هل تتحول كابول إلى عاصمة جديدة للإخوان؟

هل تتحول كابول إلى عاصمة جديدة للإخوان؟

مشاهدة

12/10/2021

منذ العام 1948 بدأ قسم الاتصال بالبلدان الإسلامية في جماعة الإخوان المسلمين الاهتمام بأفغانستان، فقد وُجّهت الدعوة العام 1948 إلى سفير أفغانستان الأسبق بمصر هارون مجددي لحضور مؤتمر الجماعة بمدينة الإسماعيلية، ولاحقاً تواصل عدد من الطلاب الأفغان في الأزهر بالجماعة، وانخرطوا في أنشطتها، أمثال عبد رب الرسول سياف، وبرهان الدين رباني.

وفي العام 1975 أسّس قلب الدين حكمتيار الحزب الإسلامي، الذي قام على مبادئ جماعة الإخوان المسلمين، وأفكار أبو الأعلى المودودي، والرابطة الإسلامية الباكستانية، وكوّن الحزب ميليشيات مسلحة من أبناء قبائل البشتون، التي تنتمي إليها حركة طالبان، وانخرطت تلك الميليشيات في القتال ضد الوجود السوفييتي في أفغانستان.

مع وصول طالبان إلى الحكم أول مرة العام 1996 لم تكن الجماعة غريبة عن المشهد السياسي في أفغانستان

هذا، وقد نشطت جماعة الإخوان المسلمين في القتال ضد السوفييت على الجبهة الأفغانية، حيث أسّس القيادي الإخواني عبد الله عزام مكتب الخدمات في أفغانستان  لتجنيد المجاهدين العرب ودفعهم إلى جبهات القتال، فكان حلقة الوصل بين أمراء الحرب الأفغان والمجاهدين العرب، وأسس مجلة رسالة الجهاد التي كانت أبرز المنابر الإعلامية الدعائية للجماعة في أفغانستان، ونشطت القوافل الخدمية للإخوان، وكان كمال السنانيري هو مسؤول ملف الجهاد الأفغاني في جماعة الإخوان المسلمين، وسافر عدد من قيادات الجماعة إلى أفغانستان أثناء الحرب  لتقديم الدعم المادي والعسكري، مثل عبد المنعم أبو الفتوح، وكانت مدينة بيشاور الباكستانية قاعدة مركزية للإخوان، عند الحدود الأفغانية، للإشراف على العمل العسكري في أفغانستان، وقد ذهب إليها مرشد الجماعة الراحل محمد حامد أبو النصر بطائرة خاصة منحه إياها الرئيس الباكستاني الراحل ضياء الحق، وكذلك مصطفى مشهور عندما كان نائباً للمرشد، وسيد حسن، وغيرهم.

إمبراطورية الإخوان في أفغانستان

ومع وصول طالبان إلى الحكم في المرة الأولى، في العام 1996، لم تكن الجماعة غريبة عن المشهد السياسي في أفغانستان، ولم تكن العلاقات جيدة بينها وبين طالبان، نظراً لعلاقة الإخوان بأمراء الحرب الذين دحرتهم الحركة، لكنّ الغزو الأمريكي لأفغانستان في العام 2001 مكّن الإخوان من ممارسة أنشطتهم بشكل علني، حيث تأسّست في العام التالي 2002 الجمعية الأفغانية للإصلاح والتنمية الاجتماعية، وتُعرف اختصاراً بجمعية الإصلاح، ككيان سياسي يمثل جماعة الإخوان المسلمين في أفغانستان، وافتتحت مقرها بمنطقة تيمني، في العاصمة كابول، ومنحتها وزارة العدل ترخيصاً رسمياً، ونشطت الجمعية في أنحاء البلاد، حيث افتتحت نحو 35 فرعاً لها، في أكثر من 30 ولاية، لتنشط تحت غطاء دعوي وخيري واجتماعي وتعليمي لتنشر منهج الإخوان وتعاليمهم.

ونجحت جمعية الإصلاح في إنشاء عدد كبير من المدارس الخاصة، ويتبعها 8 مدارس دينية كبرى، تُدرّس العلوم الشرعية، و7 معاهد لإعداد المعلمين، و4 معاهد للفتيات، ومعهد لتأهيل المعلمات، وأسّست في جلال آباد مدرسة الفلاح لتعليم البنات، ومعهد الإصلاح النموذجي، وأسّست كذلك دار العلوم الإسلامية، وعدداً آخر من المعاهد الإسلامية والمدارس الدينية.

ونشط الإخوان في المجال الإعلامي في أعقاب الغزو الأمريكي، فقد أنشأت الجماعة أول فضائية أفغانية، هي قناة الإصلاح، وفي العام 2008 أطلقت الجماعة إذاعة صوت الإصلاح، وأصدرت كذلك عدة دوريات باللغة المحلية (الباشتو) والفارسية، مثل إصلاح مللي، ومجلة جوان، ومجلة رسالة الإصلاح، ومعرفة.

اقرأ أيضاً: ليبيا: هل وفّرت جماعة الإخوان ملاذات آمنة للمرتزقة التشاديين؟

وتسير جمعية الإصلاح على نهج الأحزاب والجمعيات الإخوانية حول العالم، فهي تنشط في مجال العمل الخيري لكسب غطاء اجتماعي وسياسي، عن طريق تقديم الخدمات الاقتصادية والاجتماعية والطبية للفقراء، وذلك بوساطة ذراعها الخيرية، جمعية المساعدات الإنسانية، وأنشأت الجمعية مجموعة من المستشفيات ذات التكلفة الرمزية، وهي تعتمد على الأوعية المالية للجماعة، التي تضخ في عدة مشاريع ريعية، تعود على الجمعية بمكاسب كبيرة، تنفق منها على أنشطتها تحت غطاء إنساني، وتعتمد على تبرعات أعضائها، بنسبة 2% من دخلهم.

الجمعية تملك كذلك مجموعة من شركات الحراسات الخاصة، والشركات المختصة بتقديم الخدمات الأمنية، وهي بمثابة جهاز سرّي مسلح، وتسيطر الجمعية الإخوانية على عدد من المؤسسات السيادية، وخاصّة المؤسسة القضائية.

وعليه، ومع وصول طالبان إلى الحكم مؤخراً، كان الإخوان قد تمكنوا من تكوين إمبراطوريتهم المالية، وتدعيم بنية التنظيم الاجتماعية، حيث كونت الجماعة مجتمعاً موازياً من الأتباع والمؤيدين، وشخصيات فاعلة على الصعيد السياسي، وبالتالي لم تشأ الجماعة في الدخول في أيّ صراع مع طالبان.

تسير جمعية الإصلاح على نهج الأحزاب والجمعيات الإخوانية حول العالم، فهي تنشط في مجال العمل الخيري لكسب غطاء اجتماعي وسياسي

أفق التعاون ومعطيات التحالف

مع وصول حركة طالبان إلى العاصمة كابول، أصدرت جمعية الإصلاح الإخوانية بياناً رسمياً رحبت فيه بانتقال السلطة إلى حركة طالبان بشكل وصفته بالسلمي، "دون إراقة للدماء، أو تدمير للمؤسسات، والمرافق العامة"، بحسب وصف البيان، الذي أشاد بنهج طالبان في التعامل مع كافة الأطراف، متمنياً أن تؤدي "التحولات الأخيرة إلى تهيئة الأرضية لبناء نظام إسلامي، وتحقيق الرفاهية والأخوة بين أبناء الشعب الأفغاني".

جمعية الإصلاح الإخوانية ناشدت أبناء الشعب الأفغاني التعاون مع الحكام الجدد، وطالبت الكوادر العملية، بـ"عدم الخروج من البلاد، والمساهمة بما يملكون من خبرات ومهارات في بناء أفغانستان الحديثة".

وتلقّت طالبان رسائل إيجابية من أذرع التنظيم الدولي، فقد دعّم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الذراع الدينية للإخوان في قطر، بوصفه عرّاب صفقة تسليم أفغانستان لطالبان، سيطرة الحركة على كابول، وكذلك حصلت طالبان على دعم رسمي ومباشر من أفرع التنظيم الدولي، في الجزائر، وموريتانيا، وسوريا، والأردن، وقطاع غزة، وباكستان، وغيرها.

ويبدو أنّ الجماعة في أفغانستان أرادت استدعاء الراعي التركي، الذي يحاول من جانبه لعب دور في المشهد الأفغاني، حيث أجرى عبد الصبور فخري رئيس جمعية الإصلاح، في الأسبوع الأول من أيلول (سبتمبر) الماضي، عدة لقاءات مع القيادات التركية في إسطنبول، وكذلك نُظمت له عدة فاعليات تحدث فيها، بصحبة القيادي الإخواني الأفغاني المؤمن معتصم.

جمعية برق التركية للسياسات والاستشارات نظمت لقاءً لرئيس جمعية الإصلاح،  تحدث فيه عن "المشهد الداخلي في أفغانستان، بدءاً من نشأة طالبان، ومكونات المجتمع الأفغاني، ومراحل ولايتها الأولى والثانية، وصولاً إلى التطورات الراهنة، وما يتضمّنها من مسارات السلطة، ومنظومة الحكم على أيدي طالبان، والتحديات والمعوقات التي ستخوضها"، بحسب ما أعلنت الجمعية.

اقرأ أيضاً: الإخوان وطالبان.. رسائل "تهنئة" لتمويه محاولات بعث الإسلام السياسي‎

من جهته، يقول الكاتب الصحفي السوري شيار خليل، مدير تحرير "ليفانت" اللندنية: كان هناك تنافس في العشرية الماضية بين الإخوان وطالبان، لكنّ قيام الجمعية الأفغانية للإصلاح والتنمية الاجتماعية "الإخوانية" بإصدار بيان رحبت فيه بسيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان لتهيئة الأرضية لبناء نظام إسلامي هناك، كشف عن الأرضية المشتركة بين الطرفين، بغضّ النظر عن الخلافات السلطوية السابقة، حيث إنّ هناك تقاطعاً مهماً وعميقاً في أدبيات الحركتين.

خليل أكّد في حديثه لـ"حفريات" أنّ "التقارب بين إخوان أفغانستان وحركة طالبان بدأ في المنفى، بعد خسارة طالبان الحكم، فقد غيّرت الحركة موقفها من الجماعة، وفتحت الأبواب بينها وبين جمعية الإصلاح، وصولاً إلى إجراء لقاءات بين قادة الحركة، ويوسف القرضاوي في العام 2020، مع ربط كل ذلك بعلاقات طالبان مع حركة حماس الإخوانية، وقادة الإخوان في الدوحة".

مدير تحرير "ليفانت" يرى أنّ المشهد قد تغير منذ أعوام قريبة، فالقوائم الفكرية المشتركة كثيرة وواسعة، ولا سيّما أنّ الدوحة تعمل على ذلك التقارب، وذلك برأيه كان واضحاً من خلال ترحيب قيادات الإخوان العربية بسيطرة طالبان على الحكم في أفغانستان.

شيار خليل: سنشهد خلال الأشهر القادمة تغييراً في المشهد التحالفي بين الإخوان في الدول العربية وحركة طالبان

من كل تلك النقاط، يستنتج شيار خليل أنّنا سنشهد خلال الأشهر القادمة تغييراً في المشهد التحالفي بين الإخوان في الدول العربية وحركة طالبان، حيث تدور الأحاديث حول تحويل كابول إلى عاصمة جديدة للإخوان، وتحديداً قيادات الإخوان المصرية، التي ضيقت عليها تركيا، وقيدت منصاتها الإعلامية، المروجة للمشروع الإخواني، بمجموعة من الإجراءات.

وقد يظن الكثيرون، بحسب خليل، أنّ "طالبان هي الحركة الوحيدة التي تنفرد برفع راية السلفية الجهادية، الداعمة لمشروع الإسلام السياسي، إلا أنّ الواقع يقول غير ذلك، فلجماعة الإخوان طموحات كبيرة في تعزيز وجودها، وخير شريك لمشروعها هي طالبان، التي ستتقاسم السلطة معها قريباً". 

وخلاصة القول، بحسب رأيه، أنّ جماعة الإخوان وحركة طالبان مرتبطتان بالمصالح المتبادلة والمشتركة، بالتوازي مع الأهداف الفكرية الجهادية المتشابكة، والمرتبطة بمرجعية واحدة، وهذا ما يدفع جمعية الإصلاح لأن تلعب دوراً في تقريب وجهات النظر بين طالبان وأذرع الجماعة في العالم، وعليه لا يمكن استغراب أن تصبح كابول مقراً جمعياً جامعاً لجماعة الإخوان وقياداتهم الملاحقين في أغلب الدول العربية.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية