هل تحرّرت مستعمرات جنوب أفريقيا من الاحتلال فعلاً؟

هل تحرّرت مستعمرات جنوب أفريقيا من الاحتلال فعلاً؟

مشاهدة

02/10/2019

ترجمة: علي نوار


لم تكن عملية استقلال الشطر الجنوبي من أفريقيا مشابهة لنظيرتها في باقي أنحاء القارة. فقد اتّجهت تجمّعات كبيرة من ذوي البشرة البيضاء إلى هناك منذ عقود طوال وكان طردهم مسألة مستعصية للغاية. واضطرت حركات التحرير إلى إبرام اتفاقات بعد فترات مريرة من حرب العصابات من أجل نيل الاستقلال وإنهاء حكومات الأقليات البيضاء، وبالتالي قبول نظام رأسمالي وعنصري كانت هذه الحركات ترفضه بقوة. والآن وبعد مرور 25 عاماً، لا تزال محاولات إصلاح هذه الأنظمة من الداخل، رغم أنّها تفقد الدعم بين الشعب الذي بات الشباب يشكّلون نسبة كبيرة منه.

المستعمرتان البرتغاليتان السابقتان موزمبيق وأنجولا نالتا استقلالهما في 1975 رغم أنّهما لم تحظيا بالسلام فعلياً إلا عامي 1992 و2002

ولفهم الوضع الراهن والمشكلات التي تعاني منها دول جنوب أفريقيا من الضروري العودة إلى الوراء. فمنذ القرن التاسع عشر، أسّس الأوروبيون مستوطنات يحكمونها في هذه البلدان، التي كان لديهم فيها مصالح كبيرة نظراً لموقعها الإستراتيجي بالنسبة لحركة التجارة بين الموانئ وكذلك التنقيب عن المعادن. وبعد المعاناة من وجود المستوطنين لمدة عقود، وفي القرن العشرين، ظهرت الحركات الوطنية التي ناضلت من أجل إنهاء حكومات الأقليات البيضاء، ودافعت تلك الحركات عن المساواة بين جميع الأشخاص بغضّ النظر عن العرق ودعت لإنشاء نظام اشتراكي ماركسي يعيد توزيع الثروة بين المواطنين من ذوي البشرة السمراء. كان الرد العنيف من القوى الاستعمارية دافعاً لحركات التحرير كي تتبنّى أسلوب حرب العصابات بغية الضغط على الحكومات التي كانت تخشى الاستقلال مثلما حدث في مناطق أخرى من القارة، وانتهى الأمر بها مستسلمة. لذا وجدت حركات التحرير نفسها بين ليلة وضحاها تنتقل من وضعية النضال من المنفى إلى تأسيس أحزاب سياسية وتولّي حكم بلادها.

تواريخ استقلال دول أفريقيا

استهلّت جنوب أفريقيا عملية استقلالها عن بريطانيا عام 1934 رغم فرض الحكّام المحلّيين نظاماً للفصل العنصري يضطهد السكّان ذوي البشرة البيضاء حتى 1994 حين فاز حزب (المؤتمر الوطني الأفريقي) بقيادة نيلسون مانديلا في أول انتخابات ديمقراطية. وكان نظام الأبارتايد قد تقبّل قبلها بأربعة أعوام نهايته وتوقّف عن احتلال ناميبيا المجاورة التي استقلّت وتولّى حكمها منظمة شعب جنوب غرب أفريقيا (سوابو). وقبل ذلك بنحو عقد وفي 1980 كان حزب الاتحاد الوطني الأفريقي في زيمبابوي-الجبهة الوطنية (زانو-بي إف) قد نجح في إسقاط حكومة إيان سميث العنصرية؛ حيث كانت البلاد قد حصلت على استقلالها منذ 1965 لكنّها ظلّت تحت حكم الأقلية البيضاء.

استهلّت جنوب أفريقيا عملية استقلالها عن بريطانيا عام 1934 رغم فرض الحكّام المحلّيين نظاماً للفصل العنصري يضطهد السكّان البيض حتى 1994

أما المستعمرتان البرتغاليتان السابقتان؛ موزمبيق وأنجولا، فكانتا قد نالتا استقلالهما في 1975، رغم أنّهما لم تحظيا بالسلام فعلياً إلا عامي 1992 و2002، على الترتيب، بعد حروب أهلية انتصرت فيها جبهة تحرير موزمبيق (فريليمو) والحركة الشعبية لتحرير أنجولا (مبلا). وقد دعّمت هاتين الحركتين والفصائل الأخرى التي ظهرت قبلهما، حركة (تشاما تشا مابيندوزي) التي وصلت لسدة الحكم في تنزانيا عقب النضال من أجل الاستقلال في 1961.

تشكّل كل هذه الفصائل ما يعرف اليوم باسم الحركات القديمة لتحرير جنوب أفريقيا (فلمسا). فبعد دعمها بعضها البعض في النضال المسلح، تتآزر هذه الحركات على المستوى السياسي بين الحكومات. وبعد مرور 25 عاماً من وصوله للحكم، تسير جميع الحركات على نهج (المؤتمر الوطني الأفريقي) الذي تزعمه نيلسون مانديلا، ولا تزال في الحكم. بالطبع كان مسار كل دولة مختلفاً عن الأخرى، لكن كل من فصائل (فلمسا) توفّر الدعم والاعتراف إقليمياً فيما بينها.

اقرأ أيضاً: التفاوت الطبقي يغذي العنف ضد الأجانب في جنوب أفريقيا

يكتسب هذا الدعم أهمية متزايدة بمرور الوقت لأنّ جميع الحركات- باستثناء (سوابو)- تعاني أزمة انتخابية حادة تهدّد هيمنتها. تتآكل أرضية هذه الحركات لعوامل عدة وتخصم بشكل كبير من رصيدها كفصائل حقّقت استقلال بلدانها وهو الوتر الذي تلعب عليه لبقائها في السلطة، وعلى رأس العوامل يبرز عدم القدرة على تقليل فجوة غياب المساواة الاقتصادية والبطالة وتوزيع الثروة وإنهاء الفساد وإدماج شريحة الشباب الآخذة في الاتساع ضمن المشهد السياسي.

الميليشيات المسلحة تتولّى السلطة

اختلف النظام الاستعماري في الشطر الجنوبي من أفريقيا عن أي إقليم آخر في العالم حيث تميّز بأنّه أكثر تعقيداً. فبعكس المناطق الأخرى التي وصل الغربيون إليها فقط بغرض الحصول على مواردها، رأى المستعمرون الأوروبيون فرصة الاستقرار هناك في مجتمعات خاصة بهم وإعادة إنتاج نظام يشبه القائم في الغرب، بمؤسسات قوية وقوانين فعّالة ونظام رأسمالي. لكن هذا ينطبق عليهم وحدهم، البيض، لينزاح الأغلبية من ذوي البشرة السمراء كي يصبحوا مواطنين من الدرجة الثانية. وفي دول مثل جنوب أفريقيا وزيمبابوي، قادت الحكومات التي يرأسها البيض عملية الاستقلال عن الوطن الأم، متّبعة على مدار عقود نظاماً للفصل العنصري من الداخل.

يمكن اعتبار ناميبيا وجنوب أفريقيا ديمقراطيتان على الرغم من وجود مشكلات

دأبت حركات التحرير على محاربة كل ما كانت تمثّله حكومات الأقلية البيضاء. دافعت عن حكومة يشكّل السود أغلبية فيها، والمساواة أمام القانون بغضّ النظر عن العرق، ونظام اشتراكي ماركسي يعيد توزيع الثروة على الشعب. اعتمدت هذه الحركات بصورة كبيرة على الدعم الذي كانت تتلقّاه من المزارعين، ورأت في الماركسية مرجعية فكرية في مواجهة رأس المال، علاوة على كون الماركسية طريقة ناجحة للحصول على تأييد الشعب المقموع.

اقرأ أيضاً: الإرهاب غرب أفريقيا.. كيف يمكن مواجهته؟

تعرّضت المقاومة السلمية سريعاً للقمع على يد حكومات كانت تعي جيداً وجود موجات استقلال في باقي أنحاء القارة، وكانت تتمنّى بتر ثورة اشتراكية من جذورها قبل أن تحرمها من امتيازاتها. وخلال حقبة الستينيات، تقبّلت حركات التحرير حقيقة أنّ الكفاح المسلح كان هو الخيار الوحيد، العامل الذي سيحدّد مستقبلًا طبيعة هذه الحركات وطريقة تعاطيها مع الواقع. وأنشأت كل حركة ذراعها المسلح؛ ميليشيات حصلت على تدريب عسكري وتنتظم في هيكل ترتيبي تعلو فيه الطاعة فوق تنوّع الآراء. وكانت هذه الحقبة هي التي شهدت حدوث اتصالات بين الحركات لتبادل المساعدة وتوفير الملاذ للأفراد الذين يتعرّضون للنفي.

اختلف النظام الاستعماري في الشطر الجنوبي من أفريقيا عن أي إقليم آخر في العالم حيث تميّز بأنّه أكثر تعقيداً

بعد الانتصار على حكومات الأقلية البيضاء، رأت حركات التحرير في الانتخابات الانتقالية فرصة لكسب مزيد من الاحترام والشرعية الدولية، رغم شعورها بأنّ الأحقية في الحكم تذهب إليها تلقائياً بعد انتزاعها لاستقلال بلادها. أما من لم يشارك في القتال المسلح فلمن يكن يحق له تولّي القيادة، مثلما أكّد أعضاء (زانو-بي إف). وانتهى الأمر بـ(فلمسا) بقبول لعبة الديمقراطية رغم أنّها لم تكن تعرفها أو حتى تتّسم بها، لكنّها وافقت عليها باعتبارها أداة مناسبة للبقاء في الحكم، طالما كانت هي الفائزة فقط. وحتى اليوم تُعد مسألة خسارة السلطة غير مفهومة بالنسبة لهذه الأحزاب؛ لأنّها تعتقد أنّها لا تعبّر فقط عن الشعب ونضاله ضد الفصل العنصري، بل أنّها تجسيد للشعب.
لذا لم يتقبّل روبرت موجابي عام 2008 فكرة هزيمته في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية أمام (حركة التغيير الديمقراطي) بزعامة مورجان تسفانجيراي ولجأ إلى القوة كي يقمع الناخبين الذين يمنحون أصواتهم للمعارضة. ووصل الأمر بتسفانجيراي إلى درجة مطالبة أنصاره بعدم الذهاب إلى لجان الاقتراع إذا كان الإدلاء بالصوت سيعرّض حياتهم للخطر. يعكس الدعم التكتيكي الذي تلّقته الحكومة القمعية في زيمبابوي من قبل شركائها الإقليميين أنّ الزمالة بين رفّاق السلاح السابقين تأتي في المقام الأول قبل حتى احترام الديمقراطية، فضلاً عن كون ذلك مثالاً مقلقاً يؤشّر لكيفية تعامل أي من حركات (فملسا) حال خسرت انتخابات.

اقرأ أيضاً: أفريقيا.. وجهة لـ"الدواعش"

وبنفس الطريقة لكن في ناميبيا، بلغت الأمور وضعاً ظهرت فيه هتافات انتخابية مثل "(سوابو) هو الأمة والأمة هي (سوابو)" وهو ما يعني بالطبع إلغاء الخط الفاصل بين الحزب والدولة وبالتبعية توجيه الاتهام لأي معارض بالخيانة والسعي نحو إعادة إنشاء حكومة أقلية بيضاء. وحدث نفس الأمر في جنوب أفريقيا عندما أكّد حزب (المؤتمر الوطني الأفريقي) أنّه الخيار الوحيد لضمان عدم عودة الأبارتايد.

مسارات مختلفة

على الرغم من تشابه الأهداف والسياقات والنضال، إلّا أنّ كل دولة سلكت مساراً مختلفاً. تعزّزت الديمقراطية فقط في الأماكن التي صيغت فيها دساتير قوية مع احترام الفصل بين السلطات والاتفاقات النافذة مع جهات المجتمع المدني.

اقرأ أيضاً: مساهمة عربية في إنقاذ أفريقيا من الإرهاب

حدث ذلك في جنوب أفريقيا وناميبيا، مما أسهم في معادلة نفوذ (المؤتمر الوطني الأفريقي) و(سوابو) وجعل هاتين الدولتين ضمن سبع ديمقراطيات أفريقية وردت في مؤشر الديمقراطية الذي تعدّه مطبوعة (إيكونوميست) واسعة الانتشار عام 2018. كما أنّ هناك مساحة واسعة من احترام الحقوق المدنية في البلدين، وبالفعل تعدّ جنوب أفريقيا وناميبيا نموذجان يُحتذى بهما في حرية الصحافة وتأتيان في المركزين 23 و31- على الترتيب- بالمؤشّر العالمي لعام 2019 الذي وضعته منظمة (مراسلون بلا حدود) الذي أظهر وجود مناخ مواتِ للصحافة أكثر حتى من دول غربية مثل؛ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. ورغم أنّ حزب (المؤتمر الوطني الأفريقي) أبدى ميلًا للانتقاص من حرية الصحافة في الأعوام الأخيرة، لكن الحراك المنظّم والرافض من قبل المجتمع المدني في جنوب أفريقيا حال دون حدوث ذلك.

دخل الفرد من كل مجموعة عرقية في جنوب أفريقيا في عام 2008

أما باقي فصائل (فلمسا) فقد عانت مشكلات فيما يتعلّق باحترام الديمقراطية. ففي تنزانيا، يقضي الرئيس جون ماجوفولي على المكاسب الديمقراطية التي تحقّقت منذ 1995 حين أجريت في البلاد أول انتخابات تعدّدية. وفور وصوله للسلطة عام 2015، حظر ماجوفولي كافة أنشطة أحزاب المعارضة، وخوّف الناخبين باستعمال العنف في الانتخابات، وحجب ما يقرب من 10 وسائل إعلام وفرض رسوماً على إنشاء المدونات.

لكن الأسوأ من ذلك حدث في ديمقراطيات موزمبيق وأنجولا وزيمبابوي، الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية بحسب مؤشر (إيكونوميست) عام 2018. ففي موزمبيق، عاود حزب المقاومة الوطنية الموزمبيقية (رينامو)- الذي نشأ في أعقاب الاستقلال كفصيل منشقّ عن حركة (فريليمو) والرافض للشيوعية- استخدام تكتيك الميليشيات عام 2013 بعد فشله في التغلّب على منافسه في الانتخابات، الأمر الذي أدّى لحصوله على ثلاثة أضعاف عدد الأصوات في انتخابات 2014، لكن كان الثمن هو إغراق البلاد في حالة من انعدام الاستقرار السياسي.

يعكس الدعم التكتيكي الذي تلّقته الحكومة القمعية في زيمبابوي أنّ الزمالة بين رفّاق السلاح السابقين تأتي بالمقام الأول قبل احترام الديمقراطية

أما أنجولا وزيمبابوي فقد اضطر الرئيسان المعمّران جوزيه إدواردو دوس سانتوس وموجابي، للتخلّي عن السلطة عام 2017 بعد أن أمضيا في سدة الحكم 38 و38 عاماً على الترتيب، ورغم أنّ إزاحتهما بشكل عنيف عن مقعد الرئاسة كانت تشي بتحوّل ديمقراطي، إلّا أنّ هذه التطلّعات لم تتحقّق. ففي أنجولا، غادر دوس سانتوس منصبه بملء إرادته واختار جواو لورينشو خليفة له، لكن الأخير ناصب حلفاء سلفه العداء وحدّد دائرة النفوذ بحيث تقتصر على (مبلا). بينما وأد خليفة موجابي في زيمبابوي، إيمرسون منانجاجوا أي أمل في التغيير بلجوئه للعنف من أجل قمع الاحتجاجات.

وتُعدّ أنجولا هي الأسوأ حظًّا فيما يتعلّق بالناحية الاقتصادية. فبعد وصولها للسلطة، اضطرت الحكومات الجديدة للتواجه مع عالم متغيّر، وسقوط الاتحاد السوفييتي وتراجع الفكر الاشتراكي. كان يتعيّن على حركات التحرير الاختيار بين المضيّ قدماً في أجندتها الاشتراكية أو قبول الانخراط في النظام العالمي الجديد الرأسمالي الليبرالي. ونظراً لوجود اقتصادات غير متكافئة على الإطلاق، فكان النمو الاقتصادي ضروريًا لإظهار للعالم القدرة على حكم البلاد. وإزاء هذا الوضع، فضّلت جميع الحكومات التخلّي عن سياسة التأميم والانفتاح على الاستثمار الأجنبي، مع إقامة علاقات دافئة مع الشركات الكبرى التي كانت تسيطر على اقتصادات هذه البلدان. وقد سمح ذلك لأنجولا بتحقيق معدّل نمو تجاوز 10% من إجمالي الناتج العام المحلي سنويا خلال الأعوام التالية لتوقيع اتفاق السلام في 2002، وكذلك سنحت لناميبيا وجنوب أفريقيا فرصة الشعور بالنمو الاقتصادي المعتدل والمستقر ما انعكس أثره في تطوير نظام معونات اجتماعية كان له دوراً كبيراً في الحفاظ على استدامة النظام.

اقرأ أيضاً: الحركات الجهادية في شرق أفريقيا.. شريعة مقديشيو الدمويّة

وفي زيمبابوي تسبّبت الاتفاقات الهشّة بين الحركات المختلفة في إفلاس البلاد. تشكّك موجابي في مجتمع رجال الأعمال، والانقسام بين رجال الأعمال هؤلاء، وسياسات التحرير التي أضرّت بالصناعات المحلية، كل ذلك أُضيف منذ عام 2000 إلى السيطرة على أراضي البيض على يد 45 ألفاً من قدامى المحاربين الذين أُبعدوا عن الجيش. دعّمت الحكومة مصادرة الأراضي بدون تعويض لكن غياب الخبرة لدى المُلّاك الجُدد أدّى إلى انخفاض حاد في الإنتاجية. وبحلول عام 2019 يوجد 5.3 مليون شخص يعانون من غياب الأمن الغذائي ويعيش 62.5% من المواطنين تحت خط الفقر.

نتائج حركات التحرير الست في الانتخابات متعددة الأحزاب منذ استقلال كل دولة

خمسة أخطاء كبرى

فقدت جميع الحركات القديمة لتحرير جنوب أفريقيا قاعدة تصويتية خلال الانتخابات الأخيرة في دولها باستثناء (سوابو) في ناميبيا؛ حيث لا يزال هذا الحزب يتمتّع بدعم واسع ومعارضة منقسمة بسبب ملفّات إقليمية وعرقية وشخصية، ما يعني غياب أي بديل حقيقي.

كانت جنوب أفريقيا آخر دولة يظهر فيها التيار الشعبوي الذي وجد تربة خصبة في مناطق أخرى من العالم. فقد نجح الرئيس رامافوسا في الاحتفاظ بالسلطة إثر انتخابات 2019، لكن حزب (المؤتمر الوطني الأفريقي) نال أقل من 60% من الأصوات للمرة الأولى في تاريخه، مقابل صعود حزب (مناضلون من أجل الحرية الاقتصادية) اليساري المتشدد. وتحت قيادة الزعيم السابق لطليعة الحزب، جوليوس ماليما، نجح هذا الحزب الجديد في إجبار (المؤتمر الوطني الأفريقي) على مصادرة الأراضي بدون تعويضات في مواجهة فقدان الشعبية بين أوساط الناخبين. علاوة على ذلك يبرز الصعود المستمر لـ(جبهة الحرية) ذوي التوجّه الأفريكاني، والذي تمكّن من انتزاع أصوات على حساب (التحالف الديمقراطي) الليبرالي وهو أكبر أحزاب المعارضة.

تعدّ جنوب أفريقيا وناميبيا نموذجان يُحتذى بهما في حرية الصحافة وتأتيان في المركزين 23 و31 بالمؤشّر العالمي لعام 2019

كما اكتسب حزب (تشاديما) المعارض التقليدي في تنزانيا مزيداً من الأرضية الشعبية، ما نتج عنه موجة قمع من جانب الرئيس الجديد ماجولوفلي الذي كان في 2015 المرشح الأول لحزب (تشاما تشا مابيندوزي) بأقلّ من 60% من الأصوات. أما في زيمبابوي، فقد كان حزب (الحركة من أجل التغيير الديمقراطي) قريباً للغاية من الفوز بانتخابات 2018 رغم تعرّض ناخبيه لتهديدات وقمع أثناء الانتخابات. في حين يُضاف إلى ازدياد شعبية حزبي (يونيتا) و(رينامو) المعارضين في أنجولا وموزمبيق، على الترتيب، ظهور أحزاب ثالثة تتصاعد شعبيتها وتسعى لكسر الثنائية الحزبية مثل؛ (التقارب الموسّع لإنقاذ أنجولا) و(الحركة الديمقراطية الموزمبيقية)، على الترتيب.

يُعزى صعود أحزاب المعارضة بالأساس إلى السخط الشعبي وخسارة حركات (فلمسا) للتأييد الجماهيري بسبب أدائها في إدارة شئون البلاد. وقد ارتكبت حركات التحرير الوطني القديمة خمسة أخطاء كُبرى بعد وصولها للحكم. وتأتي سياسات التمثيل العرقي في المقام الأول نظراً لأنّها تسبّبت في العجز الحكومي نتيجة لغياب الخبرات في إدارة المؤسسات واختيار شخصيات غير مناسبة لشغل مناصبها. وقد أدّى ذلك الأمر في ناميبيا إلى شغور رُبع المناصب رفيعة المستوى وثلث المناصب متوسطة المستوى عام 2008.

ثانياً، تأتي سياسات التمكين العرقي والتي أدّت لظهور الفساد حيث بات الأمر يتعلّق بتعيين الأصدقاء والأقارب والناخبين المؤيدين في المؤسسات الحكومية والمناصب الإدارية في الشركات الخاصة. وقد أظهرت مراجعة أجريت عام 2011 في جنوب أفريقيا أنّ 95% من البلديات تُخيّم عليها المحسوبية فيما يتعلّق بالعقود الحكومية والوظائف لصالح الأقارب أو الشركات الخاصة في مقابل رشاوي.

أظهرت مراجعة أجريت في جنوب أفريقيا أنّ 95% من البلديات تُخيّم عليها المحسوبية فيما يتعلّق بالعقود الحكومية والوظائف لصالح الأقارب

ثالثًا، أدّت الموارد الهائلة التي تمنح الدولة السيطرة إلى ظهور فصائل داخل (فلمسا) تقاتل من أجل الهيمنة على الحزب. يقوّض ذلك من استقلالية الحكومة حيث إنّه فور الوصول للحكومة، يدين الرئيس الجديد بالكثير من الجمائل لهؤلاء الذين ساعدوه في الجلوس على مقعده. وظهرت هذه الصراعات مؤخراً في جنوب أفريقيا وزيمبابوي، بالتناحر بين الحرس القديم في الحزب بقيادة رامفوسا ومنانجاجوا، على الترتيب، في مواجهة الرئيسين المنتهية ولايتهما؛ زوما وموجابي، واللذين حاولا بلا جدوى تنصيب زوجتيهما نكوسازانا دلاميني زوما وجريس موجابي، على الترتيب، في القصر الرئاسي.

الخطأ الرابع؛ هو اتساع هوة غياب المساواة الاقتصادية والبطالة. فرغم الاستقرار النسبي للاقتصاد الكلّي، إلّا أنّ جنوب أفريقيا وناميبيا هما الدولتان الأعلى في نسبة غياب المساواة على مستوى العالم، بينما تأتي موزمبيق في ذيل قائمة التنمية البشرية، أما في أنجولا فيرزخ 48% من السكان تحت خط الفقر، بينما لا يمتلك 94% من مواطني زيمبابوي عملاً رسميًا. يؤثّر غياب المساواة بشكل أكبر على الشباب. حيث أظهرت الاستطلاعات أنّ 40.7% من الشباب في جنوب أفريقيا لا يعملون ولا يدرسون، وتقفز هذه النسبة إلى 46.1% في ناميبيا.

وأخيراً، فقد تخلّت حركات (فلمسا) عن شعوبها والمبادئ التي أوصلتها للحكم. وقرّرت انتهاج المبادئ الاشتراكية مؤقّتاً في مواجهة صعوبات تطبيقها، لكنّها ارتأت في النهاية الابتعاد عنها واللجوء للنظام الذي ناضلت ضده، ونجحت بالفعل في الاستمرار على رأس السلطة لكن على حساب أغلبية لا تحقّق أي مكاسب. وفي الحقيقة فإنّ ما حدث هو استبدال حكومات الأقلية البيضاء بحكومات أقلية سمراء.

ستكون الأعوام المقبلة حاسمة بالطبع في مسألة بقاء (فلمسا) في السلطة أو فقدانها لها. وحال أرادت هذه الأحزاب الاستمرار في الحكم، فسيصبح لزاماً عليها إحداث تغييرات سريعة عن طريق دفع سياسات من شأنها تضييق فجوة غياب المساواة الاقتصادية وفرص العمل واحتواء الاحتجاجات المتسارعة من جانب شعوب فاض بها الكيل. بالمثل، ستضطرّ لإفساح المجال للشباب في الحكومة، خاصة وأنّهم يمثّلون قطاعاً يكتسب بمرور الوقت أهمية سكانية تعُدّ مستقبل البلاد والأكثر معاناة في الوقت ذاته من انعدام المساواة. أما حال لم تنجح أحزاب (فلمسا) في ذلك، فستظهر بصورة أكثر بُعداً عن دورها كحركات تحرير.


مقال حول إرث الحقبة الاستعمارية في أفريقيا وأبعاده على الأوضاع الحالية بها رغم الاستقلال منذ عقود، للباحث دابيد سولير نشرته مجلة (الأوردن مونديال) الإسبانية
رابط المصدر عن الإسبانية:
https://bit.ly/2krif5P

الصفحة الرئيسية