هل تتواجه ميليشيات طرابلس مع مرتزقة أردوغان؟

ليبيا

هل تتواجه ميليشيات طرابلس مع مرتزقة أردوغان؟


05/03/2020

تشهد العاصمة الليبية طرابلس، الواقعة تحت سيطرة الميليشيات، صراعاً بين وزير داخلية حكومة الوفاق، فتحي باشاغا، المقرّب من جماعة الإخوان المسلمين، وميليشيات مصراته من جهة، وميليشيا النواصي الطرابلسية وكتيبة ثوّار طرابلس من جهة أخرى، في إطار الصراع على النفوذ في طرابلس، بين الإخوان والميليشيات التي لا تنتمي إليها.

يكشف الصراع عن الخلافات العميقة بين الميليشيات بعد تحوّل الأخيرة إلى ذراعٍ للإخوان

يكشف الصراع عن الخلافات العميقة بين الميليشيات وبين حكومة الوفاق، بعد تحوّل الأخيرة إلى ذراعٍ للإخوان المسلمين في ليبيا، وتابع للرئيس التركي، أردوغان. صعود الصراع إلى السطح يرتبط بوصول مرتزقة أردوغان إلى طرابلس، وتزايد النفوذ التركي فيها، ممّا يهدّد بحربٍ داخل العاصمة بين الميليشيات الطرابلسية، والمرتزقة المدعومين من ميليشيات مصراته، ستكون وبالاً على المدنيين.
الصراع طال شخص فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، الّذي لم يسلم من تصريحات آمر قوّات المدفعية في مصراته، العقيد فرج مصطفى اخليل، بعد أنّ اتّهمه بالتواطؤ مع آمر كتيبة ثوّار طرابلس السابق، هيثم التاجوري، في سرقة مئات ملايين الدولارات، واختراق الميليشيات لجهاز المخابرات العامّة.

اقرأ أيضاً: أردوغان يخفي قتلاه في ليبيا!
ميليشيات طرابلس وعبر سيطرتها على جهاز المخابرات العامّة الليبية، بدأت في الانتقام من باشاغا باعتقال عددٍ من المسؤولين في وزارة الداخلية، بتهمة التخابر مع الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير حفتر.

اختلاف الحلفاء

لم تُعتبر جماعة الإخوان المسلمين ذات قوّةٍ كبيرةٍ على الأرض حتّى دخول أردوغان إلى الصراع، وإرساله المرتزقة إلى العاصمة طرابلس، بعد توقيع الاتفاقية الأمنية مع حكومة الوفاق الوطني، برئاسة السراج. قبل ذلك كان للميليشيات الطرابلسية المحلّية وجود قوي، وحظيت بدعم كبير من حكومة الوفاق، ولم تقبل جماعة الإخوان المسلمين بذلك إلّا مرحلياً، في خطّةٍ طويلة الأمد لاستبدال تلك الميليشيات بالعناصر الموالية لها من ميليشيات مصراتة.

اقرأ أيضاً: المجلس العالمي للتسامح والسلام يحذر من تدخل "قوات التدمير التركي" في ليبيا
نجحت جماعة الإخوان في إضعاف كتيبة ثوّار طرابلس، أقوى ميليشيات طرابلس، عبر خطّة ممنهجة، وفّق ما صرح به المحلّل السياسي سليمان العتيري، لموقع قناة العربية، والّذي أكّد أنّ الدور جاء على ميليشيات النواصي، الّتي باتت أقوى ممثّل لميليشيات طرابلس اليوم.

صعود الصراع إلى السطح يرتبط بوصول مرتزقة أردوغان إلى طرابلس وتزايد النفوذ التركي فيها

وتُعدّ ميليشيات النواصي والّتي تُعرّف أيضاً بالقوّة الثامنة، وتتبع قوّة حماية طرابلس، واحدةً من أكبر الجماعات العسكرية المسلّحة في طرابلس، وتتألّف من 700 إلى 1000 عضوٍ، وتعمل في منطقة أبو ستة في طرابلس، على بعد أمتارٍ فقط من قاعدّة أبو ستة البحرية، حيث يوجد مقرّ المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق. وتدير هذه الميليشيات عدّة نقاط تفتيش وتسير دوريات في المنطقة، ولديها سيطرة مشتركة مع كتيبة ثوّار طرابلس على جهاز المخابرات العامّة الليبي، ومكتب مكافحة الفساد التابع لوزارة الداخلية.
ووفق تقارير، استولت كتيبة طرابلس والنواصي على مئات ملايين الدولارات من مخصّصات الأجهزة الأمنية، وعبر ابتزاز المجلس الرئاسي، وعمليات الخطف، وغيرها من العمليات الإجرامية. لا ترفض جماعة الإخوان في ليبيا هذا النهج، لكنّها تختلف مع ميليشيات طرابلس حول من له الحقّ في ذلك، وهو ما بات في متناول يدها، بتدخّل أردوغان عسكرياً لصالحها، في صفّقةٍ حصل مقابلها على مليارات الدولارات من مشاريعٍ، وصفقات الأسلحة، وأجور المرتزقة.

ضربة استباقية
في 19 شباط (فبراير) الماضي، أعلن رئيس مؤسّسة كويليام الدولية للأبحاث، نعمان بن عثمان والمقرّب من الميليشيات في طرابلس، عن إلقاء القبض على العميد شكري اللّبيب، في فيديو منشور على اليوتيوب. نعمان الّذي يكاد يكون الناطق الرسمي باسم ميليشيات طرابلس أعلن أنّ سبب الاعتقال هو تزعّم اللّبيب لخليةٍ من العملاء يعملون لصالح الجيش الوطني الليبي، وتضمّ مسؤولين كباراً في وزارة داخلية الوفاق، والحرس الرئاسي، والاستخبارات العسكرية، وأجهزة أمنية أخرى، لتبدأ بعدها سلسلةً من الاعتقالات والمطاردات قامت بها ميليشيات النواصي وكتيبة ثوّار طرابلس، بحقّ عددٍ من المسؤولين في وزارة داخلية الوفاق، والاستخبارات العسكرية وغيرها. جاء على رأس المعتقلين العقيد ناجي زوبي، آمر البحث الجنائي في وزارة الداخلية، والّذي ندّد باشاغا بقرار اعتقاله، وطالب بالإفراج عنه، مشيداً بنزاهته وكفاءته.

نجحت جماعة الإخوان في إضعاف كتيبة ثوّار طرابلس أقوى ميليشيات العاصمة عبر خطّة ممنهجة

ردّاً على الاعتقالات عقد باشاغا مؤتمراً صحفياً، يوم الأحد، 23 شباط (فبراير) الماضي، ندّد فيه بما وصفه مؤامرةً من الميليشيات ضدّ وزارة الداخلية، بسبب جهودها في ضبط الأمن، ومحاربة الجريمة، والفساد، وهو ما ترفضه هذه الميليشيات الّتي "تعيش على الجريمة، ونهب مال الدولة"، على حد تعبير باشاغا، واتّهمهم بالتواصل سرّاً للتّنسيق لمرحلة ما بعد دخول حفتر إلى طرابلس.
تتناقض التصريحات السابقة مع التحقّيقات الّتي أعلن عنها جهاز المخابرات العامّة الليبي، الخاضع لسيطرة ميليشيات طرابلس، والّذي اتّهم عشرات المسؤولين في الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة الوفاق بالتخابر مع الجيش الوطني الليبي، وبدأ في شنّ حملة اعتقالاتٍ بحقّهم.

اقرأ أيضاً: ليبيا و"صوفيا الجديدة"
تبادل الطرفان الاتهامات بشأن التواصل سرّاً مع حفتر وجهات خارجية، يكشف بوضوح عن عدم واقعية هذا الكلام، وأنّه يأتي في إطار الصراع بينهما حول السيطرة على العاصمة، ومؤسّسات الدولة الليبية، وثروات الشعب.
انتقلت الحرب الإعلامية بين الطرفين إلى مواقع التواصل الاجتماعي، فجدّد باشاغا تصريحاته المندّدة بالميليشيات الطرابلسية عبر حسابه على موقع تويتر، بينما قاد نعمان بن عثمان، الجبهة المضادّة، وتبادل الطرفان وأتباعهما الاتّهامات، وعمل كلّ منهما على كسب الرّأي العامّ إلى صفّه؛ يستغلُّ نعمان بن عثمان قناة "ليبيا الأحرار" الفضائية كمنبرٍ للهجوم على باشاغا، ممّا عرضه لانتقاد مُبطّن منه في مؤتمره الصحفي، مُتّهماً إيّاه بإثارة الفتنة بين الليبيين، وتقاضي 2000 يورو في الساعة، وتعهّد باشاغا بالتصدّي للمخالفين، على حسب زعمه.
تلقّى نعمان بن عثمان رسالة باشاغا، وطالب عبر حسابه على تويتر بمناظرةٍ بينهما في لقاء تلفزيوني مباشر، وكتب "فتحي باشاغا، تصرّفاتك الأخيرة هذه أربكت الصفّ الداخلي وتسبّبت في إحباط معنويّات الثوّار والكتلة الاجتماعية الرافعة لثورة فبراير، وعمليّة بركان الغضب؛ وخاصّة الثوّار في المحاور وتبّات القتال، وعليه، أدعوك فوراً أنّ نخرج في مواجهةٍ على الهواء مباشرةً لطرح الحقائق بشكلٍ يليق بدولة القانون".

التهجُّم على السراج
لم يسلم فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، من الحرب الكلامية المتبادلة بين فريق ثوّار طرابلس، وفريق الوزير باشاغا، فوصف العقيد فرج مصطفى اخليل، آمر مدفعية قوّات مصراتة، الموالي لباشاغا السراج بقوله "النعجة" في بوستٍ على حسابه الشخصي على الفيسبوك، واتّهمه بالخضوع لميليشيات طرابلس، والتورّط في نهب المال العامّ من خلال خضوعه لهيثم التاجوري.
وأعلن اخليل عن دعمه اللامشروط لتحرّكات الوزير باشاغا، ووصفها بـ"الخطوة الّتي تأخّرت لتخليص العاصمة من سطوة الميليشيات". الخلاف بين الطرفين وصل إلى حدّ الاستقبال السيئ للوزير باشاغا خلال تفقّده لعددٍ من محاور القتال الّتي تسيطر عليها ميليشيات طرابلس، وفّق ما أعلنه مغرّدون موالون لهذه الميليشيات.

لا يرفض إخوان ليبيا نهب المال العام لكنّهم يختلفون مع ميليشيات طرابلس حول الأحقية بذلك

وفي فيديو مُصوّر، منسوبٌ إلى قائدٍ في ميليشيات النواصي، وجه انتقادات حادّة إلى باشاغا، واتّهمه بالاستقواء بالمرتزقة السوريين، الّذين وصفّهم بالدواعش، وتساءل القيادي الليبي عن أسباب صدور هذه التصريحات بعد إقرار الهدنة بين الجيش الوطني والمجلس الرئاسي، مبيّناً أنّ "باشاغا احتفى بميليشيات طرابلس عندما كانت تتصدّى وحدها في الميدان لهجوم الجيش الوطني، إلّا أنّه تغيّر عليها بعد التدخّل التركي".
وعلى الرغم من عدم وجود تأكيدٍ على صحّة نسبة الفيديو، إلّا أنّ ما جاء فيه يتوافق مع تصريحاتٍ لميليشيات "كتيبة ثوّار طرابلس" عبر حسابها الرسمي على الفيسبوك، أعلنت فيه استنكارها لتصريحات الوزير، ودعمها لميليشيات النواصي، وكتبت تُذكّرُه بفضل النواصي وكتيبة ثوّار طرابلس في إنقاذ العاصمة من هجوم الجيش الوطني: "ففي تلك اللّحظة لم تجد طرابلس إلّا أبناءها يتسابقون إلى المحاور لتقديم حياتهم دفاعاً عنها قبل أنّ يلتحم بهم إخوانهم من بقيّة المدن الليبية الحرّة. يا سيادة الوزير من أراد أنّ يعرف معدن الرجّال فيجب عليه أن يعود إلى تلك اللّحظة التاريخية الّتي التحم فيها رجال طرابلس من كافّة الكتائب وعلى رأسها كتيبة النواصي، الّتي قدّمت ولا زالت تقدُّم من أجل الوطن".
وهدّدت الميليشيات في بيانها، بالتصدّي بكلّ حزمٍ لمن يتعرّض لأيّ من ميليشيات طرابلس، بعد أنّ وحدّت بين نفسها وبين طرابلس، متّهمة أيّ طرفٍ يحاول المساس بها بتسهيل سقوط العاصمة في يد المشير حفتر: "سنضرب بيدٍ من حديدٍ كلّ من تسوُّل له نفسه المساس بأمن العاصمة، ومن يكيد المكائد في الخفاء لتسهيل سقوطها".


يفتح الصراع السابق الباب على احتمالاتٍ كبيرةٍ نحو صدام مسلّحٍ بين الطرفين، تدخّل فيه تركيا على الخطّ بجانب حكومة الوفاق، الّتي أصبحت تابعة لها. فمن ناحية المصالح لا فائدة من ميليشيات طرابلس بالنسبة للإخوان وتركيا إلّا في الدفاع عن المدينة من هجوم الجيش الوطني، وهو الدور الّذي يتقلّص يوماً بعد آخر، مع استمرار تدفُّق الأسلحة والمقاتلين من تركيا، ممّا يهدّد بقلب موازين القوى على الأرض، لصالح جماعة الإخوان، وبالتالي ستجد ميليشيات طرابلس نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإمّا الصدّام الّذي يهدّد بقاءها كلّيّةً، أو التسليم بالسيادة الإخوانية-التركية، والتخلي عن الأدوار الكبرى في العاصمة.

لم يسلم السراج نفسه من الحرب الكلامية المتبادلة بين فريق ثوّار طرابلس وفريق الوزير باشاغا

بالنسبة إلى تركيا والإخوان فحكومة الوفاق هي من عليها الرهان، لتمتّعها بالاعتراف الدولي الّذي يوفّر للإخوان غطاءً للاشتراك في تقرير مستقبل ليبيا، ويمنح أردوغان حجّةً لتمرير أطماعه في المنطقة، بزعم التعاون مع الحكومة المعترف بها دولياً، مثلما فعل في الاتّفاقية الأمنية، واتّفاقية ترسيم الحدود الباطلتين.
ويبقى أمام ميليشيات طرابلس خيارٌ آخر، يحتاج إلى جُرأةٍ تُقدِّم المصلحة الوطنية، وهو التعاون مع الجيش الوطني بقيادة المشير حفتر، ممّا سيساعد على تخليص البلاد من مرتزقة أردوغان والإخوان، وستستفيد هذه الميليشيات بدمجها في المؤسّسات الأمنية الشرعية، بعد تأهيلها، لتؤدي دورها في خدمة الوطن إن كانت صادقةً فيما تروّجه عن نفسها.

الصفحة الرئيسية