هل تتغذى الإسلاموفوبيا في كندا على الممارسات الغريبة لبعض المسلمين؟

8060
عدد القراءات

2019-03-05

لن يمتزج الإسلام والمسيحية على هذه الأرض، هؤلاء القوم قد يقتلوننا"؛ كلمات واجه بها مواطن كندي رئيس وزراء بلاده، جستن ترودو، أثناء جولة للترويج لبرامج الحزب الليبرالي في المقاطعات الكندية، وقد حاول الرئيس ترودو، في معرض ردّه على مخاوف هذا المواطن وللتهدئة من روعه، أن يذكّر المحتشدين في ذلك الملعب الرياضي؛ بأنّ "تاريخ كندا قائم على موجات متتابعة من شعوب، وأمم تنحدر من أعراق شتى، وتدين بمعتقدات كثيرة، لكنّ بوتقة الوطن تصهر كلّ تلك الاختلافات في نسيج واحد".

ويشاهد الكنديون من غير المسلمين ويسمعون يومياً أخباراً عن عمليات فظيعة يقوم بها بعض المتطرفون المسلمين حول العالم ولا يشاطرون الرئيس الكندي تطميناته هذه ولا يلقون لها بالاً. وقد صرّح بذلك علانية الكاتب الكندي الشهير "ميتش وولف" في مقال نشره موقع "كندا فري برس" قال فيه إنّ "تقرّب جستن ترودو من بعض المتطرفين من مسلمي كندا لن يعود بالخير على البلاد وسيعجل بسقوط ترودو والليبراليين".

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
وتتعرض شريحة واسعة من المواطنين الكنديين لترويج منظم ومستمر من أحزاب ومنظمات يمينية، تستخدم المسلمين المسالمين ودينهم، أداة للفوز في الانتخابات المقبلة هذا العام، ولدحر الأحزاب الليبرالية والديمقراطية التي تناصر اللاجئين والأقليات الدينية والعرقية في المجتمع الكندي. وقد شكلت هذه التيارات خوفاً وخشية من الأقلية المسلمة الكندية.
وتعود جذور الإسلاموفوبيا في كندا، وهي "رهاب الإسلام أو الخوف من المسلمين"، إلى عقديْ السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، مع موجات هجرة كثير من المسلمين إلى بلاد شجرة القيقب.

اقرأ أيضاً: كيف يستخدم العنصريون في كندا مواقع التواصل الاجتماعي؟
وكان ذلك التوجّس والحذر، عندما ظهر قادمون جدد بملابس غير أوروبية، وبملامح مختلفة، وبطقوس وأماكن عبادة متباينة عما اعتاد عليه أجدادهم من المسيحيين، وكان للحياة الاجتماعية للمسلمين التي تحكمها قوانين دينية صارمة، خاصة بالنسبة إلى المرأة، أثر متحفظ تجاه المسلمين من قبل مجتمع قطع شوطاً طويلاً في مجال الحريات الاجتماعية، وكان يعيش فترة ما بعد الثورة الجنسية التي انفجرت في الغرب في العقد الثاني من القرن العشرين.
تشوية صورة مرشحة

أحداث سبتمبر وصعود الخوف من الإسلام
تصاعدت مخاوف المجتمعات الغربية، ومنها الكندي، من الإسلام خاصة والمسلمين عامة، بعد تلك الهجمات الإرهابية بطائرات مدنية على ناطحات سحاب أمريكية خلفت آلاف الضحايا؛ وقد وجهت في أيامها أصابع الاتهام إلى أفراد من تنظيم "القاعدة" كانوا على متن تلك الطائرات، وبدأت بعدها عمليات حربية كبيرة تقودها دول غربية ومن ضمنها كندا، وذلك في أفغانستان وبعض الدول الإسلامية، للقضاء على ذلك التنظيم، وتصفية زعمائه.

تعود جذور الإسلاموفوبيا في كندا، وهي "رهاب الإسلام أو الخوف من المسلمين"، إلى عقديْ السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين

وقد بدأ كثير من المسلمين في كندا يلمسون، بعد تلك الحادثة، نظرات الشكّ والريبة، حيثما تواجد أيّ من المسلمين في الجوار، وقد ولّد عن هذا الرهاب أو الخوف تيارات تتحدث بالسرّ والعلن عن رفض للوجود الإسلامي فوق التراب الكندي.
وظهرت كثير من المفردات اللغوية التي تستخدمها القوى اليمينية في خطاباتها وتعليقاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذه المصطلحات مأخوذة من الثقافة الإسلامية، وتتعلق غالباً بالمرأة والشريعة الإسلامية، وأطعمة وأشربة وملابس المسلمين.
نظرة في قاموس الإسلاموفوبيا
عارض النائب المحافظ بالبرلمان الكندي "ديفد اندرسون" استخدام كلمة "إسلاموفوبيا " في العام 2017 في مذكرة تقدمت بها النائبة المسلمة "إقرأ خالد". وكانت مذكرة النائبة لتجريم الكراهية ضد المسلمين، ولكن النائب اندرسون اعترض على تخصيص مجموعة من الشعب الكندي بالاقتراح، وطالب بإدانة أي كراهية ضد جميع الأديان بكندا. وقال إنه مع قرار يتكلم عن حقوق كل الأقليات في كندا. ونجحت النائبة خالد في البرلمان الكندي، بعد ذلك، بإقرار تجريم كراهية المسلمين ومعاداتهم تحت المذكرة    Motion 103.

اقرأ أيضاً: لماذا رخّص الليبراليون بيع الماريغوانا للمواطنين في كندا؟
وبالرغم من ذلك، ما زالت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بحركات التخويف من المسلمين في كندا بمفردات وكلمات وتعبيرات تتكرر كثيراً، بقصد خلق وعي جمعي كاره للمهاجرين الجدد لكندا، خاصة القادمين من دول إسلامية، وتتمحور هذه التعبيرات حول أمور غامضة للمتلقي الكندي العادي، ويجهل معناها، لكنّها تولد تحالفاً وهمياً على صفحات الإنترنت ضدّ كلّ ما هو عربي، أو له علاقة بالأقلية المسلمة، التي تمثل فقط 3% من مجموع السكان، ومن هذه المفردات التي تستخدمها تيارات الإسلاموفوبيا الكندية:
التقية Taqiyya 
كان للهجوم المسلح الذي قام به كندي اعتنق الإسلام واسمه "مايكل زهاف بيبو" على دار البرلمان الكندي بالعاصمة أوتاواه في العام 2014 ، أثر مؤذٍ على صورة المسلمين في كندا؛ حيث انتهى الهجوم بمقتل عسكري كندي كان يحرس المبنى وقت الهجوم.
وتزامن ذلك مع صعود ظاهرة "الذئاب المنفردة" في الغرب، ما أثر سلبياً على أوضاع المسلمين هناك، فصعدت للسطح كلمة "التقية".

مايكل زهاف بيبو
لا يُعرف كيف وصل هذا المصطلح والمفهوم الإسلامي إلى قاموس جماعات الإسلاموفوبيا في كندا، لكنّ الأفواه وصفحات الإنترنت الخاصة بهم تلوك هذه الكلمة في كلّ حدث أو مستجد عام، يكون أحد المشاركين فيه من الأقلية المسلمة في كندا. ويحاول مستخدم لفظ "التقية" إظهار أنّ المسلم، أو تلك المسلمة، غير صادقين في عملية الاندماج والتعايش مع الأغلبية غير المسلمة في كندا.
والتقية، في كتب الفقة الإسلامي، السنّي منها والشيعي، تُعرّف بأنّها كتمان الحقّ، وستر الاعتقاد فيه، وكتمان المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا، وقد استنبط هذا المفهوم من الآية القرآنية الكريمة: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: (28)].

اقرأ أيضاً: "الهنود الحمر": ما قصة التمييز الذي يعانيه سكان كندا الأصليون؟
وتستعمل جماعات التخويف من المسلمين في كندا هذا المفهوم، للدلالة على أنّ التسامح والاندماج والمنهج السلمي الذي يعتمده المسلمون المقيمون في الديار الكندية؛ ما هو إلا خدعة يستخدمها المسلمون لأنهم أقلية، ولا سلطة لهم كبيرة بالدولة، ويتضمن شرحهم لهذا المفهوم لكلّ سائل عن معناه على صفحاتهم الإلكترونية، أنّه لا ثقة بالمسلم الكندي، حتى لو أظهر ولاءه للدولة، وعبّر عن انتمائه للأمة الكندية.
وينتج عن التشكيك المستمر بولاء وانتماء المسلمين لكندا حالة من العزل النفسي والاجتماعي والسياسي لهذه الأقلية؛ التي لا تتعدى نسبتها 3% من عدد السكان.
ويتم استثمار هذه الكراهية الجماعية من أتباع منظمات الإسلاموفوبيا، في الحصول على تأييد الأحزاب اليمينية المتشددة، من أجل هزيمة القوى الليبرالية والديمقراطية في المجتمع الكندي.
قانون الشريعة Sharia Law 
تقول الكاتبة، مارغريت وينت، إنّ المسلمين الكنديين "يحتكمون سراً لقانون مستمد من الشريعة الإسلامية فيما بينهم، وأنّ هذا القانون يشرف على تطبيقه رجال دين مسلمون متشددون"، كما جاء في مقال لها نشره موقع "غلوب آند ميل". ويغذي هذه القصص الإخبارية قيامُ بعض المتشددين المسلمين بفرض شعائر دينية على أبنائهم أو عائلاتهم، في حين يمنع القانون الكندي أيّ إكراه على ممارسة أيّة طقوس دينية. 

يمنع القانون الكندي أيّ إكراه على ممارسة أيّة طقوس دينية
وقامت حركات يمينية بتسليط الضوء على إصرار الأهالي من المسلمين الكنديين على أداء أبنائهم للصلوات في رحاب مدارسهم، كما كان لقصة الأب الذي يأتي لأخذ ابنه في جولة خارج المدرسة أثناء حصة الموسيقى؛ لأنّ المعازف، في اعتقاده، محرمة بالشريعة، أثر بليغ في ترسيخ فكرة أنّ المسلمين أمة مختلفة، حضارياً وفكرياً، عن الأمم الغربية؛ وهي شعوب تعلي شأن الموسيقى، وتعدّها مصدر إلهام وإبداع.
المرأة المسلمة مادة دسمة للإسلاموفوبيا
أثار تحقيق تلفزيوني عن إصدار إمام في مسجد في مدينة تورنتو لعقود تعدد زوجات، حفيظة المجتمع الكندي الذي طالب الشرطة بتقديم الفاعلين للقضاء. وقد نجا الإمام من العقاب بحجة أنه لا يقيد عقوده بالسجلات المدنية الكندية.

تدور لغة المجموعات اليمينية الكارهة للمسلمين في فلك مفاهيم إسلامية جدلية، مثل؛ تعدد الزجات وزواج القاصرات والحجاب والنقاب

ويعدّ الفارق في حقوق المرأة بين المجتمعات الغربية، ومنها الكندي، والمجتمعات الإسلامية، ورقة ضغط على الأقليات المسلمة في المجتمع الغربي عامة، والكندي خاصة.
وتدور لغة المجموعات اليمينية الكارهة للمسلمين في فلك مفاهيم إسلامية جدلية، مثل: تعدّد الزوجات، وزواج القاصرات، والحجاب، والنقاب، والبرقع. كما يتطرقون للحياة الجنسية للفتاة المسلمة قبل الزواج، ولقضايا مثل ضرب الزوج لزوجته إذا خالفت أوامره.
ويستعمل كارهو الإسلام مواقع التواصل الاجتماعي الكندية للإشارة إلى قصص خلافية عن المسلمين كمثل قصة الإمام السابقة، وكذلك يسلطون الضوء على مواضيع حساسة في الثقافة الإسلامية: مثل المساواة بين الرجل والمرأة، خاصة بمواضيع مثل؛ الشهادة بالمحاكم والمساواة بالإرث. وكذلك تأخذ مواضيع مثل؛ الاختلاط بين الرجال والنساء، وحقّ المرأة بتطليق نفسها من زوجها، وحضانة أطفالها، حيزاً كبيراً من نقاشات المتفاعلين من أنصار الإسلاموفوبيا على مواقع مثل؛ الفيسبوك، والتويتر، والانستغرام، واليوتيوب، في الفضاء الإلكتروني الكندي.

اقرأ المزيد...

الوسوم: