هل تسهم الأشعرية بتفكيك خطاب التطرف والكراهية؟

12436
عدد القراءات

2018-06-21

منذ عامين أحالت جامعة الأزهر، أستاذ الفلسفة والعقيدة، الدكتور يسري جعفر، للتحقيق بتهمة الإلحاد والتشكيك في صحيح البخاري، والترويج لأفكار محمد عبده وطه حسين، فانتهى التحقيق معه بوقفه عن العمل في الجامعة لمدة 3 أشهر.

نقل المحقق الدكتور حامد أبو طالب، للمتهم "جعفر" وصفاً ورد في إحدى الشكاوى المقدمة ضده وهو " أنّه ورم خبيث يجب بتره" حتى أنهى جلسة التحقيق قائلاً: إنّ المتهم يقوم بترويج أفكار تخالف ثوابت الدين، ويتحدث عن "التنوير" ويدّعي أنّ الأزهر لا يقوم بتجديد الخطاب الديني، ويصف بعض التيارات في الأزهر بــ"الظلامية" وأنه أنكر عقيدة الولاء والبراء، وادّعى أنّ الجهاد دفع لا طلب.

بعد عام استجار "جعفر" بشيخ الأزهر، مطالباً إياه بتخليصه من هجمات التقليديين التي تعرضه للتشويه، فاستدعاه شيخ الأزهر لمكتبه للنقاش.

أستاذ الفلسفة والعقيدة، الدكتور يسري جعفر

حديث الجمود والتردي

في لحظة مكاشفة أبدى جعفر انزعاجه من التردي الذي وصل إليه الخطاب الديني، وعدم تفاعله مع الواقع، وعدم قدرته على احتواء المخالفين، وخاصة جيل الشباب الذين يطرحون أسئلة لا تقوى عليها قدرات الدعاة الذين تربوا على حفظ النصوص، وتكرارها دون أن يتدربوا على تدبّرها، وكيفية مواءمتها للواقع والمستجدات، وهو ما أدى لتفشي ظاهرة الإلحاد، وفق جعفر.

تعدّ الأشعرية منهجاً وسطاً بين دعاة العقل المطلق وبين الجامدين عند حدود النص وظاهره

يرى جعفر أنّ تجديد الخطاب الديني يحتاج إلى مشروع متكامل ينطلق من ثوابت الدين وأصوله، ثم ينظر في المستجدات وحاجات المجتمعات الإسلامية من خلال فقه النوازل وفقه الواقع، لإيجاد حلول للمشكلات المستجدة مثل: ارتفاع سن الزواج، وكثرة وقوع الطلاق، والمعاملات البنكية، وعلاقة الرجل بالمرأة في الأماكن العامة والخاصة، وعلاقة المسلم بالآخر، وأن ينتقل هذا الخطاب الشفهي الكلامي إلى تطبيق عملي من خلال الأنظمة والقوانين التي تنظم علاقة الناس بعضهم البعض.

جاء تأسيس مركز الفكر الأشعري على يد يسري جعفر بعد شكواه لشيخ الأزهر من تراجع الخطاب الديني

كما يرى أننا في حاجة ماسة إلى التركيز على الجانب الأخلاقي، ونشر ثقافة تطبيق حقيقة الإيمان بالله تعالى والتقوى، من خلال تقديم رموز الأمة من رجال الدين والثقافة والفكر نموذجاً واقعياً وفعالاً في مجتمعاتنا المعاصرة، وكفى خطباً رنانة، وحشداً للنصوص دون تدبرها وفقهها فقهاً مستنيراً.

سمع شيخ الأزهر من جعفر آراءه ففاجأه بالعمل على خطة لإنشاء مركز يدعو للمذهب الأشعري، وهو ما استجاب له بعد ثلاثة أيام من دعوة شيخ الأزهر ليذهب للإمام الأكبر ويده تحمل 13 ورقة لكيفية تنفيذ هذا التوجه.

سمع شيخ الأزهر من جعفر آراءه ففاجأه بالعمل على خطة لإنشاء مركز يدعو للمذهب الأشعري

لماذا الأشاعرة؟

نشط مركز الفكر الأشعري في بداية العام الحالي في عقد سلسلة من الندوات التي طافت عدداً من محافظات مصر، وبدأ في الانتقال بفكرته إلى العديد من الدول الإسلامية، وهو ما دعا لطرح السؤال على مؤسّسه.. ماذا يمكن أن يقدمه الفكر الأشعري في تفكيك خطاب التطرف؟

يجيب جعفر عن هذا السؤال في إحدى ندواته التي استهدف بها طلبة مدينة البعوث الإسلامية في القاهرة والتي أقامها في شهر آذار (مارس) الماضي: هناك أسباب متعددة، منها أنّ أبا الحسن الأشعري تربّى في كنف المعتزلة لمدة ثلاثين عاماً، وبعدها تركهم وانضم إلى أهل السنة والجماعة، ليضع قواعد جديدة تحمي مذهبه، مشيراً إلى أنّ الله "صنع هذا المذهب على عينه لخدمة لهذه الأمة".

نشط مركز الفكر الأشعري منذ تأسيسه بعقد سلسلة من الندوات التي طافت عدداً من محافظات مصر

يستطرد جعفر: هذا الرجل (الأشعري) دخل المعتزلة ليتعلم منهم العقيدة، ثم علم أنّ العقل وحده لا يفيد، فتركهم، وأخذ ينظر وتعلم على يد أبي محمد، عبدالله بن كُلّاب، ونظم المذهب على منهاج هذا الرجل؛ حيث أكد أنّ العقائد تُبنى على النص والعقل، ولكن العقل يخدم النص، فالأدلة من النص يخدمها العقل؛ فالأشعري اتبع منهج السلف ولم يحدّث كما ادعى البعض، ولم يبتدع أمراً جديداً، ولكنه جمع أقوال الصحابة والتابعين وأصّل لها بالأدلة النقدية والعقلية.

وأضاف جعفر لقائمة أسبابه أنّ الإمام الأشعري لم يكفّر أحداً من مخالفيه، حتى أنّه قال في بداية أشهر كتبه "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين": لا نكفّر أحداً من أهل القبلة، على عكس الخوارج والشيعة والمعتزلة، وهو ما أثنى عليه علماء الأمة.

ولفت إلى أنّ الأزهر بدوره يعلّم أبناءه ألا يكفّروا أحداً، فهو يغلق باب التكفير حتى لا تنفتح أبواب الجحيم وتراق الدماء، وهو ما لا يعلمه البعض الذين يطالبون الأزهر بتكفير "داعش".

جعفر: المذهب الأشعري يجمع بين النقل والعقل وهو النهج العام لأهل السنة والجماعة

واستطرد قائلاً: إنّ هذا المذهب استمر على مر العصور مع مراعاة الظروف والمتغيرات، مثل؛ المذهب الشافعي الذي غيّر مذهبه بين العراق ومصر، فتغير المذهب بين أبي بكر الباقلاني قديماً وأبي حامد الغزالي حديثاً، "ولكنهم في مختلف الأحوال خدموا القرآن والسنة".

وتابع: المذهب الأشعري يجمع بين النقل والعقل، فلا يطغى أحدهما على الآخر، وهو النهج العام لأهل السنة والجماعة.

وأكد جعفر في محاضرته أنه لا فارق كبيراً بين مذهبي الماتريدية والأشعرية، والاثنان يمثلان مذهب أهل السنة والجماعة ويعبّران عن وسطية الإسلام وسماحته، مشيراً إلى أن "الجميع أدرك الآن قيمة الأزهر ووسطيته، وجاءوا إليه باعتباره قبلة العلماء، وكعبة العلم".

الأشعرية نسبة إلى مؤسسها أبي الحسن الأشعري المنتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري

هل هناك جدوى؟

الأشعرية نسبة إلى إمامها ومؤسسها أبي الحسن الأشعري، الذي ينتهي نسبه إلى الصحابي أبي موسى الأشعري، هي مدرسة إسلامية اتبع منهاجها في العقيدة عدد كبير من فقهاء أهل السنة والحديث، فدعمت اتجاههم العقدي.

والأشاعرة هم جماعة من أهل السنة، لا يخالفون إجماع الأئمة الأربعة ولا يعارضون آية واحدة من القرآن ولا الحديث، وما ثبت عن الصحابة والعلماء الأعلام، ولا يكفّرون أحداً من أهل القبلة، وتعتبر الأشعرية منهجاً وسطاً بين دعاة العقل المطلق وبين الجامدين عند حدود النص وظاهره، رغم أنّهم قدموا النص على العقل، إلا أنهم جعلوا العقل مدخلاً في فهم النص، كما أشارت إليه آيات كثيرة التي حثت على التفكير والتدبر "حسب تعريف أهل المذهب له".

بهذا مثّل ظهور الأشاعرة نقطة تحول في تاريخ أهل السنة والجماعة التي تدعّمت بنيتها العقدية بالأساليب الكلامية كالمنطق والقياس، وإلى جانب نصوص الكتاب والسنّة، فإن الأشاعرة استخدموا الدليل العقلي في عدد من الحالات في توضيح بعض مسائل العقيدة.

أحمد الشوربجي: لقد كان ظهور المذهب الأشعري نتاج تحدٍّ وواقع لم يعد موجوداً الآن

لكن يظل السؤال: هل تصلح الأشعرية لمواجهة أفكار السلفية المتطرفة، أم أن استدعاء لحقبة تاريخية قد فات زمانها ولم يعد لاستدعائها جدوى؟

في إجابته يتحدث الباحث الإسلامي أحمد الشوربجي لــ"حفريات" قائلاً: لقد كان المذهب الأشعري نتاج تحدٍّ وواقع لم يعد موجوداً الآن، ولولا نبش الجماعات الإسلامية في مثل هذه المسائل لما سمع الناس عن هذا المذهب الذي صار مع مرور الوقت متعمقاً في دواخل الناس وميراثاً يرقد في العقل الباطن لمعظم المسلمين تقريباً دون أن يعرفوا له اسماً.

ويضيف الشوربجي: اليوم نرى جماعات ترفع لواء السلفية لكنها ليست سلفية النص إنما هي سلفية التاريخ الذي مضى ولا يمكن أن يعود، سلفية تلبثت بالسياسة، على عكس السلفية القديمة التي كانت تعني سلفية النص والعقيدة، والتي هي موجودة ضمن المذهب الأشعري الذى جعل النص ضياء والعقل عيناً لا غنى لأحدهما عن الآخر.

ويخلص إلى أنّ المذهب الأشعري متصالح في مضمونه فقال في العقيدة: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أحوط من ناحية العقل، فمن شاء أخذ بمذهب السلف ومن شاء تبنى مذهب الخلف؛ فالأشعري إذن سلفي في العقيدة من وجه متسامح من وجه آخر متعقل في النص، أما سلفية اليوم فليست سلفية الأمس، ومن ثم فبعث الأشعرية اليوم لا يصلح لسلفية اليوم.

اقرأ المزيد...

الوسوم: