هل تعرف من رسم أول خريطة للعالم؟

20086
عدد القراءات

2018-09-06

عرف البشر الخرائط منذ آلاف السنين، وأخذت تكتسب أهميتها مع الزمن، في سبيل الاهتداء إلى الأراضي والبلدان البعيدة، ولمنح شكلٍ للكرة التائهة في الفضاء بلا وجهٍ يعرفونه، آنذاك، والمسمّاة بالأرض.

يُعدّ تاريخ أول خريطةٍ معروفةٍ للعالم، مرتبطاً بالعالم الجغرافي والمؤرخ المسلم "محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس"، والمشهور بـ"الشريف الإدريسي"، وتشير الأدلة التاريخية عموماً، إلى أنّ خريطته المرسومة العام 1154 تُعد أول خريطة معتمدة عالمياً.

من الأندلس إلى صقلية

وُلد الإدريسي العام 1100 في المغرب، ثم انتقل إلى الأندلس، واختفى بعد سقوطها، ليظهر في جزيرة صقلية، وتبقى معظم فترات شبابه وحياته غامضة وغير واضحة المعالم، بقدر ما قام هو بتوضيح الشكل الذي يبدو عليه العالم.

أول خريطة للعالم كانت مقلوبةً رأساً على عقب قياساً بخريطتنا اليوم

في صقلية، قام الإدريسي برسم أول خريطةٍ للعالم، بناء على أوامر من الملك الصقلي "روجر الثاني" الذي منحه المال اللازم للقيام برحلاته حول العالم من أجل رسم الخريطة.

بدأت رحلة الإدريسي في العام 1138، وانتهت بعد خمسة عشر عاماً (1153) إلى أن حل في مدينة باليرمو، المكان الذي نشر الإدريسي فيه أول خريطة للعالم، وقد تميزت هذه الخريطة بدقتها، واستخدام الإدريسي لخطوط الطول والعرض فيها؛ حيث قام بتقسيمها إلى 7 أقسامٍ مداريةٍ متساوية، وكان المميز فيها أنه وضع الجنوب في أعلى خارطة العالم، بينما جاء شمالها في الأسفل، وهذا مختلفٌ كلياً عن خريطة العالم اليوم.

الجنوب احتل أعلى خريطة الإدريسي

لكن، كيف رسم الإدريسي الخريطة رأساً على عقب؟

ربما تكون خريطتنا اليوم، هي المقلوبة رأساً على عقب، وربما يكون السبب ليس جغرافياً فقط، أو أنّ الإدريسي ارتكب خطأ والسلام.  فبعد وفاة الإدريسي في العام 1160، سوف تمر خريطة العالم بتحولاتٍ علمية وسياسيةٍ كثيرة.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم خرائط غوغل بدون الإنترنت في نظام الأندرويد؟

وبمرور أكثر من ثلاثة قرون على وفاة الإدريسي، جاء عالم الفلك والرياضيات الفرنسي "أورانس ڤين" (1494 - 1555) ليقدم رأياً آخر.

كان ڤين، أول رئيس لقسم الرياضيات بالكلية الملكية الفرنسية "كوليج دو فرانس حالياً"، وكان من أوائل العلماء الفرنسيين الذين عملوا في مجال رسم الخرائط، فرسم خريطة للعالم على شكل قلب، وهي تنتمي لمجموعة تتألف من 18 خريطة، جميعها على شكل قلب، نُشرت في الفترة بين عامي 1511 و1566. واستوحي هذا النظام الإسقاطي من الإسقاطات التي وصفها جغرافي القرن الثاني "بطليموس"،  الذي رسم خريطة العالم بعكس الإدريسي.

خريطة ڤين خالفت خريطة الإدريسي وأعادت آسيا لجهة الأسفل

تعكس خريطة "ڤين" الحالة المعرفية والافتراضات وأوجه الشك الجغرافية في ذاك العصر؛ حيث تم فيما بعد، ربط أمريكا الشمالية بآسيا، كما تم ضم القارة الكبيرة  المسماة "الأرض الجنوبية" إلى جهة الجنوب، وهي قارة افتراضية طرح الجغرافيون وجودها من أجل معادلة وزن الكتل الأرضية الشمالية.

وهو ما يقود إلى أنّ رسومات خريطة العالم منذ الإدريسي وحتى العام 1600 ميلادية، اتسمت بنوعٍ من الاختلاف والشك بين الجغرافيين الكبار، الذين ظلوا محتارين بشأن الجنوب والشمال، وهذا بالطبع، لم يقلل من أهمية خريطة الإدريسي، ولا من غموض أسباب بطليموس في جعل خريطة الإدريسي مقلوبةً رأساً على عقب.

اقرأ أيضاً: الخريطة الاقتصادية في القرن الإفريقي

فجميع هؤلاء لن يعودوا مهمين، حين يتم تحديد خريطة العالم فيما بعد من خلال السياسة، والأنانية التي تتمتع بها الإمبراطوريات.

الخريطة وجهاً للهيمنة

في العام 1507 ظهرت الأمريكيتان لأول مرة على خرائط العالم، عن طريق خريطة رسمها عالم الخرائط الألماني "مارتن فالدسميلر"، الذي استخدم لأول مرة اسم أمريكا المقتبس من اسم "أميركو فيسبوشي"، وهو بحّار إيطالي عمل تحت حكم مملكة البرتغال ومملكة قشتالة.

بعد هذا التاريخ بأربعمئة عام، تتطوع أمريكا في العام 1904، لتضع نفسها في أعلى خريطة العالم، في حين تضيق مساحة إفريقيا لتبدو دائماً أصغر، بينما تُزاح آسيا للأسفل ولجهة اليمين، لكل من سيضع الخريطة أمامه وينظر إليها.

اليابان لها خريطةٌ خاصة حيث تضع نفسها في قلب العالم وتبدو كل القارات بعيدة عنها ولا تمت إليها بصلة

وكان العام 1904، قد شهد ميلاد علم الجغرافيا السياسية، على يد العالم الإنجليزي "هالفورد"، حيث تظهر قارتا أمريكا وأوروبا مهيمنتين على الخريطة، نتيجة للهيمنة على أرض الواقع، كما يتصور علم الجغرافيا السياسية.

ووفقاً لهذا، سوف تتم دراسة خريطة العالم ورسم قاراتها، بناءً على بُعدها عن أوروبا، التي يفترض أنها "مركزية" بالنسبة إلى العالم، وكذلك سوف تفعل أمريكا بدورها، وربما لم يتحدَّ أحد هذه النظرة إلى شكل العالم وخريطته، سوى العالم الأسترالي " Stewart McArthur"، الذي سيرسم في نهاية السبعينيات من القرن الماضي خريطة العالم مقلوبة من جديد، من باب السخرية، ومن أجل القول إنه يمكن عدم التسليم بالأشياء دون الشك فيها، ولو أن هذا الشك ببناء الخرائط سياسياً، يحتاج إلى أدلة جغرافية تدحض السياسة.

اقرأ أيضا: خريطة الإرهاب في الشرق الأفريقي.. الدوافع والتحديات

ولن يكتفي العالم بأمريكا وأوروبا؛ فاليابان، لديها رؤيةٌ خاصةٌ بها عن خريطة العالم؛ حيث تقبع اليابان في وسط خريطة العالم، وفقاً لما يريده اليابانيون، وتكون القارات كلها، بعيدةً عنها، كأنها وحدها، ولا شيء يقترب منها أو يضاهيها.

اليابان وحدها وباقي القارات والدول أكثر بعداً وأقل أهميةً

وربما من الجدير بالقول، إنّ صاحب أول خريطةٍ معتمدة لهذا العالم، وصاحب كتاب الرحلات والجغرافيا الشهير "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، لم يضع في حسبانه أنّ الذين سيأتون بعده، سيستخدمون السياسة إلى جانب الحسابات الفلكية والرياضية، من أجل صراعٍ على مركزية العالم، أو على القارة التي سوف تبدو أكبر، أو أهم، حتى أنّ مَن يودّ أن يكون منصفاً بشأن خريطة العالم، يجب أن ينظر إلى كل قارة على حدة؛ بعد تطور الخرائط الرقمية اليوم، كأن قدر القارات ألا تجتمع بعدالة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل حظيت آراء الشيخ عبدالله العلايلي التجديدية بالاهتمام الكافي؟

2019-07-17

في أواخر العام 2016، مرت مئويته فيما كان العالم العربي والإسلامي يدخل نفق الاشتباك المظلم مع تأويل النصوص الدينية، وصعود المذهبيات والإثنيات والقتل على الهوية والدين والاتجاه والرأي واللباس، ومشاهدة كرة القدم.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
لهذا راحت بيروت تتذكر شيخها وحكيمها، وهي التي اكتوت بنيران تلك الحروب المتعددة، فنظرت إلى الشيخ عبدالله العلايلي بوصفه حاجة ملحة في هذه القنطرة المرعبة التي تحتاج إلى مفكرين كبار وشجعان كالعلايلي الذي كان يوصف بأنّه "مدافع قوي عن حقوق الإنسان، وثوري متفان، ومساند مخلص للقضية الفلسطينية، ومعارض شرس للحكومات الاستبدادية الديكتاتورية في الوطن العربي"، فضلاً عن آرائه في شؤون الدين والفقه.

رأى الشيخ عبدالله العلايلي أنّ الحدود مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها

وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914 في أسرة قديمة العهد ببيروت، ترقى إلى القرن الحادي عشر الهجري، وشغلت في الأوساط التجارية، على ما سلك أهل السنّة دوماً. في العام 1924 توجه إلى الجامع الأزهر في بلاد الكنانة برفقة شقيقه، وظّل يتابع الدراسة في هذا الجامع حتى العام 1935.
وما أخذه العلايلي عن الجلَّة من الشيوخ، أمثال الدسوقي العربي، محمد نجيب المطيعي، يوسف الدجوي، سيّد علي المرصفي، السملوطي، أحمد عيسى الشرقاوي، محمد العربي، عفيف عثمان، وعلي محفوظ، إلى كثرة غيرهم، لم يحمِه في يوم، من صنميّي النص. كما لم تشفع له قدرته الاستثنائية على تطويع اللغة في النأي بنفسه عن غائلة من يتشبثون بالنقل لا بمراكمة الجهود في مواكبة العصر، على ما تذكر صحيفة "النهار".
وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914

"مقدمة لدرس لغة العرب"
عاد عبد الله العلايلي إلى بيروت عام 1936، وتسلم مهمة التدريس في "الجامع العمري الكبير" واستمر لمدة ثلاث سنوات كان يحضّر في أثنائها كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب" ولم تكن هناك في لبنان دور للنشر فاضطر إلى العودة للقاهرة كي يخرج الكتاب. وكان يقول عن اللغة: "إنها تتحرك بقانون الغاية لا السببية"، لذلك يقرر أنّ "اللغة هي مجموعة الأفكار والتقاليد والعواطف... تنمو أو تموت، تتحرك أو تأسن، بحسب حاجة الناس إليها، أو بمدى ارتباطها بنشاط الإنسان".

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
بعد هذا الكتاب، أطل الشيخ على الناس بكتابين طبعتهما الجالية السورية اللبنانية على نفقتها؛ الأول بعنوان "سوريا الضحية" هاجم فيه معاهدة 1937 مع الفرنسيين. والرسالة الثانية بعنوان "فلسطين الدامية". ثم أتبع الكتابين بثالث "إني أتهم" الذي هاجم فيه التفكك الطائفي الذي استشرى في المجتمع اللبناني. كما صدر له: "تاريخ الحسين"، "المعرّي ذلك المجهول"، "المعجم"، "مثلهنّ الأعلى- السيدة خديجة"، "المرجع"، "من أجل لبنان".
النحت في اللغة والحياة والتدين
وفي غمرة ذلك، لم ينفك الشيخ العلايلي عن النحت في اللغة العربية واشتقاق المصطلحات، وتجديد حضور اللغة في الوعي والتاريخ واللسان. وفي حديثه عن "النظريّة اللغويّة عند العلايلي" يقول د. رمزي البعلبكي "من منن الله على العربيّة أنه سبحانه وتعالى، لا يفتأ يبعث من يُحيي هذه اللغة الشريفة في نفوس أبنائها، وينهض بها لتستقيم في معترك البقاء على نقاوة في التشذيب ولدانة في التخيّر واندفاع في الوثب، ولا جديد في القول إنّ الشيخ العلايلي هو محيي العربيّة على رأس هذه المائة، فهو المقدمة وهو المرجع ومنه الفكر والنظر والاقتراح والبرهان".

غلاف  كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب"
ولا تكمن أهمية العلايلي في كونه مارد اللغة العربية وصانعها، بل لأنه كان علامة الإصلاح الديني. وحول اجتهاداته الفقهية ثار غبار كثيف، خصوصاً في مسألة العقوبات الجسدية والزواج المختلط، بحسب الكاتب اللبناني محمد حجيري. ففي المسألة الأولى، رأى أنّ الحدود، مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها، ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها. واستنتج من قراءة الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المعنية، أنّ من الضروري "إقامة مطلق الرادع مقام الحد عينه، إلا في حال الإصرار؛ أي المعاودة تكراراً وتكراراً". والأرجح أنّ إحدى أبرز مشاكل الدين في العصر الحديث هي مسألة العقوبات الجسدية التي تتبناها التنظيمات المتطرفة، وحتى بعض الدول المنغلقة المحكومة بالملالي.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
في المسألة الثانية (أي الزواج المختلط)، اعتبر العلايلي أنّ الآية القرآنية تحرِّم زواج المسلمة من المشرك، وليس من الكتابيّ، فأجاز هذا الزواج، مخالفاً بذلك الإجماع الفقهي. وهو رأى "أنّ الإجماع في هذه المسألة، من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض كحجة إلا إذا استند إلى دليل قطعي"، وهو ما لم يحصل، بحسب رأيه.
زواج المسلمة من كتابيّ
في كتابه "أين الخطأ"، تحدث العلايلي عن زواج المسلمة من كتابيّ، وقدّمها تحت عنوان "أطوطميون أنتم أم فقهاء؟".
وقدّم العلايلي لرأيه في جواز زواج المسلمة من كتابيّ بإشارات إلى ما يشهده المجتمع اللبناني من جدل حاد حول الزواج المختلط. ويؤسّس رأيه في هذه المسألة، كما يقول القاضي الشيخ محمد أبو زيد، رئيس المحكمة السنية في صيدا، على ما يلي:

كوثراني: آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة

1. إنّ زواج المسلمة من كتابيّ مسألة بسيطة. وهي جزئية، واجتهادية.
2. إنّ الإجماع الحاصل في هذه المسألة هو إجماع متأخر. وهذا النوع من الإجماع ينبغي أن يكون له مستندٌ من دليل قطعي.
3. إنّ الآيات الواردة في: سورة البقرة (221)، الممتحنة (10)، المائدة (5)، غير قاطعة في تحريم زواج المسلمة من كتابيّ، تأسيساً على اعتبار العلايلي أنّ لفظي "مشرك" و"كافر" لا يشملان "الكتابيّ".
4. إنّ لفظ "خير" الوارد في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أتى لبيان ما هو الأفضل، دون أن يعني ذلك حرمة زواج المسلمة من كتابي.
5. إنّ أدلة المانعين لا تخلو من احتمال، وهو أمر يجعلها ساقطة لجهة الاستدلال بها.
6. الآية 10 من سورة الممتحنة خاصة باللواتي فررن بدينهن بسبب الاضطهاد. فلا يجوز إرجاعهن إلى الكفار.
7. وجوب حصر النقاش في آيات سورة المائدة؛ كونها تتحدث عن الكتابيين حصراً.
8. استفاد العلايلي مما ذكره ابن رشد في كتاب البيوع، ثمّ قام بعد ذلك بتطبيقه على الأنكحة، ونصّ كلام ابن رشد: "نحن نذكر أولاً "المنطوق به" في الشرع وما يتعلق به من الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من "المسكوت عنه" ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه، أعني في رد الفروع إلى الأصول".
9. الأحاديث الواردة في هذه المسألة هي آحاد لا يَحتج العلايلي بها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
10.أحاديث الأفعال الواردة في هذه المسألة هي -شأن سائر أحاديث الأفعال- محل نظر عند الأصوليين لجهة دلالتها.
وختم العلايلي رأيه في هذه المسألة بالقول: "وأختم هذا الفصل ببيان أنَّ الفرق كبير بين الإباحة حيث لا مندوحة، وبين الورع... أما ما يقتضي الورع فشيء آخر، يتصل بالطمأنينة النفسية والراحة القلبية..." .
غلاف كتابه "أين الخطأ؟"

الرؤية العلمية للقمر الرمضاني
وتشمل اجتهادات العلايلي الكثير من الآراء التي تحاول أن تواكب التحديات المعاصرة في ميادين عملية عدة ومفاهيم نظرية: مفهوم الثروة، الرؤية العلمية للقمر الرمضاني، الربا، توزيع الأضاحي، الصورة، والسينما. كان قد نشر هذه القضايا في كتابه "أين الخطأ"؟ الذي صدر في طبعته الأولى العام 1978، واضطر تحت الضغط إلى سحبه من التداول وأعيدت طباعته العام 1992.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
والمفارقة والغريب، يقول الحجيري، أنّ إصلاحات العلايلي بقيت في الهامش ولم يسعَ دعاة ما يُسمى "الاعتدال الديني" إلى تبنّيها أو ترويجها. وهذا ما لاحظه الباحث اللبناني وجيه كوثراني إذ اعتبر أنّ آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي، ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة ومن مواقع مختلفة؛ من موقع التقليديين والمحافظين الذين سخطوا على الشيخ وحاصروا فكره الفقهي وحاربوه، وربما من موقع الحداثيين الذين لم ينتبهوا في غضون الستينيات والسبعينيات، إلى ما يشكله العلايلي الآن وفي الماضي ودائماً من علامة بارزة وساطعة ومجددة في اللغة والسياسة والدين، وكذلك في التفكير الذي أراده العلايلي، وهو يغمض عينيه إلى الأبد في العام 1996، متحرراً من أغلال القشور والتقليد، ونازعاً إلى إعمال العقل في كل ما يحيط بدنيا الكائن وانتظاراته ورهاناته الوجودية.

للمشاركة:

رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب

2019-07-11

من الشائع عن الشيخ رشيد رضا؛ أنّه نفّذ انقلاباً فكرياً على تعاليم الإمام محمد عبده، أو على مدرسة الإصلاح التوفيقية (بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده) لصالح "التسلّف"؛ وأنّه كان حلقة الوصل (الإشكالية) بين مدرسة "الإصلاح" والإسلام الحركي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين (بقيادة تلميذه حسن البنا) نموذجه الأول والأبرز.

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
ومن أجل تأكيد صحة تلك الافتراضات؛ يتعين مناقشة طبيعة "الإصلاح"، وحدوده، وعلاقته بفكر رشيد رضا، وبحث ما إذا كان رضا منقلباً فعلاً على فكر الإصلاح؟ وما حيثيات هذا الانقلاب؟ وما علاقة الشيخ بسياقه الاجتماعي والتاريخي؟ وأخيراً مدى تكريسه للرؤية الأصولية للعالم، وهل كان رائدها في الأساس أم حلقة إشكالية من حلقاتها؟
الإمام محمد عبده

بدايات المصلح ومآزق الإصلاح
في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات الإصلاح من القاهرة، ظهرت نشاطات إصلاحية في الشام، كان من أبرز أعلامها حسين الجسر، الذي درس في الأزهر، ثم أسّس في طرابلس المدرسة "الوطنية الإسلامية"، التي درس فيها رشيد رضا.

كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها

كان رضا قد وُلد في القلمون، لعائلة من "الأشراف"، وتعلّم في كتّاب القرية، ثم دخل مدرسة حكومية، لم يلبث فيها سوى عام واحد، لسخطه على مناهج التدريس التي تهدف لتخريج موظفين؛ لينتقل إلى مدرسة حسين الجسر (الوطنية الإسلامية)، ويدرس فيها علوم الشريعة واللغة، وبعد إغلاق المدرسة، شرع في طلب العلم في المدارس الدينية في طرابلس.
سيطبع هذا التكوين (أحادي الثقافة) مسيرة رشيد رضا بأكملها؛ إذ ظلّ حتى رحيله يشعر بالاكتفاء الذاتي ثقافياً، ولم يسع لتعلّم لغة أجنبية (وإن كان اطّلع على بعض الكتب المترجمة)، أو لإقامة أيّة علاقات مع الأوروبيين، على عكس أستاذه، محمد عبده، الذي أتقن الفرنسية، وأقام علاقات وثيقة مع مفكّرين وساسة أجانب.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وبواسطة هذه العلاقات بالذات استطاع محمد عبده تأمين دعم مالي وإداري لرشيد رضا، حين قرّر تأسيس مجلة "المنار" 1898، ومن خلال خبرته السياسية، قدّم لرضا نصيحة تمثّل خلاصة تجربته، وهي الابتعاد عن الصراعات السياسية المباشرة، والانغماس في قضايا التربية والتعليم، وانتشال الأمة من التخلف والضعف، برسم المواجهة طويلة المدى مع الآخر الاستعماري، لا المواجهة العاجلة والمباشرة، كما أمِلَ الأفغاني.
تأسست "المنار" في الأساس لإحياء تعاليم "العروة الوثقى"، التي أطلقها الأفغاني وعبده عام 1884، والتي لم يصدر منها إلا 18 عدداً، بعد أن نزع رضا عن تلك التعاليم طابعها السياسي، حتى تتلاشى المتاعب المتوقعة من قبل الإنجليز والسلطة في مصر، وصارت "المنار" استئنافاً للخط التحريري الاجتماعي والفكري الذي صاغه الشيخان، خصوصاً فيما يخصّ الوحدة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
ورغم تخلّي الشيخ رضا عن أيّ طرح سياسي مباشر، إلا أنّ السياسة كانت حاضرة دائماً في اختياره لموضوعاته، وفي ردوده على مقالات جريدة "المقتطف" العلمانية؛ ومن ثم فقد كانت مجلة سياسية بالمعنى العميق.
فقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية (وهي فكرة سياسية)، هي الأساس الفكري للمجلة، وفي تحديده لها، يقول رضا: "لها [الجامعة] طرفان: أحدهما يضمّ المعتقدين بالدين الإسلامي، الذين يربطهم رابط الأخوّة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد انحلت هذه الرابطة، لكنّها لم تنتهِ، غير أنّ من الممكن توثيقها وشدّها بعدد من الإجراءات العامة والخاصة. أمّا الطرف الآخر؛ فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة، وهذه الرابطة طرأ عليها ما حلّ عقدتها في بعض الحكومات، وما أزالها كلياً في حكومات أخرى، فصار الحال يقضي على المسلمين في كلّ قُطر أن يسعوا بالاشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة إلى كلّ ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران، ويفجّر فيهم ينابيع الثورة من أجل مزيد من المنعة والقوة والاستعداد".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
واعتقد رضا أنّ بالإمكان تحقيق الجامعة الإسلامية عبر الترويج للوسائل التي تؤدي إليها، مثل الإصلاح الديني، ورغم تخليه عن العمل السياسي الصريح، إلا أنّه كان مدركاً أنّ إصلاحاً من هذا النوع لن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية "تجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وقانون شرعي واحد، ولغة واحدة (هي العربية)".
وبالنسبة إليه؛ فإنّ الإصلاح المأمول "يتوقف على تأليف جمعية إسلامية، تحت حماية الخليفة، يكون لها شُعب في كلّ قُطر إسلامي، وتكون أعظم شُعبها في مكة المكرمة، التي يؤمّها المسلمون من جميع الأقطار، ويتآخون في مواقعها ومعاهدها المقدسة، وأهم اجتماعات هذه الشعبة تكون في موسم الحج الشريف".
جمال الدين الأفغاني

وينيط رضا ثلاث مهمات بهذه الجمعية:
1- تلافي البدع والتعاليم الفاسدة قبل انتشارها.
2-  إصلاح الخطابة.
3-  الدعوة إلى الدين.
وهو يعلق آمالاً عريضة على هذه الجمعية، أهمها إحداث تقارب بين الحكومات الإسلامية، والاتحاد على صدّ هجمات أوروبا، وإيقاف مطامعها عند حدود معينة! ويرسم لها أفقاً صاغه على غرار التحالف البريطاني الفرنسي في السياسة الخارجية، والنموذج الأمريكي في الإصلاحات الداخلية المتعلقة بالتربية والتعليم.
ويدرك المصلح السوري محدودية الجانب التربوي والتعليمي في الإصلاح المأمول؛ لذا يضع شرطين لهذا الإصلاح: أولهما: أن يكون الحكم شورياً قائماً على العدل والمساواة بين الرعية، يتولاه موظفون أكفاء يكونون بمثابة "أُجراء للأمة"، ليسوا سادة لها، ولا مستبدين عليها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
والثاني، وهو مرتبط بالأول: تغيير أفكار الأمة وأخلاقها بنشر العلوم والآداب الاجتماعية والأخلاقية، حتى يولد لدى الأمة، ولدى الحكام في آن، الاستعداد للإصلاح.
وفي ملاحظة بالغة الخطورة، وهي مستوحاة من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، يرفض رضا أن تكون الشورى مجرد "ائتمار بأمر الدين وعمل بهدايته"؛ بل يجب أن تكون انعكاساً ميكانيكياً للارتقاء الاجتماعي، وإلا لن يطول العهد عليها، كما كان الحال مع حكومة الشورى عند المسلمين الأوائل؛ إذ لم تلبث أن عصفت بها العصبيات في مهدها. وعليه؛ يستنتج أنّ "التاريخ الطويل للاستبداد في مسيرة الأمة التاريخية كان ثمرةً لعدم استعداد المحكومين للسيطرة على حكامهم، بسبب قلة معارفهم الاجتماعية" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988).

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
في طبيعة الحال، تطلّب النوعان من المواجهة، السياسية والحضارية، اعترافاً بتخلّف المسلمين، مع تنزيه الإسلام عن التسبّب في ذلك، وكأثرٍ من آثار التلمذة الفكرية على عبده والأفغاني، أعطى رضا أولوية حاسمة للإسلام في تطوير حياة المسلمين المعاصرين وانتشالهم من التخلف؛ فـ "القرآن هو الحلّ" لكلّ المشكلات، وبالرجوع إليه تعود للأمة وحدتها، وتُقام فيها الشورى والعدل (كما يقول أحمد صلاح الملا، في كتابه "جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، رشيد رضا ومجلة المنار 1935- 1898".
حتى هنا كانت الأساسات الفكرية لمدرسة الإصلاح متفقاً عليها بين أعلامها الثلاثة؛ فأزمة المسلمين تكمن في انحرافهم عن الإسلام؛ فهم كانوا أعزاء وأقوياء حين كانوا متمسكين بتعاليم الله تعالى، وحين تخلوا عنها كان من الطبيعي أن يصابوا بالتخلف والانحطاط، وحتى يمكن رفع هذه العقوبة الإلهية، تجب العودة إلى الإسلام.
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة

حيثيات الانقلاب المنقوص
اتفق أعلام الإصلاح على تطهير الإسلام من شوائبه، وبدؤوا بالتصوف، إلّا أنّه ما كان يدينه الأفغاني، وينتهي منه سريعاً لينتقل إلى غيره، وما كان يقاربه محمد عبده بحذر وروية، اشتبك معه رشيد رضا بتصلب وعنف شديدَين؛ إذ تجاوز الشيخان معاً، ليستلهم ابن تيمية، ويستدعيه، كي يشارك في حملته الضارية على الصوفية التي شنتها "المنار".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وليس معقولاً أن يستدعي رضا ابن تيمية في البدع ويتجنّب رؤيته للإصلاح؛ فحين تعلق الأمر بـ "السلف الصالح"، الذي حاول محمد عبده، بعنادٍ حديدي، التخفف من سلطته، دافع رضا عن تلك السلطة المعيارية بحسّ تكفيري عالٍ تظهر عليه بصمة ابن تيمية بشكل لا تخطئه العين.

لم يكن انقلاب رضا على أستاذه محمد عبده كاملاً فقد جاراه في رؤيته السياسية وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار

وضمن هذه الروح؛ ألغى رضا وظيفة العقل، تقريباً، بحصر دوره في إقامة الدلائل على صحة العقائد، ومن ثّم تحدّد مسبقاً موقفه من الاجتهاد؛ فرغم رفضه "النظري جداً" لإغلاق باب الاجتهاد، إلا أنّه، بتعريفه للاجتهاد بأنّه "تقيّد محض بأحكام القرآن والسنّة وسيرة السلف الصالح"، يكون قد وضع حجراً إضافياً خلف باب الاجتهاد المُوصد.
وطبيعي في مسار كهذا أن يعيد رضا تثبيت مفهوم "الإجماع" كسلطة مقيدة للاجتهاد، حتى كاد أن يساويه مع سلطة القرآن والسنّة، وطبيعي أيضاً أن يكون موقفه في علم الكلام متناغماً مع موقفه في الفقه؛ إذ كان منذ بداياته الأولى رافضاً للمعتزلة ومنحاهم العقلاني، وظلّ مُحصناً طويلاً من تأثيرات أستاذه محمد عبده، الذي تميّز بحسّ اعتزالي رصين (لاحقاً سيحاول رضا تطهير محمد عبده من درائن الاعتزال؛ وسيحشد كلّ الأدلة الممكنة والمتخيلة حتى يُثبت أنّ الآراء الاعتزالية المنسوبة إلى الإمام مدسوسة عليه).

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية
كان الشيخ محمد عبده قد نفّذ انقلاباً فكرياً على جمال الدين الأفغاني، حوّل بموجبه "الإصلاح" من أيديولوجيا تجميع ومواجهة للمحتل الغربي، إلى خطة بعيدة المدى لإصلاح البناء الفكري للعالم الإسلامي، وبهذا المعنى يكون مشروع رشيد رضا بمثابة استئنافٍ، بوجهٍ ما، للأفغاني؛ أي نفّذ انقلاباً على الانقلاب.
تتمة الانقلاب
لم يكن انقلاب رشيد رضا على أستاذه كاملاً؛ فقد جاراه في رؤيته السياسية، وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار، منذ أن انطلقت مجلته "المنار"، حتى تباشير الحرب العالمية الأولى، التي تحوّل موقف رضا خلالها نحو الاحتلال الإنجليزي من الرضا إلى العداء؛ لتيقنه من خيانة بريطانيا للمسلمين.
كان هذا هو العنصر المفقود للانقلاب، وكان على رضا، من أجل إتمام انقلابه، العودة إلى الأفغاني ومواقفه المتصلبة من الاستعمار، وستحمل هذه الخلاصة صدمة، من نوعٍ ما، لمن رأوا في رشيد رضا منافحاً دائماً عن قضايا الأمة ومناضلاً لا يلين ضدّ الاستعمار.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
طوال الوقت أظهر رضا موقفاً مناهضاً للاستعمار، من خلال مقالاته "نصف النارية" التي، رغم لغتها العنيفة، لا يمكن بناء أيّ موقف سياسي عليها ضدّ الاستعمار، ولا يمكن لقارئها قطعاً أن يحتشد ويُثار وينخرط في حركة مقاومة سياسية أو عسكرية، في طبيعة الحال، ضدّ الإنجليز؛ إذ اختار رضا طريق المقاومة الحضارية بعيدة المدى.
كان موقف محمد عبده السياسي قائماً على استبعاد إمكانية الحصول على الاستقلال في ظلّ تخلّف الأمة وضعفها البادي، ولم يكن رضا بمنأى عن هذا الموقف، بل عبّر عنه، فقط، بلغة جمال الدين الأفغاني، وهنا كمُنَت الخدعة.
على أيّ أساس بنى رضا موقفه السياسي؟ لم يكن هناك بين أعلام مدرسة الإصلاح الثلاثة: الأفغاني، عبده، رضا، من هو منقوصُ الاستقلال أو التابع أو المقلد، وبالتالي ليس هناك مجال للقول إنّ رضا قد تبنى موقفاً مهادناً من الاستعمار سيراً على خطى عبده؛ فكثيراً ما خالفه علناً في قضايا عديدة؛ وبالتالي يجب البحث عن سبب آخر بُني عليه هذا الموقف الإشكالي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
وضع رضا معياراً يحدّد موقفه من الاستعمار، وهو معيار مجلوب رأساً من قلب الممارسة التاريخية للإسلام؛ إذ حدّد الفقهاء أوضاعاً بعينها تقتضي الخروج على الحاكم: تحديه للعقيدة الإسلامية، منعه أداء المسلمين لشعائرهم، إلغاؤه للتعليم الديني؛ فيضيع العلم الشرعي بموت العلماء؛ إذ ليس هناك طلاب يحملونه عنهم، وعليه؛ رأى رضا أنّ الاحتلال الإنجليزي مقبول ما لم يمسّ الثوابت التي وضعها الفقهاء في السابق (كان موقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر عدائياً بالكامل؛ نظراً لفرض فرنسا ثقافتها بالقوة على المجتمع الجزائري المسلم، وسعيها، الذي لم يهدأ، لطمس ثقافته المحلية). وفي تخطٍّ لموقف أستاذه محمد عبده المهادن، اعترف رضا بحقّ بريطانيا في السيادة على العالم الإسلامي بحكم تفوقها الأخلاقي والعلمي.

استيلاء إيطاليا على طرابلس عام 1911
سريعاً ما ستتلاشى أوهام رضا حول النوايا الطيبة للاستعمار؛ فبعد استيلاء إيطاليا على طرابلس، عام 1911، واندلاع الحرب بين دول البلقان والدولة العثمانية، عام 1912، بدأ رضا يدرك الطبيعة التدميرية للاستعمار وتعقيدات "المسألة الشرقية"، في ظلّ الأطماع المتنامية للدول الكبرى في اقتسام "إرث الخلافة"، وفي صدارتها بريطانيا "العاقلة"، كما كان يسميها.
بدأ رضا يفقد الأمل في بريطانيا، وقرّر معارضتها علناً، والتحريض على وجودها في المجتمعات الإسلامية، وعّززت الحرب العالمية الأولى نزعته العدائية تجاهها، حتى أصبحت بريطانيا في عُرفه هي "الشيطان الأكبر" حصراً؛ وتبرّع بإصدار ثاني فتوى "تكفير سياسي" في العالم الإسلامي الحديث (كانت الأولى من نصيبه أيضاً، حين كفّر الحاكم المستبد أثناء صراعه مع السلطان عبد الحميد)؛ إذ رأى أنّ الحياة تحت سلطان بريطانيا "كفر صريح ورِدّة عن الإسلام"، ورغم هذا الجنوح (المتوقع من أيّة أصولية: إصلاحية أو سلفية) نحو التكفير، لم يطوّر رضا أيّة نظرية للجهاد ضدّ الاستعمار.
في هذا الزمن، دخلت الخلافة العثمانية بخطى واسعة وسريعة مرحلة أفولها، وتنافست القوى العظمى على تركة الإمبراطورية، واحتلّ الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) أراضي تركيا نفسها، فيما حاول مصطفى كمال أتاتورك ردّ الثقة إلى الجيش والشعب، عبر النضال ضدّ المحتلين، في وقتٍ كانت فيه الحكومة العثمانية متورطة في مساومات مع الدول الأوروبية، انتهت بقبولها بمعاهدة "سيفر" 1910 المهينة؛ التي كرّست تمزيق الإمبراطورية، إلا أنّ أتاتورك حطم المعاهدة علمياً، باسترداده منطقة "أزمير"، الداخلة ضمن بنود المعاهدة.
آنذاك، كان كلّ نصر يحققه الكماليون يُخصم من رصيد السلطنة العاجزة، ويعزز إمكانية إطاحتها، حتى إذا جاء عام 1922 ألغى المجلس الوطني في أنقرة السلطنة، وأعلن تركيا دولة جمهورية، وهو قرار لاقى تأييداً جارفاً في مصر، التي ماهت بين حركتها الوطنية ونظريتها التركية، وتأييداً حذراً في بقية العالم الإسلامي، لكن بعد دفع القرار إلى نتيجته المنطقية بإلغاء الخلافة، عام 1924، ثارت ثائرة العالم الإسلامي.
كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة، والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها، وكان هذا ما اشتُهر به لاحقاً.

للمشاركة:

"الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

2019-07-03

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من النظريات الكبرى، التي حاولت أن تفسر الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً بردّه إلى المبدأ الواحد (اللوجوس). وقد ظهرت هذه النظريات في حقول معرفية عدة، كان منها الأحياء؛ حيث برزت فيها "نظرية التطور" التي أطلقها تشارلز داروين، وقد لاقت النظرية قبولاً كبيراً في أوساط الجماعة العلمية آنذاك، في حين لاقت معارضةً كبيرة من المؤسسات الدينية المسيحية.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة

وتقوم النظرية على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير على مدار الزمن، هذا التغير يأخذ شكلاً تدريجياً؛ حيث تحدث تطورات كمية ونوعية في البنية الأساسية للكائن الحي. ويستند التطور إلى قاعدة حتمية هي؛ أنّ البقاء للأصلح، وأنّ التكيف أساس البقاء، بمعنى أنّ أساس بقاء الكائن الحي مرهون بصلاحيته، وصلاحيته تعتمد بشكل كلي على قدرته على تكييف نفسه مع الواقع من حوله.
وكان المفكر المصري سلامة موسى من أوائل من استقبلوا بحفاوة النظرية الداروينية، فأنشأ يكتب عنها وفيها، متأثراً بميوله العلمية وتفكيره الاشتراكي المادي، ودعوته إلى أنّ محاكاة الغرب والتجربة الحضارية التي خاضها هي الكفيلة بارتقاء المجتمع المصري.
ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧ بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق، كما تقول كتب السيرة المتصلة به، بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣.
تشارلز داروين

الرحلة إلى الغرب
سافر عام ١٩٠٦ إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثراً كبيراً بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

داروين رفع الإنسان إلى العلياء، وأثبت أنّه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: "مقدمة السوبرمان"، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتاباً آخر بعنوان: "نشوء فكرة الله"، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديراً للشعوب وإغلالاً لأيديها. كما تَبَنَّى موسى كثيراً من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم، وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
المفكر المثير للجدل
توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨، تاركاً إرثاً مثيراً للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيراً للطبقات الكادحة، ومحررا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: "إن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً؛ هو أنه غير عربي". كما قال: "إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى". وقد هوجم سلامة موسى من "مجلة الرسالة" الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه "معادٍ للإسلام"، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى "دجال ومشعوذ".

اقرأ أيضاً: الإسلام والداروينية عند أمين خولي
ومن بين كتبه التي ألّبت عليه المحافظين من الكتاب والأدباء المصريين، كتابه "الإنسان قمة التطور" الذي نشره مسلسلاً، ثم جمعه في كتاب صدر عن دار المعارف بمصر، وهنا نورد منه ما يأتي:
كتابه "الإنسان قمة التطور"

مقتطفات من كتاب الانسان قمة التطور للكاتب سلامة موسى:
الشاب الذي درس التطور في الأحياء؛ نباتاً، وحيواناً، لا يتمالك أن يحس إحساساً دينياً نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضاً أن يحس المسؤولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءاً عاملاً في هذا التطور، ويمكن أن يعد التطور بهذا الفهم ديناً أو مذهباً بشرياً جديداً.
اللغة بدورها تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

اقرأ أيضاً: ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟
إنّ كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

ما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ لغيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة

الزراعة أنتجت الحضارة، والكتابة أنتجت الثقافة. وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت ممكنة، وصار الذكاء مدرباً على الفهم العام، ورويداً رويداً تحول البحث "النظري" الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.
إنّ التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت عليها الأديان التي تعلمها أنّ السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأنّ العقيدة الدينية أهم من البترول.
(لا تعتني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عاراً على نفسك وعلى عائلتك). هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها صحيحة، وأنّ هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيراً سرياً كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيّره أو يغيّر البصيرة البشرية فيه.
وبعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه، لم يعد داروين عاراً على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا التوبيخ الأبوي، تأمّل داروين حياته الماضية، وبلغ ما أتمّه من الخدمة في التوجيه. قال: "أظن أنّ أبي قد قسا عليّ بعض القسوة".
جاليليو وداروين
لقد قيل: إنّ جاليليو حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضاً نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة حيواناً كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحسّ أنه تاج التطور، وأنّ له الحق في تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية الجديدة؟

جاليليو
الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نُغفل الشخصية؛ وما دام كل فرد يولد مختلفاً عن الآخر في الحيوان والنبات، فإنّ هذا الاختلاف ينطوي بلا شك على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟
نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما نالوا من كفايات في حياتهم، فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأنّ طفل الحيوان يولد من الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به.
العادة والوراثة
وإذاً، مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ، ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد تحيله إلى مجرم أو وحش، فإنّ أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي عاشها.

اقرأ أيضاً: سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار
الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط منه كفايات أو يقتل فيه كفايات.
فإذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق والتعاون وتستنبط منا أجمل الفضائل، فإنّ ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون.
وما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة.

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية