الفترات الأكثر سخونة من النزاع العسكري على الأراضي السورية منذ تدخّل روسيا في البلد العربي: فقد كانت السيادة الجوية من صميم اختصاص موسكو بينما أوكلت إلى إيران مهمة الانتشار البري عن طريق مستشارين وعناصر من قواتها المسلحة والميليشيات. نشأ نوع من التعايش الضروري بين الطرفين.

تستغل الحكومة الروسية الوضع المتوتر بين إيران والمجتمع الدولي كي تحصل على امتيازات إضافية في سوريا

أسهم ذلك التنسيق في أنّ الميزان العسكري في النزاع بدأ يميل نحو حكومة دمشق التي سيطرت بشكل شبه كامل تقريباً على جميع الأراضي السورية، مع استثناءات بارزة مثل؛ المناطق الواقعة شرقي نهر الفرات التي تهيمن عليها القوات الكردية أو الأجزاء الشمالية الشرقية التي تحتلّها تركيا أو محافظة إدلب. وفي الأخيرة تحديداً، آخر معاقل المعارضة المسلحة، عادت العمليات العسكرية مرة أخرى؛ حيث تسود المخاوف من كارثة إنسانية نظراً لأنّ المدنيين عالقون حرفياً بين نيران الجانبين. لكن تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الميليشيات الموالية لإيران لا تشكّل جزءاً من الجهود العسكرية في إدلب.

ورغم استمرار الزعماء في الحديث عن مستويات عالية من التفاهم، إلّا أنّ نقطتين مثيرتين للاهتمام تظهران ها هنا في معرض النقاش: الأولى تتعلّق بمستقبل العمل السياسي في سوريا، والثانية إعادة إعمار البنية التحتية للبلد العربي. وسواء هذه النقطة أو تلك، فإنّ النتيجة التي يجري التوصّل إليها ستحدّدها بالأساس مدى التأثير في سوريا، والنفوذ الروسي والإيراني الناتج عن هذا التأثير على المستوى الإقليمي.

ميناء مدينة اللاذقية في سوريا

فرص اقتصادية

بعيداً عن الخسائر في صفوف القوات المسلحة من القتلى والجرحى، تكشف تقارير عن إنفاق إيران لما يقرب من 100 مليار دولار في سوريا منذ بداية النزاع. ومن هنا يمكن استيعاب إلى أي درجة تهتم إيران بالحصول على نوع من الأرباح خاصة بالتزامن مع فترة ترتفع فيها الأصوات الناقدة في الداخل الإيراني بسبب العقوبات الاقتصادية الدولية ولسياسة حكومة طهران تجاه الملف السوري. روسيا أيضاً من جانبها تخضع لعقوبات على خلفية دورها في الأزمة الأوكرانية، وتجد نفسها في موقف مشابه، ما يدفعها لمحاولة انتزاع أي مكاسب اقتصادية لصالح شركاتها العاملة على الأراضي السورية.

اقرأ أيضاً: لماذا نفى نصر الله التنافس والاشتباكات بين روسيا وإيران في سوريا؟

أما الرئيس السوري بشار الأسد فهو في موقف معقّد للغاية بين حليفيه العسكريين. فمنذ عام 2011 أجرى رئيس سوريا زيارات خارجية إلى وجهتين فحسب: روسيا (تشرين الأول/أكتوبر 2015 ثم أيار/مايو 2018 وتشرين الثاني/نوفمبر 2018) وإيران (شباط/فبراير 2019). لطالما ظلّ الدعم العسكري والسياسي الذي توفّره كل من موسكو وطهران أساسياً بالنسبة لنظام الأسد في الحرب التي مالت موازينها لصالحه في النهاية. لكن التحدّي الأكبر في الوقت الحالي هو كيفية إيجاد صيغة من التوازن بين متطلّبات حلفائه، مع إدراكه جيداً أنّ الجميع لن يحصل على القدر ذاته من المكاسب.

ترى طهران أنّ السبيل الوحيد كي يكون لها نفوذ في سوريا يمرّ عبر دعم التفاهم بين الأكراد والحكومة المركزية

تُعد فكرة السيادة على الموانئ السورية الواقعة على البحر المتوسط، في مقدّمة النقاط التي تصادم فيها الروس والإيرانيون على الملأ ودون مواربة، نتيجة معرفتهما بالأهمية الاستراتيجية الهائلة لهذه الموانئ.

زار بشار الأسد في شباط (فبراير) الماضي إيران؛ حيث التقى بأرفع مسؤولي النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية، في نفس اليوم استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالعاصمة موسكو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ومن إيران أُعلن عن اتفاق يمكن بموجبه للشركات الإيرانية استخدام مرافق ميناء اللاذقية، وهو الشيء الذي سيدخل حيز النفاذ في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل حين تنتهي فترة عقد الانتفاع السارية منذ 10 أعوام.

لم يتأخر رد الفعل الروسي طويلاً. ففي نهاية نيسان (أبريل) الماضي، زار رئيس الوزراء الروسي، ديميتري ميدفيديف، العاصمة السورية دمشق؛ حيث اجتمع بالأسد وكشف أنّ شركة (إس تي جي إنجينيرينج إل إل سي) تضع الرتوش الأخيرة على اتفاق مع وزارة النقل السورية يهدف لتحديث وإدارة ميناء طرطوس لمدة 29 عاماً. صدّق البرلمان السوري على الاتفاق المذكور مع الشركة الروسية في 13 حزيران (يونيو) الماضي، مما يشي بزيادة التأثير الروسي على حساب إيران التي تبدو منشغلة في أزمة جديدة مع الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: هل تضغط تركيا على روسيا عبر استثمار ورقة "جبهة النصرة" في إدلب؟

تجدر الإشارة هنا، كي نضع الموقف في إطاره الكامل، أنّ إيران كانت قد حاولت وضع موطئ قدم لها في طرطوس لكنها اصطدمت برفض روسي. فبالنسبة لموسكو، يُعتبر هذا الميناء- الواقع على مسافة 30 كلم فحسب من الحدود مع لبنان و60 كلم من ميناء طرابلس اللبناني- أولوية قصوى. وكما تكتسب حقول الغاز الطبيعي في الجزء الشرقي من البحر المتوسط أهمية كُبرى، ينطبق نفس الأمر على موانئ المنطقة.

من هذا المنظور سيكون من المثير متابعة ما يحدث في ميناء بانياس؛ حيث أظهر الإيرانيون اهتماماً بينما شعر الروس بالقلق. سيكون هذا الميناء السوري موضع تنازع بين طهران وموسكو، لا سيما وأنّه يكتسب أهمية فائقة بسبب معمل التكرير الموجود بداخله.

اقرأ أيضاً: أمريكا وروسيا.. دعوة لمفاوضات نووية

تعاني سوريا عجزاً مزمناً في المحروقات نتيجة للحرب. ويُقدر أنّ الاقتصاد السوري بحاجة لـ136 ألف برميل يومياً، لكن الإنتاج لا يتجاوز حد الـ24 ألف برميل، ما يعني ضرورة استيراد الكمية المتبقية؛ أي ما تُقدر تكلفته بـ200 مليون دولار شهرياً. قبل عام 2011 كان البلد العربي ينتج 385 ألف برميل يومياً. وحتى تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، تسهيلات ائتمانية سمحت لسوريا بشراء النفط الإيراني، إلّا أنّه ومع ازدياد وطأة العقوبات الدولية على كاهل طهران بات من الصعب للغاية الإبقاء على هذا البرنامج الذي كان يمدّ سوريا بـ80% من احتياجاتها من الطاقة.

فرضت وزارة الخزانة الأمريكية في آذار (مارس) الماضي حزمة من العقوبات على قطاعي الغاز الطبيعي والبترول السوريين، لتتعقّد قدرة الإيرانيين على الاستمرار في تصدير هذه المنتجات نتيجة لسقوط طهران فريسة لعقوبات مماثلة من طرف الولايات المتحدة. لذا نشأت أزمة طاقة في سوريا أدّت لوضع حكومة دمشق أمام نفس الخيارين؛ روسيا وإيران، وبالتأكيد سيكون هناك ثمن لهذه المساعدات الإيرانية.

اقرأ أيضاً: روسيا ما بين تسليم "إس 300" لسوريا والإعلان عن فتح معبر القنيطرة

وفي هذا المجال، ومثلما حدث في ملف الموانئ، استغلت روسيا تدهور وضع إيران وتعرّضها للإضعاف، كي تحصد امتيازات لصالح شركاتها على هيئة عقود ومنح وإعفاءات جمركية.

لقد باتت سوريا ساحة للتنافس بين موسكو وطهران على الامتيازات الاقتصادية.

صورة حسن نصرالله إلى جانب بعض جنود حزب الله

إصلاح منظومتي الدفاع والأمن

لا يرتبط مستقبل سوريا السياسي بالهيكل الدستوري في البلاد فقط بل أنّه يتّصل بإعادة تنظيم المنظومتين الأمنية والدفاعية.

ليس سراً أنّ الوجود العسكري الإيراني (سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة) هو شيء يُنظر له بقدر كبير من القلق من جانب إسرائيل. ولعلّ الغارات الجوية التي شُنّت على مدار الأعوام المنصرمة واستهدفت هذه القوات تعبّر عن الأهمية التي يكتسبها هذا الملف في الأجندة الأمنية الخاصة بتل أبيب، وفي الوقت ذاته تُعد نقطة التقاء بين إسرائيل وروسيا. فلكل من الدولتين أسبابها الخاصة، تنشدان قدراً أقل من الحضور العسكري الإيراني على الأراضي السورية.

اقرأ أيضاً: روسيا وإسرائيل.. واستعجال الفرحة

كما أنّ النقاش يتركّز على أي الفصائل سيتقرّر نزع سلاحها وأيها سيتم إدماجها في الجهازين؛ الأمني والدفاعي السوري. ويعتمد الدمج بالقطع على موارد الدولة المركزية التي تسمح لها بتحويل عناصر هذه الميليشيات إلى موظّفين حكوميين.

فكرة السيادة على الموانئ السورية الواقعة على البحر المتوسط في مقدّمة النقاط التي تصادم فيها الروس والإيرانيون على الملأ

وتدفع الحكومة الروسية في اتجاه سيناريو ما بعد النزاع حيث تمارس الحكومة المركزية السورية الهيمنة على القوة، بما يتضمّن نزع سلاح أو إدماج الميليشيات التي انخرطت في النزاع، مع العمل على سحب القوات الأجنبية، كأولوية. لن يكون هناك مجال للسماح بوضع يشبه حزب الله في لبنان المجاور.

وعلى الأرجح، فإنّ هذا هو بالضبط السبب الذي جعل الرئيس الروسي لا يعرقل عن طريق قواته العسكرية العاملة في سوريا، الغارات الجوية الإسرائيلية ضد مواقع إيرانية أو ميليشيات على صلة بطهران.

كذلك، نجحت موسكو إلى حد بعيد في إبعاد المناطق المحيطة بالعاصمة السورية عن دائرة الاشتباكات، وانسحاب القوات الإيرانية من دمشق. وقد قيل في هذا الصدد إنّ تعيين سليم حربا رئيساً جديداً لهيئة أركان القوات المسلحة السورية مطلع نيسان (أبريل) الماضي يعكس بكل وضوح مدى التأثير الروسي لا سيما مع المواقف القريبة من موسكو التي لطالما أظهرها هذا العسكري رفيع المستوى صاحب النفوذ الكبير.

اقرأ أيضاً: كيف تدير روسيا وتركيا معركة إدلب بمعزل عن "الأسد"؟

إذاً وفي هذه الحالة، يتفرّع التنافس الإيراني-الروسي إلى ثلاثة محاور رئيسة: تعيين مسؤولين مؤيدين لمواقفهما في مناصب عليا من الدولة، دمج الميليشيات المسلحة من أجل ضمان انفراد الدولة السورية بقوة السلاح، تأمين وجود بعيد المدى لقواتهما المسلحة. ويبدو أنّ روسيا نجحت في إنهاء المهمة المتعلقة بالمحور الأخير بالفعل إذ تمكّنت من الحصول على قاعدة جوية وأخرى بحرية في سوريا. إنّ التفوّق الروسي جليّ للعيان هنا في هذه النقطة على وجه الخصوص.

روسيا تتحاور مع الولايات المتحدة وإيران بشأن سوريا

هناك مقولة تُنسب إلى مُفكّر استراتيجي أمريكي بولندي الأصل هي "إن لم تكن تجلس إلى الطاولة، فإنّك بالتأكيد ضمن قائمة الطعام"، وهي تعطي فكرة مثالية للوضع الذي توجد فيه إيران حالياً. فقد التقى مؤخراً في القدس مستشارو الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات، والروسي، نيكولاي باتروشيف، والأمريكي، جون بولتون. كان الملف الأساسي لهذا الاجتماع هو سوريا، رغم أنّ إيران لم تستبعد خارج أجندته كذلك. إضافة إلى أنّه بوسعنا التأكّد وبشكل لا يقبل اللبس من أنّ الشأن السوري يرتبط في الحقيقة وبصورة وثيقة بوضع القوات الإيرانية المنتشرة على أراضي الدولة العربية.

لطالما ظلّ الدعم العسكري والسياسي الذي توفّره كل من موسكو وطهران أساسياً بالنسبة لنظام الأسد

ولاعتبارات عديدة تتّفق الدول الثلاث على هدف الحدّ من الحضور العسكري الإيراني في سوريا. لا يتبقّى سوى معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل ستعرضان على روسيا نوعاً من الحوافز كي تضمنا بقاءها معهما مثل تخفيف العقوبات المفروضة عليها وعلى اقتصادها، والاعتراف بشبه جزيرة القرم كجزء من روسيا أو قبول والاعتراف باستمرار بشار الأسد رئيساً لسوريا.

لكن ورغم التوصّل لاتفاق، ما هي كيفية تنفيذه؟ هل ستنسحب القوات الإيرانية دون أن تنبس ببنت شفة؟ الأمر لا يتعلّق بالقوات الإيرانية أو الميليشيات الأجنبية بل بشبكة من النفوذ بُنيت داخل القوات المسلحة وأجهزة الأمن السورية طوال أعوام الحرب الثمانية.

يدفعنا كل ذلك في طريق التفكير بأنّ روسيا لن تتحرّك بشكل عدائي تجاه إيران، فمن شأن ذلك أن يسفر عن فوضى، لا يسعى لها أي من الأطراف الداخلة في النزاع. وفي الأغلب ستكون عملية إحلال وتبديل بطيئة الوتيرة.

تدرك إيران أنّ خلافاتها مع الولايات المتحدة تضعف أي محاولات من جانبها لممارسة أي نوع من التأثير في سوريا. فقدراتها السياسية محدودة ويتعيّن عليها استخدامها بحكمة. لذا تراهن طهران على دعم (عملية أستانا) والدفع في طريق تشكيل لجنة تأسيسية تضمن بين عدة أمور التفاهم بين الأكراد السوريين وحكومة دمشق. ترى طهران أنّ السبيل الوحيد كي يكون لها نفوذ في سوريا يمرّ عبر دعم التفاهم بين الأكراد والحكومة المركزية، وبالتالي ربط المناطق الكردية من سوريا بالعراق، الدولة الأخرى التي تمتلك إيران مصالح ووجوداً قوياً فيها.

موازين وامتيازات

تتمتّع روسيا بامتيازات واضحة على حساب إيران، هذه الامتيازات تثقل كاهل دوائر صنع القرار السورية بكل تأكيد. فمن جانب، ونظراً لمشكلاتها الخاصة، لا يمكن لطهران أن تقدم دعماً دبلوماسياً مماثلاً لذلك الذي توفّره موسكو. رغم أنّ دمشق، ومن جانب آخر، ترى أنّ وجود ثقل معادل لوضعية التأثير الروسي القوي، أمر لا يجب إخراجه من حساباتها بهدف الحصول على قدر أكبر من الاستقلالية. ستكون هذه بالتأكيد إحدى أهم النقاط المحورية بالنسبة للحكومة السورية مستقبلاً، ويعي السوريون ذلك جيداً.

أما روسيا، فلم تعد المسألة بالنسبة لها تتعلّق بتعاون عسكري مع إيران بل بمنافسة اقتصادية وسياسية، رغم أنّه ليس بوسعنا بعد الحديث عن صراع.

ربما تستغل الحكومة الروسية الوضع المتوتر بين إيران والمجتمع الدولي كي تحصل على امتيازات إضافية في سوريا وكذلك محاولة حصد مزيد من المكاسب على حساب إسرائيل والولايات المتحدة. ففي النهاية تتحاور روسيا مع الجميع والجميع يحصل على امتيازات.


المصدر: مقال للصحفي باولو بوتا نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل للدين دور حاسم في مواجهة التغير المناخي؟

2019-12-12

ترجمة: محمد الدخاخني


يعتبر خطاب التّغيّر المناخيّ بشكل عامّ مفهوماً غربيّاً في معظم الدّول الإسلاميّة. وباكستان، الّتي يبلغ عدد سكّانها حوالي 220 مليون نسمة، ليست استثناءً. أوّلاً، لا يشكّل التّغيّر المناخيّ موضوع نقاش عامّ هنا، كما يتّضح من حقيقة أنّ بضعة آلاف فقط شاركوا في مسيرة "جُمَعٌ من أجل المستقبل"، في أيلول)سبتمبر( الماضي. وغالبيّة النّاس، الّذين يكافحون في كثير من الأحيان لتغطية نفقاتهم، إمّا لا يهتمّون بالتّدهور البيئيّ أو يرفضونه بوصفه أجندة نخبويّة تروّج لها المنظّمات غير الحكوميّة.
إذن، ما الّذي يمكن القيام به لخلق وعي حول قضيّة عالميّة وخطيرة تهدّد النّظام البيئيّ والوجود الإنسانيّ بأكمله؟

يمكن استخدام السرديات الدينية التي تدعم أجندة صديقة للبيئة أن تساعد في زيادة الوعي بشأن التغير المناخي

يقول نشطاء إنّ نقص التّعليم في دول مثل؛ باكستان يصعّب بشكل أكبر القيام بحملة لحماية البيئة. ويؤكّد مشروع "إيكو إسلام" التّابع لهيئة "دويتشه فيله" على الحاجة إلى التّواصل مع المجتمعات المحلّيّة والتّحدّث معها بلغتها الخاصّة حول القضايا البيئيّة. ونظراً لأنّ الدّين يلعب غالباً دوراً كبيراً في حياة النّاس، فإنّ استخدام السّرديّات الدّينيّة الّتي تدعم أجندة صديقة للبيئة يمكن أن يساعد في زيادة الوعي بشأن التّغيّر المناخيّ.
وبعد مؤتمر "إيكو إسلام" الأوّل في جاكرتا، إندونيسيا، في الشّهر الماضي، عقدت "دويتشه فيله" المؤتمر الثّاني في كراتشي، باكستان، يوم السّبت. وكان الهدف من المؤتمر تسليط الضّوء على الرّسائل الصّديقة للبيئة في الإسلام وتشجيع رجال الدّين على نشر وتعزيز قضيّة مكافحة التّغيّر المناخيّ. وتعاونت منظّمة "الدّور الثّاني"، وهي منظّمة غير حكوميّة مقرّها كراتشي، مع "دويتشه فيله" في ترتيب الفعالية.

بناء الجسور

من جانبه، أخبر المدير العام لـ "دويتشه فيله"، بيتر ليمبورغ، مؤتمر كراتشي أنّ الوقت قد حان لإدخال الدّين في النّقاش حول التّغيّر المناخيّ. وقال ليمبورغ: "يتمتّع الزّعماء الدّينيّون بقدرة كبيرة على الوصول إلى عامّة النّاس. وفي بعض الأحيان لا تستطيع الحكومة ووسائل الإعلام التّأثير عليهم بهذه الطّريقة. ومن المهمّ أيضاً تذكير النّاس بأنّ دياناتهم  لطالما أكّدت على حماية البيئة".
وأضاف المدير العام: "يمكننا، باعتبارنا مؤسّسة إعلاميّة، تقديم الكثير. يمكننا إطلاق حوارات. لكنّنا لا نريد أن نعلّم النّاس ما يجب عليهم القيام به؛ نستطيع فقط طرح أفكار يمكنهم من خلالها حماية بيئتهم".

اقرأ أيضاً: كيف خلق التغيّر المناخي حروباً لأجل شربة ماء؟
ورأى موشين نقوي، وهو باحث في الإسلام، أنّ المصادر المقدّسة في الإسلام يمكن أن تُلهم النّاس ليصبحوا أصدقاء للبيئة.
وأوضح قائلاً: "فإذا نظرنا إلى تعاليم الإسلام، نجد العديد من الأمثلة الّتي تحثّ على حماية البيئة. على سبيل المثال، أصدر النّبيّ محمّد تعليمات للمسلمين برعاية البشر والحيوانات وحتّى الأشجار. ولا يسمح للبشر بإلحاق الضّرر بالنّظام البيئيّ".
وأضاف: "إنّ مبادرة دويتشه فيله توفّر منصّة لأشخاص من مختلف الأديان لمناقشة مسألة التّغيّر المناخيّ. لكنّنا بحاجة إلى التّواصل مع الجماهير. فهذه الحوارات تستهدف عادة طبقة متعلّمة، ونحن بحاجة إلى التّواصل مع الأشخاص العاديّين".

تفاقم مشكلة المناخ

تواجه باكستان عدداً من التحدّيّات بسبب التّدهور البيئيّ والتّغيّر المناخيّ. فقد أدّى الاحترار العالميّ إلى فصول أطول وأقسى، وندرة المياه في الدّولة الواقعة في جنوب آسيا وصفت بأنّها تهديد أكبر من الإرهاب.
وأدّى التّوسّع العمرانيّ وقطع الأشجار إلى زيادة كبيرة في تلوّث الهواء في العقود القليلة الماضية. وحذّرت منظّمة العفو الدّوليّة يوم الجمعة من أنّ عشرات الآلاف من سكّان مدينة لاهور معرّضون لخطر الإصابة بأمراض الجهاز التّنفّسيّ بسبب رداءة نوعيّة الهواء. وألقت المنظّمة بالّلوم في ارتفاع مستويات الضّباب الدّخانيّ على الاستجابة غير الكافية للحكومة الباكستانيّة.

إذا نظرنا إلى تعاليم الإسلام، نجد أمثلة تحثّ على حماية البيئة؛ فالنّبيّ أصدر تعليمات للمسلمين برعاية البشر والحيوانات وحتّى الأشجار

وأقرّ مرتضى وهب، مستشار البيئة لرئيس وزراء مقاطعة السّند، بأنّ التّغيّر المناخيّ لم يتمّ التّصدّي له بالشّكل الصّحيح في بلاده. وقال: "إنّه قطاع مهمل في باكستان. لكنّنا الآن نتعامل مع هذه المسألة بجدّيّة. وقد اعتمدنا مؤخّراً سياسة تهدف إلى زيادة الشّراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ لحماية البيئة. كما حظرنا استخدام البلاستيك المخصّص للاستعمال لمرّة واحدة".
وقال داعية البيئة الباكستانيّ توفيق باشا موراج إنّ السّلطات الباكستانيّة "ليس لديها وقت لمعالجة التّغيّر المناخيّ".
وأضاف: "لكن يجب أن أضيف أنّه في الآونة الأخيرة تُجبَر السّلطات على إيلاء المزيد من الاهتمام لمشكلات المناخ لأنّها أصبحت أكثر وضوحاً وتؤثّر على حياة النّاس".

اقرأ أيضاً: التغيّر المناخي يعيد تشكيل خريطة العالم والطبيعة البشرية
وقال النّاشط البيئيّ أيضاً إنّه لا يجب على النّاس النّظر دائماً إلى الحكومة لإصلاح مشكلاتهم. "إنّنا بلد يبلغ عدد سكّانه 220 مليون نسمة. وإذا وفّر كلّ شخص قطرة ماء كلّ يوم، فبإمكاننا توفير 220 مليون قطرة ماء كلّ يوم".


شامل شمس، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/why-religious-narratives-are-crucial-to-tackling-c...

للمشاركة:

ما الأساليب الإسرائيلية الجديدة لمواجهة إيران؟

2019-12-11

ترجمة: إسماعيل حسن


رغم أنّ إسرائيل تبقى دائماً قائمة على حالة الردع فيما يتعلق بالتهديدات الأمنية ما دون حالة الحرب، إلا أنّ الجبهات المحيطة بها، في غزة ولبنان وسوريا، رخوة ومتقلبة للغاية، ما يعني إمكانية تدهور الأمور بشكل سريع في أي وقت، وتحوّلها إلى مواجهة ومن ثمّ إلى حالة حرب على أكثر من جبهة في وقت واحد.

اقرأ أيضاً: الإسرائيليون لا يريدون نتنياهو: هل اقتربت النهاية؟
ويسمّى هذا الاحتمال بالنسبة إلى قيادة الجيش العسكرية "السيناريو الأسوأ"، الذي من الممكن حصوله في أيّ وقت، والذي يتوجب فيه على تل أبيب أن تكون مستعدة له، خاصّة أنّ التدرج المتسلسل لها يبدأ من البرنامج النووي الإيراني، ونقله إلى حزب الله في الشمال، ومن ثم نقل بقية الأنشطة إلى العناصر في الجنوب، ويقصد بها حماس وغيرها في قطاع غزة، التي تعدّ من أكثر المناطق الساخنة التي ستخرج منها شرارة المواجهة، في ظلّ إمكانية قرب حدوث تصعيد مرتقب دوناً عن باقي الجبهات الأخرى.

هناك تقديرات إسرائيلية تقول إنّه في حال وقعت حرب على الجبهة الشمالية، ستتعرض إسرائيل يومياً لحوالي 1000 صاروخ

وزير الدفاع، نفتالي بينت، قدم خطة تتناسب مع التهديد المتواصل لبنيامين نتنياهو، تهدف إلى تقليص الوجود الإيراني في المنطقة، وذلك بضرب قواعد إيران في سوريا وتحميل سوريا مسؤولية الوضع؛ حيث وضع بينت، بعد أسابيع على تعيينيه كوزير للدفاع، الملف الإيراني على رأس أولويات المؤسستين؛ العسكرية والسياسية، بينما تقوم الخطة في مضمونها على إجبار طهران على ترك مواقعها في سوريا وغرب العراق، بعد توصلها إلى قناعة بأنّ تموضعها غير مجدٍ لها، وجاءت المرحلة الأولى من خطة بينت، التي وضع فيها تكثيف القصف على المواقع الإيرانية في سوريا والعراق والجبهات الموالية لها من دون أي توقف، لكنّ الخطة تمّ تقديمها خلال مداولات أجراها مع كبار رجال جهاز الأمن، وحدث خلالها خلاف حول تبعيات الخطة التي عارضتها جهات أمنية وعسكرية، تتناقض مع معظم مواقف قيادة الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك موقف رئيس الأركان، أفيف كوخافي، ورئيس شعبة الاستخبارات، تمير هايمن، وبالنسبة إلى الوزير بينت؛ فهو على قناعة بأنّ سلاح الجو الإسرائيلي قادر على تنفيذ خطته حتى تصل إيران إلى وضع ترى في بقائها في سوريا دماراً لها، وهذا الموقف لا يدعمه القادة العسكريون الذين على قناعة بأنّ بوسع إسرائيل فقط، أن تصدّ الجهود الإيرانية في استمرار التموضع وتعزيز مكانتها وقدراتها العسكرية، من خلال استمرار القصف على مواقع لإيران، كما تفعل حتى الآن، وهذه العمليات بحسب مسؤولين إسرائيليين، لا تدفع بطهران إلى التنازل عن تطلعاتها.

على الأسد تقييد النشاط الإيراني
الخبير العسكري، إسحاق ليفانون، يقول إنّه يتوجب توضيح الوضع لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، أنّ إسرائيل ترى فيه مسؤولاً عما يجري في سوريا، ومن الأفضل له أن يقيد النشاط الإيراني، الذي من شأنه أن يمسّ بنظامه، من خلال شنّ ضربات مباشرة من جانبنا لأهداف إيرانية في سوريا، تضعنا على مسار الصدام المباشر مع طهران، أما الأسد، الذي يسمح لهذا أن يحصل ويدع الإيرانيين يبنون في بلاده قدرات عسكرية ضدنا، فيجب أن يتغير.

اقرأ أيضاً: هل قطع نتنياهو تمدّد السحب الإيرانية إلى غزة؟
ويتابع الخبير العسكري: "علينا ضرب مصالح حيوية في سوريا والإيضاح للأسد بأنّ نظامه في خطر؛ بسبب ما يسمح به للإيرانيين عمله في بيته، وهذا كفيل بأن ينتج ضغطاً سورياً على حزب الله وعلى الإيرانيين، لتقييد نشاطهم، كما سيؤدي إلى تدخل روسي لدى رئيس النظام السوري، بهدف تقييد الإيرانيين كي لا تفقد موسكو إنجازاتها العسكرية والسياسية في سوريا".
في مقابل ذلك؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، دان شيفتن، بعد مئة عام من المواجهات والمعارك التي خاضتها إسرائيل مع العرب وغيرهم، يقف أمام إسرائيل، للمرة الأولى، عدوّ إيراني ذكي وخطير بلا قياس، حتى عندما تمتع الأعداء العرب على أجيالهم من تفوق عددي وعمق إستراتيجي، كانوا يعانون من ضعف مجتمعهم وفشله في التصدي لمتطلبات العالم الحديث، لقد ضمن ضعف المجتمع العربي لإسرائيل نجاحات في الصراع القومي الشامل؛ فالحديث في النظام الإيراني، وإن كان يدور عن نظام قمعي ومريض وبربري ومصمم على أن يضمن لنفسه إنجازات وهيمنة في المنطقة حتى على حساب رفاهية مواطنيه، إلا أنّه نظام يجنّد لصراعاته المقدرات الكبرى والمتطورة بنجاح لمجتمع مثير للانطباع، ويتمتع بنفسه بقدرات مهمة للتخطيط الإستراتيجي والتصميم في العمل، لم تقف إسرائيل أمام مثل هذا الخليط الخطير الذي يقام بنجاعة وبمنهاجية وبذكاء مؤسسة إقليمية تعرض وجودها للخطر، إيران على وعي بالضعف البنيوي للدول العربية، وتسعى بمنهجية إلى الهيمنة الإقليمية على حسابها، وتعمل كي تضمن لنفسها سيطرة على مصادر الطاقة في الخليج الفارسي وعلى مسارات التجارة في المنطقة، بشكل تبثّ فيه مكانتها كقوة عظمى إقليمية مؤثرة على الساحة العالمية؛ لهذا الغرض بنت لنفسها مكانة متينة في لبنان وسوريا والعراق واليمن، بكلفة إستراتيجية متدنية نسبياً ومنفعة إستراتيجية عالية؛ كي تحقق أهدافها وطموحاتها داخل الدول العربية وتنشئ قواعد عسكرية لها، ومثال على ذلك حزب الله في جنوب لبنان، كما نجحت أيضاً في ربط قدراتها العلمية والتكنولوجية في مجالات النووي والصواريخ الباليستية، وكذلك في مجالات متطورة نسبياً من حيث الأدوات التقليدية، وبالتوازي أقامت شبكة عالمية من البنى التحتية النائمة للإرهاب، بحجم وعمق غير مسبوق.

العداء المتطرف لإسرائيل

كلّ ذلك استهدف في المرحلة الحالية ردع من يقف في طريق طهران ونزوعها إلى الهيمنة الإقليمية، أو جباية ثمن لا يطاق منه على تدخله، ويوضح شيفتن أنّ العداء المتطرف لإسرائيل لا يعتمد فقط على التزام أيديولوجي عميق، إنّما على اعتبار إستراتيجي محسوب أيضاً لإسرائيل، ولا سيما إذا كانت مسنودة بتصميم أمريكي لتوقف تطلعات الهيمنة الإيرانية، والتي لديها القوة والحزم الكافيين لأن توقف سياق السيطرة الإيرانية في كلّ المفترقات المهمة في المنطقة، الولايات المتحدة لن تبعث بجنودها ليقاتلوا، وأوروبا ليست ذات صلة مثلما هي دوماً، ولا يوجد للقوى العظمى الأخرى دافع للتدخل بمستوى عال، إيران تعمل للتقدم في البرنامج النووي العسكرى كي تقيم في الجبهة الشمالية بكلفة متدنية، وتشكّل تهديداً مكثفاً على المراكز السكانية لإسرائيل، تفترض طهران أنّ إسرائيل سترتدع لهذا السبب عن العمل ضدّ الهيمنة الإيرانية، حتى حين ترى في خطواتها خطراً فورياً وجسيماً، مثل السيطرة على الأردن، ويفترض حكّامها أنّ إسرائيل سترتدع عن التدخّل إذا عرفت أنّ الكلفة ستكون آلاف الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى وثقيلة الرؤوس المتفجرة على غوش دان، وتتفوق على الدفاعات الصاروخية لدى إسرائيل، وتمسّ أمنها، وقصة نجاحها في القدرة على صدّ أيّ هجوم معادٍ تحاول إسرائيل منع هذه الإمكانية في العامين الأخيرَين بمئات الهجمات في سوريا والعراق، وبجملة وسائل سرية يدور الحديث عملياً عن حرب وقائية تجد إجماعاً وطنياً واسعاً في إسرائيل؛ على أنّه، وأمام البديل الواقعي، من الجدير بالتدهور حتى المخاطرة إلى حرب واسعة مع إيران، وثمة بديلان؛ إما استمرار الصراع الحالي بحكمة وبكبح جماح لازمَين، رغم خطر التدهور إلى حرب قاسية، أو حرب قاسية بلا قياس تعرض وجود إسرائيل للخطر.

الجبهات المحيطة بإسرائيل، في غزة ولبنان وسوريا، رخوة ومتقلبة، ما يعني إمكانية تدهور الأمور بشكل سريع في أي وقت

إنّ معظم التفوقات في المرحلة الحالية لإسرائيل تقوم على تفوق عسكري في الساحة القريبة ودعم أمريكي وإسناد خفي من الدول العربية عامة، في مقابل ذلك؛ ضائقة اقتصادية في إيران، لكن إذا نجحت إيران في إنهاء استعداداتها وتمكين قواعدها بشكل دراماتيكي، سيميل الميزان في صالح إيران، وإلى جانب الاستعدادات الإسرائيلية التي قدمها الوزير بينت، يقول الخبير في الشأن السياسي، تمير ليبال: إنّ الخطة التي عرضها نفتالي بينت يجب أن تحظى باهتمام من المؤسسة العسكرية والبدء بتطبيقها على أرض الواقع، مهما كلفت الأثمان، ويشير ليبال إلى أنّ الخطة أيضاً يجب أن تقوم على ممارسة إسرائيل ضغوطاً متواصلة ومكثفة على إيران في ثلاث جبهات، الاقتصادية والسياسية والعسكرية، في حين يؤمن بأنّ إسرائيل أخطأت عندما قلصت في الأشهر الأخيرة حجم نشاطها ضدّ طهران، وأنّ عليها أن تعود لتكون نشطة أكثر بكثير، وأن تعمل ضدّ كلّ عناصر الوجود العسكري الإيراني، في سوريا وفي دول أخرى في المنطقة.

ما يجري في إيران فرصة ذهبية لإسرائيل

وأوضح قائلاً: "الوضع الذي تعيشه إيران عبارة عن فرصة ذهبية لإسرائيل لا يمكن تكرارها"، وقال أيضاً: "لدى إسرائيل الآن ساعة مناسبة للعمل، لأنّ النظام في طهران منشغل أساساً بالوضع الاقتصادي في الدولة والاضطرابات التي ثارت في الأسابيع الأخيرة، وعليه فإنّ نافذة الفرص هذه كفيلة بأن تغلق بعد بضعة أشهر، وأنّ على إسرائيل أن تستغلها كي تصعّد الضربات على إيران"، ويرى ليبال أنّ عدم تنفيذ الخطة بشكل فوري خطأ جسيم، كالخطأ الذي ارتكبته إسرائيل عندما لم تضرب التسلح المكثف لحزب الله بقاذفات الصواريخ وبالصواريخ بعد حرب لبنان الثانية.

خطة تدعو إسرائيل إلى ممارسة ضغوط متواصلة ومكثفة على إيران في ثلاث جبهات، الاقتصادية والسياسية والعسكرية

وأضاف محذراً: "إذا لم تعمل إسرائيل الآن على نحو متواصل وبنجاعة ضدّ إيران، فمن شأنها أن تلقى واقعاً مشابهاً في سوريا، وثمن العمل حينها سيكون أكبر بكثير، وفي وجه المقارنة بين مضمون خطة بينت والخطة التي اتبعها وزير الأركان السابق، غادي إيزنكوت، لا يظهر خلاف كبير في الموقف تجاه إيران في سوريا، فخلال فترة إيزنكوت اعترف الجيش بأنّه نفّذ في إطار الحرب بين الحروب، حوالي 1000 عملية مختلفة خلال العامين الأخيرين، والتهديدات الأخيرة لنتنياهو تجاه إيران مدعومة من رئيس الأركان، أفيف كوخافي، حول تكثيف القصف على المواقع الإيرانية في سوريا، وهي أيضاً تدعم موقف بينت، ونقل الخبير عن بينت قوله: "يحظر السماح لإيران بخلق معادلة ردع كهذه مع إسرائيل، ويجب أن يتواصل النشاط الهجومي حتى بثمن المخاطرة بردّ إيراني، من شأنه أيضاً أن يؤدّي إلى أيام قتالية في الشمال".

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ حكومة أقلية ستعيد إسرائيل إلى العقلانية؟
ومن جهة عسكريين معارضين لموقف بينت؛ فإنّ السبيل الوحيد لإبعاد إيران عن سوريا هو من خلال اتفاق بين القوى العظمى، كما يعتقدون في الجيش أنّ التهديدات التي أطلقها بينت تجاه القيادة في طهران، لم تكن ناجعة، وأنّ على الحملة التي تديرها إسرائيل أن تكون سرية في معظمها، إنّ اللعبة التي تديرها قيادة الجيش تجاه إيران في سوريا، مبنية على قواعد مختلفة عما هي اليوم وسابقاً؛ ففي حين يدعو بينت إلى ضرب مواقع إيرانية مباشرة، وهناك من دعا إلى التعامل مع إيران في سوريا كالتعامل مع حزب الله في لبنان، من حيث الرسائل التي يتوجب على الطرف الآخر فهمها، فبعد عملية أفيفيم في الشمال أعلنت إسرائيل أنّ لبنان، كحكومة ودولة، تتحمل المسؤولية، وأيّ ردّ سيوجّه ضدّ لبنان كلّه وليس حزب الله فقط، واليوم يطالب البعض بنقل رسائل واضحة إلى سوريا بأنّ أيّ اعتداء يخرج من الأراضي السورية، حتى إن أعلنت أطراف غير سوريا مسؤوليتها، فإنّ الردّ الإسرائيلي يوجه مباشرة ضدّ أهداف للجيش السوري وضرب العمق.

ماذا على الحكومة القادمة أن تفعل؟

ويختم ليبال موضحاً؛ بأنّ "الحكومة القادمة، مهما كانت، ستخون وظيفتها إذا لم تبادر إلى إعداد نشر إستراتيجية الأمن القومي، وينبع الإلحاح من التصاعد في حجم وخطورة التهديدات الأمنية على إسرائيل، ومن سلسلة إخفاقات ومشاكل إسرائيلية داخلية؛ ففي الأعوام الأخيرة أهملت الحكومات بناء القوة للوزارات الحكومية الأمنية غير العسكرية، وإلى جانب الإهمال والإضعاف المقصود لأدوات القوة السياسية لإسرائيل، وزارة الخارجية التي أقامت سلسلة من الوزارات الحكومية ذات الازدواجية في الصلاحيات الغامضة في مجال الأمن القومي، مثل وزارة الشؤون الإستراتيجية، ووزارة الاستخبارات، لتضيف تشويشاً وتبذيراً لا داعي له، كما أنّ مخططات بناء قوة للجيش الإسرائيلي مثل الجيش الإسرائيلي 2030، أو الخطة الخماسية جدعون، التي تتضمن ميزانيات طائلة للجيش الإسرائيلي، تنقصها نظرة شمولية ومعمقة إلى احتياجات الأمن القومي ومتطلباتها.

اقرأ أيضاً: هل ينجح بيني غانتس فيما فشل فيه نتنياهو؟
لذا على رئيس الوزراء القادم أن يضمن تفكيراً مسبقاً قبل أيّ فعل عسكري، وفي مجمل حالة التأييد والمعارضة من قبل الأوساط الأمنية والعسكرية في الجيش الإسرائيلي، ورغم القدرات العسكرية التي يتمتع بها الجيش، خاصة سلاح الطائرات، إلا أنّ هناك تقديرات إسرائيلية تقول إنّه في حال وقعت حرب على الجبهة الشمالية، ستتعرض إسرائيل يومياً لحوالي 1000 صاروخ من كلّ الأنواع، وفي تحذير المسؤولين يكفي أن يسقط أربعة أو خمسة صواريخ ثقيلة على موقع حساس أو بنى تحتية حيوية، مثل الكهرباء أو الماء أو مفترقات المواصلات، فهذا لن يؤدي إلى تشويش خطير في نشاط الجبهة الداخلية فقط، وإنما سيشوش القدرة الهجومية للجيش الإسرائيلي المبنية على استدعاء قوات الاحتياط، ومتعلقة بحركة سريعة لقوات مدرعة باتجاه أرض المعركة.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/article/711351
https://www.israelhayom.co.il/opinion/711993
https://www.israelhayom.co.il/opinion/712313

للمشاركة:

ما الذي يحدث بالضبط داخل مخيمات احتجاز الأويغور بالصين؟

2019-12-09

ترجمة: علي نوار


يشهد الشطر الشمالي الغربي من الصين حدوث ما يصنّفه عدد ضخم من الخبراء بأكبر انتهاكات لحقوق الإنسان وبشكل مُمنهج في القرن الواحد والعشرين. ويحاول النظام الشيوعي في هذا الإقليم "غسل أدمغة" ملايين من أبناء عرقية الأويغور والكازاخ وأقليات أخرى تعتنق الدين الإسلامي. وتكشف وثائق نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية عن مدى فداحة وقائع التعذيب.

اقرأ أيضاً: الأويغور: حزب تركستان الإسلامي في طريقه إلى عولمة القتال

والحقيقة أنّ إقليم شينغيانغ الواقع إلى الشمال الغربي من دولة الصين، يجرى فيه تطبيق أخطر وأعقد منظومة لانتهاكات حقوق الإنسان منذ مطلع القرن الواحد والعشرين وحتى الوقت الراهن.. أو على الأقل هذا ما تفصح عنه المعلومات. فقبل أعوام بدأت الأحاديث حول هذه الانتهاكات الجسيمة تدور داخل أروقة منظمات غير حكومية عدة تنشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان والتي لم تدّخر جهداً يُذكر من أجل تعريف العالم بما يجرى إلّا أنّ كل هذه المساعي لم تلق صدى قوياً سواء بين العامة أو المجتمع الدولي.

والواقع أنّ قليلين فحسب هم من أبدوا استعداداً للوقوف في وجه الصين. لكن الآن، وبعد تسريب وثائق رسمية، 403 صفحة من محادثات ومراسلات داخلية بين دهاليز الحزب الشيوعي الصيني والتي نشرتها جريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية قبل عدة أيام، إضافة إلى مئات الأوراق التي كشف عنها الاتحاد الدولي لصحفيي التحقيقات وتتضمن دليلاً سرياً حول كيفية إدارة مخيمات الاعتقال الوحشية وبصورة مُفصّلة- لم يعد بالإمكان غضّ الطرف أو الإنكار أكثر من ذلك. إنّ الصين تنفّذ عملية إبادة ثقافية.

يحاول النظام الشيوعي في إقليم شينغيانغ غسل أدمغة ملايين من أبناء عرقية الأويغور والكازاخ وأقليات أخرى تعتنق الدين الإسلامي

يقول موظّف في وزارة الخارجية الأمريكية "لا يقل عدد المعتقلين عن مليون شخص لكن من المُرجّح أنّ هذا الرقم يقارب الثلاثة ملايين مواطن، من إجمالي 10 ملايين نسمة هم تعداد السكان المحليين بالمنطقة"، عارضاً صوراً التقطت بالأقمار الاصطناعية وشهادات تعزّز صحة هذه التقديرات. وبين أرجاء هذه المخيمات، يعيش الأشخاص المنحدرون من عرقية الأويغور والكازاخ وأبناء أقليات أخرى تدين بالإسلام في ظروف غير آدمية، حيث تجرى إعادة تأهيلهم بحيث يصبحون "مواطنين صينيين".

ويصف تقرير حديث أعدّته وكالة "رويترز" الإخبارية أنّ السجناء يتعرّضون "للتعذيب أثناء فترة التحقيقات معهم داخل المخيمات، ويتم إجبارهم على العيش في زنازين مكتظّة حيث لا يجدون مكاناً للنوم حتى، فضلًا عن إخضاعهم لنظام يومي قاس للتلقين إلى الحد الذي دفع بعض المحتجزين للإقدام على الانتحار".

لا يقل عدد المعتقلين عن مليون شخص لكن من المُرجّح أنّ هذا الرقم يقارب الثلاثة ملايين مواطن

وقد طالبت عشرات من منظمات حقوق الإنسان وعدد من وكالات منظمة الأمم المتحدة وحكومات الدول، السلطات الصينية بإغلاق هذه المخيمات. بيد أنّ المسؤولين الصينيين يصرّون على تسميتها بـ "مراكز تطوّعية للتدريب المهني" نافين حدوث أي خروقات لحقوق الإنسان بحقّ الأويغور، ويؤكّدون أنّ هذه المخيمات "تعمل فقط من أجل تمكين هؤلاء من التأقلم على قوانين البلاد".

اقرأ أيضاً: مسلمو الأويغور.. نزلاء معسكرات إعادة التأهيل الصينية
بيد أنّ السلطات الصينية ترفض في الوقت ذاته تقديم بيانات حول مخيمات الاعتقال هذه وحالت دون دخول الصحفيين والمحقّقين الأجانب إليها بصورة حرة. لكن الوثائق الداخلية في الحكومة الصينية والتي جرى تسريبها مؤخراً تكشف بالتفصيل كيف أنّ الحزب الشيوعي الصيني، الذي يقوده الرئيس شي جينبينغ، أنشأ ويشرف على مخيمات اعتقال جماعي بهدف واضح وواحد هو القضاء على ثقافة الأقليات المسلمة في المنطقة.
صراع تاريخي

الأويغور هم شعب عريق تنحدر أصوله من الشعوب التركية التي تعيش بصورة أساسية في الصين، لكنها تسكن أيضاً في أجزاء من أراضي دول مثل؛ كازاخستان وأوزبكستان وقيرغيستان وتركيا وبلدان أخرى. يعتنق الأويغور الدين الإسلامي وهم أقرب من حيث الثقافة والتقاليد إلى شعوب أخرى تعيش في وسط آسيا مثل؛ الكازاخيين والأوزبك، وهم في نزاع تاريخي مع الهان؛ العرقية الكبرى في الصين.

وكالة "رويترز": السجناء يتعرّضون لنظام يومي قاس للتلقين إلى الحد الذي دفع بعض المحتجزين للإقدام على الانتحار

ومنذ تولّي الحزب الشيوعي الحكم في إقليم شينغيانغ عام 1949، اصطدمت الهوية الدينية والثقافية للأويغور بالأيدولوجيا الشيوعية-الإلحادية للحكومة الصينية. ويمكن بسهولة تتبّع الشعور المعادي للدين ضمن سياسة الحكومة الصينية على مدار تاريخ العلاقات بين الصين والأويجور. فبدءاً من الثورة الثقافية التي أشعلها ماو في حقبة الخمسينيات، كان الدين يُنظر له بوصفه عائقاً أمام أهداف النظام الشيوعي وتعرّض بالتالي لقمع عنيف. إلّا أنّه ومع بداية شعور النظام الشيوعي بالاستقرار، تقرّر السماح للأقلّيات العرقية بممارسة دياناتها في إطار "هويتها الوطنية".

الأويغور هم شعب عريق تنحدر أصوله من الشعوب التركية التي تعيش بصورة أساسية في الصين

إلّا أنّ هذه الحماية لم تكن كاملة، نظراً لأنّ الحكومة والشعب عمدا إلى تهميش هذه الأقلّيات؛ سياسياً واقتصادياً، خلال السبعينيات والثمانينيات، ما أدّى لخروج سلسلة من التظاهرات في الشوارع بالمناطق التي يعيش بها الأويغور مطلع القرن الواحد والعشرين. قوبلت هذه الاحتجاجات بالقمع الشديد من جانب الحكومة والدولة الصينية التي يسيطر أبناء عرقية الهان على مفاصلها، وبالتالي تغيّر موقف السلطات جذرياً إزاء المسلمين في إقليم شينغيانغ.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم

لقد زاد هذا القمع من وطأة الصراع العرقي واندلعت على إثره فصول من الهجمات الإرهابية الإسلاموية، علاوة على رفض حاد للثقافة الصينية من قبل الأويغور والعرقيات المسلمة الأخرى في المنطقة. وتبع ذلك تصعيد قوي في درجة الملاحقة والقمع من طرف الحكومة بهدف تحويل "عرق الأويغور إلى مواطنين يدينون بالولاء ويقدّمون الدعم للحزب" الشيوعي الحاكم.

ومع مطلع العام 2017، دشنت حكومة الصين نظاماً مخصّصاً لـ"تحويل" الأويغور إلى مواطنين نموذجيين. وبات القمع الصيني لشعب الأويغور محاولة منهجية لمحو الهوية الثقافية والدينية لأبناء هذه الأقلية الدينية.

كيف تبدو المخيمات؟

تكشف الوثائق المُسرّبة مؤخّراً تفاصيل عديدة حول الوضع داخل مخيمات الاعتقال، وتؤكّد أنّ الحكومة وبناء على تعليمات علنية من القيادات العليا في الحزب الشيوعي الصيني، وضعت حزمة من الإجراءات بغية إلغاء ثقافة مواطنيها، وتُعدّ هذه التسريبات الأخيرة دليلاً دامغاً على الفظائع التي تحدث داخل أسوار المخيمات.

ووفقاً للتقرير الذي كشفت عنه "نيويورك تايمز"، فإنّ مسؤولي الحكومة كان يتعيّن عليهم اتخاذ إجراءات من أجل تجميع وحبس مئات الآلات من المواطنين وإيداعهم ما تُطلق عليه منظمات حقوق الإنسان "مخيمات اعتقال".

على متن حافلات وشاحنات، بدأ نقل المسلمين من سكان هذا الإقليم إلى المخيمات. تتحدّث الوثائق عن ضرورة اعتقال أي شخص يرتدي غطاء رأس أو "ملابس إسلامية"، والأشخاص الذين يتواجد أحد أقربائهم في أي من الدول الـ26 "الحساسة" مثل؛ إندونيسيا وباكستان وكازاخستان وتركيا، أو حتى من يمتلكون بمنازلهم نسخة من القرآن الكريم. بالمثل، فإنّ أي شخص سبق له التواصل مع آخر في الخارج عبر تطبيق (واتساب) للمراسلة مُهدّد كذلك بالاعتقال.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وفور وصولهم، يمضي السجناء فترة تتراوح بين أشهر وأعوام من التلقين والاستجواب بهدف جعلهم علمانيين ويدينون بالولاء للحزب. تكشف مقابلة أجرتها وكالة "رويترز" الإخبارية مع ثمانية معتقلين سابقين عن احتجاز في ظروف قاسية خارج نطاق القضاء يتنافى تماماً مع رواية بكين التي تدّعي بأنّها تمنح تأهيلاً مهنيًا داخل المراكز من أجل مساعدة السكان المحليين.

وقد روى بعض المحتجزين السابقين أنّهم تعرّضوا للتقييد إلى مقاعد والحرمان من النوم طوال أيام من التحقيقات. ووصفوا التجربة بأنّها أقرب للعيش داخل السجن، كما أنّهم تعرّضوا للعقاب الجسدي القاسي فقط بسبب شكواهم من الوضع. كانت جميع التحرّكات، بما فيها الذهاب إلى دورة المياه، تحت مراقبة صارمة استخدمت فيها الكاميرات ومكبّرات الصوت. تسرد امرأة سبق وأن اعتقلت كيف أنّ زنزانتها كانت مكدّسة لدرجة أنّ نزلاءها كانوا يتناوبون الجلوس والحصول على قسط من الراحة بينما يقف البقية.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ومنذ الشروق وحتى غروب الشمس، قال المعتقلون إنّهم خضعوا لعملية تلقين سياسي حثيثة. شمل ذلك تكرار ترديد القوانين الصينية وسياسات الحزب الشيوعي، وكذلك تأدية النشيد الوطني وبعض الأغنيات التقليدية. أما هؤلاء الذين يعجزون عن الحفظ أو حتى التلقّي بصورة صحيحة فيما يتعلّق بلوائح الحزب، فيتم حرمانهم من الطعام، وفقاً للشهادات. كما أنّ المحتجزين يضطرون للتخلّي عن دينهم، وحضور جلسات مراجعة ونقد، وكذلك الإبلاغ عن سجناء آخرين. إلّا أنّهم وبعد كل ذلك لا يمكنهم الخروج. ومن أجل الذهاب، ينبغي على السجين تحقيق علامات جيدة تقيس مدى معرفته بأفكار الحزب الشيوعي ودرجة إتقانه للغة الصينية.

إنّ هذه المخيمات التي تعمل تحت حراسة أبراج مراقبة يعتليها أفراد مسلحون وبوابات مدرّعة فيما تنتشر آلاف الكاميرات التي تراقب كل حركة من جانب السجناء، لا تعدو سوى كونها كابوساً ينتمي لعالم جورج أورويل.

منازل خاوية.. أصحابها سجناء

ترد في إحدى صفحات التقرير الذي نشرته "نيويورك تايمز" توصية حول كيفية التعامل مع الطلاب الأويغور والكازاخ الذين يعودون إلى منازلهم في شينغيانغ في صيف عام 2017، وتقدّم صورة تفصيلية عن معسكرات التلقين وأوضح من تلك التي ينقلها الحزب للعامة والخارج. وتشرح التوصية لمسؤولي الحكومة كيفية الإجابة على أسئلة الطلاب الذين يشعرون بالقلق عندما يتبيّن لهم خلوّ منازلهم وغلقها بالمفاتيح؛ لأنّ الحزب اعتقل ذويهم.

وقد أعدّت هذه الوثيقة على شكل سؤال وجواب كي تُقدّم للمسؤولين الصينيين طريقة إبلاغ الطلاب الذين اقتيدت أسرتهم إلى "مراكز التأهيل المهني". وإزاء أسئلة على غرار "هل هناك احتمالية لأن تصبح فترة تأهيل أسرتي أقصر؟"، يأتي الرد "أنت لست منوطاً بالتفكير في هذا الأمر. تعرّضت أفكار أسرتك للتلويث بفيروس" وبالطبع الأمر يستدعي "علاجاً منزلياً" سريعاً قبل استفحال المرض وقبل الانزلاق في طريق الإجرام. يجب "استئصال هذا الورم الخبيث" من أفكارهم قبل تمكّنهم من العودة للمنزل والمجتمع.

منذ الشروق وحتى الغروب قال المعتقلون إنّهم خضعوا لعملية تلقين سياسي حثيثة شمل ذلك تكرار ترديد القوانين الصينية وسياسات الحزب الشيوعي

ويتعيّن على الطلاب أن يظهروا "الامتنان" لأنّ ذويهم أودعوا هذه المخيمات، وفقاً للوثائق. فمن مصلحة العائلة والمجتمع الصيني أن يتلقّوا العلاج والتأهيل وسيكونون أحراراً حينما يتأكّد أنّهم لا يشكّلون أي خطر على المجتمع. فربمّا "دفعهم فيروس دينهم إلى طريق الإجرام ومن الجيّد الآن أنّهم يحصلون على تعليم مجاني من الحكومة كي يصبحوا مواطنين صينيين صالحين".

كذلك، يكشف التقرير كيفية تهديد الطلاب الذين يشكون كثيراً؛ حيث يوضّح أنّ السلطات تستخدم نظام تقييم لتحديد الأشخاص الذين يمكن إطلاق سراحهم خارج المخيمات؛ "يُكلّف المسؤولون بإبلاغ الطلاب بأنّ سلوكهم قد يضرّ بتقييم ذويهم".

لكن هناك عبارة أخرى تكشف بوضوح كيفية الإجابة على تساؤلات الطلاب عمّا إذا كان أي من أفراد أسرتهم قد ارتكب جرماً، ألا وهي "لا، الأمر فقط أن طريقة تفكيرهم تعرّضت للتلويث بأفكار غير صحّية. حصولهم على حريّتهم أمر ممكن بعد استئصال الفيروس وتمتّعهم بصحة جيدة".

مبرّرات الإبادة الثقافية

يشعر المسؤولون الصينيون بالقلق حيال اكتساب الأويغور لأفكار متشدّدة وانفصالية، لذا يرون مخيمات الاحتجاز وسيلة للقضاء على الأخطار المهددة لوحدة أراضي البلاد والحكومة والشعب الصيني. وقد كان خطر الإرهاب الإسلاموي، الظاهرة التي تفاقمت بصورة حثيثة في الأعوام المنصرمة، على وجه الخصوص أكبر مخاوف الغرب. وبأخذ ذلك في عين الاعتبار، اتخذ الحزب الشيوعي الصيني إجراءات سريعة وسرية لضمان "تحييد" الإقليم المسلم من البلاد.

وبحسب الوثائق المسرّبة، فإنّ الرئيس (شي) بنفسه كان من أرسى أسس القمع في سلسلة من الخطابات التي أدلى بها بشكل خاص في حضور مسؤولين حكوميين وبعد زيارة لإقليم شينغيانغ في نيسان (أبريل) 2014، عقب بضعة أسابيع من طعن أفراد من عرق الأويغور لـ150 شخصاً في محطة قطارات، ليسقط 31 منهم قتلى. وقد طالب الرئيس وقتها بـ"الحرب الشاملة ضد الإرهاب، وتسلّل العناصر الإرهابية والانفصالية" عن طريق الاستعانة بـ"أجهزة الدولة" وعدم إظهار "أدنى درجة من التهاون".

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وبدأت المخيمات بعد تولّي (شي) السلطة في 2013. ومنذ ذلك الحين جرى التوسّع في إنشاء هذه المراكز بإقليم شينغيانغ سريعاً وبعد وصول شين كوانغوو لرئاسة الحزب في الإقليم بآب (أغسطس) 2016، والذي بدا منذ البداية متحمّساً وعمل على نشر خطابات (شي) بغرض تكثيف الحملة وحث مرؤوسيه على "تجميع كل من ينبغي اعتقالهم".

رغم وجود أدلّة قاطعة على أنّ الحكومة الصينية تعمل على سجن وتعذيب وتلقين ما يزيد عن مليون مسلم من الأويغور- الذين يتعرّضون للملاحقة بسبب معتقداتهم الدينية أو انتمائهم العرقي- داخل مخيمات "إعادة التأهيل"، لكن ليس ثمة دليل على وجود اتجاه لقتلهم بشكل جماعي. لكن هذه الجهود تستهدف في المقام الأول "محو" ثقافة الأويغور في العالم كله.


مصدر الترجمة عن الإسبانية: https://bit.ly/2YpCuAe

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية