هل تدخل معركة طرابلس مرحلة جديدة؟

هل تدخل معركة طرابلس مرحلة جديدة؟
3046
عدد القراءات

2019-08-24

يعكس التحشيد العسكري للميليشيات المحسوبة على حكومة الوفاق والتهديدات التي تطلقها قيادات مقربة من تيار الإسلام السياسي بشن هجوم ضخم لطرد الجيش بقيادة المشير خليفة حفتر من مواقعه، بأن معركة تحرير طرابلس ستدخل قريبا مرحلة جديدة.

وألمح احميدة الجرو الناطق باسم لواء الصمود بقيادة المطلوب دوليا صلاح بادي (ميليشيا إسلامية ينحدر مقاتلوها من مدينة مصراتة)، إلى أن قوات لواء الصمود تستعد لخوض معركة جديدة في طرابلس.

وقال الجرو في تدوينة على صفحته بموقع فيسبوك الجمعة “كل شيء الآن أصبح جاهزا.. وقريبا الخبر الجميل الذي سيسعد كل الأحرار الشرفاء الرافضين لحكم العسكر” .

وتأتي تدوينة الجرو في ظل تواتر أنباء عن وصول تعزيزات عسكرية جديدة لمسلحي حكومة الوفاق في محاور القتال.

وكان الناطق باسم قوات حكومة الوفاق مصطفى المجعي قد أكد خلال تصريحات صحافية سابقة، أن استعداد القوات العسكرية الكبير “يهدف إلى طرد قوات حفتر من المنطقة، وملاحقة فلولها إلى مواقعها الأصلية”.

ويبدو أن تلك المرحلة دشنتها الميليشيات ومن خلفها تيار الإسلام السياسي الأربعاء عندما حاولت التقدم وانتزاع منطقة السبيعة قبل أن يكبدها الجيش خسائر في العتاد والأفراد.

وتمكنت قوات الجيش الليبي، الخميس، من صد هجوم لميليشيات حكومة الوفاق المتحالفة مع مجموعات إرهابية بمحور كازيرما جنوب العاصمة طرابلس. وقال المسؤول الإعلامي باللواء 73 مشاة المنذر الخرطوش، “إنه تم استهداف آليات العدو بمدفعية الهاون وسقوط قتلى وجرحى في صفوفهم”، لافتا إلى أنه لا خسائر تذكر بوحدات اللواء 73 مشاة بعد ثبات الوحدات بالنقاط المعلومة لدى غرفة العمليات.

ويبدو أن سيطرة الجيش على المجال الجوي بعد سلسلة الضربات التي دمرت مخازن الطائرات التركية المسيرة في مطاري معيتيقة ومصراتة، دفعت الميليشيات إلى التحرك من جديد على الأرض.

ويقول مراقبون إن الإسلاميين الذين يسيطرون على حكومة الوفاق يعملون جاهدين على تحقيق تقدم عسكري ولاسيما مع تصاعد الدعوات الدولية بضرورة استئناف العملية. السياسية.

ولا يريد الإسلاميون الدخول في محادثات يفاوض فيها الجيش من موقع قوة، لذلك يرفضون وقف القتال واستئناف المفاوضات قبل عودة الجيش إلى مواقعه في الشرق وهي الشروط التي توصف بغير الواقعية وتعتبر رفضا واضحا لوقف القتال.

كما يرفض الإسلاميون الجلوس مع حفتر خلال أي محادثات مرتقبة كطرف في الصراع وهو ما أكده نائب رئيس المجلس الرئاسي والعضو السابق في حزب العدالة والبناء الإخواني عبدالسلام كاجمان خلال لقائه بنائبة المبعوث الأممي ستيفاني ويليامز.

وقدم كاجمان رؤية لمرحلة ما بعد الحرب تبدأ بمشروع للمصالحة الوطنية، والتجهيز لحوار مجتمعي، دون وجود لحفتر، والعودة إلى الملتقى الجامع، للوصول إلى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

ويأتي اللقاء في إطار جهود بدأتها البعثة الأممية لاستئناف العملية السياسية وقد انطلقت بزيارة لستيفاني ويليامز إلى مصراتة الثلاثاء الماضي. ويعرقل تيار الإسلام السياسي تلك الجهود التي أكدت الولايات المتحدة دعمها لها. كما تلقى تلك الجهود دعما روسيا وفرنسيا عكسته تصريحات كل من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مطلع الأسبوع الحالي. وقال بوتين في مؤتمر صحافي مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون قبيل بدء مباحثاتهما الاثنين “لدينا موضوع مهم، بالطبع، هو ليبيا”.

وأضاف بوتين “من الضروري هنا السعي لتحقيق المصالحة بين الأطراف المتصارعة، وأود كثيرا معرفة موقف فرنسا ورئيسها حول هذا الموضوع، من أجل تنسيق جهودنا”.

وعمقت الضغوط الدولية لاستئناف المفاوضات الخلافات داخل حكومة الوفاق المنقسمة منذ بداية المعركة إلى شقين: شق يقوده رئيس الحكومة فايز السراج وعدد من مستشاريه وشق آخر يمثل تيار الإسلام السياسي بقيادة فتحي باشاآغا المقرب من جماعة الإخوان المسلمين وتحديدا حزب العدالة والبناء بقيادة محمد صوان. ويدعم تيار السراج وقف إطلاق النار واستئناف العملية السياسية وهو ما أغضب الإسلاميين الذين يحاولون تأجيج غضب الميليشيات عليه من خلال تسريب ما دار خلال آخر مجلس وزاري عقد الأربعاء.

وأعرب أشرف الشح عضو الحوار السابق (الصخيرات) عن تفاجئه بما بلغه عن اجتماع مجلس وزراء حكومة الوفاق الأربعاء في العاصمة طرابلس، مؤكدا حصوله على معلومات عن الاجتماع من خلال أعضاء في الحكومة.

وقال الشح في تصريحات لقناة “ليبيا لكل الأحرار” إن هذا الاجتماع تم بعد عودة فايز السراج ومستشاره الأمني تاج الدين الرزاقي من إجازتهما في لندن والقاهرة “ليباشرا ممارسة اللف والدوران”. ونقل الشح عن السراج قوله في مستهل الاجتماع “يجب أن نفكر في كيفية الوصول إلى السلام وإنهاء الحرب وتقديم تنازلات سلام مؤلمة”.

وأضاف قائلا “السراج تحدث وكأنه هو من بدأ الحرب وأنه هو من يملك قرار إنهائها، كما انه طلب من وزرائه طرح تصورات للسلام لأن الحرب طالت ويجب الخروج منها بأقل خسائر”. وكشف الشح عن حدوث خلاف داخل الاجتماع تخلله اعتراض من بعض أعضاء الحكومة عن هذا الطرح الذي وصفه بالترويضي من السراج وسيالة.

وأكد أن وزير الداخلية فتحي باشاآغا كان أول من اعترض على هذا الطرح واعتبره استهانة بدماء من يقاتلون في الميدان. وليست هذه المرة الأولى التي تخرج فيها خلافات حكومة الوفاق إلى العلن حيث سبق أن اتهمت قيادات محسوبة على الإسلاميين السراج وفريقه بعدم الجدية في التعاطي مع معركة تحرير طرابلس مستندين في ذلك إلى رفضه تمويل جبهات القتال.

وقال عضو مجلس النواب علي التكبالي إن ميليشيات فجر ليبيا تحضر نفسها للهجوم على العاصمة طرابلس ثانية وسرقة مؤسسات الدولة، مستندا في ذلك على ما وصفه بـ”الهجوم المركز من قبل هذه الميليشيات على رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج”.

وأوضح في تصريحات صحافية أن الذين يقودون مدينة مصراتة هم عكس التيار، اجتمعوا لإعادة عملية “فجر ليبيا” وتوحيد ما أسماه بـ“الحشد الظالم” من مصراتة إلى رأس جدير لمجابهة الجيش.ؤ

عن "العرب" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



تصاعد سخط الأتراك من أردوغان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

ياوز بيدر

تمر تركيا بمرحلة حرجة تاريخياً فيما يتعلق بحاضرها ومستقبلها. يتركز جزء كبير من النقاش على سؤال حاسم: هل يستطيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعزيز سلطته حول شخصه والكوادر الموالية له أم أنه سيواجه صعوبات متزايدة في ضمان السيطرة على المؤسسات الرئيسة؟

في ظل الافتقار الواضح لاستراتيجية الخروج بالنسبة له وسط تعمق "أزمة النظام" في تركيا، يبدو السؤال مستعصياً على الحل. يكتنف الغموض الوضع بشكل لم يسبق له مثيل بالنسبة لتركيا وطبقتها السياسية.

ما يفاقم المعضلة نوع التوازن بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه الأصغر حزب الحركة القومية من جهة وبين كتلة المعارضة من جهة أخرى.

وأشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة متروبول التي تتخذ من أنقرة مقراً لها، وهي إحدى مؤسسات استطلاعات الرأي القليلة الموثوقة، إلى أن تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يحظى بنسبة تأييد تبلغ 51 في المئة في حين لا يحصل حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي العلماني على أكثر من 25 في المئة. وتراجع شريكه المعارض القومي، الحزب الصالح، لأقل من الحد الأدنى البالغ 10 في المئة اللازم لدخول البرلمان وتشير استطلاعات الرأي إلى أن تأييد حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد يزيد قليلاً على 11 في المئة.

وتختمر حالة من السخط وسط الناخبين بسبب المصاعب الاقتصادية. وأولئك الذين يعارضون التحركات لإرسال قوات إلى ليبيا تزيد نسبتهم قليلاً عن 50 في المئة. ويمثل مشروع قناة إسطنبول المثير للجدل قضية أخرى لا يبدو أنها تقنع أعداداً كبيرة من الناخبين في منطقة بلدية إسطنبول الكبرى الضخمة.

ومع ذلك، قال مدير مؤسسة متروبول أوزر سنكار لموقع (أحوال تركية) إن كتلة "الناخبين المعنية" داخل حزب العدالة والتنمية ليست مقتنعة بما تقدمه المعارضة كبديل سياسي.

وهذا يمثل خبراً ساراً لأردوغان. هذا يتيح له الوقت لبناء مستقبل لصالحه، ولكن كما توضح قناة إسطنبول وليبيا وشرق المتوسط، يبدو أن عقلية "تصرف أولاً وفكر لاحقاً"، لا تحفز البيروقراطية في أنقرة ويتزايد الشعور باليأس.

وعبر زعيم المعارضة الرئيسة في تركيا، كمال كليجدار أوغلو، عن "مخاوف مؤسسية عميقة" في اجتماع مع الصحفيين في الآونة الأخيرة. ولدى كليجدار أوغلو خلفية عميقة الجذور كبيروقراطي في أجهزة الدولة التركية وبالتالي تحظى تصريحاته بأهمية بالغة.

وللمرة الأولى، قال كليجدار أوغلو "اعتماد تركيا على روسيا آخذ في الازدياد. نحن نعتمد على روسيا في 60 في المئة من موارد الطاقة. هذا خطأ. الأهم من ذلك، بدأ (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في صياغة السياسة الخارجية لتركيا. لبوتين القول الفصل في كل من سوريا وليبيا".

في جزء آخر من الاجتماع، ذكرت تقارير أن كليجدار أوغلو قد دق ناقوس الخطر من محاولات أردوغان المستمرة للسيطرة الكاملة على القضاء التركي وإعادة الهيكلة المستمرة للقوات المسلحة التركية.

الجمود في ميزان القوى بين الحكومة وكتل المعارضة في تركيا، إلى جانب برلمان بلا أي صلاحيات، يخلق فراغاً خطيراً قد يؤدي إلى الانهيار ما لم يهتم أردوغان بالدعوات إلى العودة إلى السياسات المسؤولة ويتخلى عن تحركاته العسكرية في المنطقة.

وقد ألقى تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) الضوء على مفترق طرق يشبه حقل الألغام حيث تجد تركيا نفسها. واستند التقرير جزئياً إلى تقييمات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الداخلية وحذر من أن "تحركات تركيا القوية في السياسة الخارجية تشمل دعم الإسلاميين السياسيين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين - وهي جماعة تعتبرها دول خليجية ومصر منظمة إرهابية - ومحاولتها المطالبة بحصة من ثروة النفط والغاز في شرق البحر المتوسط".

على نفس القدر من الأهمية، يقول التقرير المؤلف من 243 صفحة إن الضباط ذوي الرتب المتوسطة في القوات المسلحة التركية يشعرون "بقلق عميق" من عمليات التطهير التي حدثت منذ الانقلاب الفاشل في عام 2016، وقد يؤدي ذلك إلى محاولة مدمرة أخرى. ويضيف التقرير أن أردوغان على دراية بذلك.

وتحدد مؤسسة راند أربعة سيناريوهات تتراوح بين بقاء تركيا جزءاً من التحالف الغربي إلى "فك الارتباط" على نطاق واسع مع تحالفاتها السابقة والانتقال إلى روسيا والصين ولكنها تترك علامة استفهام على خريطة أردوغان نحو عام 2023 - عام المئوية للجمهورية التركية.

الأمر الواضح هو أن سياساته الحازمة والمغامرة والموجهة نحو الأزمة بدأت في مراكمة الطاقة السلبية تحت خطوط الصدع السياسية لأنقرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

صفقة القرن: الجرح النرجسي لسقوط روما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

شادي لويس

في منتصف اكتوبر الماضي، ولدى استقباله رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، في البيت الأبيض، أدلى ترامب بتعليق عن العلاقات الممتدة والعميقة بين بلده والإمبراطورية الرومانية. وتلقف معارضو الرئيس الأميركي، كلمته، للسخرية منه في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، فكيف لبلادهم التي تأسست بعد إنهيار الأمبراطورية بمئات السنين أن تربطها بها علاقات وطيدة؟ لكن من تصدى لهم في الصباح التالي، لم يكونوا مؤيدي ترامب المخلصين كالعادة، بل عدد من المتخصصين في التاريخ وأكاديميين في مجالات في الفلسفة والآداب. فالولايات المتحدة، بحسبهم، تتشارك مع الإمبراطورية الرومانية في الكثير من القضايا، الثقافة والقانون والفنون وغيرها، وهي بالأحرى وريثتها. وفي كل مرجع أساس عن الحضارة الغريبة، لا شك ستكون هناك إشارة واحدة على الأقل لأصولها اليهودية-اليونانية، الصيغة العلمانية الخجولة لقول الأصول المسيحية، الديانة ذات الجذور المتشابكة للإبراهيمية وفلسفة أثينا، تلك التي لم يكن لها أن تنتشر سوى في ظل العالم الروماني، حتى حكمته بعد هذا، وأضحت لغتها المقدسة هي لغته، اللاتينية، وكرسي باباواتها عاصمته.

تقود الإيديولوجيا، ترامب، أكثر من غيره من سابقيه المعاصرين، على العكس مما يمكن ادعاؤه عن براغماتية سياساته. يفعل ذلك بكثير من التشوش والتناقض بلا شك، لكن بإخلاص مثالي. يؤمن الرئيس الأميركي ودائرته المقربة، مثل الأميركيين الأوائل، بأن الولايات المتحدة هي أورشليم الثانية وأثينا الجديدة، وريثة الأمبراطورية، في عظمتها، لكن وفي جرح هزيمتها أيضا، وانهيارها أمام البرابرة.

أمس، أعلن ترامب، وإلى جانبه نتناياهو، "صفقة القرن". في وقوفهما، كانا جريحَين، ويواجهان المحاكمة في بلديهما. الأول على وشك خوض معركة صعبة لإعادة انتخابه، والثاني فشل للمرة الثانية -خلال بضعة شهور- لتشكيل حكومة قابلة للحياة. تذهب وكالات الأنباء وبعض محللي وسائل الإعلام، إلى أن الخطوة جاءت لإنقاذ الرجلَين من الأزمات الداخلية. لعل ذلك يكون صحيحاً بخصوص التوقيت، لكن الخطة والترتيب لحشد الدعم، سابق على هذا كله بالطبع. كان الوعد بإعلان القدس الموحدة عاصمةً أبدية لإسرائيل، واحداً من وعود ترامب الإنتخابية، في الأغلب منذ اليوم الأول لحملته.

يمكن بالطبع ربط الخطة باللوبي الكنسي الايفانجليكي، المؤثر والجماهيري والذي ربح ترامب دورته الأولى بسبب دعمه، ولا تصعب أيضاً مقارنة التاريخ الاستيطاني القائم على الإبادة العرقية التوسعية للولايات المتحدة، مع إسرائيل. فالفلسطينيون هم "هنود إسرائيل"، وهذا كله يبدو منطقياً ومفهوماً. لكن، وفي القلب من هذا كله، يمكن لنا أن نتبين تلك التيمة المشتركة، والواصلة كخيط رفيع بين كل سياسات ترامب، وخطاب اليمين الأبيض إجمالاً، ذلك الشعور المفرط والواقعي تماماً بالقوة المطلقة، مخلوطاً في الوقت ذاته بشعور عميق بالغبن. يدرك ترامب ونتنياهو إن ما أعلناه ليس سوى تحصيل حاصل، ولا يسعيان فيه للبحث عن شركاء، بل هو مجرد إملاء قسري من أعلى، إعلان من طرف واحد، المنتصر المطلق، كما يشير كوشنر لحروب إسرائيل التي انتصرت فيها جميعاً. بحكم الأمر الواقع، والحقائق التي فرضها المنتصر بالفعل، ولعقود. لكن ترامب، مع هذا كله، يطالب الفلسطينيين بالاعتذار عن النكبة.

ما يُلقى جانباً هنا، ويدهس، ليس حقوق الفلسطينيين، فهذا تم سحقه منذ زمن بعيد. ما يلقيه ترامب وراء ظهره، هو كل تلك الخطابات والمؤسسات والعمليات الناعمة والصورية والمتراكمة لتغليف القوة والعنف، لغة القانون الدولي العاجزة وإجراءات التفاوض الطويلة التي لا تخدم سوى ترسيخ الأمر الواقع والتعاون الأمني وتوسيع الاستيطان وعزل غزة وحصارها. هذا كله، لم يعد ضرورياً، طالما أن الهزيمة أصبحت ساحقة، لكن ترامب ويمينه يلقيها أيضاً لأنه يمقتها. يحتقر ترامب ومؤيدوه، تلك المعايير "الليبرالية"، بوصفها لينة ومخنثة وملتوية، من أول الصوابية السياسية، إلى العولمة، تنازل للسود والأقليات والمختلفين جنسياً، على حساب الرجل الأبيض والغيري والأمم الغربية. وهكذا، فإن الشعور العميق بالغبن، مع إيمان قوي بالاستحقاق، يجعل ترامب يكرر، بأن كل اتفاقية للتجارة بين بلده وغيرها هي اتفاقية ظالمة للولايات المتحدة، التي استُغلتْ من قبل شركائها البعيدين بل وحلفائها الأقرب.

كما في حروبه التجارية، لا تأتي "صفقة القرن" لتحقيق ربح ما، فلا يمكن في الحقيقة تحقيق ٍأكثر مما هو قائم بالفعل. فالأمر لا يتعدى استعراضاً لكبرياء مخدوش، تعويض مهانة أن يكون الرئيس السابق رجلاً ملوناً، وأن تُرغم على التظاهر بمعاملة المثليّ كنَدٍّ، أن تتظاهر بأنك تتفاوض مع فلسطيني، بل وبأن المهزوم له حقوق. وفي وسط هذا كله، يكمن الخوف الهوسي والتاريخي الصامت من إنهيار الإمبراطورية، من مثال روما التي سقطت، بعدما فقدت خشونتها وبطشها.

عن "المدن"

للمشاركة:

ليبيا وإغلاق القبائل لحقول النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

جبريل العبيدي

إغلاقُ حقولِ النفط الليبية كانَ الخيار الأصعبَ أمام القبائل الليبية، لوقف إهدار الأموال الليبية، وهي ترى ثروتَها السياديةَ تُنْهبُ من دون رادعٍ، بل ويتمُّ استخدامُها لجلب المرتزقة لقتل أبناء الشعب الليبي من قبل حفنة من العملاء الذين تشبثوا في كراسي السلطة التي جاءوها في غفلة من الزمن ورفضوا مغادرتها.
ليبيا تمتلكُ ثروةً نفطيةً ضخمة، وهي تطفو على بحيرة من النفط، إذ يُعدُّ الاحتياطي العالمي الخامس في العالم، كما تعتبر ذات الاحتياط النفطي الأكبر على المستوى الأفريقي، لكنها ثروة تستنزف وتنهب صباح مساء، وبطرق متعددة، خصوصاً في ظل هذه الفوضى العارمة التي استأصلت كل شيء، ولا أحد يرغب في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي بالتنمية المستدامة، والتخلص من سياسة الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، مما جعلها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة متراكمة حتى أصبحت ثروة النفط فيها «لعنة»، وهي التي وراء التدخل العسكري، الذي أسقط الدولة والنظام معاً، وتسبب في حالة فوضى لا تزال تنشط في ليبيا منذ عام 2011، حيث كان التدخل بحجة حماية المدنيين عبر قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي نراها لا تنفذ في كثير من دول العالم.
حقول وموانئ النفط تعرضت في محاولات سابقة للسيطرة والاستحواذ عليها، فنشبت معارك ومحاولات الاستيلاء على الهلال النفطي، باستخدام ميليشيات جماعات الإسلام السياسي، مثل «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وهي تحالف من المقاتلين لهم صلات مع تنظيم «أنصار الشريعة»، المبايع لـ«داعش»، وقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على الحقول، قبل أن يحررها الجيش الوطني الليبي، ولكن بقيت المشكلة في المؤسسة الوطنية للنفط الموكل إليها بيع النفط وتصديره والتي تودع الأموال في البنك المركزي في طرابلس الذي تسيطر عليها الميليشيات وتستخدم عائدات النفط في تمويل إرهابها وسرقة المال العام، مما تسبب في غضب القبائل في حوض النفط، فاجتمعت وقررت إغلاق حقول وموانئ النفط إلى حين إيجاد قيادة رشيدة تحسن التصرف في عائدات النفط، وقد قال أحد مشايخ القبائل التي أغلقت حقول وموانئ النفط شيخ مشايخ قبيلة أزوية، السنوسي الحليق، معلقاً عن أسباب الإغلاق: «إن القبائل الليبية خلال اجتماعها في الزويتينة، أعلنت عدة مطالب من أجل إعادة فتح الحقول النفطية، على رأسها إسقاط الاعتراف بحكومة الوفاق، التي تستغل موارد النفط وإيراداته لجلب المرتزقة وتمويلهم. أيضاً نطالب بتغيير محافظ المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة».
التلاعب بإيرادات النفط كان وراء مقتل خبير النفط الليبي شكري غانم، الذي يعتبر الصندوق الأسود للنفط الليبي، والذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بـ«الميت الذي ما زال يتكلم»، وكان قد قتل إغراقاً في نهر الدانوب، عقب إسقاط نظام القذافي، لإغلاق ملف عوائد النفط، ليسهل التلاعب فيها، فالتلاعب ونهب عائدات النفط كان وما زال مستمراً، ولكن أن تتحول هذه العوائد إلى تمويل مرتزقة أجانب لقتل أبناء القبائل، وخاصة تلك التي يخرج النفط من تحت أقدامها هو الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية للاجتماع، وإغلاق حقول النفط وموانئه لحين ترشيد التوزيع العادل للثروة الوطنية، حيث يباع النفط في غياب تام وواضح لأي مقاييس وضوابط ومحددات، مما يجعل الشك والريبة موضع افتراض بيع النفط، والتصرف فيه من دون رقيب أو حسيب، كما تقتضي معايير النزاهة والشفافية، يعتبر خرقاً واضحاً وتبديداً وإهداراً للثروة الوطنية في اتجاه مجهول، وقد يتسبب في احتقان شعبي قد يسير في اتجاهات تهدد السلم الاجتماعي.
ولئلا يستمر هذا يقول مشايخ القبائل: «إلى أن يصبح لدينا حكومة وطنية دستورية، فليبقَ النفط قابعاً تحت الأرض، أفضل من لعنة بيعه وتمويل المرتزقة والميليشيات به».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:



الإمارات تطمئن المواطنين والمقيمين..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

أعلنت وزارة الصحة الإماراتية، اليوم، تفاصيل جديدة بشأن العائلة التي أصيب أفرادها بفيروس "كورونا" الجديد.

وأوضحت الوزارة، في بيان نشرته وكالة "وام"؛ أنّ "عدد الأشخاص المصابين أربعة، وهم أفراد من عائلة واحدة، وجميعهم في حالةٍ مستقرة؛ حيث تمّ احتواؤهم باتباع أقصى الإجراءات الاحترازية الضرورية المعتمدة عالمياً عند التعامل مع الحالات المصابة".

وزارة الصحة: عدد الأشخاص المصابين هم 4 أفراد من عائلة صينية قدمت من مدينة ووهان وهم الآن في حالةٍ مستقرة

وطمأنت الوزارة الجمهور حول الوضع الصحي العام، وتؤكّد أنّ "المتابعة مستمرة على مدار الساعة، ونصحت المواطنين والمقيمين كافة بالتقيد بالإرشادات الصحية العامة، مشيرة إلى أنّها "تقوم بالتنسيق مع جميع الهيئات والجهات الصحية المعنية في الدولة، التي اتخذت الإجراءات الاحترازية اللازمة، وفق التوصيات العلمية والشروط والمعايير المعتمدة من منظمة الصحة العالمية، وأنّ الجهات الصحية كافة تعمل على مدار الساعة لرصد ومراقبة الوضع الصحي العام".

وفي وقت سابق، الأربعاء؛ أعلنت الوزارة تشخيص حالة إصابة بفيروس "كورونا" الجديد لأشخاص من عائلة واحدة، قادمين من مدينة ووهان، معقل المرض في الصين، مؤكّدة أنّ "الحالة الصحية للمصابين مستقرة وتحت الملاحظة الطبية".

ويواصل فيروس "كورونا" الجديد حصد الأرواح؛ حيث بلغت حصيلة ضحاياه 132، في الوقت الذي تسعى فيه دول العالم جاهدة لإجلاء رعاياها من ووهان، بؤرة تفشي الفيروس.

وسجلت السلطات الصحية في الصين 5974 إصابة بفيروس "كورونا" المستجد، بزيادة قدرها 1400 عن اليوم السابق، حسبما ذكرت "فرانس برس".

 

للمشاركة:

مجلس حقوق الإنسان يراجع الملف التركي.. هذه توصيات الدول

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

وجّهت عدّة دول انتقادات حادة للحكومة التركية بسبب قمع المواطنين، وسلّطت الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، خلال اجتماع عقد أمس بمدينة جنيف، للفحص الدوري الشامل لملف تركيا الحقوقي خلال 5 أعوام، الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها تركيا، وكذلك قدمت منظمات المجتمع المدني في تركيا شكاوى من تدخلات وقمع السلطات، وفق ما أوردت صحيفة "زمان".

وطرحت الاجتماعات عدة أسئلة على تركيا حول وضع 130 شخصاً تمّ فصلهم من العمل بقوانين الطوارئ، وكذلك عمليات التعذيب والاختفاء القسري، التي تزايدت في أعقاب محاولة انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016.

مجلس حقوق الإنسان يسلّط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان التي تشهدها تركيا

 

ووردت عدة توصيات من الدول الأعضاء لتركيا بخصوص حقوق الإنسان؛ حيث طالبت ايطاليا تركيا بوقف الحملة القمعية ضدّ الصحفيين ونشطاء حقوق الإنسان، أما بلغاريا فقد حثّت تركيا على احترام حقوق الرأي والتعبير على الفضاء الإلكتروني وعلى أرض الواقع.

بدورها، طالبت لبنان تركيا بضرورة باحترام حقوق الأقليات واللاجئين داخل أراضيها، كما طالبت تركيا بمراجعة التشريعات التي تقيّد حرية الرأي والتعبير.

أما آيسلندا؛ فقد دانت القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي ونشر خطاب الكراهية في تركيا.

من جانبها، أوصت الأوكوادور تركيا بتعديل الصورة النمطية للمرأة التركية في المجتمع التركي مع محاربة الاتّجار بالبشر.

أما الهند؛ فقد أكدت في توصيتها على ضرورة أن تتبنّى تركيا قانوناً لمكافحة الاتجار بالبشر، فيما التزم مندوب ليبيا الصمت أثناء جلسة استعراض حقوق الإنسان في تركيا.

دول تطالب تركيا بوقف الحملات القمعية واحترام حقوق الرأي وبالتحقيق في قضايا التعذيب بالسجون

من جهتها، طالبت مصر تركيا بالتحقيق الفوري في قضايا التعذيب بالسجون، ووقف تدخّل السلطة التنفيذية في أعمال السلطات الأخرى.

كما طالبت بولندا تركيا باحترام حرية الرأي والتعبير وحرية العقيدة، وفق القواعد الدولية، كما تدين العنف والتمييز ضدّ المرأة والأطفال في تركيا.

وطالبت كلّ من كندا وتشيلي تركيا بضرورة الفصل بين جميع السلطات والانضمام إلى اتفاقية الاختفاء القسري.

وتعاني تركيا، منذ تموز (يوليو) 2016، تدهوراً شديداً في حالة حقوق الإنسان، بعد استهداف حكومة العدالة والتنمية للأحزاب والجماعات المعارضة بحملات اعتقال وانتهاكات كثيرة، تصاعدت في ظلّ فرض حالة الطوارئ عقب الانقلاب ولمدة عامين.

وخلال فترة الطوارئ؛ تمّ اعتقال أكثر من 35 ألف شخص، وفصل من العمل أكثر من 130 ألف شخص بتهمة دعم الانقلاب، وفرّ الآلاف إلى خارج البلاد هرباً من الملاحقات القانونية.

 

 

للمشاركة:

إيران تكمّم أفواه أهالي ضحايا الطائرة الأوكرانية.. هذا ما فعلته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

تحاول جمهورية إيران تكميم أفواه عائلات ضحايا الطائرة الأوكرانية، للتهرّب من دفع التعويضات، وإجبارهم على السكوت عن حقوقهم، سواء بالترهيب أو الترغيب.

ومنع مسؤولو مطار طهران الدولي أسر الضحايا من السفر إلى كندا، لحضور الجنازات ومراسم التأبين، رغم إصدار كندا تأشيرات تسمح لهم بدخول أراضيها، وفقاً لموقع "إيران إنترناشونال".

وأكّد حميد إسماعيليون، طبيب أسنان وكاتب إيراني مقيم في كندا، فقد زوجته وابنه في الحادث؛ أنّه لم يسمَح له بالخروج من المطار، وكتب على صفحته في فيسبوك: "أيها الموظف الحقير في مطار طهران، الذي لا يملك ذرّة تعاطف، اسمح لأفراد الأسرة بمغادرة البلاد بسهولة للمشاركة في الجنازة".

السلطات الايرانية تمنع أسر الضحايا من السفر إلى كندا لحضور الجنازات ومراسم التأبين

كما كشف جواد سليماني، الذي فقد زوجته في الحادثة، أنّ أسر الضحايا تلقوا تهديدات من الحكومة الإيرانية، وأكد أنّه تمّ استدعائه من قبل الأجهزة الأمنية ووزارة الاستخبارات، مشيراً إلى أنّه تلقى رسالة يوم تأبين زوجته "أغلق فمك هذا هو التحذير الأول والأخير".

وكانت الحكومة الكندية قد أعلنت، في وقت سابق، أنّها ستصدر تأشيرات لأسر وأقارب ضحايا الطائرة، من مواطني كندا أو المقيمين بها، لمساعدتهم في حضور مراسم الجنازة والتأبين.

يذكر أنّ عدداً من أسر الضحايا رفعوا دعاوى قضائية ضدّ إيران، في محكمة أونتاريو في كندا.

زوج إحدى الضحايا تلقى تهديدات من الحكومة الإيرانية ورسالة تقول "أغلق فمك"

ووجهت الدعاوى الاتهام إلى المرشد الإيراني، علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري، حسين سلامي، ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، محمد باقري، وقائد القوات الجوية للحرس الثوري، أمير حاجي زاده، ، تحت عنوان " الإرهابي المسؤول عن إسقاط الطائرة الأوكرانية".

وكانت إيران قد اعترفت بإسقاط الطائرة الأوكرانية، في مطلع الشهر الجاري، بصاروخين أطلقهما الحرس الثوري، مما أسفر عن وفاة 176 راكباً.

 

 

للمشاركة:



تصاعد سخط الأتراك من أردوغان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

ياوز بيدر

تمر تركيا بمرحلة حرجة تاريخياً فيما يتعلق بحاضرها ومستقبلها. يتركز جزء كبير من النقاش على سؤال حاسم: هل يستطيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعزيز سلطته حول شخصه والكوادر الموالية له أم أنه سيواجه صعوبات متزايدة في ضمان السيطرة على المؤسسات الرئيسة؟

في ظل الافتقار الواضح لاستراتيجية الخروج بالنسبة له وسط تعمق "أزمة النظام" في تركيا، يبدو السؤال مستعصياً على الحل. يكتنف الغموض الوضع بشكل لم يسبق له مثيل بالنسبة لتركيا وطبقتها السياسية.

ما يفاقم المعضلة نوع التوازن بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وشريكه الأصغر حزب الحركة القومية من جهة وبين كتلة المعارضة من جهة أخرى.

وأشار استطلاع للرأي أجرته مؤسسة متروبول التي تتخذ من أنقرة مقراً لها، وهي إحدى مؤسسات استطلاعات الرأي القليلة الموثوقة، إلى أن تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية يحظى بنسبة تأييد تبلغ 51 في المئة في حين لا يحصل حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي العلماني على أكثر من 25 في المئة. وتراجع شريكه المعارض القومي، الحزب الصالح، لأقل من الحد الأدنى البالغ 10 في المئة اللازم لدخول البرلمان وتشير استطلاعات الرأي إلى أن تأييد حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد يزيد قليلاً على 11 في المئة.

وتختمر حالة من السخط وسط الناخبين بسبب المصاعب الاقتصادية. وأولئك الذين يعارضون التحركات لإرسال قوات إلى ليبيا تزيد نسبتهم قليلاً عن 50 في المئة. ويمثل مشروع قناة إسطنبول المثير للجدل قضية أخرى لا يبدو أنها تقنع أعداداً كبيرة من الناخبين في منطقة بلدية إسطنبول الكبرى الضخمة.

ومع ذلك، قال مدير مؤسسة متروبول أوزر سنكار لموقع (أحوال تركية) إن كتلة "الناخبين المعنية" داخل حزب العدالة والتنمية ليست مقتنعة بما تقدمه المعارضة كبديل سياسي.

وهذا يمثل خبراً ساراً لأردوغان. هذا يتيح له الوقت لبناء مستقبل لصالحه، ولكن كما توضح قناة إسطنبول وليبيا وشرق المتوسط، يبدو أن عقلية "تصرف أولاً وفكر لاحقاً"، لا تحفز البيروقراطية في أنقرة ويتزايد الشعور باليأس.

وعبر زعيم المعارضة الرئيسة في تركيا، كمال كليجدار أوغلو، عن "مخاوف مؤسسية عميقة" في اجتماع مع الصحفيين في الآونة الأخيرة. ولدى كليجدار أوغلو خلفية عميقة الجذور كبيروقراطي في أجهزة الدولة التركية وبالتالي تحظى تصريحاته بأهمية بالغة.

وللمرة الأولى، قال كليجدار أوغلو "اعتماد تركيا على روسيا آخذ في الازدياد. نحن نعتمد على روسيا في 60 في المئة من موارد الطاقة. هذا خطأ. الأهم من ذلك، بدأ (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في صياغة السياسة الخارجية لتركيا. لبوتين القول الفصل في كل من سوريا وليبيا".

في جزء آخر من الاجتماع، ذكرت تقارير أن كليجدار أوغلو قد دق ناقوس الخطر من محاولات أردوغان المستمرة للسيطرة الكاملة على القضاء التركي وإعادة الهيكلة المستمرة للقوات المسلحة التركية.

الجمود في ميزان القوى بين الحكومة وكتل المعارضة في تركيا، إلى جانب برلمان بلا أي صلاحيات، يخلق فراغاً خطيراً قد يؤدي إلى الانهيار ما لم يهتم أردوغان بالدعوات إلى العودة إلى السياسات المسؤولة ويتخلى عن تحركاته العسكرية في المنطقة.

وقد ألقى تقرير صادر عن مؤسسة الأبحاث والتطوير (راند) الضوء على مفترق طرق يشبه حقل الألغام حيث تجد تركيا نفسها. واستند التقرير جزئياً إلى تقييمات وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) الداخلية وحذر من أن "تحركات تركيا القوية في السياسة الخارجية تشمل دعم الإسلاميين السياسيين المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين - وهي جماعة تعتبرها دول خليجية ومصر منظمة إرهابية - ومحاولتها المطالبة بحصة من ثروة النفط والغاز في شرق البحر المتوسط".

على نفس القدر من الأهمية، يقول التقرير المؤلف من 243 صفحة إن الضباط ذوي الرتب المتوسطة في القوات المسلحة التركية يشعرون "بقلق عميق" من عمليات التطهير التي حدثت منذ الانقلاب الفاشل في عام 2016، وقد يؤدي ذلك إلى محاولة مدمرة أخرى. ويضيف التقرير أن أردوغان على دراية بذلك.

وتحدد مؤسسة راند أربعة سيناريوهات تتراوح بين بقاء تركيا جزءاً من التحالف الغربي إلى "فك الارتباط" على نطاق واسع مع تحالفاتها السابقة والانتقال إلى روسيا والصين ولكنها تترك علامة استفهام على خريطة أردوغان نحو عام 2023 - عام المئوية للجمهورية التركية.

الأمر الواضح هو أن سياساته الحازمة والمغامرة والموجهة نحو الأزمة بدأت في مراكمة الطاقة السلبية تحت خطوط الصدع السياسية لأنقرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

صفقة القرن: الجرح النرجسي لسقوط روما

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

شادي لويس

في منتصف اكتوبر الماضي، ولدى استقباله رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبي كونتي، في البيت الأبيض، أدلى ترامب بتعليق عن العلاقات الممتدة والعميقة بين بلده والإمبراطورية الرومانية. وتلقف معارضو الرئيس الأميركي، كلمته، للسخرية منه في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الإجتماعي، فكيف لبلادهم التي تأسست بعد إنهيار الأمبراطورية بمئات السنين أن تربطها بها علاقات وطيدة؟ لكن من تصدى لهم في الصباح التالي، لم يكونوا مؤيدي ترامب المخلصين كالعادة، بل عدد من المتخصصين في التاريخ وأكاديميين في مجالات في الفلسفة والآداب. فالولايات المتحدة، بحسبهم، تتشارك مع الإمبراطورية الرومانية في الكثير من القضايا، الثقافة والقانون والفنون وغيرها، وهي بالأحرى وريثتها. وفي كل مرجع أساس عن الحضارة الغريبة، لا شك ستكون هناك إشارة واحدة على الأقل لأصولها اليهودية-اليونانية، الصيغة العلمانية الخجولة لقول الأصول المسيحية، الديانة ذات الجذور المتشابكة للإبراهيمية وفلسفة أثينا، تلك التي لم يكن لها أن تنتشر سوى في ظل العالم الروماني، حتى حكمته بعد هذا، وأضحت لغتها المقدسة هي لغته، اللاتينية، وكرسي باباواتها عاصمته.

تقود الإيديولوجيا، ترامب، أكثر من غيره من سابقيه المعاصرين، على العكس مما يمكن ادعاؤه عن براغماتية سياساته. يفعل ذلك بكثير من التشوش والتناقض بلا شك، لكن بإخلاص مثالي. يؤمن الرئيس الأميركي ودائرته المقربة، مثل الأميركيين الأوائل، بأن الولايات المتحدة هي أورشليم الثانية وأثينا الجديدة، وريثة الأمبراطورية، في عظمتها، لكن وفي جرح هزيمتها أيضا، وانهيارها أمام البرابرة.

أمس، أعلن ترامب، وإلى جانبه نتناياهو، "صفقة القرن". في وقوفهما، كانا جريحَين، ويواجهان المحاكمة في بلديهما. الأول على وشك خوض معركة صعبة لإعادة انتخابه، والثاني فشل للمرة الثانية -خلال بضعة شهور- لتشكيل حكومة قابلة للحياة. تذهب وكالات الأنباء وبعض محللي وسائل الإعلام، إلى أن الخطوة جاءت لإنقاذ الرجلَين من الأزمات الداخلية. لعل ذلك يكون صحيحاً بخصوص التوقيت، لكن الخطة والترتيب لحشد الدعم، سابق على هذا كله بالطبع. كان الوعد بإعلان القدس الموحدة عاصمةً أبدية لإسرائيل، واحداً من وعود ترامب الإنتخابية، في الأغلب منذ اليوم الأول لحملته.

يمكن بالطبع ربط الخطة باللوبي الكنسي الايفانجليكي، المؤثر والجماهيري والذي ربح ترامب دورته الأولى بسبب دعمه، ولا تصعب أيضاً مقارنة التاريخ الاستيطاني القائم على الإبادة العرقية التوسعية للولايات المتحدة، مع إسرائيل. فالفلسطينيون هم "هنود إسرائيل"، وهذا كله يبدو منطقياً ومفهوماً. لكن، وفي القلب من هذا كله، يمكن لنا أن نتبين تلك التيمة المشتركة، والواصلة كخيط رفيع بين كل سياسات ترامب، وخطاب اليمين الأبيض إجمالاً، ذلك الشعور المفرط والواقعي تماماً بالقوة المطلقة، مخلوطاً في الوقت ذاته بشعور عميق بالغبن. يدرك ترامب ونتنياهو إن ما أعلناه ليس سوى تحصيل حاصل، ولا يسعيان فيه للبحث عن شركاء، بل هو مجرد إملاء قسري من أعلى، إعلان من طرف واحد، المنتصر المطلق، كما يشير كوشنر لحروب إسرائيل التي انتصرت فيها جميعاً. بحكم الأمر الواقع، والحقائق التي فرضها المنتصر بالفعل، ولعقود. لكن ترامب، مع هذا كله، يطالب الفلسطينيين بالاعتذار عن النكبة.

ما يُلقى جانباً هنا، ويدهس، ليس حقوق الفلسطينيين، فهذا تم سحقه منذ زمن بعيد. ما يلقيه ترامب وراء ظهره، هو كل تلك الخطابات والمؤسسات والعمليات الناعمة والصورية والمتراكمة لتغليف القوة والعنف، لغة القانون الدولي العاجزة وإجراءات التفاوض الطويلة التي لا تخدم سوى ترسيخ الأمر الواقع والتعاون الأمني وتوسيع الاستيطان وعزل غزة وحصارها. هذا كله، لم يعد ضرورياً، طالما أن الهزيمة أصبحت ساحقة، لكن ترامب ويمينه يلقيها أيضاً لأنه يمقتها. يحتقر ترامب ومؤيدوه، تلك المعايير "الليبرالية"، بوصفها لينة ومخنثة وملتوية، من أول الصوابية السياسية، إلى العولمة، تنازل للسود والأقليات والمختلفين جنسياً، على حساب الرجل الأبيض والغيري والأمم الغربية. وهكذا، فإن الشعور العميق بالغبن، مع إيمان قوي بالاستحقاق، يجعل ترامب يكرر، بأن كل اتفاقية للتجارة بين بلده وغيرها هي اتفاقية ظالمة للولايات المتحدة، التي استُغلتْ من قبل شركائها البعيدين بل وحلفائها الأقرب.

كما في حروبه التجارية، لا تأتي "صفقة القرن" لتحقيق ربح ما، فلا يمكن في الحقيقة تحقيق ٍأكثر مما هو قائم بالفعل. فالأمر لا يتعدى استعراضاً لكبرياء مخدوش، تعويض مهانة أن يكون الرئيس السابق رجلاً ملوناً، وأن تُرغم على التظاهر بمعاملة المثليّ كنَدٍّ، أن تتظاهر بأنك تتفاوض مع فلسطيني، بل وبأن المهزوم له حقوق. وفي وسط هذا كله، يكمن الخوف الهوسي والتاريخي الصامت من إنهيار الإمبراطورية، من مثال روما التي سقطت، بعدما فقدت خشونتها وبطشها.

عن "المدن"

للمشاركة:

لماذا يتظاهر الإيرانيون ضد النظام وهل ينجحون في إسقاطه؟

2020-01-29

ترجمة: علي نوار


عادت التظاهرات لتعمّ أرجاء المدن الإيرانية من جديد في 11 كانون الثاني (يناير) الجاري، في أعقاب اعتراف حكومة الجمهورية الإسلامية بإسقاطها "عن طريق الخطأ" لطائرة ركاب.

مستوى الوعي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي

تعود الأحداث إلى اغتيال الولايات المتحدة لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يوم الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020، وجاءت ردّة الفعل الإيرانية متمثّلة في الهجوم بالصواريخ على ثلاث قواعد عسكرية أمريكية، على الأقل، في الأراضي العراقية. كانت حصيلة هذا الهجوم هي عدم سقوط أي جندي أمريكي قتيلاً. لكن وبعدها بعدّة أيام سقطت طائرة الرحلة رقم 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية من قبل قوات الحرس الثوري في عمل غريب بعد الاشتباه في كونها طائرة معادية. كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً يحملون جنسيات سبع دول مختلفة.

كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً

لقد حاول النظام الإيراني استغلال مقتل سليماني لتعزيز أركانه على المستوى الداخلي. وبالفعل ظهر عدد لا حصر له من اللافتات المطبوعة خصيصاً لهذا الحدث والتي تصف سليماني بـ"شهيد" و"بطل" وظهرت في جميع أنحاء البلاد بعد ساعات قليلة من مصرعه. ونُظّمت المسيرات الجنائزية في عدد من المدن العراقية والإيرانية على حدّ سواء. تحدّثت الصحافة العالمية عن آلاف، بل ملايين المُشيّعين، وأجرت مقابلات مع شباب ونساء يذرفون الدمع داخل ما يشبه نقاط بُكاء جماعية تتّشح بالسواد كلها. أما الأصوات الناقدة للقيادي العسكري والنظام الإيراني بأسره فلم تجد مكاناً لها سوى داخل أبواق النخبة الإعلامية من جانب اليمين تحديداً والمحافظين في جميع الدول الأخرى حيث وصفوا سليماني بـ"إرهابي".

ضرب طائرة الركّاب

وبينما كان شخص يصوّر من ضواحي مدينة برند في تلك الليلة بهاتفه المحمول لحظة اصطدام الصاروخ بطائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، حاول النظام الإيراني وعلى مدار ثلاثة أيام تالية إنكار الأمر. واعتبرت جميع القطاعات سواء المحافظين المتشدّدين أو الإصلاحيين في إيران، ووسائل الإعلام الروسية والباحثون والخبراء "المحايدون" في النسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أنّ الحادث نجم عن "عطل فنّي" في الطائرة. رغم أنّ الشخص الذي سجّل الواقعة أُلقي القبض عليه.

اقرأ أيضاً: الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

وتمسّكت سلطات الطيران المدني الإيرانية بإنكار فكرة أنّ الطائرة الأوكرانية طراز "بوينج 737-800" تعرّضت لهجوم بصاروخ، إلّا أنّ مقاطع الفيديو التي صوّرها سكّان برند بهواتفهم المحمولة والضغط الخارجي من جانب آخر، أجبرا النظام على الاعتراف بحقيقة ما وقع في تلك الليلة.

ووفقاً للقيادة العليا الإيرانية، فإنّ طائرة الركّاب الإيرانية اقتربت من موقع مهم لتجارب الصواريخ يتبع الحرس الثوري، الذي التبس عليه الأمر وظنّ أنّها طائرة مقاتلة معادية. كانت جميع القوات في حالة "تأهّب قصوى" تلك الليلة بسبب الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق. تسبّب هذا الوضع في تعرّض الطائرة للقصف "عن طريق الخطأ ودون قصد".

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية

وأخيراً وقبل عدّة أيام، خرج رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف ليعلنا أنّ قوات الحرس الثوري هاجمت "عن طريق الخطأ" الطائرة.

وحتى إقرار النظام الإيراني في النهاية بمسؤوليته عن الحادث الجوي، اتّحد الإصلاحيون والمحافظون في إنكارهم للحقيقة. إلّا أنّه وبعد تكشّف الوقائع عمّا حدث، زادت الفجوة بين المعسكرين بعد لجوء أحدهما لخطّة إقالة روحاني في وقت يعتقد الآخر أنّه ضحية لمؤامرة إصلاحية أو غربية. ويجرى الحديث في الوقت الحالي عن "حرب نفسية من وزارة الدفاع الأمريكية".

وتعبّر ممارسات جناحي النظام عن حالة الازدواجية التي يعاني منها الإصلاحيون على وجه الخصوص. فمن يسمّون أنفسهم بالإصلاحيين كانوا هم نفس الساسة الذين ارتكبوا مذابح بحق آلاف الأشخاص ونفّذوا حملات من القمع والاعتقالات بحق المتظاهرين غير المسلّحين على مرّ الأشهر المنصرمة. لكنّهم وعلى نحو مباغت انضمّوا لمشيّعي المسافرين ضحايا حادث الطائرة. وفي الوقت ذاته، هم أيضاً المسؤولون عن مصرع 1500 شخص في الأسابيع الماضية.

بداية التظاهرات الحاشدة

خرجت الاحتجاجات الجديدة في خمس مدن إيرانية، على الأقل، مؤخّراً هي العاصمة طهران وأصفهان وهمدان ورشت وبابل. كانت بؤرة الحراك هي الجامعات التي تحرّك منها الطلّاب. بعدها امتدّت الاحتجاجات إلى مدن أخرى حيث توجد مقاطع فيديو من سنندج وبانه وأهواز ويزد وسمنان وكرج وتبريز وكرمان وشيراز وآراك وزنجان.

وفي محافظة بلوشستان، التي تناضل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي البلاد، لم تخرج أي تظاهرة نظراً للسيول الجارفة التي تشهدها. إلّا أنّها لا تتلقى أي مساعدات من الحكومة المركزية. وبدلاً من ذلك، يجري حالياً استثمار 200 مليون يورو في تشغيل الصواريخ. وقد أعرب الطلّاب عن تضامنهم مع سكّان بلوشستان الذين يعانون القمع.

اقرأ أيضاً: هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

إنّ التظاهرات تناهض نظام الجمهورية الإسلامية نفسه ويطالب المحتجّون باستقالة الحكومة ورأس السلطة السياسية-الدينية آية الله علي خامنئي في تحوّل جذري خلال أسابيع قليلة حيث كان الناس قبلها يهتفون "لسنا خائفين! نحن متّحدون!"، لكن الهتاف بات الآن موجّهاً ضد أحد أكثر الأجهزة القمعية في إيران "الباسيج" والتي تستقبل شعارات مثل "خافوا منّا لأنّنا متّحدون!" وكذلك "كاذبون!" الذي أصبح يُسمع كثيراً أثناء التظاهرات.

حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس بعناصر الدولة: السلطتان المُنتخبة والدينية والقوات العسكرية النظامية والحرس الثوري

تحمل الهتافات طابعاً سياسياً لا لبس فيه وهي معارضة للنظام بالكامل. وانتهزت الجموع الغاضبة كارثة الطائرة بوصفها فرصة للتعبير عمّا تشعر به من سخط سياسي واجتماعي ضد نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل.

فيما باءت محاولات الإصلاحيين لاحتواء التظاهرات بوعود إجراء استفتاء والإجراءات الإصلاحية بالفشل. وقد قوبل بكاؤهم على ركّاب الطائرة في طهران عبر أكاليل الزهور والشموع بموجة من الانتقادات اللاذعة من قبل المحيطين بهم، وكانت الردود كاسحة مثل "إصلاحيون أو محافظون، انتهى وقتكم" و"يجب تدمير الجمهورية الإسلامية" و"سليماني قاتل". كما ردّد الطلّاب "لا للاستفتاء، لا للإصلاح- إضراب، ثورة" و"من طهران إلى بغداد، بؤس وقمع واستبداد" و"من طهران إلى بغداد نهتف: ثورة!".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

من الواضح تماماً أنّ مستوى الوعي السياسي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي والمذابح والمسار النيوليبرالي الذي أدّى لسقوط أعداد كبيرة من الإيرانيين في براثن الفقر. أصبح كل شيء على المحكّ.

الشباب والنساء في الصفوف الأولى

يمكن ملاحظة عبر الكثير من مقاطع الفيديو المتداولة الشباب يهتفون "الموت للكاذبين" و"أنتم حفنة من القتلة" بشجاعة في وجه قوات الأمن. كما تظهر نساء شابات في الصفوف الأولى ولا يتوانين عن قيادة الهتافات والدخول في سجالات محمومة مع أفراد الأمن في الشوارع.

بل إنّ صور سليماني نفسه كما أظهرت مقاطع فيديو أخرى تُضرب بقوّة عارمة من المتظاهرين ثم تُنتزع وتُسقط أرضاً وسط عاصفة من التصفيق.

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" هو أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ولم يتأخّر ردّ الحكومة طويلاً: قمع على نطاق واسع وعنف مفرط وغاز مسيل للدموع، يحاول النظام مجدّداً حصر الشباب والنساء وجميع المتظاهرين داخل نطاق الخطوط المُحدّدة لهم. ومن جديد يسقط الكثير من المصابين وعدد لا يمكن حصره من المُعتقلين وبينهم الكثير من الطلبة، وتُشاهد في عدد كبير من مقاطع الفيديو كميات مخيفة من الدماء تغطّي الأسفلت.

اقرأ أيضاً: إيران: طريق العودة للواقعية

من الصعب بالتأكيد التكّهن بما إذا كانت الاحتجاجات ستستمر وتتّسع رقعتها كمّاً وكيفاً أم لا، ومستوى القمع الذي قد تصل إليه أجهزة الأمن الإيرانية. لكن الأمر المؤكّد وبكل جلاء هو أنّ هتاف كل متظاهر هو ما يحدّد القدرة على الامتداد والمطالب. ورغم أنّ هذه المظاهرات تقتصر حتى الآن في أغلبها على الطبقة الوسطى، إلّا أنّها تأثّرت باحتجاجات سابقة في الأشهر الماضية. لذا لا ينبغي السماح لأيّ من فصائل النظام السياسي في إيران بامتطائها.

هناك عنصر آخر يشير إلى أنّ الاحتجاجات لن تتوقّف سريعاً مثلما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين قوبلت تلك التظاهرات بالقمع الشديد خاصة وأنّ أغلب المشاركين فيها كانوا من الفقراء والريفيين. بيد أنّ الأمر يختلف كثيراً هذه المرة، فضحايا الطائرة الأوكرانية يحظون بوضع اقتصادي واجتماعي جيّد، فضلاً عن علاقاتهم القوية بالنخبة. لذا فليس من المستبعد أن يطالب ذوو الضحايا بتعويضات ضخمة من الدولة المُنهكة اقتصادياً بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

ومن الواضح أنّ هناك حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس في عناصر الدولة: السلطة المُنتخبة، السلطة الدينية، القوات العسكرية النظامية، الحرس الثوري. وقد وجّه بعض قادة الحرس الثوري الاتهامات للحكومة والقوات المسلّحة بتجاهل طلباتهم بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية- قبل ساعات إسقاط الطائرة الأوكرانية- من في اليوم الذي تقرّر فيه طهران الردّ عسكرياً على مقتل سليماني. من جانبها، تدّعي الحكومة والمرشد الأعلى بأنّهم لم يكونوا على دراية بأي شيء يحدث حتى 10 كانون الثاني (يناير).

على أنّ القطاعات الأكثر اعتدالاً يفترض أن تبدأ في كسب أرضية أكبر. وقد كانت النخبة السياسية الإيرانية حتى الآن تبدو متّفقة على فكرة أنّ التفاوض مع الغرب تحت وطأة الضغط لن يجلب شيئاً سوى مزيد من الإذلال. لكن الظروف تغيّرت الآن. ومن شأن تقارب مع واشنطن أن يعيد وحدة الصف داخل مجتمع يترقّب الانفتاح على العالم، ويسكت مطالب هؤلاء الذين يرون في خامنئي العقبة الكبرى في مسار المفاوضات.

اقرأ أيضاً: اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

وفيما يتعلّق بواشنطن، يعتقد الخبراء أنّه رغم الوقت العصيب الذي يمرّ به النظام الإيراني، فإنّ السياسة التي ينتهجها ترامب لن تؤدّي بسهولة إلى تغيير النظام الحاكم في طهران. فلا يزال الأخير يحظى بدعم شريحة ليست بالهيّنة من الشعب، فضلاً عن أنّ العقوبات الاقتصادية بالكاد أتت بالنتائج المرجوّة، ويبقى السؤال؛ هل ستكون إيران استثناء؟

ورغم حالة الغليان التي وصل لها المجتمع المدني في إيران، لكن المقارنة مع الثورة التي اندلعت عام 1979 لا تزال غير جائزة، حسبما يرى الصحفي راينر هرمان من جريدة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج" الألمانية.

اقرأ أيضاً: شوط جديد مع إيران والاتحاد الأوروبي لم يتعلم الدرس

ولا يزال إعلان وفاة الجمهورية الإسلامية سابقاً لأوانه. حتى مع اعتبار الكثير من الإيرانيين أنّ إقرار الحرس الثوري بمسؤوليته عن ضرب الطائرة الأوكرانية وقتل جميع ركابها، يشبه في فداحته كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت عام 1986. فقد فرضت القيادة السوفييتية وقتها حالة من التعتيم الإعلامي لعدّة أيام. كانت للكارثة وطريقة تعامل القيادة معها تجسيداً رمزياً لفشل الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه بعدها بأعوام قلائل. بيد أنّ هذا الأمر لن يتكرّر بحذافيره في إيران.

كما أنّ عقد المقارنات هو الآخر شيء سابق لأوانه. ففي شباط (فبراير) من العام 1979 لم تكن قوات الأمن تطلق النار على المتظاهرين، بل إنّ أفراد القوات كانوا ينضمّون إلى صفوف الثوار. وكان هؤلاء يحظون بشخصية ذات قدر عال من الجاذبية هي  الخميني.

الظروف ليست مواتية لاندلاع ثورة ناجحة

والواقع أنّ ظروف وشروط قيام ثورة قادرة على تحقيق النجاح غير متوافرة اليوم. فالحرس الثوري، الذي لعب دوراً حاسماً خلال الحرب مع العراق في الفترة بين عامي 1980 و1988، يبدو مصمّماً على المضي قدماً في إطلاق النار صوب المتظاهرين نظراً لولائه غير المحدود للنظام حيث يستفيد منه اقتصادياً بصورة هائلة. على الجانب الآخر، لم يتمكّن المتظاهرون من حشد الكتلة الحرجة التي يمكنهم بواسطتها الوقوف في وجه هذه القوة. كما أنّهم يفتقرون للقيادات التي يلتفّون حولها والقادرة على التنظيم.

من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة التظاهرات بشكل كبير في الجمهورية الإسلامية وأصبحت الهتافات أكثر جذرية، واكتسبت الاحتجاجات قدراً أكبر من الدموية. وكانت أول فعالية احتجاجية عام 1999 قد استغرقت أسبوعاً كاملاً. وكان المحتجّون يتظاهرون ضد إغلاق صحيفة إصلاحية. لكن تظاهرتهم في محيط جامعة العاصمة طهران قوبلت بالتنكيل القاسي.

اقرأ أيضاً: حكومة حسان دياب: هل انتصرت إيران على ثورة اللبنانيين؟

بعدها بـ10 أعوام، أثار إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية السخط وأفضى لخروج تظاهرة حاشدة ضمّت في أغلبها أبناء الطبقة الوسطى من سكّان المدن وانتهت بحرب شوارع في طهران بين المتظاهرين وميليشيات الباسيج التي تتكوّن من المتطوعين وتخضع لأوامر قادة الحرس الثوري. لاحقاً، تظاهر ثلاثة ملايين شخص بصورة سلمية مطالبين بإلغاء الانتخابات. لكنّهم لم يحقّقوا مرادهم في تقويض أسس الجمهورية الإسلامية بسبب عدم امتلاكهم للكتلة الحرجة المطلوبة.

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية

وبين نهاية 2017 ومطلع 2018 تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص، أغلبهم من الإيرانيين الفقراء، في شوارع جميع مدن البلاد تعبيراً عن استيائهم إزاء ارتفاع معدّل التضخّم والبطالة. بينما كان ارتفاع سعر الوقود- ثلاثة أضعاف الثمن- سبباً مباشراً في اندلاع موجة عنيفة من الاحتجاجات. تظاهر الناس ضد قيادات الجمهورية الإسلامية في جميع المحافظات، وكافة المدن سواء الكبرى أو الصغرى، تعرّضت مباني المصارف الحكومية والجهات الأمنية لإضرام النيران فيها. وكانت النتيجة قمع عنيف للغاية راح ضحيّته ألف قتيل على الأقل.

أسهم إسقاط الطائرة بتسريع وتيرة سحب الثقة تجاه إيران إلّا أنّ خامنئي لا يبدو مستعداً لإجراء أي إصلاحات

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية. إلّا أنّ خامنئي ذي الـ80 عاماً لا يبدو مستعداً لتحمّل أي نتائج أو إجراء أي إصلاحات. بل على العكس من ذلك: تم استبعاد الكثير من المرشحين المتقدّمين لخوض الانتخابات التشريعية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل، وتصل النسبة إلى واحد من كل ثلاثة مرشحين لن يتمكّن من المشاركة. وعلى الأرجح، فإنّ الثوري المخضرم يسعى لاستقدام جيل من النواب الذين يدينون له ولمبادئ ثورته بالولاء.

نعم دخل المجتمع الإيراني مرحلة الغليان، إلّا أنّ سقوط نظام الجمهورية الإسلامية لا يزال مستبعداً.. على الأقل في المستقبل القريب.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2RCiMzL
https://bit.ly/2vrOEy9
https://bit.ly/2Rx4nEQ

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية