هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً

عندما تندرج كلمة "ثقافة" في أحاديثنا اليومية، أول ما تتبادر إلى أذهاننا مستويات راقية من الأفكار والقيم وأنماط مهذبة من السلوك وإبداعات في الفكر الإنساني من آداب وفنون، كالشعر والرواية والموسيقى والرسم والمسرح وغيرها؛ أي إنّ كلمة الثقافة تنقلنا إلى حياة متخيَّلة في عالم متخيَّل، مع أنّها من أكثر الكلمات تعبيراً عن الواقع، في نظر علماء الاجتماع.

اقرأ أيضاً: مسلسل Wild Wild Country: يُسائل الديمقراطية الأمريكية
عرَّف عالم الاجتماع الشهير، أنتوني  غدنز، الثقافةَ بأنّها: "أسلوب الحياة الذي ينتهجه مجتمع ما، أو جماعات ما داخل المجتمع. وهي تشمل على هذا الأساس أسلوب ارتداء الملابس، وتقاليد الزواج، وأنماط الحياة العائلية، وأشكال العمل، والاحتفالات الدينية، بالإضافة إلى الترفيه والترويح عن النفس". علماً بأنّ "غدنز" لم ينف الإبداع والابتكار من تعريفه للثقافة، فكل ما جاء في تعريفه يحتوي على الإبداع والتجدد. فلا يمكن لأي مجتمع من المجتمعات أن يكون من غير ثقافة، فهي التي تجعل الإنسان واعياً ومدركاً لذاته، كما تجعله قادراً على التفكير في واقعه وواقع مجتمعه وتحليل الظواهر والمشكلات المتعلقة بحياته.

تنقلنا كلمة الثقافة لحياة متخيَّلة في عالم متخيل مع أنها من أكثر الكلمات تعبيراً عن الواقع بنظر علماء الاجتماع

تعد الدراما التلفزيونية من منتجات الثقافة الحديثة، ويفترض أن يكون لها دور كبير ومهم في تجسيد الثقافة الحديثة والقيم الحديثة؛ ونقد الثقافة التقليدية المتوارثة عبر التاريخ. لكنها راحت تتجه إلى إعادة إنتاج الثقافة التقليدية والقيم التقليدية، وخاصة ثقافة العنف، التي أصبحت هي الرائجة والمألوفة في بعض المجتمعات العربية.
على مدار ثلاثة أعوام متتالية عرضت القنوات الفضائية العربية في شهر رمضان المبارك ثلاثة أجزاء من مسلسل "الهيبة"، الجزء الأول بعنوان الهيبة، والجزء الثاني "العودة"، والجزء الثالث "الحصاد"، وهو ما يزال قيد العرض (وينتظر الحكم). تندرج تلك العناوين الصغيرة  تحت العنوان الكبير "الهيبة".
حاز مسلسل الهيبة، للكاتب "هوازن عكو" والمخرج "سامر برقاوي، شهرة كبيرة ونسبة مشاهدة تُقدر بالملايين، وعلى وجه الخصوص الشخصية الرئيسية التي يلعبها الممثل السوري "تيم حسن" بدور "جبل"؛ وهو؛ أي جبل، شخص خارج على القانون، بل هو شخص فوق القانون، وقد جعل منه العمل الدرامي نموذجاً متداولاً على نطاق واسع ويحظى بالقبول والإعجاب، وقد بدا هذا واضحاً في شبكات التواصل الاجتماعي التي أحرزت بدورها ملايين الوسوم والهاشتاغ.

الحاضنة الاجتماعية والعنف
لعل ثقافات العالم قد تجاوزت الهويات الاجتماعية (العشيرة، القبيلة، العائلة)؛ بعد أن كانت من المسلّمات، لكن هذه الهويات ما تزال تضرب جذورها في المجتمعات المنقسمة عمودياً، والتي تعاني من كبت في الحريات العامة والفردية، وتعاني أيضاً من الخوف المتجذر في أحشائها.
ولذلك نرى شخصية "جبل شيخ الجبل" الخارج عن القانون، تاجر الحشيشة وزارعها، ومهرب السلاح؛ يحظى بحاضنة اجتماعية ممتازة، تواليه في كل ما يفعل طلباً للحماية والعيش بأمان. نتساءل: ممَّ يخاف الأفراد في مجتمعات كمجتمع "الهيبة" الدرامي الذي يوازي المجتمع الواقعي في منطقة حدودية بين سوريا ولبنان؟

اقرأ أيضاً: حظر الألعاب الإلكترونية المحرضة على العنف في العراق
لعل غياب القانون؛ ونقص العدالة الاجتماعية أوجد أفراداً فوق القانون، يتمتعون بسلطات واسعة، فيفرضون أنفسهم على أوساطهم الاجتماعية باعتبار إراداتهم الخاصة هي القانون، فتذعن لهم هذه الأوساط خوفاً أو طمعاً، ويحتمي الضعفاء والمضطهدون والمهمشون بهم، ويلجؤون إليهم، فيحتلون بذلك مكانة اجتماعية رفيعة. فالحماية المرجوة لهؤلاء المضطهدين والمهمشين والضعفاء، لم يحققها "جبل شيخ الجبل" الإنسان؛ إنما حققتها سلطة المال والجاه والنفوذ، فنفوذ "جبل" هو امتداد لنفوذ أبيه، زعيم العشيرة، التي لها مكانتها الاجتماعية، مع أنه شاب (مودرن) يُظهر صفات إنسانية واضحة المعالم، "كالحب والصدق والوفاء" من جانب، ويمارس سلطته ونفوذه الموروثين، في أعمال غير مشروعة من الجانب المقابل؛ أي إنّه نسحة محدَّثة عن أبيه أو جده، ما يعني أنّ العمل الفني، الذي يحاكي الواقع، إنما يعمل على تكريس الواقع الفاسد، وربما تبريره وتزيينه.
في غياب القانون تنقلب القيم الاجتماعية رأساً على عقب، فيصبح المجرم بطلاً، والسيد عبداً، كما أنّه يخلق شبكة مصالح خاصة متناقضة مع المصلحة العامة؛ أي كلما نمت المصلحة الخاصة تضمر المصلحة العامة وتتراجع، بعكس المجتمعات التي يسود فيها القانون؛ إذ تنمو المصالح الخاصة بنمو المصلحة العامة، والعكس صحيح.

المرأة في الهيبة

ظهرت المرأة في مسلسل الهيبة بأجزائه الثلاثة، بوجوه متعددة، (العاملة، المهنية، ربة المنزل، المقاتلة)، لكنها بقيت ضمن الإطار النمطي والتقليدي لصورة المرأة في المجتمع الذكوري؛ فهي تابعة إما للزوج وإما للأب أو الأخ، فـ"جميلات جبل" كما أطلق عليهن مشاهدو المسلسل، قد ارتبطن ارتباطاً مباشراً بشخصية جبل الذكورية، مع أنّ إحداهن طبيبة وأخرى مقاتلة أما الثالثة فهي إعلامية.

ظهرت المرأة في مسلسل الهيبة بوجوه متعددة لكنها بقيت ضمن الإطار التقليدي لصورة المرأة في المجتمع الذكوري

أما المرأة صاحبة السلطة والنفوذ كشخصية "ناهد خانوم" أم "جبل"، الشخصية المتسلطة، فقد استمدت سلطتها ونفوذها ومكانتها من سلطة زوجها زعيم العشيرة، وجعلتها متحكمة بغيرها من النساء والرجال، تلك السلطة الانعكاسية التي لا تفلت من قبضتها المرأة نفسها، والتي جعلتها متسلطة ومتعسفة في السلطة على ذاتها وعلى الآخرين والأخريات، لكن تلك السلطة أحدثت ثورة من داخلها، فتنقلب الابنة ضد قرارات الأم وأحكامها التعسفية فتخرج عن مشورتها وتقرر الاستقلال لإثبات وجودها الطبيعي في الحياة.

الجمع بين الفطرة وما تنسجه التنشئة الاجتماعية من دلالات ثقافية تفرضها علاقات القوة (السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية) على حساب الإرادة الخاصة المتمثلة بالحرية الشخصية والاستقلال الذاتي، وإظهار شخصية "جبل" بمظهر "إنساني" وخنوع الأعوان والأتباع كلها تكشف النقاب عن زيف التحضر والتمدن أو زيف الحداثة، إذ يكون التمدن شكلاً بلا مضمون، فلا حداثة ولا تمدن، ولا مواطنة متساوية مع غياب القانون.

اقرأ أيضاً: المرأة والثورة.. لماذا تتصدر الصورة؟

يمكننا القول إنّ الدراما تكرس الواقع، وتجعل المتلقي يحب الشخص الذي هو فوق القانون، فتساهم من حيث يريد مبدعوها أو من حيث لا يريدون في إعادة إنتاج علاقات التبعية والخضوع. (يخضع الأفراد بكل اطمئنان إلى المهرب والمجرم والفاسد واللص، ويقبلون اليد التي لا يستطيعون عضها).

فهل أخطأ عالم الاجتماع المعروف دركهايم، عندما اعتبر أن الجريمة والانحراف حقائق ووقائع  اجتماعية؛ وعناصر  ملازمة لتطور المجتمعات الحديثة التي يتحرر فيها الأفراد والجماعات من الضوابط والقيود؟ وهل فكرة "الهيبة" تتماشى مع رأي مكيافللي القائل: على "الأمير" أن يكون مهيباً، ولا يشترط فيه أن يكون محبوباً؟ وكيف إذا اجتمعت الهيبة والمحبة؟!

الأقسام: